الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٤١
الحديث رقم ١٦٤١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الطواف على وضوء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٤٢ - وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي: أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا».
١٦٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَا يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَتِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةً عِنْدَهُمْ لَزِمَهُمُ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: احْتَجَّ أَبُو أَيُّوبَ (١) مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بِأَنَّا أَجَزْنَا جَمِيعًا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَفَرًا وَاحِدًا وَإِحْرَامًا وَاحِدًا وَتَلْبِيَةً وَاحِدَةً فَكَذَلِكَ يُجْزِي عَنْهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا خَالَفَا فِي ذَلِكَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ. وَفِي هَذَا الْقِيَاسِ مَبَاحِثُ كَثِيرَةٌ لَا نُطِيلُ بِهَا. وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ ﷺ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَلَفَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَتْ فِيهِ إِلَى عَمَلٍ آخَرَ غَيْرِ عَمَلِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَهِيَ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَبْوَابِ الْمُحْصِرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنُنَبِّهُ هُنَاكَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَا آمَنُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ أَيْ أَخَافُ، وَلِلْمُسْتَمْلِي لَا أَيْمَنُ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ فَقِيلَ: إِنَّهَا إِمَالَةٌ، وَقِيلَ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ وَهِيَ عِنْدَهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ حِيلَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَإِنْ يُحَلْ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامُ سَاكِنَةٌ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ أَيِ الَّذِي طَافَهُ يَوْمَ النَّحْرِ لِلْإِفَاضَةِ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَرَادَ طَوَافَ الْقُدُومِ فَحَمَلَهُ عَلَى السَّعْيِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ إِذَا وَصَلَ بِالسَّعْيِ يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ تَرَكَهُ جَاهِلًا أَوْ نَسِيَهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ غَيْرَهُ وَغَيْرَ أَصْحَابِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنْ حُمِلَ قَوْلُهُ طَوَافُهُ الْأَوَّلُ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِنَّهُ أَجْزَأَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى الْإِجْزَاءِ مُطْلَقًا وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَا بِقَيْدِ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ لَا إِذَا حَمَلْنَا قَوْلَهُ طَوَافُهُ الْأَوَّلُ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ عَلَى السَّعْيِ، وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الْأَوَّلَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ هُنَا عَقِبَ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ تَعْلِيَةُ السَّنَدِ الْمَذْكُورِ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ وَلَفْظُهُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْثُ مِثْلَهُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هَذَا إِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَمْلِي فَقَدْ سَقَطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُتَيْبَةَ، وَابْنِ رُمْحٍ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَعْقِلٍ النَّسَفِيَّ الرَّاوِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧٨ - بَاب الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ
١٦٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ ﵁، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٦٤١ - ١٦٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) التُّسْتَريُّ المصريُّ الأصل، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، حذف المؤلِّف المسؤولَ عنه، وقد بيَّنه مسلمٌ فقال: إنَّ رجلًا من العراق قال لي: سل عروة عن رجلٍ يهلُّ بالحجِّ، فإذا طاف أيحلُّ (١) أم لا؟ فإن قال لك: لا يحلُّ فقل له: إنَّ رجلًا يقول ذلك، فسألته فقال: لا يحلُّ من أهلَّ بالحجِّ إلَّا بالحجِّ، قلت: فإنَّ رجلًا كان يقول ذلك، قال: بئسما قال، فتصدَّى لي الرَّجل فسألني فحدَّثته قال: فقل له: إنَّ رجلًا كان يخبر: أنَّ رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزُّبير فعلا ذلك؟ فجئت عروة، فذكرت له ذلك، فقال: من هذا؟ فقلت (٢): لا أدري، فقال: ما باله لا يأتيني بنفسه يسألني، أظنُّه عراقيًّا، قلت: لا أدري، قال: فإنَّه قد كذب (فَقَالَ: قَدْ) ضُبِّب في «اليونينيَّة» على لفظ: «قد» (٣) (حَجَّ النَّبيُّ (٤) ﷺ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂) الفاء في «فأخبرتني» كالتَّفصيل للمجمل؛ يعني: فأخبر عروة: أنَّ النَّبيِّ ﷺ قد حجَّ، ثمَّ فصَّله بإخبار عائشة (أَنَّ (٥) أَوَّل شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ) مكَّة (أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ) ليس فيه دلالةٌ على اشتراط الوضوء إلَّا إذا انضمَّ إليه قوله ﷺ: «خذوا عنِّي مناسككم» المرويُّ في «مسلمٍ» (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، أي: لم توجد بعد الطَّواف عمرةٌ، ولغير أبي ذرٍّ: «عمرةً» بالنَّصب على أنَّها ناقصةٌ (ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ) بنصب «أوَّلَ» خبر «كان»، ورفع «الطَّوافُ» اسمها (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بعد
الطَّواف، و «عمرةًٌ»: بالرَّفع والنَّصب (ثُمَّ) حجَّ (عُمَرُ) بن الخطَّاب (﵁ مِثْلُ ذَلِكَ) برفع «مثلُ» أي: مثل ما حجَّ أبو بكرٍ (ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ) بن عفَّان (﵁، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ) برفع «أوَّلُ» و «الطَّوافُ» كما في فروعٍ من (١) «اليونينيَّة» كهي (٢)، مبتدأٌ وخبرٌ في موضع نصبٍ مفعولٌ ثانٍ لـ «رأى» القلبيَّة، وفي بعض الأصول: «أوَّلَ شيءٍ بدأ به الطَّوافَ» بنصب «أوَّلَ» بدلٌ من الضَّمير، والطَّواف: مفعولٌ ثانٍ لـ «رأيته» والأوَّل الضَّمير؛ كذا أعربه البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ، وفيه نظرٌ لأنَّ «رأى» البصريَّة لا تتعدَّى لمفعولين، لكن يحتمل أن تكون بمعنى «تيقَّنت» فتتعدَّى (٣) لهما (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع والنَّصب، وقوله: «ثمَّ حجَّ عثمان» هو من قول عروة، وما قبله من قول عائشة -فيما قاله الدَّاوديُّ- وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله: «ثمَّ لم تكن عمرة»، ومن قوله: «ثمَّ حجَّ أبو بكرٍ … » إلى آخره من كلام عروة. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: فعلى هذا يكون بعض هذا منقطعًا لأنَّ عروة لم يدرك (٤) أبا بكرٍ ولا عمر، نعم أدرك عثمان، وعلى قول الدَّاوديِّ: يكون الجميع متَّصلًا. وهو الأظهر.
(ثُمَّ) حجَّ (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ ابن الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ: «ابن الزُّبير» يعني: أخاه عبد الله، قال عياضٌ: وهو تصحيفٌ، وللمُستملي والحَمُّويي (٥): «مع أبي الزُّبير» وهو الصَّواب، والمعنى: قال عروة: ثمَّ حججت مع والدي الزُّبير (٦)، فـ «الزُّبير»: بدلٌ من «أبي» (فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: بالنَّصب (٧) (ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ
يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ لا تكون» (عُمْرَةًٌ) بالرَّفع والنَّصب (١) (ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً) أي: لم يفسخها إلى العمرة، قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وإكثار عروة من الاحتجاجات يشبه أن يكون احتجاجًا بعملٍ أو إجماعٍ (وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ) أي: أفلا يسألونه؟ فهمزة الاستفهام مُقدَّرةٌ (وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى) عُطِف على فاعل «لم ينقضها» أي: لا ابن عمر ولا أحدٌ من السَّلف الماضين (مَا كَانُوا يَبْدَؤُوْنَ بِشَيْءٍ حِيْنَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ) قال ابن بطَّالٍ: لا بدَّ من زيادة لفظ: «أوَّل» بعد لفظ: «أقدامهم» وتعقَّبه الكِرمانيُّ فقال: الكلام صحيحٌ بدون زيادةٍ؛ إذ معناه: ما كان أحدٌ منهم يبدأ بشيءٍ آخر حين يضع قدمه في المسجد لأجل الطَّواف، أي: لا يصلُّون تحيَّة المسجد ولا يشتغلون بغير الطَّواف، وأمَّا كون «من» بمعنى «لأجل» فهو كثيرٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وحاصله: أنَّه لم يتعيَّن حذف لفظ «أوَّل»، بل يجوز أن يكون الحذف في موضع آخر، لكنَّ الأوَّل أَولى لأنَّ الثَّاني يحتاج إلى جعل «من» بمعنى «من أجل»، وهو قليلٌ، وأيضًا: فلفظ: «أوَّل» قد ثبت في بعض الرِّوايات، وثبت أيضًا في مكانٍ آخر من الحديث نفسه. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ جعله «من» (٢) بمعنى: «من أجل» قليلًا غيرُ مُسلَّمٍ، بل هو كثيرٌ في الكلام: لأنَّ أحد معاني «مِنْ» التَّعليلُ كما عُرِف في موضعه، وقوله: وأيضًا فقد ثبت لفظ: «أوَّل» في بعض الرِّوايات مُجرَّد دعوى فلا يُقبَل إلَّا ببيانٍ. انتهى. وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى يضعوا» نُصِب بحذف النُّون من «يضعوا» بـ «أن» مُقدَّرةً بعد «حتَّى» التي للغاية، وهي أوضح في المعنى. (ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ) فيه: أنَّه (٣) لا يجوز التَّحلُّل بطواف القدوم (وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي) أسماء (وَخَالَتِي) عائشة بنتَيْ (٤) أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ البَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلاَّنِ) أي (٥): سواءٌ كان إحرامهما بالحجِّ وحده أو بالقِران خلافًا لمن قال: إنَّ من حجَّ مفردًا وطاف حلَّ بذلك كما نُقِل عن ابن عبَّاسٍ، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ إنَّهما لا تحلَّان» فزاد
لفظ: «إنَّهما»، والأفعال الأربعة بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وفي بعض الأصول: بالتَّحتيَّة.
(وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) أسماء (أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) عائشة (وَالزُّبَيْرُ) بن العوَّام (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) هما عبد الرَّحمن بن عوفٍ وعثمان بن عفَّان (بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ) الأسود (حَلُّوا) من العمرة، قال المازريُّ (١): والمراد بالمسح الطَّواف، وعبَّر عنه ببعض ما يُفعَل فيه، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
فلمَّا قضينا من منًى كلَّ حاجةٍ … ومسَّح بالأركان مَن هو (٢) ماسحُ
لأنَّ الطَّائف إنَّما يمسح الحجر الأسود، فكنَّى بالمسح، ويحتمل أن يكون متأوَّلًا بأنَّ المراد: طافوا وسعوا وحلقوا؛ حلُّوا، وحُذِفت هذه المُقدَّرات اختصارًا للعلم بها.
(٧٩) (بابُ وُجُوبِ) السَّعي بين (الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَجُعِلَ) بضمِّ الجيم مبنيًّا للمفعول، وجوب السَّعي بينهما (مِنْ شَعَائِرِ اللهِ) من أعلام مناسكه، جمع شعيرةٍ؛ وهي العلامة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الأولى لم يكن طَاف لَهَا إِلَى يَوْم النَّحْر، فَلَيْسَ فِي حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حكم طواف الْقَارِن لعمرته وحجته شَيْء، وَثَبت بِمَا ذكرنَا مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من أَن الْقَارِن لَا يَكْتَفِي بِطواف وَاحِد، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٨٧ - (بابُ الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الطّواف على الْوضُوء، وَإِنَّمَا أطلق وَلم يبين أَن الْوضُوء مشرط فِي الطّواف أم لَا لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٤٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عِيسَى قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرَنِي عَمْرُو بنُ الحَارثِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحمانِ بنِ نَوْفَلِ الْقُرَشِيِّ أنَّهُ سَألَ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ قَدْ حَجَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخبرَتْنِي عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهُ أوَّلُ شَيْءٍ بَدَأ بِهِ حِينَ قَدِمَ أنَّهُ تَوَضَّأ ثُمَّ طافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ حَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فكانَ أوَّلَ شَيْءٍ بَدَأ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَرَأيْتُهُ أوَّلُ شَيْءٍ بَدَأ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثمَّ مُعَاوِيةُ وعَبدُ الله بنُ عُمرَ ثُم حَججْتُ مَعَ ابنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ فَكَانَ أوَّلَ شَيءٍ بَدَأ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ رَأيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارَ يَفْعلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً وهاذا ابنُ عُمرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْألُونَهُ ولَا أحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كانُوا بِشيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ وقَدْ رَأيْتُ أمِّي وخالَتِي حِينَ تَقْدِمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيءٍ أوَّلَ مِنَ البَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لَا يَحِلَاّنِ. وقَدْ أخْبَرَتْنِي أُمِّي أنَّها أهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا والزُّبَيْرُ وفُلانٌ وفُلانٌ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن أول شَيْء بَدَأَ بِهِ حِين قدم مَكَّة أَنه تَوَضَّأ) ، وَقد مر الحَدِيث فِي: بَاب من طَاف بِالْبَيْتِ إِذا قدم مَكَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إصبغ عَن ابْن وهب الْمصْرِيّ إِلَى آخِره مُخْتَصرا. وَأخرجه هُنَا بأتم مِنْهُ عَن أَحْمد بن عِيسَى أبي عبد الله التسترِي، مصري الأَصْل، وَكَانَ يتجر إِلَى تستر، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. يروي عَن عبد الله ابْن وهب الْمصْرِيّ.
قَوْله: (سَأَلَ عُرْوَة بن الزبير) فَقَالَ: فِيهِ حذف تَقْدِيره سَأَلَ عُرْوَة بن الزبير كَيفَ بلغه خبر حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أَي: عُرْوَة، قد حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (حِين قدم) أَي: مَكَّة. قَوْله: (ثمَّ لم تكن عمْرَة) بِالرَّفْع وَالنّصف على تَقْدِير كَون: لم تكن، تَامَّة أَو نَاقِصَة. قَوْله: (ثمَّ عمر) أَي: ثمَّ حج عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مثل ذَلِك أَي: مثل مَا حج أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فرأيته أول شَيْء) لفظ أول بِالنّصب لِأَنَّهُ بدل عَن الضَّمِير. قَوْله: (الطّواف) بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ مفعول ثَان. قَوْله: (ثمَّ مُعَاوِيَة) أَي: ثمَّ حج مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (مَعَ أبي الزبير) لَيْسَ بكنية، بل قَوْله: الزبير، بِالْجَرِّ بدل من قَوْله: (أبي) ، لِأَن عُرْوَة يَقُول: (ثمَّ حججْت مَعَ أبي) ، هُوَ الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (ثمَّ لم ينقضها عمْرَة) أَي: ثمَّ لم ينْقض حجتها عمْرَة أَي لم يفسخها إِلَى الْعمرَة. قَوْله: (فَلَا يسألونه؟) الْهمزَة فِيهِ مقدرَة أَي: أَفلا يسْأَلُون عبد الله بن عمر. قَوْله: (وَلَا أحد) ، عطف على فَاعل لم ينقضها أَي: لم ينْقض ابْن عمر حجَّته وَلَا أحد من السّلف الماضين. قَوْله: (مَا كَانُوا يبدأون بِشَيْء حَتَّى يضعوا أَقْدَامهم من الطّواف) ، قَالَ ابْن بطال: لَا بُد من زِيَادَة لفظ: أول، بعد لفظ: أَقْدَامهم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْكَلَام صَحِيح بِدُونِ زِيَادَة إِذْ مَعْنَاهُ مَا كَانَ أحد مِنْهُم يبْدَأ بِشَيْء آخر حِين يضع قدمه فِي الْمَسْجِد لأجل الطّواف، أَي: لَا يصلونَ تَحِيَّة الْمَسْجِد وَلَا يشتغلون بِغَيْر الطّواف، وَصوب بَعضهم كَلَام ابْن بطال، لِأَن جعل: من، بِمَعْنى: من أجل، قَلِيل وَأَيْضًا فقد ثَبت
لفظ أول فِي بعض الرِّوَايَات. قلت: وَقَوله: لِأَن جعل: من، بِمَعْنى: من أجل، قَلِيل، غير مُسلم، بل هُوَ كثير فِي الْكَلَام لِأَن أحد مَعَاني: من، للتَّعْلِيل كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. وَقَوله: وَأَيْضًا فقد ثَبت لفظ أول فِي بعض الرِّوَايَات مُجَرّد دَعْوَى فَلَا تقبل إلَاّ بِبَيَان. وَقَوله: حَتَّى يضعوا، بِكَلِمَة: حَتَّى الَّتِي للغاية رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره حِين يضعون فَفِي الأول حذفت النُّون من: يضعون، لِأَن أَن الناصبة مقدرَة بعد كلمة: حَتَّى، وعلامة النصب فِي الْجمع سُقُوط النُّون، وَسَأَلَ الْكرْمَانِي فِي هَذَا الْموضع: بِأَن الْمَفْهُوم من هَذَا التَّرْكِيب أَن السّلف كَانُوا يبتدئون بالشَّيْء الآخر إِذْ نفي النَّفْي إِثْبَات، وَهُوَ نقيض الْمَقْصُود؟ ثمَّ أجَاب بقوله: إِن لفظ: مَا كَانُوا، تَأْكِيد للنَّفْي السَّابِق أَو هُوَ ابْتِدَاء الْكَلَام. قَوْله: (أُمِّي) ، هِيَ أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، زَوْجَة الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَأُخْتهَا) أَي: أُخْت أُمِّي، وَهِي: عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَلَمَّا مسحوا الرُّكْن حلوا) ، مَعْنَاهُ: طافوا وَسعوا وحلقوا حلوا، وَإِنَّمَا حذفت هَذِه المقدرات للْعلم بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذَا منَاف لقَوْله: إنَّهُمَا لَا يحلان، وَمَا الْفَائِدَة فِي ذكره؟ قلت: الأول فِي الْحَج وَالثَّانِي فِي الْعمرَة وغرضه أَنهم كَانُوا إِذا أَحْرمُوا بِالْعُمْرَةِ يحلونَ بعد الطّواف ليعلم أَنهم إِذا لم يحلوا بعده لم يَكُونُوا معتمرين وَلَا فاسخين لِلْحَجِّ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ لِأَن الطّواف فِي الْحَج للقدوم وَفِي الْعمرَة للركن، ثمَّ إعلم أَن الدَّاودِيّ قَالَ: مَا ذكر من حج عُثْمَان هُوَ من كَلَام عُرْوَة، وَمَا قبله من كَلَام عَائِشَة، وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: مُنْتَهى حَدِيث عَائِشَة عِنْد قَوْله: ثمَّ لم تكن عمْرَة، وَمن قَوْله: ثمَّ حج إبو بكر ... إِلَى آخِره من كَلَام عُرْوَة. قلت: على قَول الدَّاودِيّ يكون الحَدِيث كُله مُتَّصِلا، وعَلى قَول أبي عبد الْملك: يكون بعضه مُنْقَطِعًا لِأَن عُرْوَة لم يدْرك أَبَا بكر وَلَا عمر، بل أدْرك عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ من يرى بِوُجُوب الطَّهَارَة للطَّواف كَالصَّلَاةِ، وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك، لِأَن قلوه: إِنَّه تَوَضَّأ لَا يدل على وجوب الطَّهَارَة قطعا لاحْتِمَال أَن يكون وضوءه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على وَجه الِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : الدَّلِيل على الْوُجُوب أَن الطّواف مُجمل فِي قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج مخرج الْبَيَان. قلت: لَا نسلم أَنه مُجمل، إِذْ مَعْنَاهُ الدوران حول الْبَيْت فَإِن قلت قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الطّواف) بِالْبَيْتِ صَلَاة قلت التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ وَلِهَذَا لَا رُكُوع فِيهَا وَلَا سُجُود وَلَو كَانَ حَقِيقَة لَكَانَ احْتَاجَ إِلَى تَحْلِيل وَتَسْلِيم وَاحْتج بِهِ أَيْضا من يرى أَن الْأَفْرَاد بِالْحَجِّ هُوَ الْأَفْضَل وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك لوُجُود أَحَادِيث كَثِيرَة دلّت على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا وَقد ذكرنَا الإختلاف فِيهِ فِي هَذَا الْكتاب وَالله أعلم.
(بَاب وجوب الصَّفَا والمروة وَجعل من شَعَائِر الله)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن الْوُجُوب يتَعَلَّق بالأفعال لَا بالذوات قَالَ الْجَوْهَرِي الصَّفَا مَوضِع بِمَكَّة وَهُوَ فِي الأَصْل جمع صفاة وَهِي صَخْرَة ملساء وَيجمع على أصفاء وَصفا وصغى على وزن فعول. والصفا أَيْضا اسْم بِالْبَحْرَيْنِ والصفا بِالْمدِّ خلاف الكدر.
والمروة مروة السَّعْي الَّتِي تذكر مَعَ الصَّفَا وَهُوَ أحد رأسيه الَّذِي يتنهي السَّعْي إِلَيْهِمَا وَهُوَ فِي الأَصْل حجر أَبيض براق وَقيل هِيَ الَّتِي يقْدَح مِنْهَا النَّار قَوْله (وَجعل) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي جعل وجوب السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة كَمَا ذكرنَا وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح وَجعل من شَعَائِر الله كَذَا فِي نُسْخَة السماع وَفِي أُخْرَى وَجعلا أَي الصَّفَا والمروة والشعائر جمع شعيرَة وَقيل هِيَ جمع شعارة بالكسرة كَذَا فِي الموعب وَقَالَ الْجَوْهَرِي الشعائر أَعمال الْحَج وكل مَا جعل علما لطاعة الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو عبيد وَاحِدَة الشعائر شعيرَة وَهُوَ مَا ؤشعر لهى ألى الْبَيْت الله تَعَالَى وَقَالَ الزّجاج هِيَ جَمِيع متعبدات الله الَّتِي أشعرها الله أَي جعلهَا أَعلَى مَا لنا وَهِي كل مَا كُنَّا من موقف أَو مسعى أَو مذبح وَإِنَّمَا قيل الشعائر لكل عمل مِمَّا تعبد بِهِ لِأَن قَوْلهم شَعرت بِهِ عَلمته فَلهَذَا سميت الأعلامالتي هِيَ متعبدات لله شَعَائِر. وَقَالَ الْحسن شَعَائِر الله دين الله تَعَالَى.
حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ عُرْوَة سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله
عَنْهَا فَقلت لَهَا أَرَأَيْت قَول الله تَعَالَى {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما} (الْبَقَرَة: ٨٥١) . فَوَالله مَا عَلَى أحَدٍ جُنَاحٌ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ قالَتْ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إنَّ هاذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أوَّلْتَهَا علَيْهِ أنْ لَا يتَطَوَّفَ بِهِمَا ولاكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأنْصَارِ كانُوا قَبْلَ أَن يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمُنَاةِ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ فَكانَ منْ أهَلَّ يتَحَرَّجُ أنْ يَطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ فلَمَّا أَسْلمُوا سألُوا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ ذالِكَ قَالُوا يَا رسُولَ الله إنَّا كُنَّا نتحَرَّجُ أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ فأنْزَلَ الله تعَالى إنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائرِ الله الآيَةَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وقَدْ سَنَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطَّوافَ بَيْنَهُمَا فلَيْسَ لأِحَدٍ أنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أخْبَرْتُ أبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ فقالَ إنَّ هاذا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ ولَقَد سَمِعْتُ رِجالاً منْ أهلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ أنَّ النَّاسَ إلَاّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ كانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ فلَمَّا ذَكَرَ الله تعالَى الطَّوافَ بِالبَيْتِ ولَمْ يَذكُر الصَّفَا والمَرْوَةَ فِي القُرْآنِ قالُوا يَا رَسولَ الله كُنا نطَّوَّفُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ وإنَّ الله أنْزَلَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ فلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا فهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أنْ نَطَّوَّفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ فأنْزَلَ الله تَعَالَى إِن الصَّفَا والمَرْوةَ مِنْ شَعَائِرِ الله الآيَةَ قَالَ أبُو بَكْرٍ فَأسْمَعُ هاذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي الفَريقَيْنِ كِلَيْهِما فِي الَّذِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بالجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفا والمَرْوَةِ والَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تحَرَّجُوا أَن يَطُوفُوا بِهِما فِي الإسْلامِ مِنْ أجلِ أنَّ الله تَعَالَى أمرَ بالطَّوَافِ بالبَيْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا حَتَّى ذكرَ ذالِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بالبَيْتِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج وَفِي التَّفْسِير.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أرأيتِ؟) أَخْبِرِينِي عَن مَفْهُوم هَذِه الْآيَة، إِذْ مفهومها عدم وجوب السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة إِذْ فِيهِ عدم الْإِثْم على التّرْك، فَقَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: مفهومها لَيْسَ ذَلِك، بل عدم الْإِثْم على الْفِعْل، وَلَو كَانَ على التّرْك لقيل: أَن لَا يطوف، بِزِيَادَة: لَا، وَالتَّحْقِيق هُنَا أَن عُرْوَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أوَّل الْآيَة بِأَن لَا شَيْء عَلَيْهِ فِي تَركه، لِأَن هَذَا اللَّفْظ أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الْمُبَاح دون الْوَاجِب، وَأَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أجابت بِأَن الْآيَة ساكتة عَن الْوُجُوب وَعَدَمه، لِأَنَّهَا لَيست بِنَصّ فِي سُقُوط الْوَاجِب، وَلَو كَانَت نصا لَكَانَ يَقُول: فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن لَا يطوف بهما، لِأَن هَذَا يتَضَمَّن سُقُوط الْإِثْم عَمَّن ترك الطّواف، وَلم يكن ذَلِك إلَاّ بِسَبَب الْأَنْصَار، وَقد يكون الْفِعْل وَاجِبا، ويعتقد المعتقد أَنه منع من إِيقَاعه على صفه، وَهَذَا كمن عَلَيْهِ صَلَاة ظهر، فَظن أَن لَا يسوغ لَهُ إيقاعها بعد الْمغرب، فَسَأَلَ فَقيل: لَا حرج عَلَيْك إِن صليت، فَيكون الْجَواب صَحِيحا، وَلَا يَقْتَضِي نفي وجوب الظّهْر عَلَيْهِ، وَقد وَقع فِي الْقِرَاءَة الشاذة، فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن لَا يطوف بهما، كَمَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حَكَاهُ الطَّبَرِيّ وَابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف، وَابْن الْمُنْذر وَغَيرهم عَن أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأجَاب الطَّبَرِيّ: أَنَّهَا مَحْمُولَة على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، وَكلمَة: لَا، زَائِدَة، وَكَذَا قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقيل: لَا حجَّة فِي الشواذ إِذا خَالَفت الْمَشْهُورَة، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ أَيْضا: لَا حجَّة لمن قَالَ إِن السَّعْي مُسْتَحبّ بقوله: {فَمن تطوع خيرا} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى أصل الْحَج وَالْعمْرَة لَا إِلَى خُصُوص السَّعْي لإِجْمَاع الْمُسلمين على أَن التَّطَوُّع بالسعي لغير الْحَاج والمعتمر غير مَشْرُوع، وَالله أعلم. قَوْله: (يهلونه) أَي: يحجونه. قَوْله: (لمناة) ، بِفَتْح الْمِيم
وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف تَاء مثناة من فَوق، وَهُوَ اسْم صنم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: كَانَت صَخْرَة نصبها عَمْرو ابْن لحي بِجِهَة الْبَحْر فَكَانُوا يعبدونها، وَقيل: هِيَ صَخْرَة لهذيل بِقديد وَسميت مَنَاة لِأَن النسائك كَانَت تمنى بهَا أَي: تراق. وَقَالَ الْحَازِمِي: هِيَ على سَبْعَة أَمْيَال من الْمَدِينَة وإليها نسبوا زيد مَنَاة. قَوْله: (الطاغية) ، صفة لمناة إسلامية، وَهِي على زنة فاعلة من الطغيان، وَلَو رُوِيَ: لمناة الطاغية، بِالْإِضَافَة وَيكون الطاغية صفة للفرقة وهم الْكفَّار لجَاز. قَوْله: (عِنْد المشلل) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة، وَتَشْديد اللَّام الأولى الْمَفْتُوحَة اسْم مَوضِع قريب من قديد من جِهَة الْبَحْر، وَيُقَال: هُوَ الْجَبَل الَّذِي يهْبط مِنْهُ إِلَى قديد من نَاحيَة الْبَحْر، وَقَالَ الْبكْرِيّ: هِيَ ثنية مشرفة على قديد. وَقَالَ السفاقسي: هِيَ عِنْد الْجحْفَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بالمشلل من قديد، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة من طَرِيق مَالك (عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ: قلت لعَائِشَة: وَأَنا يَوْمئِذٍ حَدِيث السن) فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (كَانُوا يهلون لمناة، فَكَانَت مَنَاة حَذْو قديد) أَي: مُقَابِله، وَقد مر أَن قديدا، بِضَم الْقَاف: قَرْيَة جَامِعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة كَثِيرَة الْمِيَاه، قَالَه الْبكْرِيّ. قَوْله: (يتحرج) أَي: يحْتَرز من الْحَرج، وَيخَاف الْإِثْم. قَوْله: (فَلَمَّا أَسْلمُوا) أَي: الْأَنْصَار. قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: الطّواف بالصفا والمروة. قَوْله: (إِنَّا كُنَّا نتحرج) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة مُسلم: أَن الْأَنْصَار كَانُوا قبل أَن يسلمُوا هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أَن يطوفوا بَين الصَّفَا والمروة، وَكَانَ ذَلِك سنَّة فِي آبَائِهِم، من أحرم لمناة لم يطف بَين الصَّفَا والمروة، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَن الْأَنْصَار كَانُوا يهلون فِي الْجَاهِلِيَّة لصنمين على شط الْبَحْر يُقَال لَهما: أساف ونائلة، ثمَّ يجيئون فيطوفون بَين الصَّفَا والمروة، ثمَّ يحلقون، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كَرهُوا أَن يطوفوا بَينهمَا للَّذي كَانُوا يصنعونه فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة. وَفِي لفظ إِذا أهلوا لمناة لَا يحل لَهُم أَن يطوفوا بَين الصَّفَا والمروة، وَيُقَال: إِن الْأَنْصَار قَالُوا: إِنَّمَا أمرنَا بِالطّوافِ وَلم نؤمر بالسعي بَين الصَّفَا والمروة، فَنزلت الْآيَة وَقَالَ السّديّ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة تعرف الشَّيَاطِين فِي اللَّيْل بَين الصَّفَا والمروة، وَكَانَت بَينهمَا آلِهَة، فَلَمَّا ظهر الْإِسْلَام قَالَ الْمُسلمُونَ: يَا رَسُول الله لَا نطوف بَين الصَّفَا والمروة، فَإِنَّهُ شرك كُنَّا نضعه فِي الْجَاهِلِيَّة، فَنزلت الْآيَة. وَفِي (الْأَسْبَاب) لِلْوَاحِدِيِّ، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ على الصَّفَا صنم على صُورَة رجل يُقَال لَهُ: أساف، وعَلى الْمَرْوَة صُورَة امْرَأَة تدعى: نائلة، يزْعم أهل الْكتاب أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَة مسخهما الله تَعَالَى حجرين، فوضعا على الصَّفَا ليعتبر بهما فَلَمَّا طَالَتْ الْمدَّة، عبدا، فَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا طافوا بَينهمَا مسحوا الوثنين، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَكسرت الْأَصْنَام كره الْمُسلمُونَ الطّواف بَينهمَا لأجل الصنمين، فَنزلت هَذِه الْآيَة: وروى الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم فِي التَّفْسِير بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَت الْأَنْصَار: إِن السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة من أَمر الْجَاهِلِيَّة، فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} (الْبَقَرَة: ٨٥١) . قَوْله: (وَقد سنّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: شرع وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجعل ركنا. وَقَالَ بَعضهم: أَي فَرْضه بِالسنةِ، وَلَيْسَ مُرَاد عَائِشَة نفي فريضتها وَيُؤَيِّدهُ قَوْلهَا لم يتم الله حج أحد وَلَا عمرته لم يلطف بَينهمَا قلت قَول الْكرْمَانِي جعل ركنا غير موجه لِأَن لفظ سنّ لَا يدل على معنى أَنه جعله ركنا وَإِلَّا لَا يبْقى فرق بَين السّنة والركن وَكَيف نقُول أَنه ركن وركن الشَّيْء مَا هُوَ دَاخل فِي ذَات الشَّيْء وَلم يقل أحد أَن السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة دَاخل فِي مَاهِيَّة الْحَج وَكَذَا قَول بَعضهم أَي فَرْضه بِالسنةِ لَيْسَ مَدْلُول اللَّفْظ. وَقَوله لَيْسَ مُرَاد عَائِشَة نفي فرضيتها فَنَقُول وَكَذَا أَلا يدل على إِثْبَات فضيتها وَقَوله يُؤَيّدهُ قَوْلهَا إِلَى آخِره لَا يُؤَيّدهُ أصلا وَلَا يدل على مدعاه لِأَن نفي إتْمَام الشَّيْء لَا يدل على نفي وجوده فعلى كل حَال لَا يثبت الْفَرْضِيَّة غَايَة مَا فِي الْبَاب يدل على أَنه سنة مُؤَكدَة وَهِي فِي قُوَّة الْوَاجِب وَنحن نقُول بِهِ وَسَيَجِيءُ بَيَان الْخلاف قَوْله (ثمَّ أجزت أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن) الْمخبر هُوَ الزُّهْرِيّ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَيُقَال لَهُ رَاهِب قُرَيْش لِكَثْرَة صلَاته ولد فِي خِلَافه عمر بن الْخطاب وَمَات سنة أَربع وَتِسْعين قَالَه عمر وبن عَليّ وَفِي رِوَايَته مُسلم عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ قَالَ الزُّهْرِيّ فَذكرت ذَلِك لأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن هِشَام، فأعجبه ذَلِك، قَوْله: (إِن هَذَا الْعلم) ، بِفَتْح اللَّام الَّتِي هِيَ للتَّأْكِيد، وتنكير الْعلم، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أَن هَذَا الْعلم أَشَارَ بِهِ إِلَى كَلَام عَائِشَة. وَقَوله: (مَا كنت سمعته) وَقع خَبرا لِأَن، وَلَفظ: كنت، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، وَكلمَة: مَا، نَافِيَة، وعَلى رِوَايَة الْكشميهني. قَوْله: (لعلم) خبر: إِن، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة. وَلَفظ: كنت، بِلَفْظ الْمُخَاطب
وَقَالَ الْكرْمَانِي، مَا: مَوْصُولَة مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص، أَو مَرْفُوع بِأَنَّهُ صفة لَهُ أَو خبر بعد خبر. قَوْله: (وَلَقَد سَمِعت رجَالًا) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور. قَوْله: (إلَاّ من ذكرت عَائِشَة) ، هَذَا الِاسْتِثْنَاء معترض بَين اسْم: إِن، وخبرها وَاسم: إِن، هُوَ قَوْله: (النَّاس) فِي قَوْله: إِن النَّاس، وخبرها هُوَ قَوْله: (مِمَّن كَانَ يهل بمناة) ، ولفط مُسلم: (وَلَقَد سَمِعت رجَالًا من أهل الْعلم يَقُولُونَ إِنَّمَا كَانَ من لَا يطوف بَين الصَّفَا والمروة من الْعَرَب يَقُولُونَ: إِن طوافنا بَين هذَيْن الحجرين من أَمر الْجَاهِلِيَّة) . وَقَالَ آخَرُونَ من الإنصار: إِنَّمَا أمرنَا بِالطّوافِ بِالْبَيْتِ وَلم نؤمر بِهِ بَين الصَّفَا والمروة، فَأنْزل الله عز وَجل: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} (الْبَقَرَة: ٨٥١) . قَالَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، فأراها قد أنزلت فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا الِاسْتِثْنَاء؟ قلت: وَجهه أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الرِّجَال من أهل الْعلم الَّذين أخبروا أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن أطْلقُوا وَلم يخصوا بطَائفَة، وَأَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، خصت الْأَنْصَار بذلك، كَمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا، وَهُوَ فِي صدر الحَدِيث، وَهُوَ قَوْلهَا: وَلكنهَا نزلت فِي الْأَنْصَار. قَوْله: (أَن يطوف بالصفا) ، بتَشْديد الطَّاء، وَأَصله: أَن يتطوف، فأبدلت التَّاء طاء لقرب مخرجهما، ثمَّ أدغمت الطَّاء فِي الطَّاء. قَوْله: (فاسمع هَذِه الْآيَة) وَهِي قَوْله: (إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله) وَقَوله: (فَأَسْمع) ، بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْعين على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع، وَهَكَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَضَبطه الدمياطي فِي نسخته بدرج الْهمزَة وَسُكُون الْعين على صِيغَة الْأَمر، فرواية مُسلم: فأراها نزلت فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن تدل على أَن رِوَايَة الْعَامَّة أصوب. قَوْله: (فِي الْفَرِيقَيْنِ) ، وهما من الْأَنْصَار وَقوم من الْعَرَب كَمَا صرح بِهِ مُسلم على مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كليهمَا) ، يَعْنِي: كلا الْفَرِيقَيْنِ، ويروى: كِلَاهُمَا، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ على مَذْهَب من يَجْعَل الْمثنى فِي الْأَحْوَال كلهَا بِالْألف، ثمَّ قَالَ: والفريق الأول: هم الْأَنْصَار الَّذين يتحرجون احْتِرَازًا من الصنمين، وَالثَّانِي: هم غَيرهم الَّذين يتحرجون بَعْدَمَا كَانُوا يطوفون لعدم ذكر الله لَهُ. قَوْله: (حَتَّى ذكر ذَلِك) ، أَي: الطّواف بَينهمَا بعد ذكر الطّواف بِالْبَيْتِ، وَذكر الطّواف بِالْبَيْتِ هُوَ قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَذكر الطّواف بَين الصَّفَا والمروة هُوَ قَوْله: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٩٢) . بعد قَوْله: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَغَيره، حَتَّى ذكر بعد ذَلِك مَا ذكر الطّواف بِالْبَيْتِ، قَالَ بَعضهم: وَفِي تَوْجِيهه عسر قلت: لَا عسر فِيهِ، فَهَذَا لكرماني وَجهه فَقَالَ: لفظ مَا ذكره يدل عَن ذَلِك، أَو أَن: مَا، مَصْدَرِيَّة وَالْكَاف مُقَدّر كَمَا فِي: زيد أَسد، أَي: ذكر السَّعْي بعد ذكر الطّواف كذكر الطّواف وَاضحا جليا ومشروعا مَأْمُورا بِهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احتجت بِهِ الْحَنَفِيَّة على أَن السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَاجِب، لِأَن قَول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقد سنّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطّواف بَينهمَا، فَلَيْسَ لأحد أَن يتْرك الطّواف بَينهمَا، يدل على الْوُجُوب، وَرفع الْجنَاح فِي الْآيَة والتخيير يَنْفِي الْفَرْضِيَّة، لَا سِيمَا من مَذْهَب عَائِشَة، فِيمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ أَن السَّعْي بَينهمَا تطوع، وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة هُوَ مَذْهَب الْحسن وَقَتَادَة وَالثَّوْري، حَتَّى يجب بِتَرْكِهِ دم، وَعَن عَطاء: سنة لَا شَيْء فِيهِ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد: هُوَ فرض لَا يَصح الْحَج إلَاّ بِهِ، وَمن بَقِي عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ يرجع إِلَيْهِ من بَلَده، فَإِن كَانَ وطىء النِّسَاء قبل أَن يرجع كَانَ عَلَيْهِ إتْمَام حجه أَو عمرته، ويحج من قَابل، وَيهْدِي. . كَذَا حَكَاهُ ابْن بطال عَنْهُم، وَنقل الْمروزِي عَن أَحْمد: أَنه مُسْتَحبّ، وَاخْتَارَ القَاضِي وُجُوبه وانجباره بِالدَّمِ، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَهُوَ أقرب إِلَى الْحق، وَعَن طَاوُوس: من ترك مِنْهُ أَرْبَعَة أَشْوَاط لزمَه دم، وَإِن ترك دونهَا لزمَه لكل شوط نصف صَاع، وَلَيْسَ هُوَ بِرُكْن. وَذكر ابْن الْقصار عَن القَاضِي إِسْمَاعِيل أَنه ذكر عَن مَالك فِيمَن تَركه حَتَّى تبَاعد، وَأصَاب النِّسَاء أَنه يجْزِيه وَيهْدِي، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى فِي (شَرحه لِلتِّرْمِذِي) : اخْتلفُوا فِي السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة للْحَاج على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: أَنه ركن لَا يَصح الْحَج إلَاّ بِهِ. وَهُوَ قَول ابْن عمر وَعَائِشَة وَجَابِر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَأحمد فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اسْعوا فَإِن الله كتب عَلَيْكُم السَّعْي) رَوَاهُ أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة صَفِيَّة بنت شيبَة عَن حَبِيبَة بنت أبي تجرأة بِإِسْنَاد حسن، وَقَالَ عبد الْعَظِيم: إِنَّه حَدِيث حسن قلت: قَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : إِن حَبِيبَة بنت أبي تجرأة مَجْهُولَة، وَقَالَ شَيخنَا: هُوَ مَرْدُود لِأَنَّهَا صحابية، وَكَذَلِكَ صَفِيَّة بنت شيبَة صحابية، وَالْقَوْل الثَّانِي: إِنَّه وَاجِب يجْبر بِدَم، وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك فِي (الْعُتْبِيَّة) كَمَا حَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ. وَالْقَوْل الثَّالِث: إِنَّه لَيْسَ بِرُكْن وَلَا وَاجِب، بل هُوَ سنة ومستحب، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَابْن سِيرِين وَعَطَاء وَمُجاهد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَمن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَا يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَتِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةً عِنْدَهُمْ لَزِمَهُمُ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: احْتَجَّ أَبُو أَيُّوبَ (١) مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بِأَنَّا أَجَزْنَا جَمِيعًا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَفَرًا وَاحِدًا وَإِحْرَامًا وَاحِدًا وَتَلْبِيَةً وَاحِدَةً فَكَذَلِكَ يُجْزِي عَنْهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا خَالَفَا فِي ذَلِكَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ. وَفِي هَذَا الْقِيَاسِ مَبَاحِثُ كَثِيرَةٌ لَا نُطِيلُ بِهَا. وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ ﷺ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَلَفَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَتْ فِيهِ إِلَى عَمَلٍ آخَرَ غَيْرِ عَمَلِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَهِيَ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَبْوَابِ الْمُحْصِرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنُنَبِّهُ هُنَاكَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَا آمَنُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ أَيْ أَخَافُ، وَلِلْمُسْتَمْلِي لَا أَيْمَنُ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ فَقِيلَ: إِنَّهَا إِمَالَةٌ، وَقِيلَ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ وَهِيَ عِنْدَهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ حِيلَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَإِنْ يُحَلْ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامُ سَاكِنَةٌ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ أَيِ الَّذِي طَافَهُ يَوْمَ النَّحْرِ لِلْإِفَاضَةِ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَرَادَ طَوَافَ الْقُدُومِ فَحَمَلَهُ عَلَى السَّعْيِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ إِذَا وَصَلَ بِالسَّعْيِ يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ تَرَكَهُ جَاهِلًا أَوْ نَسِيَهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ غَيْرَهُ وَغَيْرَ أَصْحَابِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنْ حُمِلَ قَوْلُهُ طَوَافُهُ الْأَوَّلُ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِنَّهُ أَجْزَأَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى الْإِجْزَاءِ مُطْلَقًا وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَا بِقَيْدِ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ لَا إِذَا حَمَلْنَا قَوْلَهُ طَوَافُهُ الْأَوَّلُ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ عَلَى السَّعْيِ، وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الْأَوَّلَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ هُنَا عَقِبَ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ تَعْلِيَةُ السَّنَدِ الْمَذْكُورِ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ وَلَفْظُهُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْثُ مِثْلَهُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هَذَا إِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَمْلِي فَقَدْ سَقَطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُتَيْبَةَ، وَابْنِ رُمْحٍ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَعْقِلٍ النَّسَفِيَّ الرَّاوِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧٨ - بَاب الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ
١٦٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ ﵁، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٦٤١ - ١٦٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) التُّسْتَريُّ المصريُّ الأصل، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، حذف المؤلِّف المسؤولَ عنه، وقد بيَّنه مسلمٌ فقال: إنَّ رجلًا من العراق قال لي: سل عروة عن رجلٍ يهلُّ بالحجِّ، فإذا طاف أيحلُّ (١) أم لا؟ فإن قال لك: لا يحلُّ فقل له: إنَّ رجلًا يقول ذلك، فسألته فقال: لا يحلُّ من أهلَّ بالحجِّ إلَّا بالحجِّ، قلت: فإنَّ رجلًا كان يقول ذلك، قال: بئسما قال، فتصدَّى لي الرَّجل فسألني فحدَّثته قال: فقل له: إنَّ رجلًا كان يخبر: أنَّ رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزُّبير فعلا ذلك؟ فجئت عروة، فذكرت له ذلك، فقال: من هذا؟ فقلت (٢): لا أدري، فقال: ما باله لا يأتيني بنفسه يسألني، أظنُّه عراقيًّا، قلت: لا أدري، قال: فإنَّه قد كذب (فَقَالَ: قَدْ) ضُبِّب في «اليونينيَّة» على لفظ: «قد» (٣) (حَجَّ النَّبيُّ (٤) ﷺ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂) الفاء في «فأخبرتني» كالتَّفصيل للمجمل؛ يعني: فأخبر عروة: أنَّ النَّبيِّ ﷺ قد حجَّ، ثمَّ فصَّله بإخبار عائشة (أَنَّ (٥) أَوَّل شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ) مكَّة (أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ) ليس فيه دلالةٌ على اشتراط الوضوء إلَّا إذا انضمَّ إليه قوله ﷺ: «خذوا عنِّي مناسككم» المرويُّ في «مسلمٍ» (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، أي: لم توجد بعد الطَّواف عمرةٌ، ولغير أبي ذرٍّ: «عمرةً» بالنَّصب على أنَّها ناقصةٌ (ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ) بنصب «أوَّلَ» خبر «كان»، ورفع «الطَّوافُ» اسمها (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بعد
الطَّواف، و «عمرةًٌ»: بالرَّفع والنَّصب (ثُمَّ) حجَّ (عُمَرُ) بن الخطَّاب (﵁ مِثْلُ ذَلِكَ) برفع «مثلُ» أي: مثل ما حجَّ أبو بكرٍ (ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ) بن عفَّان (﵁، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ) برفع «أوَّلُ» و «الطَّوافُ» كما في فروعٍ من (١) «اليونينيَّة» كهي (٢)، مبتدأٌ وخبرٌ في موضع نصبٍ مفعولٌ ثانٍ لـ «رأى» القلبيَّة، وفي بعض الأصول: «أوَّلَ شيءٍ بدأ به الطَّوافَ» بنصب «أوَّلَ» بدلٌ من الضَّمير، والطَّواف: مفعولٌ ثانٍ لـ «رأيته» والأوَّل الضَّمير؛ كذا أعربه البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ، وفيه نظرٌ لأنَّ «رأى» البصريَّة لا تتعدَّى لمفعولين، لكن يحتمل أن تكون بمعنى «تيقَّنت» فتتعدَّى (٣) لهما (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع والنَّصب، وقوله: «ثمَّ حجَّ عثمان» هو من قول عروة، وما قبله من قول عائشة -فيما قاله الدَّاوديُّ- وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله: «ثمَّ لم تكن عمرة»، ومن قوله: «ثمَّ حجَّ أبو بكرٍ … » إلى آخره من كلام عروة. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: فعلى هذا يكون بعض هذا منقطعًا لأنَّ عروة لم يدرك (٤) أبا بكرٍ ولا عمر، نعم أدرك عثمان، وعلى قول الدَّاوديِّ: يكون الجميع متَّصلًا. وهو الأظهر.
(ثُمَّ) حجَّ (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ ابن الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ: «ابن الزُّبير» يعني: أخاه عبد الله، قال عياضٌ: وهو تصحيفٌ، وللمُستملي والحَمُّويي (٥): «مع أبي الزُّبير» وهو الصَّواب، والمعنى: قال عروة: ثمَّ حججت مع والدي الزُّبير (٦)، فـ «الزُّبير»: بدلٌ من «أبي» (فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: بالنَّصب (٧) (ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ
يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ لا تكون» (عُمْرَةًٌ) بالرَّفع والنَّصب (١) (ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً) أي: لم يفسخها إلى العمرة، قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وإكثار عروة من الاحتجاجات يشبه أن يكون احتجاجًا بعملٍ أو إجماعٍ (وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ) أي: أفلا يسألونه؟ فهمزة الاستفهام مُقدَّرةٌ (وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى) عُطِف على فاعل «لم ينقضها» أي: لا ابن عمر ولا أحدٌ من السَّلف الماضين (مَا كَانُوا يَبْدَؤُوْنَ بِشَيْءٍ حِيْنَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ) قال ابن بطَّالٍ: لا بدَّ من زيادة لفظ: «أوَّل» بعد لفظ: «أقدامهم» وتعقَّبه الكِرمانيُّ فقال: الكلام صحيحٌ بدون زيادةٍ؛ إذ معناه: ما كان أحدٌ منهم يبدأ بشيءٍ آخر حين يضع قدمه في المسجد لأجل الطَّواف، أي: لا يصلُّون تحيَّة المسجد ولا يشتغلون بغير الطَّواف، وأمَّا كون «من» بمعنى «لأجل» فهو كثيرٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وحاصله: أنَّه لم يتعيَّن حذف لفظ «أوَّل»، بل يجوز أن يكون الحذف في موضع آخر، لكنَّ الأوَّل أَولى لأنَّ الثَّاني يحتاج إلى جعل «من» بمعنى «من أجل»، وهو قليلٌ، وأيضًا: فلفظ: «أوَّل» قد ثبت في بعض الرِّوايات، وثبت أيضًا في مكانٍ آخر من الحديث نفسه. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ جعله «من» (٢) بمعنى: «من أجل» قليلًا غيرُ مُسلَّمٍ، بل هو كثيرٌ في الكلام: لأنَّ أحد معاني «مِنْ» التَّعليلُ كما عُرِف في موضعه، وقوله: وأيضًا فقد ثبت لفظ: «أوَّل» في بعض الرِّوايات مُجرَّد دعوى فلا يُقبَل إلَّا ببيانٍ. انتهى. وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى يضعوا» نُصِب بحذف النُّون من «يضعوا» بـ «أن» مُقدَّرةً بعد «حتَّى» التي للغاية، وهي أوضح في المعنى. (ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ) فيه: أنَّه (٣) لا يجوز التَّحلُّل بطواف القدوم (وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي) أسماء (وَخَالَتِي) عائشة بنتَيْ (٤) أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ البَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلاَّنِ) أي (٥): سواءٌ كان إحرامهما بالحجِّ وحده أو بالقِران خلافًا لمن قال: إنَّ من حجَّ مفردًا وطاف حلَّ بذلك كما نُقِل عن ابن عبَّاسٍ، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ إنَّهما لا تحلَّان» فزاد
لفظ: «إنَّهما»، والأفعال الأربعة بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وفي بعض الأصول: بالتَّحتيَّة.
(وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) أسماء (أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) عائشة (وَالزُّبَيْرُ) بن العوَّام (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) هما عبد الرَّحمن بن عوفٍ وعثمان بن عفَّان (بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ) الأسود (حَلُّوا) من العمرة، قال المازريُّ (١): والمراد بالمسح الطَّواف، وعبَّر عنه ببعض ما يُفعَل فيه، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
فلمَّا قضينا من منًى كلَّ حاجةٍ … ومسَّح بالأركان مَن هو (٢) ماسحُ
لأنَّ الطَّائف إنَّما يمسح الحجر الأسود، فكنَّى بالمسح، ويحتمل أن يكون متأوَّلًا بأنَّ المراد: طافوا وسعوا وحلقوا؛ حلُّوا، وحُذِفت هذه المُقدَّرات اختصارًا للعلم بها.
(٧٩) (بابُ وُجُوبِ) السَّعي بين (الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَجُعِلَ) بضمِّ الجيم مبنيًّا للمفعول، وجوب السَّعي بينهما (مِنْ شَعَائِرِ اللهِ) من أعلام مناسكه، جمع شعيرةٍ؛ وهي العلامة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الأولى لم يكن طَاف لَهَا إِلَى يَوْم النَّحْر، فَلَيْسَ فِي حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حكم طواف الْقَارِن لعمرته وحجته شَيْء، وَثَبت بِمَا ذكرنَا مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من أَن الْقَارِن لَا يَكْتَفِي بِطواف وَاحِد، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٨٧ - (بابُ الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الطّواف على الْوضُوء، وَإِنَّمَا أطلق وَلم يبين أَن الْوضُوء مشرط فِي الطّواف أم لَا لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٤٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عِيسَى قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرَنِي عَمْرُو بنُ الحَارثِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحمانِ بنِ نَوْفَلِ الْقُرَشِيِّ أنَّهُ سَألَ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ قَدْ حَجَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخبرَتْنِي عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهُ أوَّلُ شَيْءٍ بَدَأ بِهِ حِينَ قَدِمَ أنَّهُ تَوَضَّأ ثُمَّ طافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ حَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فكانَ أوَّلَ شَيْءٍ بَدَأ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَرَأيْتُهُ أوَّلُ شَيْءٍ بَدَأ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثمَّ مُعَاوِيةُ وعَبدُ الله بنُ عُمرَ ثُم حَججْتُ مَعَ ابنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ فَكَانَ أوَّلَ شَيءٍ بَدَأ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ رَأيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارَ يَفْعلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً وهاذا ابنُ عُمرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْألُونَهُ ولَا أحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كانُوا بِشيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ وقَدْ رَأيْتُ أمِّي وخالَتِي حِينَ تَقْدِمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيءٍ أوَّلَ مِنَ البَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لَا يَحِلَاّنِ. وقَدْ أخْبَرَتْنِي أُمِّي أنَّها أهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا والزُّبَيْرُ وفُلانٌ وفُلانٌ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن أول شَيْء بَدَأَ بِهِ حِين قدم مَكَّة أَنه تَوَضَّأ) ، وَقد مر الحَدِيث فِي: بَاب من طَاف بِالْبَيْتِ إِذا قدم مَكَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إصبغ عَن ابْن وهب الْمصْرِيّ إِلَى آخِره مُخْتَصرا. وَأخرجه هُنَا بأتم مِنْهُ عَن أَحْمد بن عِيسَى أبي عبد الله التسترِي، مصري الأَصْل، وَكَانَ يتجر إِلَى تستر، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. يروي عَن عبد الله ابْن وهب الْمصْرِيّ.
قَوْله: (سَأَلَ عُرْوَة بن الزبير) فَقَالَ: فِيهِ حذف تَقْدِيره سَأَلَ عُرْوَة بن الزبير كَيفَ بلغه خبر حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أَي: عُرْوَة، قد حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (حِين قدم) أَي: مَكَّة. قَوْله: (ثمَّ لم تكن عمْرَة) بِالرَّفْع وَالنّصف على تَقْدِير كَون: لم تكن، تَامَّة أَو نَاقِصَة. قَوْله: (ثمَّ عمر) أَي: ثمَّ حج عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مثل ذَلِك أَي: مثل مَا حج أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فرأيته أول شَيْء) لفظ أول بِالنّصب لِأَنَّهُ بدل عَن الضَّمِير. قَوْله: (الطّواف) بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ مفعول ثَان. قَوْله: (ثمَّ مُعَاوِيَة) أَي: ثمَّ حج مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (مَعَ أبي الزبير) لَيْسَ بكنية، بل قَوْله: الزبير، بِالْجَرِّ بدل من قَوْله: (أبي) ، لِأَن عُرْوَة يَقُول: (ثمَّ حججْت مَعَ أبي) ، هُوَ الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (ثمَّ لم ينقضها عمْرَة) أَي: ثمَّ لم ينْقض حجتها عمْرَة أَي لم يفسخها إِلَى الْعمرَة. قَوْله: (فَلَا يسألونه؟) الْهمزَة فِيهِ مقدرَة أَي: أَفلا يسْأَلُون عبد الله بن عمر. قَوْله: (وَلَا أحد) ، عطف على فَاعل لم ينقضها أَي: لم ينْقض ابْن عمر حجَّته وَلَا أحد من السّلف الماضين. قَوْله: (مَا كَانُوا يبدأون بِشَيْء حَتَّى يضعوا أَقْدَامهم من الطّواف) ، قَالَ ابْن بطال: لَا بُد من زِيَادَة لفظ: أول، بعد لفظ: أَقْدَامهم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْكَلَام صَحِيح بِدُونِ زِيَادَة إِذْ مَعْنَاهُ مَا كَانَ أحد مِنْهُم يبْدَأ بِشَيْء آخر حِين يضع قدمه فِي الْمَسْجِد لأجل الطّواف، أَي: لَا يصلونَ تَحِيَّة الْمَسْجِد وَلَا يشتغلون بِغَيْر الطّواف، وَصوب بَعضهم كَلَام ابْن بطال، لِأَن جعل: من، بِمَعْنى: من أجل، قَلِيل وَأَيْضًا فقد ثَبت
لفظ أول فِي بعض الرِّوَايَات. قلت: وَقَوله: لِأَن جعل: من، بِمَعْنى: من أجل، قَلِيل، غير مُسلم، بل هُوَ كثير فِي الْكَلَام لِأَن أحد مَعَاني: من، للتَّعْلِيل كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. وَقَوله: وَأَيْضًا فقد ثَبت لفظ أول فِي بعض الرِّوَايَات مُجَرّد دَعْوَى فَلَا تقبل إلَاّ بِبَيَان. وَقَوله: حَتَّى يضعوا، بِكَلِمَة: حَتَّى الَّتِي للغاية رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره حِين يضعون فَفِي الأول حذفت النُّون من: يضعون، لِأَن أَن الناصبة مقدرَة بعد كلمة: حَتَّى، وعلامة النصب فِي الْجمع سُقُوط النُّون، وَسَأَلَ الْكرْمَانِي فِي هَذَا الْموضع: بِأَن الْمَفْهُوم من هَذَا التَّرْكِيب أَن السّلف كَانُوا يبتدئون بالشَّيْء الآخر إِذْ نفي النَّفْي إِثْبَات، وَهُوَ نقيض الْمَقْصُود؟ ثمَّ أجَاب بقوله: إِن لفظ: مَا كَانُوا، تَأْكِيد للنَّفْي السَّابِق أَو هُوَ ابْتِدَاء الْكَلَام. قَوْله: (أُمِّي) ، هِيَ أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، زَوْجَة الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَأُخْتهَا) أَي: أُخْت أُمِّي، وَهِي: عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَلَمَّا مسحوا الرُّكْن حلوا) ، مَعْنَاهُ: طافوا وَسعوا وحلقوا حلوا، وَإِنَّمَا حذفت هَذِه المقدرات للْعلم بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذَا منَاف لقَوْله: إنَّهُمَا لَا يحلان، وَمَا الْفَائِدَة فِي ذكره؟ قلت: الأول فِي الْحَج وَالثَّانِي فِي الْعمرَة وغرضه أَنهم كَانُوا إِذا أَحْرمُوا بِالْعُمْرَةِ يحلونَ بعد الطّواف ليعلم أَنهم إِذا لم يحلوا بعده لم يَكُونُوا معتمرين وَلَا فاسخين لِلْحَجِّ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ لِأَن الطّواف فِي الْحَج للقدوم وَفِي الْعمرَة للركن، ثمَّ إعلم أَن الدَّاودِيّ قَالَ: مَا ذكر من حج عُثْمَان هُوَ من كَلَام عُرْوَة، وَمَا قبله من كَلَام عَائِشَة، وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: مُنْتَهى حَدِيث عَائِشَة عِنْد قَوْله: ثمَّ لم تكن عمْرَة، وَمن قَوْله: ثمَّ حج إبو بكر ... إِلَى آخِره من كَلَام عُرْوَة. قلت: على قَول الدَّاودِيّ يكون الحَدِيث كُله مُتَّصِلا، وعَلى قَول أبي عبد الْملك: يكون بعضه مُنْقَطِعًا لِأَن عُرْوَة لم يدْرك أَبَا بكر وَلَا عمر، بل أدْرك عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ من يرى بِوُجُوب الطَّهَارَة للطَّواف كَالصَّلَاةِ، وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك، لِأَن قلوه: إِنَّه تَوَضَّأ لَا يدل على وجوب الطَّهَارَة قطعا لاحْتِمَال أَن يكون وضوءه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على وَجه الِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : الدَّلِيل على الْوُجُوب أَن الطّواف مُجمل فِي قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج مخرج الْبَيَان. قلت: لَا نسلم أَنه مُجمل، إِذْ مَعْنَاهُ الدوران حول الْبَيْت فَإِن قلت قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الطّواف) بِالْبَيْتِ صَلَاة قلت التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ وَلِهَذَا لَا رُكُوع فِيهَا وَلَا سُجُود وَلَو كَانَ حَقِيقَة لَكَانَ احْتَاجَ إِلَى تَحْلِيل وَتَسْلِيم وَاحْتج بِهِ أَيْضا من يرى أَن الْأَفْرَاد بِالْحَجِّ هُوَ الْأَفْضَل وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك لوُجُود أَحَادِيث كَثِيرَة دلّت على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا وَقد ذكرنَا الإختلاف فِيهِ فِي هَذَا الْكتاب وَالله أعلم.
(بَاب وجوب الصَّفَا والمروة وَجعل من شَعَائِر الله)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن الْوُجُوب يتَعَلَّق بالأفعال لَا بالذوات قَالَ الْجَوْهَرِي الصَّفَا مَوضِع بِمَكَّة وَهُوَ فِي الأَصْل جمع صفاة وَهِي صَخْرَة ملساء وَيجمع على أصفاء وَصفا وصغى على وزن فعول. والصفا أَيْضا اسْم بِالْبَحْرَيْنِ والصفا بِالْمدِّ خلاف الكدر.
والمروة مروة السَّعْي الَّتِي تذكر مَعَ الصَّفَا وَهُوَ أحد رأسيه الَّذِي يتنهي السَّعْي إِلَيْهِمَا وَهُوَ فِي الأَصْل حجر أَبيض براق وَقيل هِيَ الَّتِي يقْدَح مِنْهَا النَّار قَوْله (وَجعل) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي جعل وجوب السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة كَمَا ذكرنَا وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح وَجعل من شَعَائِر الله كَذَا فِي نُسْخَة السماع وَفِي أُخْرَى وَجعلا أَي الصَّفَا والمروة والشعائر جمع شعيرَة وَقيل هِيَ جمع شعارة بالكسرة كَذَا فِي الموعب وَقَالَ الْجَوْهَرِي الشعائر أَعمال الْحَج وكل مَا جعل علما لطاعة الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو عبيد وَاحِدَة الشعائر شعيرَة وَهُوَ مَا ؤشعر لهى ألى الْبَيْت الله تَعَالَى وَقَالَ الزّجاج هِيَ جَمِيع متعبدات الله الَّتِي أشعرها الله أَي جعلهَا أَعلَى مَا لنا وَهِي كل مَا كُنَّا من موقف أَو مسعى أَو مذبح وَإِنَّمَا قيل الشعائر لكل عمل مِمَّا تعبد بِهِ لِأَن قَوْلهم شَعرت بِهِ عَلمته فَلهَذَا سميت الأعلامالتي هِيَ متعبدات لله شَعَائِر. وَقَالَ الْحسن شَعَائِر الله دين الله تَعَالَى.
حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ عُرْوَة سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله
عَنْهَا فَقلت لَهَا أَرَأَيْت قَول الله تَعَالَى {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما} (الْبَقَرَة: ٨٥١) . فَوَالله مَا عَلَى أحَدٍ جُنَاحٌ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ قالَتْ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إنَّ هاذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أوَّلْتَهَا علَيْهِ أنْ لَا يتَطَوَّفَ بِهِمَا ولاكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأنْصَارِ كانُوا قَبْلَ أَن يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمُنَاةِ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ فَكانَ منْ أهَلَّ يتَحَرَّجُ أنْ يَطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ فلَمَّا أَسْلمُوا سألُوا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ ذالِكَ قَالُوا يَا رسُولَ الله إنَّا كُنَّا نتحَرَّجُ أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ فأنْزَلَ الله تعَالى إنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائرِ الله الآيَةَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وقَدْ سَنَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطَّوافَ بَيْنَهُمَا فلَيْسَ لأِحَدٍ أنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أخْبَرْتُ أبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ فقالَ إنَّ هاذا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ ولَقَد سَمِعْتُ رِجالاً منْ أهلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ أنَّ النَّاسَ إلَاّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ كانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ فلَمَّا ذَكَرَ الله تعالَى الطَّوافَ بِالبَيْتِ ولَمْ يَذكُر الصَّفَا والمَرْوَةَ فِي القُرْآنِ قالُوا يَا رَسولَ الله كُنا نطَّوَّفُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ وإنَّ الله أنْزَلَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ فلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا فهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أنْ نَطَّوَّفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ فأنْزَلَ الله تَعَالَى إِن الصَّفَا والمَرْوةَ مِنْ شَعَائِرِ الله الآيَةَ قَالَ أبُو بَكْرٍ فَأسْمَعُ هاذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي الفَريقَيْنِ كِلَيْهِما فِي الَّذِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بالجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفا والمَرْوَةِ والَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تحَرَّجُوا أَن يَطُوفُوا بِهِما فِي الإسْلامِ مِنْ أجلِ أنَّ الله تَعَالَى أمرَ بالطَّوَافِ بالبَيْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا حَتَّى ذكرَ ذالِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بالبَيْتِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج وَفِي التَّفْسِير.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أرأيتِ؟) أَخْبِرِينِي عَن مَفْهُوم هَذِه الْآيَة، إِذْ مفهومها عدم وجوب السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة إِذْ فِيهِ عدم الْإِثْم على التّرْك، فَقَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: مفهومها لَيْسَ ذَلِك، بل عدم الْإِثْم على الْفِعْل، وَلَو كَانَ على التّرْك لقيل: أَن لَا يطوف، بِزِيَادَة: لَا، وَالتَّحْقِيق هُنَا أَن عُرْوَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أوَّل الْآيَة بِأَن لَا شَيْء عَلَيْهِ فِي تَركه، لِأَن هَذَا اللَّفْظ أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الْمُبَاح دون الْوَاجِب، وَأَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أجابت بِأَن الْآيَة ساكتة عَن الْوُجُوب وَعَدَمه، لِأَنَّهَا لَيست بِنَصّ فِي سُقُوط الْوَاجِب، وَلَو كَانَت نصا لَكَانَ يَقُول: فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن لَا يطوف بهما، لِأَن هَذَا يتَضَمَّن سُقُوط الْإِثْم عَمَّن ترك الطّواف، وَلم يكن ذَلِك إلَاّ بِسَبَب الْأَنْصَار، وَقد يكون الْفِعْل وَاجِبا، ويعتقد المعتقد أَنه منع من إِيقَاعه على صفه، وَهَذَا كمن عَلَيْهِ صَلَاة ظهر، فَظن أَن لَا يسوغ لَهُ إيقاعها بعد الْمغرب، فَسَأَلَ فَقيل: لَا حرج عَلَيْك إِن صليت، فَيكون الْجَواب صَحِيحا، وَلَا يَقْتَضِي نفي وجوب الظّهْر عَلَيْهِ، وَقد وَقع فِي الْقِرَاءَة الشاذة، فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن لَا يطوف بهما، كَمَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حَكَاهُ الطَّبَرِيّ وَابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف، وَابْن الْمُنْذر وَغَيرهم عَن أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأجَاب الطَّبَرِيّ: أَنَّهَا مَحْمُولَة على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، وَكلمَة: لَا، زَائِدَة، وَكَذَا قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقيل: لَا حجَّة فِي الشواذ إِذا خَالَفت الْمَشْهُورَة، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ أَيْضا: لَا حجَّة لمن قَالَ إِن السَّعْي مُسْتَحبّ بقوله: {فَمن تطوع خيرا} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى أصل الْحَج وَالْعمْرَة لَا إِلَى خُصُوص السَّعْي لإِجْمَاع الْمُسلمين على أَن التَّطَوُّع بالسعي لغير الْحَاج والمعتمر غير مَشْرُوع، وَالله أعلم. قَوْله: (يهلونه) أَي: يحجونه. قَوْله: (لمناة) ، بِفَتْح الْمِيم
وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف تَاء مثناة من فَوق، وَهُوَ اسْم صنم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: كَانَت صَخْرَة نصبها عَمْرو ابْن لحي بِجِهَة الْبَحْر فَكَانُوا يعبدونها، وَقيل: هِيَ صَخْرَة لهذيل بِقديد وَسميت مَنَاة لِأَن النسائك كَانَت تمنى بهَا أَي: تراق. وَقَالَ الْحَازِمِي: هِيَ على سَبْعَة أَمْيَال من الْمَدِينَة وإليها نسبوا زيد مَنَاة. قَوْله: (الطاغية) ، صفة لمناة إسلامية، وَهِي على زنة فاعلة من الطغيان، وَلَو رُوِيَ: لمناة الطاغية، بِالْإِضَافَة وَيكون الطاغية صفة للفرقة وهم الْكفَّار لجَاز. قَوْله: (عِنْد المشلل) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة، وَتَشْديد اللَّام الأولى الْمَفْتُوحَة اسْم مَوضِع قريب من قديد من جِهَة الْبَحْر، وَيُقَال: هُوَ الْجَبَل الَّذِي يهْبط مِنْهُ إِلَى قديد من نَاحيَة الْبَحْر، وَقَالَ الْبكْرِيّ: هِيَ ثنية مشرفة على قديد. وَقَالَ السفاقسي: هِيَ عِنْد الْجحْفَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بالمشلل من قديد، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة من طَرِيق مَالك (عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ: قلت لعَائِشَة: وَأَنا يَوْمئِذٍ حَدِيث السن) فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (كَانُوا يهلون لمناة، فَكَانَت مَنَاة حَذْو قديد) أَي: مُقَابِله، وَقد مر أَن قديدا، بِضَم الْقَاف: قَرْيَة جَامِعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة كَثِيرَة الْمِيَاه، قَالَه الْبكْرِيّ. قَوْله: (يتحرج) أَي: يحْتَرز من الْحَرج، وَيخَاف الْإِثْم. قَوْله: (فَلَمَّا أَسْلمُوا) أَي: الْأَنْصَار. قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: الطّواف بالصفا والمروة. قَوْله: (إِنَّا كُنَّا نتحرج) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة مُسلم: أَن الْأَنْصَار كَانُوا قبل أَن يسلمُوا هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أَن يطوفوا بَين الصَّفَا والمروة، وَكَانَ ذَلِك سنَّة فِي آبَائِهِم، من أحرم لمناة لم يطف بَين الصَّفَا والمروة، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَن الْأَنْصَار كَانُوا يهلون فِي الْجَاهِلِيَّة لصنمين على شط الْبَحْر يُقَال لَهما: أساف ونائلة، ثمَّ يجيئون فيطوفون بَين الصَّفَا والمروة، ثمَّ يحلقون، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كَرهُوا أَن يطوفوا بَينهمَا للَّذي كَانُوا يصنعونه فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة. وَفِي لفظ إِذا أهلوا لمناة لَا يحل لَهُم أَن يطوفوا بَين الصَّفَا والمروة، وَيُقَال: إِن الْأَنْصَار قَالُوا: إِنَّمَا أمرنَا بِالطّوافِ وَلم نؤمر بالسعي بَين الصَّفَا والمروة، فَنزلت الْآيَة وَقَالَ السّديّ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة تعرف الشَّيَاطِين فِي اللَّيْل بَين الصَّفَا والمروة، وَكَانَت بَينهمَا آلِهَة، فَلَمَّا ظهر الْإِسْلَام قَالَ الْمُسلمُونَ: يَا رَسُول الله لَا نطوف بَين الصَّفَا والمروة، فَإِنَّهُ شرك كُنَّا نضعه فِي الْجَاهِلِيَّة، فَنزلت الْآيَة. وَفِي (الْأَسْبَاب) لِلْوَاحِدِيِّ، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ على الصَّفَا صنم على صُورَة رجل يُقَال لَهُ: أساف، وعَلى الْمَرْوَة صُورَة امْرَأَة تدعى: نائلة، يزْعم أهل الْكتاب أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَة مسخهما الله تَعَالَى حجرين، فوضعا على الصَّفَا ليعتبر بهما فَلَمَّا طَالَتْ الْمدَّة، عبدا، فَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا طافوا بَينهمَا مسحوا الوثنين، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَكسرت الْأَصْنَام كره الْمُسلمُونَ الطّواف بَينهمَا لأجل الصنمين، فَنزلت هَذِه الْآيَة: وروى الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم فِي التَّفْسِير بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَت الْأَنْصَار: إِن السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة من أَمر الْجَاهِلِيَّة، فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} (الْبَقَرَة: ٨٥١) . قَوْله: (وَقد سنّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: شرع وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجعل ركنا. وَقَالَ بَعضهم: أَي فَرْضه بِالسنةِ، وَلَيْسَ مُرَاد عَائِشَة نفي فريضتها وَيُؤَيِّدهُ قَوْلهَا لم يتم الله حج أحد وَلَا عمرته لم يلطف بَينهمَا قلت قَول الْكرْمَانِي جعل ركنا غير موجه لِأَن لفظ سنّ لَا يدل على معنى أَنه جعله ركنا وَإِلَّا لَا يبْقى فرق بَين السّنة والركن وَكَيف نقُول أَنه ركن وركن الشَّيْء مَا هُوَ دَاخل فِي ذَات الشَّيْء وَلم يقل أحد أَن السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة دَاخل فِي مَاهِيَّة الْحَج وَكَذَا قَول بَعضهم أَي فَرْضه بِالسنةِ لَيْسَ مَدْلُول اللَّفْظ. وَقَوله لَيْسَ مُرَاد عَائِشَة نفي فرضيتها فَنَقُول وَكَذَا أَلا يدل على إِثْبَات فضيتها وَقَوله يُؤَيّدهُ قَوْلهَا إِلَى آخِره لَا يُؤَيّدهُ أصلا وَلَا يدل على مدعاه لِأَن نفي إتْمَام الشَّيْء لَا يدل على نفي وجوده فعلى كل حَال لَا يثبت الْفَرْضِيَّة غَايَة مَا فِي الْبَاب يدل على أَنه سنة مُؤَكدَة وَهِي فِي قُوَّة الْوَاجِب وَنحن نقُول بِهِ وَسَيَجِيءُ بَيَان الْخلاف قَوْله (ثمَّ أجزت أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن) الْمخبر هُوَ الزُّهْرِيّ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَيُقَال لَهُ رَاهِب قُرَيْش لِكَثْرَة صلَاته ولد فِي خِلَافه عمر بن الْخطاب وَمَات سنة أَربع وَتِسْعين قَالَه عمر وبن عَليّ وَفِي رِوَايَته مُسلم عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ قَالَ الزُّهْرِيّ فَذكرت ذَلِك لأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن هِشَام، فأعجبه ذَلِك، قَوْله: (إِن هَذَا الْعلم) ، بِفَتْح اللَّام الَّتِي هِيَ للتَّأْكِيد، وتنكير الْعلم، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أَن هَذَا الْعلم أَشَارَ بِهِ إِلَى كَلَام عَائِشَة. وَقَوله: (مَا كنت سمعته) وَقع خَبرا لِأَن، وَلَفظ: كنت، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، وَكلمَة: مَا، نَافِيَة، وعَلى رِوَايَة الْكشميهني. قَوْله: (لعلم) خبر: إِن، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة. وَلَفظ: كنت، بِلَفْظ الْمُخَاطب
وَقَالَ الْكرْمَانِي، مَا: مَوْصُولَة مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص، أَو مَرْفُوع بِأَنَّهُ صفة لَهُ أَو خبر بعد خبر. قَوْله: (وَلَقَد سَمِعت رجَالًا) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور. قَوْله: (إلَاّ من ذكرت عَائِشَة) ، هَذَا الِاسْتِثْنَاء معترض بَين اسْم: إِن، وخبرها وَاسم: إِن، هُوَ قَوْله: (النَّاس) فِي قَوْله: إِن النَّاس، وخبرها هُوَ قَوْله: (مِمَّن كَانَ يهل بمناة) ، ولفط مُسلم: (وَلَقَد سَمِعت رجَالًا من أهل الْعلم يَقُولُونَ إِنَّمَا كَانَ من لَا يطوف بَين الصَّفَا والمروة من الْعَرَب يَقُولُونَ: إِن طوافنا بَين هذَيْن الحجرين من أَمر الْجَاهِلِيَّة) . وَقَالَ آخَرُونَ من الإنصار: إِنَّمَا أمرنَا بِالطّوافِ بِالْبَيْتِ وَلم نؤمر بِهِ بَين الصَّفَا والمروة، فَأنْزل الله عز وَجل: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} (الْبَقَرَة: ٨٥١) . قَالَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، فأراها قد أنزلت فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا الِاسْتِثْنَاء؟ قلت: وَجهه أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الرِّجَال من أهل الْعلم الَّذين أخبروا أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن أطْلقُوا وَلم يخصوا بطَائفَة، وَأَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، خصت الْأَنْصَار بذلك، كَمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا، وَهُوَ فِي صدر الحَدِيث، وَهُوَ قَوْلهَا: وَلكنهَا نزلت فِي الْأَنْصَار. قَوْله: (أَن يطوف بالصفا) ، بتَشْديد الطَّاء، وَأَصله: أَن يتطوف، فأبدلت التَّاء طاء لقرب مخرجهما، ثمَّ أدغمت الطَّاء فِي الطَّاء. قَوْله: (فاسمع هَذِه الْآيَة) وَهِي قَوْله: (إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله) وَقَوله: (فَأَسْمع) ، بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْعين على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع، وَهَكَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَضَبطه الدمياطي فِي نسخته بدرج الْهمزَة وَسُكُون الْعين على صِيغَة الْأَمر، فرواية مُسلم: فأراها نزلت فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن تدل على أَن رِوَايَة الْعَامَّة أصوب. قَوْله: (فِي الْفَرِيقَيْنِ) ، وهما من الْأَنْصَار وَقوم من الْعَرَب كَمَا صرح بِهِ مُسلم على مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كليهمَا) ، يَعْنِي: كلا الْفَرِيقَيْنِ، ويروى: كِلَاهُمَا، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ على مَذْهَب من يَجْعَل الْمثنى فِي الْأَحْوَال كلهَا بِالْألف، ثمَّ قَالَ: والفريق الأول: هم الْأَنْصَار الَّذين يتحرجون احْتِرَازًا من الصنمين، وَالثَّانِي: هم غَيرهم الَّذين يتحرجون بَعْدَمَا كَانُوا يطوفون لعدم ذكر الله لَهُ. قَوْله: (حَتَّى ذكر ذَلِك) ، أَي: الطّواف بَينهمَا بعد ذكر الطّواف بِالْبَيْتِ، وَذكر الطّواف بِالْبَيْتِ هُوَ قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَذكر الطّواف بَين الصَّفَا والمروة هُوَ قَوْله: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٩٢) . بعد قَوْله: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَغَيره، حَتَّى ذكر بعد ذَلِك مَا ذكر الطّواف بِالْبَيْتِ، قَالَ بَعضهم: وَفِي تَوْجِيهه عسر قلت: لَا عسر فِيهِ، فَهَذَا لكرماني وَجهه فَقَالَ: لفظ مَا ذكره يدل عَن ذَلِك، أَو أَن: مَا، مَصْدَرِيَّة وَالْكَاف مُقَدّر كَمَا فِي: زيد أَسد، أَي: ذكر السَّعْي بعد ذكر الطّواف كذكر الطّواف وَاضحا جليا ومشروعا مَأْمُورا بِهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احتجت بِهِ الْحَنَفِيَّة على أَن السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَاجِب، لِأَن قَول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقد سنّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطّواف بَينهمَا، فَلَيْسَ لأحد أَن يتْرك الطّواف بَينهمَا، يدل على الْوُجُوب، وَرفع الْجنَاح فِي الْآيَة والتخيير يَنْفِي الْفَرْضِيَّة، لَا سِيمَا من مَذْهَب عَائِشَة، فِيمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ أَن السَّعْي بَينهمَا تطوع، وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة هُوَ مَذْهَب الْحسن وَقَتَادَة وَالثَّوْري، حَتَّى يجب بِتَرْكِهِ دم، وَعَن عَطاء: سنة لَا شَيْء فِيهِ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد: هُوَ فرض لَا يَصح الْحَج إلَاّ بِهِ، وَمن بَقِي عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ يرجع إِلَيْهِ من بَلَده، فَإِن كَانَ وطىء النِّسَاء قبل أَن يرجع كَانَ عَلَيْهِ إتْمَام حجه أَو عمرته، ويحج من قَابل، وَيهْدِي. . كَذَا حَكَاهُ ابْن بطال عَنْهُم، وَنقل الْمروزِي عَن أَحْمد: أَنه مُسْتَحبّ، وَاخْتَارَ القَاضِي وُجُوبه وانجباره بِالدَّمِ، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَهُوَ أقرب إِلَى الْحق، وَعَن طَاوُوس: من ترك مِنْهُ أَرْبَعَة أَشْوَاط لزمَه دم، وَإِن ترك دونهَا لزمَه لكل شوط نصف صَاع، وَلَيْسَ هُوَ بِرُكْن. وَذكر ابْن الْقصار عَن القَاضِي إِسْمَاعِيل أَنه ذكر عَن مَالك فِيمَن تَركه حَتَّى تبَاعد، وَأصَاب النِّسَاء أَنه يجْزِيه وَيهْدِي، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى فِي (شَرحه لِلتِّرْمِذِي) : اخْتلفُوا فِي السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة للْحَاج على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: أَنه ركن لَا يَصح الْحَج إلَاّ بِهِ. وَهُوَ قَول ابْن عمر وَعَائِشَة وَجَابِر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَأحمد فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اسْعوا فَإِن الله كتب عَلَيْكُم السَّعْي) رَوَاهُ أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة صَفِيَّة بنت شيبَة عَن حَبِيبَة بنت أبي تجرأة بِإِسْنَاد حسن، وَقَالَ عبد الْعَظِيم: إِنَّه حَدِيث حسن قلت: قَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : إِن حَبِيبَة بنت أبي تجرأة مَجْهُولَة، وَقَالَ شَيخنَا: هُوَ مَرْدُود لِأَنَّهَا صحابية، وَكَذَلِكَ صَفِيَّة بنت شيبَة صحابية، وَالْقَوْل الثَّانِي: إِنَّه وَاجِب يجْبر بِدَم، وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك فِي (الْعُتْبِيَّة) كَمَا حَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ. وَالْقَوْل الثَّالِث: إِنَّه لَيْسَ بِرُكْن وَلَا وَاجِب، بل هُوَ سنة ومستحب، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَابْن سِيرِين وَعَطَاء وَمُجاهد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَمن