«رَأَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٣٤

الحديث رقم ١٩٣٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب سواك الرطب واليابس للصائم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «رأيت عثمان ﵁ توضأ، فأفرغ على يديه ثلاثا، ثم…

«رَأَيْتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ تَوَضَّأَ نَحْوَ وَضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.»

سند حديث: ١٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ : أَخْبَرَنَا…

١٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ حُمْرَانَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «رأيت عثمان ﵁ توضأ، فأفرغ على يديه ثلاثا، ثم…

عَلَّمَ عثمانُ رضي الله عنه صفةَ وضوءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بطريقة عَمَليّة؛ ليكون أبلغ إيضاحًا، فطلب ماءً في إناء، فَصَبَّ على يديه ثلاثَ مرات، وبعد ذلك أدخل يدَه اليمنى في الإناء، وأخذ بها ماءً فأدَارَه في فَمِه وأخرجه، ثم سحب الماء بِنَفَسِهِ إلى باطن أَنفِهِ، ثم أخرجه ونثره، ثم غَسَلَ وجهَه ثلاث مرات، ثم غسل يديه مع المِرْفقين ثلاثًا، ثم أَمَرَّ يده على رأسه مَبلولةً بالماء مرة واحدة، ثم غسل رجليه مع الكعبين ثلاثًا.


فلما فرغ رضي الله عنه أخبرهم أنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم توضأ مثل هذا الوضوء، وبشَّرهم صلى الله عليه وسلم أنه مَن توضأ مثل وضوئه، وصلى ركعتين، خاشعًا مُحْضرًا قلبَه بين يدي ربه عز وجل فيهما، فإن الله يجازيه على هذا الوضوء الكامل وهذه الصلاة الخالصة بغفران ما سبق من ذنوبه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء، وإن لم يكن قائمًا من النوم، فإن كان مستيقظًا من نوم الليل فيجب غسلهما.
  • ينبغي للمعلم أنْ يَسلك أقرب الطرق إلى الفهم ورسوخ العلم لدى المتعلم، ومن ذلك التعليم بالفعل.
  • ينبغي للمصلي دفع الخواطر المتعلِّقة بأشغال الدنيا، فتمام الصلاة وكمالها في حضور القلب فيها، وإلا فالأفكار يتعذر السلامة منها، فعليه أن يجاهد نفسه ولا يسترسل في ذلك.
  • استحباب التيامن في الوضوء.
  • مشروعية الترتيب بين التمضمض والاستنشاق والاستنثار.
  • استحباب غسل الوجه واليدين والرجلين ثلاثًا، والواجب مرة.
  • مغفرة الله ما سبق من الذنوب يترتب على مجموع الأمرين: الوضوء، وصلاة ركعتين، على الصفة المذكورة في الحديث.
  • لكل عضو من أعضاء الوضوء حد: فحد الوجه: من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما نزل من اللحية والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا. وحد اليد: من أطراف الأصابع إلى المرفق وهو المفصل بين الساعد والعَضُد. وحد الرأس: من منابت الشعر المعتاد من جوانب الوجه إلى أعلى الرقبة، ومسح الأذنين من الرأس. وحد الرِّجْل: القدم كاملة مع المفصل بينها وبين الساق.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «رأيت عثمان ﵁ توضأ، فأفرغ على يديه ثلاثا، ثم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٧ - بَاب سِوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ

وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي ولا أَعُدُّ.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ.

وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ.

وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ.

وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: يَبْتَلِعُ رِيقَهُ.

١٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأَ نَحْوَ وَضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ سِوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الْجَامِعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَابُ السِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لِلصَّائِمِ الِاسْتِيَاكَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ كَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّعْبِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ قِيَاسُ ابْنِ سِيرِينَ السِّوَاكَ الرَّطْبَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي يُتَمَضْمَضُ بِهِ، وَمِنْهُ تَظْهَرُ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَقَالَ فِيهِ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَائِمٍ وَمُفْطِرٍ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ: كُنْتُ لَا أُخْرِجُ حَدِيثَ عَاصِمٍ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ قَدْ رَوَيَا عَنْهُ، وَرَوَى يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْهُ خَبَرًا فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ. قُلْتُ: وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَالذُّهْلِيُّ، وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ إِشْعَارُهُ بِمُلَازَمَةِ السِّوَاكِ وَلَمْ يَخُصَّ رَطْبًا مِنْ يَابِسٍ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ فِي أَنَّ الْمُطْلَقَ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْعُمُومِ، أَوْ أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ عَامٌّ فِي الْأَحْوَالِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي أَوَاخِرِ التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَلَمْ يَخُصَّ صَائِمًا مِنْ غَيْرِهِ أَيْ: وَلَمْ يَخُصَّ أَيْضًا رَطْبًا مِنْ يَابِسٍ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَالْجَامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إِبَاحَتَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَخَذَ الْبُخَارِيُّ شَرْعِيَّةَ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بِالدَّلِيلِ الْخَاصِّ، ثُمَّ انْتَزَعَهُ مِنْ أَعَمِّ الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ الَّتِي تَنَاوَلَتْ أَحْوَالَ مُتَنَاوِلِ السِّوَاكِ وَأَحْوَالَ مَا يُسْتَاكُ بِهِ، ثُمَّ انْتَزَعَ ذَلِكَ مِنْ أَعَمَّ مِنَ السِّوَاكِ وَهُوَ الْمَضْمَضَةُ إِذْ هِيَ أَبْلَغُ مِنَ السِّوَاكِ الرَّطْبِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَخَالَفَهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالسِّرَاجُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ يَبْتَلِعُ رِيقَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي يَبْلَعُ بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ، وَلِلْحَمَوِيِّ يَتَبَلَّعُ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُشَدَّدَةٌ، فَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَمَّا أَثَرُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَقْصَى مَا يُخْشَى مِنَ السِّوَاكِ الرَّطْبِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ فِي الْفَمِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ كَمَاءِ الْمَضْمَضَةِ، فَإِذَا قَذَفَهُ مِنْ فِيهِ لَا يَضُرُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَبْتَلِعَ رِيقَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي جُزْءِ الذُّهْلِيِّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ.

قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِيِّ أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ السِّوَاكِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ سِوَاكٌ وَعَبْدُ اللَّهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَوَصَلَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: لَجَعَلْتُ السِّوَاكَ عَلَيْهِمْ عَزِيمَةً وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَوَصَلَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَقَالَ: رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَصَحُّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ عِنْدِي. قُلْتُ: رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِأَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِيهِ قِصَّةً وَهِيَ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ، فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَضَعُ السِّوَاكَ مِنْهُ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَاكَ. ثَانِيهُمَا: أَنَّهُ تُوبِعَ فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فِي سِيَاقِ هَذِهِ الْآثَارِ وَالْأَحَادِيثِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالْخَطْبُ فِيهِ يَسِيرٌ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَفِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرْتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ قَبْلُ.

٢٨ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ. وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ وَيَكْتَحِلُ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنْ الْمَاءِ لَا يَضِيرُهُ إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ، وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ؟ وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنْ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لَا أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ، فَإِنْ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ لَا بَأْسَ، لَمْ يَمْلِكْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ) هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي لَمْ يُوصِلْهَا الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَيْنَاهُ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَفِي نُسْخَةِ هَمَّامٍ مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ عَنْهُ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ وَلَفْظُهُ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ ثُمَّ لِيَسْتَنْثِرْ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَمْ يُمَيِّزِ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ. قَالَهُ تَفَقُّهًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي أَصْلِ الِاسْتِنْشَاقِ، لَكِنْ وَرَدَ تَمْيِيزُ الصَّائِمِ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ; وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِإِيرَادِ أَثَرِ الْحَسَنِ عَقِبَهُ إِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى حَلْقِهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنِ اسْتَعَطَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ إِلَّا إِنْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى حَلْقِهِ. وَقَوْلُهُ: وَيَكْتَحِلُ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ بَابَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: الصَّائِمُ يُمَضْمِضُ ثُمَّ يَزْدَرِدُ رِيقَهُ وَهُوَ صَائِمٌ؟ قَالَ: لَا يَضُرُّهُ، وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الْبُخَارِيِّ وَمَا بَقِيَ فِي فِيهِ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ظَاهِرُهُ إِبَاحَةُ الِازْدِرَادِ لِمَا بَقِيَ فِي الْفَمِ مِنْ مَاءِ الْمُضَمْضِمَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ بِلَفْظِ: وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ وَكَأَنَّ ذَا سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. انْتَهَى. وَمَا عَلَى ظَاهِرِ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْصُولَةٌ، وَعَلَى مَا وَقَعَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَبْقَى فِي فِيهِ بَعْدَ أَنْ يَمُجَّ الْمَاءَ إِلَّا أَثَرُ الْمَاءِ، فَإِذَا بَلَعَ رِيقَهُ لَا يَضُرُّهُ. وَقَوْلُهُ: فِي الْأَصْلِ لَا يَضُرُّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: لَا يَضِيرُهُ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْضُغُ الْعِلْكَ. . . إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَيَمْضُغُ الْعِلْكَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزِاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يَمْضُغُ الصَّائِمُ الْعِلْكَ؟ قَالَ: لَا.

قُلْتُ: إِنَّهُ يَمُجُّ رِيقَ الْعِلْكِ وَلَا يَزْدَرِدُهُ وَلَا يَمُصُّهُ (١)، قَالَ وَقُلْتُ لَهُ: أَيَتَسَوَّكُ الصَّائِمُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لَهُ: أَيَزْدَرِدُ رِيقَهُ؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: فَفَعَلَ، أَيَضُرُّهُ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمَضْمَضَةِ فِي بَابِ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الصَّائِمِ فِيمَا يَبْتَلِعُهُ مِمَّا يَجْرِي مَعَ الرِّيقِ مِمَّا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِخْرَاجِهِ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ لَحْمٌ. فَأَكَلَهُ مُتَعَمِّدًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ مِنَ الْأَكْلِ. وَرَخَّصَ فِي مَضْغِ الْعِلْكِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِنْ كَانَ لَا يَتَحَلَّبُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنْ تَحَلَّبَ مِنْهُ شَيْءٌ فَازْدَرَدَهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ. انْتَهَى. وَالْعِلْكُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا كَافٌ: كُلُّ مَا يُمْضَغُ وَيَبْقَى فِي الْفَمِ كَالْمُصْطَكَّى وَاللُّبَانِ، فَإِنْ كَانَ يَتَحَلَّبُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْفَمِ فَيَدْخُلُ الْجَوْفَ فَهُوَ مُفْطِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُجَفِّفٌ وَمُعَطِّشٌ فَيُكْرَهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ.

٢٩ - بَاب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ

وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ علة وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ: يَقْضِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٩٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ، قال (١): (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ ابن راشدٍ الأزديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) اللَّيثيِّ المدنيِّ نزيل الشَّام (٢) (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم ابن أبان مولى عثمان بن عفَّان أنَّه قال: (رَأَيْتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ) وضوءًا كاملًا جامعًا للسُّنن كالمضمضة والاستنشاق والسِّواك (فَأَفْرَغَ) الفاء للتَّفسير، أي: صبَّ (عَلَى يَدَيْهِ) إفراغًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «ثمَّ مضمض» بحذف التَّاء (وَاسْتَنْثَرَ) أي: أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إِلَى) أي: مع (المَِرْفَِقِ) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس، غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُسْرَى إِلَى) أي: مع (المَِرْفَِقِ) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) هل الباء للتَّبعيض أو الاستعانة أو غير ذلك؟ خلافٌ مشهورٌ يترتَّب عليه ما مرَّ في الوضوء من كون الواجب مسح الكلِّ أو البعض، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ مسح رأسه» بحذف الباء، ولم يذكر في المسح تثليثًا، وهو مذهب الأئمَّة الثَّلاثة، واحتجَّ الشَّافعيُّ بحديث أبي داود عن عثمان: أنَّه مسح برأسه ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ (٣) اليُمْنَى) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ) غسل رجله (اليُسْرَى) غسلًا (ثَلَاثًا) وحذف: «غسل رجله»؛ لدلالة السَّابق (٤) عليه (ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وعند

المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٣٣] «مثل وضوئي» وهو ينفي ما قرَّره النَّوويُّ من التَّفرقة بين «مثل» و «نحو»، وسبق مبحث ذلك في الوضوء (ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) وفي «الوضوء» [خ¦١٥٩] صلَّى بلفظ الماضي (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ) من باب التَّفعُّل (١) المقتضي للتَّكسُّب من حديث النَّفس، وهذا دفعه ممكنٌ؛ بخلاف ما يهجم فإنَّه معفوٌّ عنه لتعذُّره (٢) (فِيهِمَا) أي: في (٣) الرَّكعتين (بِشَيْءٍ) وفي «مسند أحمد» والطَّبرانيِّ في (٤) «الأوسط»: «لا يحدِّث نفسه (٥) فيهما إلَّا بخيرٍ» أي: كمعاني المتلوِّ من القرآن والذِّكر والدُّعاء الحاضر من نفسه أو إمامه، أمَّا فيما لا يتعلَّق بالصَّلاة أو لا يتعلَّق بقراءةٍ أو ذكرٍ أو دعاءٍ حاضرٍ بل في الجملة فلا؛ كما قرَّره ابن عبد السَّلام وغيره، وفي بعض الرِّوايات -كما عند التِّرمذيِّ الحكيم في «كتاب الصَّلاة» له-: «لا يحدِّث فيهما نفسه بشيءٍ من الدُّنيا» (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وهذا الحديث ليس فيه شيءٌ من أحكام الصِّيام، لكن أدخله في هذا الباب لمعنًى لطيفٍ؛ وذلك أنَّه أخذ شرعيَّة السِّواك للصَّائم بالدَّليل الخاصِّ، ثمَّ انتزعه من الأدلَّة (٦) العامَّة التي تناولت أحوال متناول السِّواك، وأحوال عود السِّواك من رطوبةٍ ويبوسةٍ، ثمَّ انتزع ذلك من أعمَّ من ذلك وهو المضمضة؛ إذ هي أبلغ من السِّواك الرَّطب، وأصل هذا الانتزاع لابن سيرين حين (٧) قال

محتجًّا على السِّواك الأخضر: والماء له طعمٌ. انتهى. وقد كره مالكٌ الاستياك بالرَّطب للصَّائم لِمَا يتحلَّل منه، والشَّافعيُّ وأحمد: بعد الزَّوال قال ابن دقيق العيد في ذلك (١): ويحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ بهذا الوقت يخصُّ به عموم حديث «الصَّحيحين» [خ¦٨٨٧] «عند كلِّ صلاةٍ»، ورواية النَّسائيِّ وغيره: «عند كلِّ وضوءٍ»، وهو حديث الخُلُوف، وعبارة الشَّافعيِّ: أحبُّ السِّواك عند كلِّ وضوءٍ باللَّيل والنَّهار إلَّا أنِّي أكرهه للصَّائم آخر النَّهار من أجل الحديث [خ¦١٨٩٤] في خُلُوف فم (٢) الصَّائم. انتهى. وليس في هذه العبارة تقييدُ ذلك بالزَّوال فلذا قال الماورديُّ: لم يحدَّ الشَّافعيُّ الكراهة بالزَّوال، وإنَّما ذكر العشيَّ، فحدَّه الأصحاب بالزَّوال. انتهى. واسم العشيِّ صادقٌ بدخول أوَّل النِّصف الأخير من النَّهار، وقيل: لا يُؤقَّت بحدٍّ معيَّنٍ، بل يترَك متى عرف أنَّ تغيُّر فمه ناشئٌ عن الصِّيام، وذلك يختلف باختلاف أحوال النَّاس، وباختلاف بُعْدِ عهده عن الطَّعام (٣) وقرب عهده به لكونه لم يتسحَّر أو تسحَّر، وفرَّق بعض أصحابنا بين الفرض والنَّفل، فكرهه في الفرض بعد الزَّوال، ولم يكرهه في النَّفل لأنَّه أبعد من الرِّياء، وقد أخذ مالكٌ وأبو حنيفة بعموم الحديث استحبابه للصَّائم قبل الزَّوال وبعده، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: إنَّه المختار، وقال بعضهم: السِّواك مطهرةٌ للفم فلا يُكرَه كالمضمضة للصَّائم، لا سيَّما وهي رائحةٌ تتأذَّى بها الملائكة، فلا تُترَك هنالك، وأمَّا الخبر ففائدته عظيمةٌ بديعةٌ؛ وهي أنَّ النَّبيَّ إنَّما مدح الخُلُوف نهيًا للنَّاس عن تقذُّر مكالمة الصَّائمين (٤) بسبب الخلوف، لا نهيًا للصُّوَّام عن السِّواك، والله غنيٌّ عن وصول الرَّائحة الطَّيِّبة إليه، فعلمنا يقينًا أنَّه لم يُرِد بالنَّهي استبقاء الرَّائحة، وإنَّما أراد نهيَ النَّاس عن كراهتها، قال: وهذا التَّأويل أَوْلى لأنَّ فيه إكرامًا للصَّائم (٥)، ولا تعرُّض فيه للسِّواك فيُذكَر أو يُتأوَّل.

وحديث الباب قد سبق في «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩].

(٢٨) (بابُ) ما جاء في (قَوْلِ النَّبِيِّ : إِذَا تَوَضَّأَ) أحدكم (فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ المَاءَ) بفتح الميم وكسر الخاء، وقد تُكسَر الميم إتباعًا للخاء، وهذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه مسلمٌ، قال المؤلِّف: (وَلَمْ يُمَيِّزْ) في حديث مسلمٍ المذكور (بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ) بل ذكره على العموم، ولو كان بينهما فرقٌ لميَّزه ، نعم وقع في حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه التَّمييزُ بين الصَّائم وغيره، ولفظه: أنَّ النَّبيَّ قال له: «بَالِغْ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا» رواه أصحاب «السُّنن»، وصحَّحه ابن خزيمة (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بنحوه: (لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ) بفتح السِّين وقد تُضَمُّ: ما يُصَبُّ من الدَّواء في الأنف (١) (لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلْ) أي: السَّعوط (إِلَى حَلْقِهِ) أو ما يُسمَّى جوفًا، فإن وصل أفطر وقضى يومًا (وَيَكْتَحِلُ) أي: الصَّائم، وهو من كلام الحسن.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (إِنْ تَمَضْمَضَ) الصَّائم (ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ المَاءِ لَا يَضِيرُهُ) (٢) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بعد الضَّاد المعجمة المكسورة، من: ضاره يضيره ضيرًا؛ بمعنى: ضرَّه، ولابن عساكر: «لم» بدل «لا»، ولابن عساكر في نسخةٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يضرُّه» من «ضرَّه» بالتَّشديد (إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ) أي: لم (٣) يبلع (٤) (رِيقَهُ) وهذا يقتضي أنَّه إن (٥) ازدرده ضرَّ، وفيه نظرٌ لأنَّه بعد الإفراغ يصير الرِّيق خالصًا ولا فطر به، ولأبي الوقت: «لا يَضِيرُه أَن يزدردَ ريقه» فأسقط «لم» وفتح الهمزة ونصب (٦) «يزدردَ» أي: لا يضرُّه أن يبتلع ريقه

خاصَّةً (١) لأنَّه لا ماء فيه بعد تفريغه له؛ ولذا قال: (وَمَاذَا) أي: وأي شيءٍ (بَقِيَ فِي فِيهِ؟) في فمه بعد أن يمجَّ الماء إلَّا أثر الماء؟ فإذا بلع ريقه لم (٢) يضرَّه، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر -كما في الفرع-: «وما بقي» فأسقط لفظة «ذا» وحينئذٍ فـ «ما» موصولةٌ، ولفظة: «ذا» ثابتةٌ عند سعيد بن منصورٍ وعبد الرَّزَّاق (٣)، قال في «الفتح»: ووقع في أصل «البخاريِّ»: «وما بقي» أي: بإسقاط: «ذا» قال ابن بطَّالٍ: وظاهره إباحة الازدراد لما بقي في الفم من ماء المضمضة، وليس كذلك لأنَّ عبد الرَّزَّاق رواه بلفظ: «وماذا بقي»، فكأنَّ «ذا» سقطت من رواية البخاريِّ. انتهى. ولعلَّه لم يقف على الرِّواية المثبتة لها.

(وَلَا يَمْضُغُ) أي: لا يلوك الصَّائم (العِلْكَ) بكسر العين المهملة وسكون اللَّام؛ كالمُصْطَكَى، وقوله: «يمضُغ» بفتح الضَّاد وضمِّها، وبالفتح عند أبي ذرٍّ، وللمُستملي -كما في «الفتح» - ولابن عساكر -كما في الفرع-: «ويمضغ العلك» بإسقاط: «لا»، والرِّواية الأولى أَولى (فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ) فمه مع ما تحلَّب من (العِلْكِ لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ) عند (٤) الجمهور وبه قال الشَّافعيُّ: إنَّه إن تحلَّب (٥) منه شيءٌ فازدرده أفطر، ورخَّص الأكثرون في الذي لا يتحلَّب منه شيءٌ، نعم كرهه الشَّافعيُّ من جهة كونه يجفِّف ويعطِّش (فَإِنِ اسْتَنْثَرَ) أي: استنشق في الوضوء (فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَا بَأْسَ) لأنَّه (٦) (لَمْ يَمْلِكْ) منع دخول الماء في حلقه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر قوله: «فإن استنثر … » إلى آخره.

(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الصَّائم (فِي) نهار شهر (رَمَضَانَ) عامدًا وجبت عليه الكفَّارة (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) حال كونه (رَفَعَهُ) أي: الحديث الآتي إلى النَّبيِّ وهو: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «من غير علَّةٍ» (وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ) قال المظهريُّ: يعني: لم يجد فضيلة الصَّوم المفروض بصوم النَّافلة، وليس معناه: أنَّ صيام الدَّهر بنيَّة قضاء يومٍ من رمضان لا يسقط عنه قضاء ذلك اليوم، بل يجزئه قضاء يومٍ بدلًا عن يومٍ، وقال شارح «المشكاة»: هو من باب التَّشديد والمبالغة ولذلك أكَّده بقوله: (وَإِنْ صَامَهُ) حقَّ الصِّيام ولم يقصِّر فيه وبذل جهده وطاقته، وزاد في المبالغة (١) حيث أسند القضاء إلى الصَّوم إسنادًا مجازيًّا، وأضاف الصَّوم إلى الدَّهر؛ إجراءً للظَّرف مجرى المفعول به؛ إذ الأصل: لم يقضِ هو في الدَّهر إذا صامه، وقال ابن المُنيِّر: يعني: أنَّ القضاء لا يقوم مقام الأداء ولو صام عوض اليوم دهرًا، ويُقال بموجبه: فإنَّ الإثم لا يسقط بالقضاء، ولا سبيل إلى اشتراك (٢) القضاء والأداء في كمال (٣) الفضيلة، فقوله: «لم يقضه صيام الدَّهر» أي: في وصفه الخاصِّ به؛ وهو الكمال وإن كان يقضي عنه في وصفه العامِّ المنحطِّ عن كمال الأداء، هذا هو اللَّائق بمعنى الحديث، ولا يُحمَل على نفي القضاء بالكلِّيَّة، ولا تُعهَد عبادةٌ واجبةٌ مُؤقَّتةٌ لا تقبل القضاء إلَّا الجمعة لأنَّها لا تجتمع بشروطها إلَّا في يومها وقد فات، أو في مثله وقد اشتغلت الذِّمَّة بالحاضرة فلا تسع الماضية. انتهى. قال في «فتح الباري»: ولا يخفى تكلُّفه، وسياق أثر ابن مسعودٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- (٤) يردُّ هذا التَّأويل، وهذا الحديث قد وصله أصحاب «السُّنن الأربعة»،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَنَّهَا كَانَت عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأتى بقصعة من ثريد فَأكلت مَعَه وَمَعَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فناولها رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عرقا فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ يَا أم إِسْحَق أصيبي من هَذَا فَذكرت أَنِّي كنت صَائِمَة فبردت يَدي لَا أقدمها وَلَا أؤخرها فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا لَك قَالَت كنت صَائِمَة فنسيت فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ الْآن بَعْدَمَا شبعت فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أتمي صومك فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْك " وبشار بن عبد الْملك الْمُزنِيّ ضعفه يحيى بن معِين وَأم حَكِيم اسْمهَا خَوْلَة قَوْله " إِذا نسي " أَي الصَّائِم قَوْله " فَأكل وَشرب " ويروى " أَو شرب " قَوْله " فليتم صَوْمه " وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ " فَلَا يفْطر " قَالَ شَيخنَا يجوز أَن يكون لَا فِي جَوَاب الشَّرْط للنَّهْي وَيفْطر مَجْزُومًا وَيجوز أَن تكون لَا نَافِيَة وَيفْطر مَرْفُوعا وَهُوَ أولى فَإِنَّهُ لم يرد بِهِ النَّهْي عَن الْإِفْطَار وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه لم يحصل إفطار النَّاسِي بِالْأَكْلِ وَيكون تَقْدِيره من أكل أَو شرب نَاسِيا لم يفْطر قَوْله " فَإِنَّمَا " تَعْلِيل لكَون النَّاسِي لَا يفْطر وَوجه ذَلِك أَن الرزق لما كَانَ من الله لَيْسَ فِيهِ للْعَبد تحيل فَلَا ينْسب إِلَيْهِ شبه الْأكل نَاسِيا بِهِ لِأَنَّهُ لَا صنع للْعَبد فِيهِ وَإِلَّا فالأكل مُتَعَمدا حَيْثُ جَازَ لَهُ الْفطر رزق من الله تَعَالَى بِإِجْمَاع الْعلمَاء وَكَذَلِكَ هُوَ رزق وَإِن لم يجز لَهُ الْفطر على مَذْهَب أهل السّنة وَقد يسْتَدلّ بِمَفْهُوم هَذَا الحَدِيث من يَقُول بِأَن الْحَرَام لَا يُسمى رزقا وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَالْمَسْأَلَة مقررة فِي الْأُصُول (فَإِن قلت) كَيفَ وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْأكل وَالشرب نَاسِيا لَا يُوجب شَيْئا وَلَا ينْقض صَوْمه (قلت) قَوْله " فليتم " أَمر بالإتمام وسمى الَّذِي يتمه صوما وَالْحمل على الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة هُوَ الْوَجْه ثمَّ لَا فرق عندنَا وَعند الشَّافِعِي بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِيهِ وَجْهَان كالوجهين فِي بطلَان الصَّلَاة بالْكلَام الْكثير وَحمل بعض الشَّافِعِيَّة الحَدِيث على صَوْم التَّطَوُّع حَكَاهُ ابْن التِّين عَن ابْن شعْبَان وَكَذَا قَالَ ابْن الْقصار لِأَنَّهُ لم يَقع فِي الحَدِيث تعْيين رَمَضَان فَيحمل على التَّطَوُّع وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره لم لم يذكر فِي الحَدِيث إِثْبَات الْقَضَاء فَيحمل على سُقُوط الْكَفَّارَة عَنهُ وَإِثْبَات عذره وَرفع الْإِثْم عَنهُ وَبَقَاء نِيَّته الَّتِي بَيتهَا وَالْجَوَاب عَن ذَلِك كُله بِمَا رَوَاهُ ابْن حبَان من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور آنِفا فَإِن فِيهِ تعْيين رَمَضَان وَنفي الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة (فَإِن قلت) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ تفرد بِهِ مُحَمَّد بن مَرْزُوق عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ (قلت) أخرجه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَاهِلِيّ وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق أبي حَازِم الرَّازِيّ كِلَاهُمَا عَن الْأنْصَارِيّ -

٧٢ - (بابٌ السوَاكُ الرَّطْبُ والْيابِسُ لِلصَّائِمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِعْمَال السِّوَاك الرطب، وَبَيَان حكم اسْتِعْمَال السِّوَاك الْيَابِس. قَوْله: (الرطب واليابس) ، صفتان للسواك، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع: بَاب سواك الرطب واليابس، من قبيل قَوْلهم: مَسْجِد الْجَامِع، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الصّفة لَا يُضَاف إِلَيْهَا موصوفها، فَإِن وجد ذَلِك يقدر مَوْصُوف كَمَا فِي هَذِه الصُّورَة، وَالتَّقْدِير: مَسْجِد الْمَكَان الْجَامِع، وَكَذَلِكَ قَوْلهم: صَلَاة الأولى أَي: صَلَاة السَّاعَة الأولى، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي: سواك الرطب، سواك الشّجر الرطب. قلت: مَذْهَب الْكُوفِيّين فِي هَذَا أَن الصّفة يذهب بهَا مَذْهَب الْجِنْس، ثمَّ يُضَاف الْمَوْصُوف إِلَيْهَا كَمَا يُضَاف بعض الْجِنْس إِلَيْهِ، نَحْو: خَاتم حَدِيد، فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير مَحْذُوف، وَقَالَ بَعضهم: وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من كره للصَّائِم الاستياك بِالسِّوَاكِ الرطب كالمالكية وَالشعْبِيّ قلت: لم يكن مُرَاده أصلا من وضع هَذِه التَّرْجَمَة مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا لما أورد فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا فِيهِ الَّتِي دلّت بعمومها على جَوَاز الاستياك للصَّائِم مُطلقًا، سَوَاء كَانَ سواكا رطبا أَو سواكا يَابسا ترْجم لذَلِك بقوله: بَاب السِّوَاك الرطب ... إِلَى آخِره.

ويُذْكَرُ عنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ رَأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَاكُ وهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي أوْ أعُدُّ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَدِيث دلَالَة عُمُوم قَوْله: (يستاك) على جَوَاز الاستياك مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الاستياك بِالسِّوَاكِ الرطب أَو الْيَابِس، وَسَوَاء كَانَ صَائِما فرضا أَو تَطَوّعا، وَسَوَاء كَانَ فِي أول النَّهَار أَو فِي آخِره. وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي: بَاب اغتسال الصَّائِم، وَيذكر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه استاك وَهُوَ صَائِم، وَذكر هُنَا: وَيذكر عَن عَامر بن ربيعَة ... إِلَى آخِره، وَذكرنَا

هُنَاكَ أَن حَدِيث عَامر بن ربيعَة هَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مَوْصُولا، وَإِنَّمَا ذكر فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِصِيغَة التمريض، لِأَن فِي سَنَده: عَاصِم بن عبيد الله، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، فَليرْجع إِلَيْهِ من يُرِيد الْوُقُوف عَلَيْهِ.

وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله: (بِالسِّوَاكِ) أَعم من السِّوَاك الرطب والسواك الْيَابِس، ومضمون الحَدِيث يَقْتَضِي إِبَاحَته فِي كل وَقت، وَفِي كل حَال، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق النَّسَائِيّ عَن سُوَيْد بن نصر: أخبرنَا عبد الله عَن عبيد الله عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي (الْمُوَطَّأ) : عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: (لَوْلَا أَن يشق على أمته لأمرهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء) ، قَالَ أَبُو عمر: هَذَا يدْخل فِي الْمسند عِنْدهم لاتصاله من غير مَا وَجه، وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ أَكثر الروَاة عَن مَالك، وَرَوَاهُ بشر بن عمر وروح بن عبَادَة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء) ، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من حَدِيث روح، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي ومطرف بن عبد الرَّحْمَن وَابْن عتمة بِمَا يَقْتَضِي أَن لَفظهمْ: (مَعَ كل وضوء) ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) مصححا بِلَفْظ: (لفرضت عَلَيْهِم السِّوَاك مَعَ كل وضوء) ، وَرَوَاهُ الْمثنى عَنهُ: (مَعَ كل طَهَارَة) ، وَرَوَاهُ أَبُو معشر عَنهُ: (لَوْلَا أَن أشق على النَّاس لأمرتهم عِنْد كل صَلَاة بِوضُوء، وَمَعَ الْوضُوء بسواك) . وَالله أعلم.

ويُرْوَى نَحْوُهُ عنْ جابِرٍ وزَيْدِ بنِ خالِدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: يرْوى نَحْو حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن من مشاهير الصَّحَابَة، وَهَذَانِ التعليقان رَوَاهُمَا أَبُو نعيم الْحَافِظ. فَالْأول من حَدِيث إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي عَن عبد الله بن عقيل عَنهُ بِلَفْظ: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) ، وَالثَّانِي من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن أبي سَلمَة عَن زيد، وَلَفظه: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) وَإِنَّمَا ذكره بِصِيغَة التمريض لأجل مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَإِنَّهُ لم يحْتَج بِهِ، وَلَكِن ذكره فِي (المتابعات) . وَأما الأول فضعفه ظَاهر بِابْن عقيل الْفَروِي، فَإِنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ، وروى ابْن عدي حَدِيث جَابر من وَجه آخر بِلَفْظ: (لجعلت السِّوَاك عَلَيْهِم عَزِيمَة) ، وَإِسْنَاده ضَعِيف. فَإِن قلت: هَل فرق بَين قَوْله: (نَحوه) ، وَبَين قَوْله: (مثله؟) قلت: إِذا كَانَ الحديثان على لفظ وَاحِد يُقَال: مثله، وَإِذا كَانَ الثَّانِي على مثل مَعَاني الأول يُقَال: نَحوه.

وَاخْتلف أهل الحَدِيث فِيمَا إِذا روى الرَّاوِي حَدِيثا بِسَنَدِهِ ثمَّ ذكر سندا آخر وَلم يسق لفظ مَتنه، وَإِنَّمَا قَالَ بعده: مثله، أَو: نَحوه، فَهَل يسوغ للراوي عَنهُ أَن يروي لفظ الحَدِيث الْمَذْكُور أَولا لإسناد الثَّانِي أم لَا؟ على ثَلَاثَة مَذَاهِب. أظهرها: أَنه لَا يجوز مُطلقًا. وَهُوَ قَول شُعْبَة وَرجحه ابْن الصّلاح وَابْن دَقِيق الْعِيد. وَالثَّانِي: أَنه إِن عرف الرَّاوِي بالتحفظ والتمييز للألفاظ جَازَ، وإلَاّ فَلَا، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَابْن معِين. وَالثَّالِث: وَهُوَ اخْتِيَار الْحَاكِم: التَّفْرِقَة بَين قَوْله: مثله، وَبَين قَوْله: نَحوه، فَإِن قَالَ: مثله، جَازَ بِالشّرطِ الْمَذْكُور، وَإِن قَالَ: نَحوه، لم يجز، وَهُوَ قَول يحيى بن معِين. وَقَالَ الْخَطِيب: هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن معِين بِنَاء على منع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، فَأَما على جَوَازهَا فَلَا فرق.

ولَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِه

هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أَي: لم يخص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ من الصَّحَابَة أَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَزيد بن خَالِد الْمَذْكُور الْآن الصَّائِم من غير الصَّائِم، وَلَا السِّوَاك الْيَابِس من غَيره، فَيدْخل فِي عُمُوم الْإِبَاحَة كل جنس من السِّوَاك رطبا إو يَابسا، وَلَو افترق الحكم فِيهِ بَين الرطب واليابس فِي ذَلِك لبينه، لِأَن الله عز وَجل فرض عَلَيْهِ الْبَيَان لأمته.

وقالَتْ عائِشَةُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ

وَقع هَذَا فِي بعض النّسخ مقدما فَوق حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَلَيْسَ هَذَا وَحده، بل وَقع فِي غير رِوَايَة أبي ذَر فِي سِيَاق الْآثَار، وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَلَيْسَ يَبْنِي عَلَيْهِ عَظِيم أَمر، وَأما التَّعْلِيق عَن عَائِشَة فوصله أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي عَتيق مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق عَن أَبِيه عَنْهَا.

قَوْله: (مطهرة) ، بِفَتْح الْمِيم: إِمَّا مصدر ميمي بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل من التَّطْهِير، وَإِمَّا بِمَعْنى الْآلَة. وَفِي (الصِّحَاح) : المطهرة والمطهرة يَعْنِي: بِفَتْح الْمِيم وكسرهما، الْإِدَاوَة، وَالْفَتْح أَعلَى، وَالْجمع: الْمَطَاهِر، وَيُقَال: السِّوَاك مطهرة للفم. قَوْله: (مرضاة للرب) ، المرضاة بِالْفَتْح مصدر ميمي بِمَعْنى الرضى، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الْمَفْعُول أَي مرضى الرب، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُمكن أَن يُقَال إِنَّهَا مثل (الْوَلَد المبخلة مجينة) : أَي السِّوَاك مَظَنَّة للطَّهَارَة والرضى أَي يحمل السِّوَاك الرجل على الطَّهَارَة ورضى الرب، وَعطف مرضاة يحْتَمل التَّرْتِيب بِأَن تكون الطَّهَارَة بِهِ عِلّة للرضى، وَأَن يَكُونَا مستقلين فِي الْعلية قلت: يُؤْخَذ الْجَواب من هَذَا السُّؤَال من يسْأَل: كَيفَ يكون السِّوَاك سَببا لرضى الله تَعَالَى؟ وَيُمكن أَن يُقَال أَيْضا: من حَيْثُ إِن الْإِتْيَان بالمندوب مُوجب للثَّواب، وَمن جِهَة أَنه مُقَدّمَة للصَّلَاة، وَهِي مُنَاجَاة الرب، وَلَا شكّ أَن طيب الرَّائِحَة يَقْتَضِي رضى صَاحب الْمُنَاجَاة.

وَقَالَ عَطَاءٌ وقَتَادَةُ يَبْتَلعُ رِيقَهُ

أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة بن دعامة: يبتلع الصَّائِم رِيقه: يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء إِذا بلع رِيقه، وَقد ذكرنَا عَن قريب عَن أَصْحَابنَا أَن الصَّائِم إِذا جمع رِيقه فِي فَمه ثمَّ ابتلعه لم يفْطر، وَلكنه يكره. قَوْله: (يبتلع) ، من بَاب الافتعال، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: يبلع من البلع، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: يتبلع من بَاب التفعل الَّذِي يدل على التَّكَلُّف، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن المارك (عَن ابْن جريج قلت: لعطاء: الصَّائِم يمضمض ثمَّ يزدرد رِيقه وَهُوَ صَائِم؟ قَالَ: لَا يضرّهُ، وَمَا بَقِي فِي فِيهِ) ؟ وَكَذَلِكَ أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، وَوَقع فِي أصل البُخَارِيّ: وَمَا بَقِي فِيهِ؟ وَقَالَ ابْن بطال: ظَاهِرَة إِبَاحَة الازدراد لما بَقِي فِي الْفَم من مَاء الْمَضْمَضَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ بِلَفْظ: (وماذا بَقِي فِي فِيهِ؟) فَكَأَن: ذَا، سَقَطت من رُوَاة البُخَارِيّ، وَأثر قَتَادَة وَصله عبد بن حميد فِي التَّفْسِير عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ نَحْو مَا روى عَن عَطاء.

٤١ - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا معمر قَالَ حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن حمْرَان قَالَ رَأَيْت عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ تَوَضَّأ فأفرغ على يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثمَّ تمضمض واستنثر ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا ثمَّ غسل يَده الْيُمْنَى إِلَى الْمرْفق ثَلَاثًا ثمَّ غسل يَده الْيُسْرَى إِلَى الْمرْفق ثَلَاثًا ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ غسل رجله الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث نَفسه فيهمَا بِشَيْء إِلَّا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) قد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي بَاب الْوضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب إِلَى آخِره وَأخرجه هُنَا عَن عَبْدَانِ وَهُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن معمر بن رَاشد الْأَزْدِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره ومناسبة ذكره هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب فِي قَوْله " تَوَضَّأ " فَإِن مَعْنَاهُ تَوَضَّأ وضُوءًا كَامِلا جَامعا للسنن وَمن جملَته السِّوَاك وَقَالَ ابْن بطال حَدِيث عُثْمَان حجَّة وَاضِحَة فِي إِبَاحَة كل جنس من السِّوَاك رطبا كَانَ أَو يَابسا وَهُوَ انتزاع ابْن سِيرِين مِنْهُ حِين قَالَ لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب

فَقيل لَهُ طعم فَقَالَ وَالْمَاء لَهُ طعم وَهَذَا لَا انفكاك مِنْهُ لِأَن المَاء أرق من ريق السِّوَاك وَقد أَبَاحَ الله تَعَالَى الْمَضْمَضَة بِالْمَاءِ فِي الْوضُوء للصَّائِم قَوْله " بِشَيْء " أَي بِمَا لَا يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ قَوْله " إِلَّا غفر لَهُ " ويروى بِدُونِ كلمة الِاسْتِثْنَاء وَوجه الِاسْتِثْنَاء هُوَ الِاسْتِفْهَام الإنكاري الْمُفِيد للنَّفْي وَيحْتَمل أَن يُقَال المُرَاد لَا يحدث نَفسه بِشَيْء من الْأَشْيَاء فِي شَأْن الرَّكْعَتَيْنِ إِلَّا بِأَنَّهُ قد غفر لَهُ وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ -

٨٢ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا تَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخرِهِ المَاءَ)

أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا تَوَضَّأ ... إِلَى آخِره، وَهَذِه الْقطعَة من حَدِيث لم يوصلها البُخَارِيّ وأوصلها مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن رَافع، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن همام، قَالَ: حَدثنَا معمر عَن قَتَادَة عَن همام بن مُنَبّه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا، وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليستنشق بمنخريه من المَاء ثمَّ ليستنثر) ، وَفِي لفظ لَهُ من رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: (يبلغ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِذا استجمر أحدكُم فليستجمر وترا، وَإِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل فِي أَنفه مَاء ثمَّ ليستنثر) . قَوْله: (إِذا تَوَضَّأ) أَي: أحدكُم، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (بمنخره) ، المنخر ثقب الْأنف، وَقد تكسر الْمِيم اتبَاعا للخاء.

ولَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وغَيْرِهِ

هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، أَي: لم يُمَيّز النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بَين الصَّائِم وَغَيره، بل ذكره على الْعُمُوم، وَلَو كَانَ بَينهمَا فرق لميزه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَكِن جَاءَ تَمْيِيز الصَّائِم من غَيره فِي الْمُبَالغَة فِي ذَلِك كَمَا ورد فِي حَدِيث عَاصِم بن لَقِيط بن صبره عَن أَبِيه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: (بَالغ فِي الِاسْتِنْشَاق إلَاّ أَن تكون صَائِما) ، رَوَاهُ أَصْحَاب (السّنَن) وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره.

وَقَالَ الحَسَنُ لَا بأسَ بالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إنْ لَمْ يصِلْ إلَى حَلْقِهِ ويَكْتَحِلُ

هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هِشَام عَنهُ نَحوه، والسعود بِفَتْح السِّين وَقد يرْوى بضَمهَا، هُوَ الدَّوَاء الَّذِي يصب فِي الْأنف. قَوْله: (إِن لم يصل) أَي: السعوط إِلَى حلقه، وَقيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا وصل إِلَى حلقه يضر صَوْمه وَيَقْضِي يَوْمًا. قَوْله: (ويكتحل) من كَلَام الْحسن، أَي: يكتحل الصَّائِم، يَعْنِي: يجوز للصَّائِم الاكتحال، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب مستقصىً.

وَقَالَ عَطَاءٌ إنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أفْرَغَ مَا فِيهِ مِنَ المَاءِ لَا يَضِيرُهُ إنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ وماذَا بَقِيَ فِي فِيهِ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جريج عَنهُ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب عِنْد قَوْله: وَقَالَ عَطاء قَتَادَة: يبتلع رِيقه. قَوْله: (لَا يضيره) ، من ضاره يضيره ضيرا، بِمَعْنى: ضره، وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: لَا يضرّهُ من ضره بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (إِن لم يزدرد) أَي: لم يبلع رِيقه. قَوْله: (وماذا بَقِي فِي فِيهِ؟) أَي: فِي فَمه، وَهَذِه الْجُمْلَة وَقعت حَالا، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (وَمَا بَقِي فِي فِيهِ) ، فكلمة: مَا، على رِوَايَة البُخَارِيّ مَوْصُولَة، وعَلى رِوَايَة: (مَاذَا بَقِي فِي فِيهِ) استفهامية، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأي شَيْء يبْقى فِي فِيهِ بعد أَن يمج المَاء إلَاّ أثر المَاء؟ فَإِذا بلع رِيقه لَا يضرّهُ، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) : بِخَطِّهِ: لَا يضيره، لِأَنَّهُ لم يزدرد رِيقه أَي: يبلع رِيقه.

ولَا يَمْضَغُ العِلْكَ فانِ ازْدَرَدَ رِيقَ العِلْكِ لَا أقُولُ إنَّهُ يُفْطِرُ ولاكِنْ يُنْهَى عَنْهُ فإنْ اسْتَنْثَرَ فدَخَلَ المَاءَ حَلْقَهُ لَا بأسَ لأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ

لَا يمضغ العلك بِكَلِمَة: لَا، رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ويمضغ العلك، بِدُونِ كلمة لَا وَالْأول أولى، وَكَذَلِكَ أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، قلت لعطاء: يمضغ الصَّائِم العلك؟ قَالَ: لَا. قلت: إِنَّه يمج ريق العلك وَلَا يزدرده وَلَا يمصه؟ قَالَ: نعم. وَقلت لَهُ: أيتسوك الصَّائِم؟ قَالَ: نعم. قلت: أيزدرد رِيقه؟ قَالَ: لَا. قلت: فَفعل أيضره؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن ينْهَى عَن ذَلِك، والعلك بِكَسْر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٧ - بَاب سِوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ

وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي ولا أَعُدُّ.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ.

وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ.

وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ.

وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: يَبْتَلِعُ رِيقَهُ.

١٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأَ نَحْوَ وَضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ سِوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الْجَامِعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَابُ السِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لِلصَّائِمِ الِاسْتِيَاكَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ كَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّعْبِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ قِيَاسُ ابْنِ سِيرِينَ السِّوَاكَ الرَّطْبَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي يُتَمَضْمَضُ بِهِ، وَمِنْهُ تَظْهَرُ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَقَالَ فِيهِ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَائِمٍ وَمُفْطِرٍ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ: كُنْتُ لَا أُخْرِجُ حَدِيثَ عَاصِمٍ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ قَدْ رَوَيَا عَنْهُ، وَرَوَى يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْهُ خَبَرًا فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ. قُلْتُ: وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَالذُّهْلِيُّ، وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ إِشْعَارُهُ بِمُلَازَمَةِ السِّوَاكِ وَلَمْ يَخُصَّ رَطْبًا مِنْ يَابِسٍ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ فِي أَنَّ الْمُطْلَقَ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْعُمُومِ، أَوْ أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ عَامٌّ فِي الْأَحْوَالِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي أَوَاخِرِ التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَلَمْ يَخُصَّ صَائِمًا مِنْ غَيْرِهِ أَيْ: وَلَمْ يَخُصَّ أَيْضًا رَطْبًا مِنْ يَابِسٍ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَالْجَامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إِبَاحَتَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَخَذَ الْبُخَارِيُّ شَرْعِيَّةَ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بِالدَّلِيلِ الْخَاصِّ، ثُمَّ انْتَزَعَهُ مِنْ أَعَمِّ الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ الَّتِي تَنَاوَلَتْ أَحْوَالَ مُتَنَاوِلِ السِّوَاكِ وَأَحْوَالَ مَا يُسْتَاكُ بِهِ، ثُمَّ انْتَزَعَ ذَلِكَ مِنْ أَعَمَّ مِنَ السِّوَاكِ وَهُوَ الْمَضْمَضَةُ إِذْ هِيَ أَبْلَغُ مِنَ السِّوَاكِ الرَّطْبِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَخَالَفَهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالسِّرَاجُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ يَبْتَلِعُ رِيقَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي يَبْلَعُ بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ، وَلِلْحَمَوِيِّ يَتَبَلَّعُ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُشَدَّدَةٌ، فَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَمَّا أَثَرُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَقْصَى مَا يُخْشَى مِنَ السِّوَاكِ الرَّطْبِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ فِي الْفَمِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ كَمَاءِ الْمَضْمَضَةِ، فَإِذَا قَذَفَهُ مِنْ فِيهِ لَا يَضُرُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَبْتَلِعَ رِيقَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي جُزْءِ الذُّهْلِيِّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ.

قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِيِّ أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ السِّوَاكِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ سِوَاكٌ وَعَبْدُ اللَّهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَوَصَلَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: لَجَعَلْتُ السِّوَاكَ عَلَيْهِمْ عَزِيمَةً وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَوَصَلَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَقَالَ: رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَصَحُّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ عِنْدِي. قُلْتُ: رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِأَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِيهِ قِصَّةً وَهِيَ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ، فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَضَعُ السِّوَاكَ مِنْهُ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَاكَ. ثَانِيهُمَا: أَنَّهُ تُوبِعَ فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فِي سِيَاقِ هَذِهِ الْآثَارِ وَالْأَحَادِيثِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالْخَطْبُ فِيهِ يَسِيرٌ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَفِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرْتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ قَبْلُ.

٢٨ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ. وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ وَيَكْتَحِلُ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنْ الْمَاءِ لَا يَضِيرُهُ إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ، وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ؟ وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنْ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لَا أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ، فَإِنْ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ لَا بَأْسَ، لَمْ يَمْلِكْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ) هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي لَمْ يُوصِلْهَا الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَيْنَاهُ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَفِي نُسْخَةِ هَمَّامٍ مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ عَنْهُ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ وَلَفْظُهُ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ ثُمَّ لِيَسْتَنْثِرْ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَمْ يُمَيِّزِ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ. قَالَهُ تَفَقُّهًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي أَصْلِ الِاسْتِنْشَاقِ، لَكِنْ وَرَدَ تَمْيِيزُ الصَّائِمِ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ; وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِإِيرَادِ أَثَرِ الْحَسَنِ عَقِبَهُ إِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى حَلْقِهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنِ اسْتَعَطَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ إِلَّا إِنْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى حَلْقِهِ. وَقَوْلُهُ: وَيَكْتَحِلُ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ بَابَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: الصَّائِمُ يُمَضْمِضُ ثُمَّ يَزْدَرِدُ رِيقَهُ وَهُوَ صَائِمٌ؟ قَالَ: لَا يَضُرُّهُ، وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الْبُخَارِيِّ وَمَا بَقِيَ فِي فِيهِ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ظَاهِرُهُ إِبَاحَةُ الِازْدِرَادِ لِمَا بَقِيَ فِي الْفَمِ مِنْ مَاءِ الْمُضَمْضِمَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ بِلَفْظِ: وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ وَكَأَنَّ ذَا سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. انْتَهَى. وَمَا عَلَى ظَاهِرِ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْصُولَةٌ، وَعَلَى مَا وَقَعَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَبْقَى فِي فِيهِ بَعْدَ أَنْ يَمُجَّ الْمَاءَ إِلَّا أَثَرُ الْمَاءِ، فَإِذَا بَلَعَ رِيقَهُ لَا يَضُرُّهُ. وَقَوْلُهُ: فِي الْأَصْلِ لَا يَضُرُّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: لَا يَضِيرُهُ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْضُغُ الْعِلْكَ. . . إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَيَمْضُغُ الْعِلْكَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزِاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يَمْضُغُ الصَّائِمُ الْعِلْكَ؟ قَالَ: لَا.

قُلْتُ: إِنَّهُ يَمُجُّ رِيقَ الْعِلْكِ وَلَا يَزْدَرِدُهُ وَلَا يَمُصُّهُ (١)، قَالَ وَقُلْتُ لَهُ: أَيَتَسَوَّكُ الصَّائِمُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لَهُ: أَيَزْدَرِدُ رِيقَهُ؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: فَفَعَلَ، أَيَضُرُّهُ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمَضْمَضَةِ فِي بَابِ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الصَّائِمِ فِيمَا يَبْتَلِعُهُ مِمَّا يَجْرِي مَعَ الرِّيقِ مِمَّا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِخْرَاجِهِ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ لَحْمٌ. فَأَكَلَهُ مُتَعَمِّدًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ مِنَ الْأَكْلِ. وَرَخَّصَ فِي مَضْغِ الْعِلْكِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِنْ كَانَ لَا يَتَحَلَّبُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنْ تَحَلَّبَ مِنْهُ شَيْءٌ فَازْدَرَدَهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ. انْتَهَى. وَالْعِلْكُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا كَافٌ: كُلُّ مَا يُمْضَغُ وَيَبْقَى فِي الْفَمِ كَالْمُصْطَكَّى وَاللُّبَانِ، فَإِنْ كَانَ يَتَحَلَّبُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْفَمِ فَيَدْخُلُ الْجَوْفَ فَهُوَ مُفْطِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُجَفِّفٌ وَمُعَطِّشٌ فَيُكْرَهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ.

٢٩ - بَاب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ

وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ علة وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ: يَقْضِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٩٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ، قال (١): (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ ابن راشدٍ الأزديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) اللَّيثيِّ المدنيِّ نزيل الشَّام (٢) (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم ابن أبان مولى عثمان بن عفَّان أنَّه قال: (رَأَيْتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ) وضوءًا كاملًا جامعًا للسُّنن كالمضمضة والاستنشاق والسِّواك (فَأَفْرَغَ) الفاء للتَّفسير، أي: صبَّ (عَلَى يَدَيْهِ) إفراغًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «ثمَّ مضمض» بحذف التَّاء (وَاسْتَنْثَرَ) أي: أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إِلَى) أي: مع (المَِرْفَِقِ) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس، غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُسْرَى إِلَى) أي: مع (المَِرْفَِقِ) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) هل الباء للتَّبعيض أو الاستعانة أو غير ذلك؟ خلافٌ مشهورٌ يترتَّب عليه ما مرَّ في الوضوء من كون الواجب مسح الكلِّ أو البعض، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ مسح رأسه» بحذف الباء، ولم يذكر في المسح تثليثًا، وهو مذهب الأئمَّة الثَّلاثة، واحتجَّ الشَّافعيُّ بحديث أبي داود عن عثمان: أنَّه مسح برأسه ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ (٣) اليُمْنَى) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ) غسل رجله (اليُسْرَى) غسلًا (ثَلَاثًا) وحذف: «غسل رجله»؛ لدلالة السَّابق (٤) عليه (ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وعند

المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٣٣] «مثل وضوئي» وهو ينفي ما قرَّره النَّوويُّ من التَّفرقة بين «مثل» و «نحو»، وسبق مبحث ذلك في الوضوء (ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) وفي «الوضوء» [خ¦١٥٩] صلَّى بلفظ الماضي (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ) من باب التَّفعُّل (١) المقتضي للتَّكسُّب من حديث النَّفس، وهذا دفعه ممكنٌ؛ بخلاف ما يهجم فإنَّه معفوٌّ عنه لتعذُّره (٢) (فِيهِمَا) أي: في (٣) الرَّكعتين (بِشَيْءٍ) وفي «مسند أحمد» والطَّبرانيِّ في (٤) «الأوسط»: «لا يحدِّث نفسه (٥) فيهما إلَّا بخيرٍ» أي: كمعاني المتلوِّ من القرآن والذِّكر والدُّعاء الحاضر من نفسه أو إمامه، أمَّا فيما لا يتعلَّق بالصَّلاة أو لا يتعلَّق بقراءةٍ أو ذكرٍ أو دعاءٍ حاضرٍ بل في الجملة فلا؛ كما قرَّره ابن عبد السَّلام وغيره، وفي بعض الرِّوايات -كما عند التِّرمذيِّ الحكيم في «كتاب الصَّلاة» له-: «لا يحدِّث فيهما نفسه بشيءٍ من الدُّنيا» (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وهذا الحديث ليس فيه شيءٌ من أحكام الصِّيام، لكن أدخله في هذا الباب لمعنًى لطيفٍ؛ وذلك أنَّه أخذ شرعيَّة السِّواك للصَّائم بالدَّليل الخاصِّ، ثمَّ انتزعه من الأدلَّة (٦) العامَّة التي تناولت أحوال متناول السِّواك، وأحوال عود السِّواك من رطوبةٍ ويبوسةٍ، ثمَّ انتزع ذلك من أعمَّ من ذلك وهو المضمضة؛ إذ هي أبلغ من السِّواك الرَّطب، وأصل هذا الانتزاع لابن سيرين حين (٧) قال

محتجًّا على السِّواك الأخضر: والماء له طعمٌ. انتهى. وقد كره مالكٌ الاستياك بالرَّطب للصَّائم لِمَا يتحلَّل منه، والشَّافعيُّ وأحمد: بعد الزَّوال قال ابن دقيق العيد في ذلك (١): ويحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ بهذا الوقت يخصُّ به عموم حديث «الصَّحيحين» [خ¦٨٨٧] «عند كلِّ صلاةٍ»، ورواية النَّسائيِّ وغيره: «عند كلِّ وضوءٍ»، وهو حديث الخُلُوف، وعبارة الشَّافعيِّ: أحبُّ السِّواك عند كلِّ وضوءٍ باللَّيل والنَّهار إلَّا أنِّي أكرهه للصَّائم آخر النَّهار من أجل الحديث [خ¦١٨٩٤] في خُلُوف فم (٢) الصَّائم. انتهى. وليس في هذه العبارة تقييدُ ذلك بالزَّوال فلذا قال الماورديُّ: لم يحدَّ الشَّافعيُّ الكراهة بالزَّوال، وإنَّما ذكر العشيَّ، فحدَّه الأصحاب بالزَّوال. انتهى. واسم العشيِّ صادقٌ بدخول أوَّل النِّصف الأخير من النَّهار، وقيل: لا يُؤقَّت بحدٍّ معيَّنٍ، بل يترَك متى عرف أنَّ تغيُّر فمه ناشئٌ عن الصِّيام، وذلك يختلف باختلاف أحوال النَّاس، وباختلاف بُعْدِ عهده عن الطَّعام (٣) وقرب عهده به لكونه لم يتسحَّر أو تسحَّر، وفرَّق بعض أصحابنا بين الفرض والنَّفل، فكرهه في الفرض بعد الزَّوال، ولم يكرهه في النَّفل لأنَّه أبعد من الرِّياء، وقد أخذ مالكٌ وأبو حنيفة بعموم الحديث استحبابه للصَّائم قبل الزَّوال وبعده، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: إنَّه المختار، وقال بعضهم: السِّواك مطهرةٌ للفم فلا يُكرَه كالمضمضة للصَّائم، لا سيَّما وهي رائحةٌ تتأذَّى بها الملائكة، فلا تُترَك هنالك، وأمَّا الخبر ففائدته عظيمةٌ بديعةٌ؛ وهي أنَّ النَّبيَّ إنَّما مدح الخُلُوف نهيًا للنَّاس عن تقذُّر مكالمة الصَّائمين (٤) بسبب الخلوف، لا نهيًا للصُّوَّام عن السِّواك، والله غنيٌّ عن وصول الرَّائحة الطَّيِّبة إليه، فعلمنا يقينًا أنَّه لم يُرِد بالنَّهي استبقاء الرَّائحة، وإنَّما أراد نهيَ النَّاس عن كراهتها، قال: وهذا التَّأويل أَوْلى لأنَّ فيه إكرامًا للصَّائم (٥)، ولا تعرُّض فيه للسِّواك فيُذكَر أو يُتأوَّل.

وحديث الباب قد سبق في «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩].

(٢٨) (بابُ) ما جاء في (قَوْلِ النَّبِيِّ : إِذَا تَوَضَّأَ) أحدكم (فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ المَاءَ) بفتح الميم وكسر الخاء، وقد تُكسَر الميم إتباعًا للخاء، وهذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه مسلمٌ، قال المؤلِّف: (وَلَمْ يُمَيِّزْ) في حديث مسلمٍ المذكور (بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ) بل ذكره على العموم، ولو كان بينهما فرقٌ لميَّزه ، نعم وقع في حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه التَّمييزُ بين الصَّائم وغيره، ولفظه: أنَّ النَّبيَّ قال له: «بَالِغْ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا» رواه أصحاب «السُّنن»، وصحَّحه ابن خزيمة (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بنحوه: (لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ) بفتح السِّين وقد تُضَمُّ: ما يُصَبُّ من الدَّواء في الأنف (١) (لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلْ) أي: السَّعوط (إِلَى حَلْقِهِ) أو ما يُسمَّى جوفًا، فإن وصل أفطر وقضى يومًا (وَيَكْتَحِلُ) أي: الصَّائم، وهو من كلام الحسن.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (إِنْ تَمَضْمَضَ) الصَّائم (ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ المَاءِ لَا يَضِيرُهُ) (٢) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بعد الضَّاد المعجمة المكسورة، من: ضاره يضيره ضيرًا؛ بمعنى: ضرَّه، ولابن عساكر: «لم» بدل «لا»، ولابن عساكر في نسخةٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يضرُّه» من «ضرَّه» بالتَّشديد (إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ) أي: لم (٣) يبلع (٤) (رِيقَهُ) وهذا يقتضي أنَّه إن (٥) ازدرده ضرَّ، وفيه نظرٌ لأنَّه بعد الإفراغ يصير الرِّيق خالصًا ولا فطر به، ولأبي الوقت: «لا يَضِيرُه أَن يزدردَ ريقه» فأسقط «لم» وفتح الهمزة ونصب (٦) «يزدردَ» أي: لا يضرُّه أن يبتلع ريقه

خاصَّةً (١) لأنَّه لا ماء فيه بعد تفريغه له؛ ولذا قال: (وَمَاذَا) أي: وأي شيءٍ (بَقِيَ فِي فِيهِ؟) في فمه بعد أن يمجَّ الماء إلَّا أثر الماء؟ فإذا بلع ريقه لم (٢) يضرَّه، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر -كما في الفرع-: «وما بقي» فأسقط لفظة «ذا» وحينئذٍ فـ «ما» موصولةٌ، ولفظة: «ذا» ثابتةٌ عند سعيد بن منصورٍ وعبد الرَّزَّاق (٣)، قال في «الفتح»: ووقع في أصل «البخاريِّ»: «وما بقي» أي: بإسقاط: «ذا» قال ابن بطَّالٍ: وظاهره إباحة الازدراد لما بقي في الفم من ماء المضمضة، وليس كذلك لأنَّ عبد الرَّزَّاق رواه بلفظ: «وماذا بقي»، فكأنَّ «ذا» سقطت من رواية البخاريِّ. انتهى. ولعلَّه لم يقف على الرِّواية المثبتة لها.

(وَلَا يَمْضُغُ) أي: لا يلوك الصَّائم (العِلْكَ) بكسر العين المهملة وسكون اللَّام؛ كالمُصْطَكَى، وقوله: «يمضُغ» بفتح الضَّاد وضمِّها، وبالفتح عند أبي ذرٍّ، وللمُستملي -كما في «الفتح» - ولابن عساكر -كما في الفرع-: «ويمضغ العلك» بإسقاط: «لا»، والرِّواية الأولى أَولى (فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ) فمه مع ما تحلَّب من (العِلْكِ لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ) عند (٤) الجمهور وبه قال الشَّافعيُّ: إنَّه إن تحلَّب (٥) منه شيءٌ فازدرده أفطر، ورخَّص الأكثرون في الذي لا يتحلَّب منه شيءٌ، نعم كرهه الشَّافعيُّ من جهة كونه يجفِّف ويعطِّش (فَإِنِ اسْتَنْثَرَ) أي: استنشق في الوضوء (فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَا بَأْسَ) لأنَّه (٦) (لَمْ يَمْلِكْ) منع دخول الماء في حلقه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر قوله: «فإن استنثر … » إلى آخره.

(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الصَّائم (فِي) نهار شهر (رَمَضَانَ) عامدًا وجبت عليه الكفَّارة (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) حال كونه (رَفَعَهُ) أي: الحديث الآتي إلى النَّبيِّ وهو: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «من غير علَّةٍ» (وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ) قال المظهريُّ: يعني: لم يجد فضيلة الصَّوم المفروض بصوم النَّافلة، وليس معناه: أنَّ صيام الدَّهر بنيَّة قضاء يومٍ من رمضان لا يسقط عنه قضاء ذلك اليوم، بل يجزئه قضاء يومٍ بدلًا عن يومٍ، وقال شارح «المشكاة»: هو من باب التَّشديد والمبالغة ولذلك أكَّده بقوله: (وَإِنْ صَامَهُ) حقَّ الصِّيام ولم يقصِّر فيه وبذل جهده وطاقته، وزاد في المبالغة (١) حيث أسند القضاء إلى الصَّوم إسنادًا مجازيًّا، وأضاف الصَّوم إلى الدَّهر؛ إجراءً للظَّرف مجرى المفعول به؛ إذ الأصل: لم يقضِ هو في الدَّهر إذا صامه، وقال ابن المُنيِّر: يعني: أنَّ القضاء لا يقوم مقام الأداء ولو صام عوض اليوم دهرًا، ويُقال بموجبه: فإنَّ الإثم لا يسقط بالقضاء، ولا سبيل إلى اشتراك (٢) القضاء والأداء في كمال (٣) الفضيلة، فقوله: «لم يقضه صيام الدَّهر» أي: في وصفه الخاصِّ به؛ وهو الكمال وإن كان يقضي عنه في وصفه العامِّ المنحطِّ عن كمال الأداء، هذا هو اللَّائق بمعنى الحديث، ولا يُحمَل على نفي القضاء بالكلِّيَّة، ولا تُعهَد عبادةٌ واجبةٌ مُؤقَّتةٌ لا تقبل القضاء إلَّا الجمعة لأنَّها لا تجتمع بشروطها إلَّا في يومها وقد فات، أو في مثله وقد اشتغلت الذِّمَّة بالحاضرة فلا تسع الماضية. انتهى. قال في «فتح الباري»: ولا يخفى تكلُّفه، وسياق أثر ابن مسعودٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- (٤) يردُّ هذا التَّأويل، وهذا الحديث قد وصله أصحاب «السُّنن الأربعة»،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَنَّهَا كَانَت عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأتى بقصعة من ثريد فَأكلت مَعَه وَمَعَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فناولها رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عرقا فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ يَا أم إِسْحَق أصيبي من هَذَا فَذكرت أَنِّي كنت صَائِمَة فبردت يَدي لَا أقدمها وَلَا أؤخرها فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا لَك قَالَت كنت صَائِمَة فنسيت فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ الْآن بَعْدَمَا شبعت فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أتمي صومك فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْك " وبشار بن عبد الْملك الْمُزنِيّ ضعفه يحيى بن معِين وَأم حَكِيم اسْمهَا خَوْلَة قَوْله " إِذا نسي " أَي الصَّائِم قَوْله " فَأكل وَشرب " ويروى " أَو شرب " قَوْله " فليتم صَوْمه " وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ " فَلَا يفْطر " قَالَ شَيخنَا يجوز أَن يكون لَا فِي جَوَاب الشَّرْط للنَّهْي وَيفْطر مَجْزُومًا وَيجوز أَن تكون لَا نَافِيَة وَيفْطر مَرْفُوعا وَهُوَ أولى فَإِنَّهُ لم يرد بِهِ النَّهْي عَن الْإِفْطَار وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه لم يحصل إفطار النَّاسِي بِالْأَكْلِ وَيكون تَقْدِيره من أكل أَو شرب نَاسِيا لم يفْطر قَوْله " فَإِنَّمَا " تَعْلِيل لكَون النَّاسِي لَا يفْطر وَوجه ذَلِك أَن الرزق لما كَانَ من الله لَيْسَ فِيهِ للْعَبد تحيل فَلَا ينْسب إِلَيْهِ شبه الْأكل نَاسِيا بِهِ لِأَنَّهُ لَا صنع للْعَبد فِيهِ وَإِلَّا فالأكل مُتَعَمدا حَيْثُ جَازَ لَهُ الْفطر رزق من الله تَعَالَى بِإِجْمَاع الْعلمَاء وَكَذَلِكَ هُوَ رزق وَإِن لم يجز لَهُ الْفطر على مَذْهَب أهل السّنة وَقد يسْتَدلّ بِمَفْهُوم هَذَا الحَدِيث من يَقُول بِأَن الْحَرَام لَا يُسمى رزقا وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَالْمَسْأَلَة مقررة فِي الْأُصُول (فَإِن قلت) كَيفَ وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْأكل وَالشرب نَاسِيا لَا يُوجب شَيْئا وَلَا ينْقض صَوْمه (قلت) قَوْله " فليتم " أَمر بالإتمام وسمى الَّذِي يتمه صوما وَالْحمل على الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة هُوَ الْوَجْه ثمَّ لَا فرق عندنَا وَعند الشَّافِعِي بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِيهِ وَجْهَان كالوجهين فِي بطلَان الصَّلَاة بالْكلَام الْكثير وَحمل بعض الشَّافِعِيَّة الحَدِيث على صَوْم التَّطَوُّع حَكَاهُ ابْن التِّين عَن ابْن شعْبَان وَكَذَا قَالَ ابْن الْقصار لِأَنَّهُ لم يَقع فِي الحَدِيث تعْيين رَمَضَان فَيحمل على التَّطَوُّع وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره لم لم يذكر فِي الحَدِيث إِثْبَات الْقَضَاء فَيحمل على سُقُوط الْكَفَّارَة عَنهُ وَإِثْبَات عذره وَرفع الْإِثْم عَنهُ وَبَقَاء نِيَّته الَّتِي بَيتهَا وَالْجَوَاب عَن ذَلِك كُله بِمَا رَوَاهُ ابْن حبَان من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور آنِفا فَإِن فِيهِ تعْيين رَمَضَان وَنفي الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة (فَإِن قلت) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ تفرد بِهِ مُحَمَّد بن مَرْزُوق عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ (قلت) أخرجه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَاهِلِيّ وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق أبي حَازِم الرَّازِيّ كِلَاهُمَا عَن الْأنْصَارِيّ -

٧٢ - (بابٌ السوَاكُ الرَّطْبُ والْيابِسُ لِلصَّائِمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِعْمَال السِّوَاك الرطب، وَبَيَان حكم اسْتِعْمَال السِّوَاك الْيَابِس. قَوْله: (الرطب واليابس) ، صفتان للسواك، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع: بَاب سواك الرطب واليابس، من قبيل قَوْلهم: مَسْجِد الْجَامِع، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الصّفة لَا يُضَاف إِلَيْهَا موصوفها، فَإِن وجد ذَلِك يقدر مَوْصُوف كَمَا فِي هَذِه الصُّورَة، وَالتَّقْدِير: مَسْجِد الْمَكَان الْجَامِع، وَكَذَلِكَ قَوْلهم: صَلَاة الأولى أَي: صَلَاة السَّاعَة الأولى، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي: سواك الرطب، سواك الشّجر الرطب. قلت: مَذْهَب الْكُوفِيّين فِي هَذَا أَن الصّفة يذهب بهَا مَذْهَب الْجِنْس، ثمَّ يُضَاف الْمَوْصُوف إِلَيْهَا كَمَا يُضَاف بعض الْجِنْس إِلَيْهِ، نَحْو: خَاتم حَدِيد، فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير مَحْذُوف، وَقَالَ بَعضهم: وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من كره للصَّائِم الاستياك بِالسِّوَاكِ الرطب كالمالكية وَالشعْبِيّ قلت: لم يكن مُرَاده أصلا من وضع هَذِه التَّرْجَمَة مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا لما أورد فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا فِيهِ الَّتِي دلّت بعمومها على جَوَاز الاستياك للصَّائِم مُطلقًا، سَوَاء كَانَ سواكا رطبا أَو سواكا يَابسا ترْجم لذَلِك بقوله: بَاب السِّوَاك الرطب ... إِلَى آخِره.

ويُذْكَرُ عنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ رَأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَاكُ وهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي أوْ أعُدُّ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَدِيث دلَالَة عُمُوم قَوْله: (يستاك) على جَوَاز الاستياك مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الاستياك بِالسِّوَاكِ الرطب أَو الْيَابِس، وَسَوَاء كَانَ صَائِما فرضا أَو تَطَوّعا، وَسَوَاء كَانَ فِي أول النَّهَار أَو فِي آخِره. وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي: بَاب اغتسال الصَّائِم، وَيذكر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه استاك وَهُوَ صَائِم، وَذكر هُنَا: وَيذكر عَن عَامر بن ربيعَة ... إِلَى آخِره، وَذكرنَا

هُنَاكَ أَن حَدِيث عَامر بن ربيعَة هَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مَوْصُولا، وَإِنَّمَا ذكر فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِصِيغَة التمريض، لِأَن فِي سَنَده: عَاصِم بن عبيد الله، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، فَليرْجع إِلَيْهِ من يُرِيد الْوُقُوف عَلَيْهِ.

وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله: (بِالسِّوَاكِ) أَعم من السِّوَاك الرطب والسواك الْيَابِس، ومضمون الحَدِيث يَقْتَضِي إِبَاحَته فِي كل وَقت، وَفِي كل حَال، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق النَّسَائِيّ عَن سُوَيْد بن نصر: أخبرنَا عبد الله عَن عبيد الله عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي (الْمُوَطَّأ) : عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: (لَوْلَا أَن يشق على أمته لأمرهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء) ، قَالَ أَبُو عمر: هَذَا يدْخل فِي الْمسند عِنْدهم لاتصاله من غير مَا وَجه، وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ أَكثر الروَاة عَن مَالك، وَرَوَاهُ بشر بن عمر وروح بن عبَادَة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء) ، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من حَدِيث روح، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي ومطرف بن عبد الرَّحْمَن وَابْن عتمة بِمَا يَقْتَضِي أَن لَفظهمْ: (مَعَ كل وضوء) ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) مصححا بِلَفْظ: (لفرضت عَلَيْهِم السِّوَاك مَعَ كل وضوء) ، وَرَوَاهُ الْمثنى عَنهُ: (مَعَ كل طَهَارَة) ، وَرَوَاهُ أَبُو معشر عَنهُ: (لَوْلَا أَن أشق على النَّاس لأمرتهم عِنْد كل صَلَاة بِوضُوء، وَمَعَ الْوضُوء بسواك) . وَالله أعلم.

ويُرْوَى نَحْوُهُ عنْ جابِرٍ وزَيْدِ بنِ خالِدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: يرْوى نَحْو حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن من مشاهير الصَّحَابَة، وَهَذَانِ التعليقان رَوَاهُمَا أَبُو نعيم الْحَافِظ. فَالْأول من حَدِيث إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي عَن عبد الله بن عقيل عَنهُ بِلَفْظ: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) ، وَالثَّانِي من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن أبي سَلمَة عَن زيد، وَلَفظه: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) وَإِنَّمَا ذكره بِصِيغَة التمريض لأجل مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَإِنَّهُ لم يحْتَج بِهِ، وَلَكِن ذكره فِي (المتابعات) . وَأما الأول فضعفه ظَاهر بِابْن عقيل الْفَروِي، فَإِنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ، وروى ابْن عدي حَدِيث جَابر من وَجه آخر بِلَفْظ: (لجعلت السِّوَاك عَلَيْهِم عَزِيمَة) ، وَإِسْنَاده ضَعِيف. فَإِن قلت: هَل فرق بَين قَوْله: (نَحوه) ، وَبَين قَوْله: (مثله؟) قلت: إِذا كَانَ الحديثان على لفظ وَاحِد يُقَال: مثله، وَإِذا كَانَ الثَّانِي على مثل مَعَاني الأول يُقَال: نَحوه.

وَاخْتلف أهل الحَدِيث فِيمَا إِذا روى الرَّاوِي حَدِيثا بِسَنَدِهِ ثمَّ ذكر سندا آخر وَلم يسق لفظ مَتنه، وَإِنَّمَا قَالَ بعده: مثله، أَو: نَحوه، فَهَل يسوغ للراوي عَنهُ أَن يروي لفظ الحَدِيث الْمَذْكُور أَولا لإسناد الثَّانِي أم لَا؟ على ثَلَاثَة مَذَاهِب. أظهرها: أَنه لَا يجوز مُطلقًا. وَهُوَ قَول شُعْبَة وَرجحه ابْن الصّلاح وَابْن دَقِيق الْعِيد. وَالثَّانِي: أَنه إِن عرف الرَّاوِي بالتحفظ والتمييز للألفاظ جَازَ، وإلَاّ فَلَا، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَابْن معِين. وَالثَّالِث: وَهُوَ اخْتِيَار الْحَاكِم: التَّفْرِقَة بَين قَوْله: مثله، وَبَين قَوْله: نَحوه، فَإِن قَالَ: مثله، جَازَ بِالشّرطِ الْمَذْكُور، وَإِن قَالَ: نَحوه، لم يجز، وَهُوَ قَول يحيى بن معِين. وَقَالَ الْخَطِيب: هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن معِين بِنَاء على منع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، فَأَما على جَوَازهَا فَلَا فرق.

ولَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِه

هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أَي: لم يخص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ من الصَّحَابَة أَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَزيد بن خَالِد الْمَذْكُور الْآن الصَّائِم من غير الصَّائِم، وَلَا السِّوَاك الْيَابِس من غَيره، فَيدْخل فِي عُمُوم الْإِبَاحَة كل جنس من السِّوَاك رطبا إو يَابسا، وَلَو افترق الحكم فِيهِ بَين الرطب واليابس فِي ذَلِك لبينه، لِأَن الله عز وَجل فرض عَلَيْهِ الْبَيَان لأمته.

وقالَتْ عائِشَةُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ

وَقع هَذَا فِي بعض النّسخ مقدما فَوق حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَلَيْسَ هَذَا وَحده، بل وَقع فِي غير رِوَايَة أبي ذَر فِي سِيَاق الْآثَار، وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَلَيْسَ يَبْنِي عَلَيْهِ عَظِيم أَمر، وَأما التَّعْلِيق عَن عَائِشَة فوصله أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي عَتيق مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق عَن أَبِيه عَنْهَا.

قَوْله: (مطهرة) ، بِفَتْح الْمِيم: إِمَّا مصدر ميمي بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل من التَّطْهِير، وَإِمَّا بِمَعْنى الْآلَة. وَفِي (الصِّحَاح) : المطهرة والمطهرة يَعْنِي: بِفَتْح الْمِيم وكسرهما، الْإِدَاوَة، وَالْفَتْح أَعلَى، وَالْجمع: الْمَطَاهِر، وَيُقَال: السِّوَاك مطهرة للفم. قَوْله: (مرضاة للرب) ، المرضاة بِالْفَتْح مصدر ميمي بِمَعْنى الرضى، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الْمَفْعُول أَي مرضى الرب، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُمكن أَن يُقَال إِنَّهَا مثل (الْوَلَد المبخلة مجينة) : أَي السِّوَاك مَظَنَّة للطَّهَارَة والرضى أَي يحمل السِّوَاك الرجل على الطَّهَارَة ورضى الرب، وَعطف مرضاة يحْتَمل التَّرْتِيب بِأَن تكون الطَّهَارَة بِهِ عِلّة للرضى، وَأَن يَكُونَا مستقلين فِي الْعلية قلت: يُؤْخَذ الْجَواب من هَذَا السُّؤَال من يسْأَل: كَيفَ يكون السِّوَاك سَببا لرضى الله تَعَالَى؟ وَيُمكن أَن يُقَال أَيْضا: من حَيْثُ إِن الْإِتْيَان بالمندوب مُوجب للثَّواب، وَمن جِهَة أَنه مُقَدّمَة للصَّلَاة، وَهِي مُنَاجَاة الرب، وَلَا شكّ أَن طيب الرَّائِحَة يَقْتَضِي رضى صَاحب الْمُنَاجَاة.

وَقَالَ عَطَاءٌ وقَتَادَةُ يَبْتَلعُ رِيقَهُ

أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة بن دعامة: يبتلع الصَّائِم رِيقه: يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء إِذا بلع رِيقه، وَقد ذكرنَا عَن قريب عَن أَصْحَابنَا أَن الصَّائِم إِذا جمع رِيقه فِي فَمه ثمَّ ابتلعه لم يفْطر، وَلكنه يكره. قَوْله: (يبتلع) ، من بَاب الافتعال، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: يبلع من البلع، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: يتبلع من بَاب التفعل الَّذِي يدل على التَّكَلُّف، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن المارك (عَن ابْن جريج قلت: لعطاء: الصَّائِم يمضمض ثمَّ يزدرد رِيقه وَهُوَ صَائِم؟ قَالَ: لَا يضرّهُ، وَمَا بَقِي فِي فِيهِ) ؟ وَكَذَلِكَ أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، وَوَقع فِي أصل البُخَارِيّ: وَمَا بَقِي فِيهِ؟ وَقَالَ ابْن بطال: ظَاهِرَة إِبَاحَة الازدراد لما بَقِي فِي الْفَم من مَاء الْمَضْمَضَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ بِلَفْظ: (وماذا بَقِي فِي فِيهِ؟) فَكَأَن: ذَا، سَقَطت من رُوَاة البُخَارِيّ، وَأثر قَتَادَة وَصله عبد بن حميد فِي التَّفْسِير عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ نَحْو مَا روى عَن عَطاء.

٤١ - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا معمر قَالَ حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن حمْرَان قَالَ رَأَيْت عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ تَوَضَّأ فأفرغ على يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثمَّ تمضمض واستنثر ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا ثمَّ غسل يَده الْيُمْنَى إِلَى الْمرْفق ثَلَاثًا ثمَّ غسل يَده الْيُسْرَى إِلَى الْمرْفق ثَلَاثًا ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ غسل رجله الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث نَفسه فيهمَا بِشَيْء إِلَّا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) قد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي بَاب الْوضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب إِلَى آخِره وَأخرجه هُنَا عَن عَبْدَانِ وَهُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن معمر بن رَاشد الْأَزْدِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره ومناسبة ذكره هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب فِي قَوْله " تَوَضَّأ " فَإِن مَعْنَاهُ تَوَضَّأ وضُوءًا كَامِلا جَامعا للسنن وَمن جملَته السِّوَاك وَقَالَ ابْن بطال حَدِيث عُثْمَان حجَّة وَاضِحَة فِي إِبَاحَة كل جنس من السِّوَاك رطبا كَانَ أَو يَابسا وَهُوَ انتزاع ابْن سِيرِين مِنْهُ حِين قَالَ لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب

فَقيل لَهُ طعم فَقَالَ وَالْمَاء لَهُ طعم وَهَذَا لَا انفكاك مِنْهُ لِأَن المَاء أرق من ريق السِّوَاك وَقد أَبَاحَ الله تَعَالَى الْمَضْمَضَة بِالْمَاءِ فِي الْوضُوء للصَّائِم قَوْله " بِشَيْء " أَي بِمَا لَا يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ قَوْله " إِلَّا غفر لَهُ " ويروى بِدُونِ كلمة الِاسْتِثْنَاء وَوجه الِاسْتِثْنَاء هُوَ الِاسْتِفْهَام الإنكاري الْمُفِيد للنَّفْي وَيحْتَمل أَن يُقَال المُرَاد لَا يحدث نَفسه بِشَيْء من الْأَشْيَاء فِي شَأْن الرَّكْعَتَيْنِ إِلَّا بِأَنَّهُ قد غفر لَهُ وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ -

٨٢ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا تَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخرِهِ المَاءَ)

أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا تَوَضَّأ ... إِلَى آخِره، وَهَذِه الْقطعَة من حَدِيث لم يوصلها البُخَارِيّ وأوصلها مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن رَافع، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن همام، قَالَ: حَدثنَا معمر عَن قَتَادَة عَن همام بن مُنَبّه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا، وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليستنشق بمنخريه من المَاء ثمَّ ليستنثر) ، وَفِي لفظ لَهُ من رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: (يبلغ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِذا استجمر أحدكُم فليستجمر وترا، وَإِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل فِي أَنفه مَاء ثمَّ ليستنثر) . قَوْله: (إِذا تَوَضَّأ) أَي: أحدكُم، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (بمنخره) ، المنخر ثقب الْأنف، وَقد تكسر الْمِيم اتبَاعا للخاء.

ولَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وغَيْرِهِ

هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، أَي: لم يُمَيّز النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بَين الصَّائِم وَغَيره، بل ذكره على الْعُمُوم، وَلَو كَانَ بَينهمَا فرق لميزه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَكِن جَاءَ تَمْيِيز الصَّائِم من غَيره فِي الْمُبَالغَة فِي ذَلِك كَمَا ورد فِي حَدِيث عَاصِم بن لَقِيط بن صبره عَن أَبِيه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: (بَالغ فِي الِاسْتِنْشَاق إلَاّ أَن تكون صَائِما) ، رَوَاهُ أَصْحَاب (السّنَن) وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره.

وَقَالَ الحَسَنُ لَا بأسَ بالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إنْ لَمْ يصِلْ إلَى حَلْقِهِ ويَكْتَحِلُ

هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هِشَام عَنهُ نَحوه، والسعود بِفَتْح السِّين وَقد يرْوى بضَمهَا، هُوَ الدَّوَاء الَّذِي يصب فِي الْأنف. قَوْله: (إِن لم يصل) أَي: السعوط إِلَى حلقه، وَقيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا وصل إِلَى حلقه يضر صَوْمه وَيَقْضِي يَوْمًا. قَوْله: (ويكتحل) من كَلَام الْحسن، أَي: يكتحل الصَّائِم، يَعْنِي: يجوز للصَّائِم الاكتحال، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب مستقصىً.

وَقَالَ عَطَاءٌ إنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أفْرَغَ مَا فِيهِ مِنَ المَاءِ لَا يَضِيرُهُ إنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ وماذَا بَقِيَ فِي فِيهِ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جريج عَنهُ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب عِنْد قَوْله: وَقَالَ عَطاء قَتَادَة: يبتلع رِيقه. قَوْله: (لَا يضيره) ، من ضاره يضيره ضيرا، بِمَعْنى: ضره، وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: لَا يضرّهُ من ضره بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (إِن لم يزدرد) أَي: لم يبلع رِيقه. قَوْله: (وماذا بَقِي فِي فِيهِ؟) أَي: فِي فَمه، وَهَذِه الْجُمْلَة وَقعت حَالا، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (وَمَا بَقِي فِي فِيهِ) ، فكلمة: مَا، على رِوَايَة البُخَارِيّ مَوْصُولَة، وعَلى رِوَايَة: (مَاذَا بَقِي فِي فِيهِ) استفهامية، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأي شَيْء يبْقى فِي فِيهِ بعد أَن يمج المَاء إلَاّ أثر المَاء؟ فَإِذا بلع رِيقه لَا يضرّهُ، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) : بِخَطِّهِ: لَا يضيره، لِأَنَّهُ لم يزدرد رِيقه أَي: يبلع رِيقه.

ولَا يَمْضَغُ العِلْكَ فانِ ازْدَرَدَ رِيقَ العِلْكِ لَا أقُولُ إنَّهُ يُفْطِرُ ولاكِنْ يُنْهَى عَنْهُ فإنْ اسْتَنْثَرَ فدَخَلَ المَاءَ حَلْقَهُ لَا بأسَ لأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ

لَا يمضغ العلك بِكَلِمَة: لَا، رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ويمضغ العلك، بِدُونِ كلمة لَا وَالْأول أولى، وَكَذَلِكَ أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، قلت لعطاء: يمضغ الصَّائِم العلك؟ قَالَ: لَا. قلت: إِنَّه يمج ريق العلك وَلَا يزدرده وَلَا يمصه؟ قَالَ: نعم. وَقلت لَهُ: أيتسوك الصَّائِم؟ قَالَ: نعم. قلت: أيزدرد رِيقه؟ قَالَ: لَا. قلت: فَفعل أيضره؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن ينْهَى عَن ذَلِك، والعلك بِكَسْر

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله