«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٥٥

الحديث رقم ٢٧٥٥ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل ينتفع الواقف بوقفه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة فقال…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ. فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ.»

سند حديث: ٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنَا…

٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة فقال…

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَنقل صَاحب (التَّلْوِيح) : عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه قَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا وَابْن عَبَّاس أَيْضا مرسلان، لِأَن الْآيَة نزلت بِمَكَّة، وَابْن عَبَّاس كَانَ صَغِيرا، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم بِالْمَدِينَةِ. وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ يُمكن أَن يَكُونَا سمعا ذَلِك من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من صَحَابِيّ آخر.

ثمَّ إِن الْإِجْمَاع قَامَ على أَن اسْم الْوَلَد يَقع على الْبَنِينَ وَالْبَنَات، وَأَن النِّسَاء الَّتِي من صلبه وعصبته كالابنة وَالْأُخْت والعمة يدخلن فِي الْأَقَارِب إِذا وقف على أَقَاربه، أَلا ترى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خص عمته بالنذارة كَمَا خص ابْنَته، وَكَذَلِكَ من كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّن يجمعه مَعَه أَب وَاحِد، وروى أَشهب عَن مَالك: أَن الْأُم لَا تدخل. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تدخل الْأُم فِي ذَلِك وَلَا تدخل الْأَخَوَات لأم.

وَاخْتلفُوا فِي ولد الْبَنَات وَولد العمات مِمَّن لَا يجْتَمع مَعَ الْمُوصى والمحبس فِي أَب وَاحِد، هَل يدْخلُونَ بِالْقَرَابَةِ أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا وقف وقف على وَلَده دخل فِيهِ ولد وَلَده وَولد بَنَاته مَا تَنَاسَلُوا، وَكَذَلِكَ إِذا أوصى لِقَرَابَتِهِ يدْخل فِيهِ ولد الْبَنَات، والقرابة عِنْد أبي حنيفَة: كل ذِي رحم، فَسقط عِنْده ابْن الْعم والعمة وَابْن الْخَال وَالْخَالَة، لأَنهم لَيْسُوا بمحرمين، والقرابة عِنْد الشَّافِعِي: كل ذِي رحم محرم وَغَيره، وَلم يسْقط عِنْده ابْن الْعم وَلَا غَيره، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : صحّح أَصْحَابه أَنه لَا يدْخل فِي الْقَرَابَة الْأُصُول وَالْفُرُوع وَيدخل كل قرَابَة وَإِن بعد. وَقَالَ مَالك: لَا يدْخل فِي ذَلِك ولد الْبَنَات وَقَوله: لقرابتي وعقبي، كَقَوْلِه: لوَلَدي، وَقَوله: وَلَدي، يدْخل فِيهِ: ولد الْبَنِينَ. وَمن يرجع إِلَى عصبَة الْأَب وصلبه، وَلَا يدْخل ولد الْبَنَات. وَحجَّة من أَدخل ولد الْبِنْت قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن ابْني هَذَا سيد فِي الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا) . وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى} (الحجرات: ٣١) . والتولد من جِهَة الْأُم كالتولد من جِهَة الْأَب، وَقد دلّ الْقُرْآن على ذَلِك قَالَ تَعَالَى: {وَمن ذُريَّته دَاوُد} إِلَى أَن قَالَ: {وَعِيسَى} (الْأَنْعَام: ٤٨) . فَجعل عِيسَى من ذُريَّته وَهُوَ ابْن بنته، وَلم يفرق فِي الِاسْم بَين ابْنه وَبَين بنته. وَأجِيب بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا سمى الْحسن ابْنا على وَجه التخنن، وَأَبوهُ فِي الْحَقِيقَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِلَيْهِ نسبه، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْعَبَّاس: (أتركوا لي أبي) ، وَهُوَ عَمه وَإِن كَانَ الْأَب حَقِيقَة خِلَافه وَعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، جرى عَلَيْهِ اسْم الذُّرِّيَّة على طَرِيق الاتساع.

قَوْله: (سليني مَا شِئْت) ، فِيهِ أَن الائتلاف للْمُسلمين وَغَيرهم بِالْمَالِ جَائِز، وَفِي الْكَافِر آكِد.

تابَعَهُ أصْبَغُ عنِ ابنِ وهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ

هَذِه الْمُتَابَعَة أخرجهَا مُسلم عَن حَرْمَلَة عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب، وَأبي سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين أنزل الله عَلَيْهِ {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين ... } (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . الحَدِيث.

٢١ - (بابٌ هَلْ يَنْتَفعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل ينْتَفع الْوَاقِف بوقفه الَّذِي وَقفه؟ وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة: هَل، الاستفهامية لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وانتفاع الْوَاقِف بوقفه أَعم من أَن يكون الْوَقْف على نَفسه أَو أَن يَجْعَل جُزْءا كم ريعه على نَفسه، أَو أَن يَجْعَل النّظر عَلَيْهِ لنَفسِهِ.

وقدِ اشتَرَطَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا جناحَ على مَنْ وَليَهُ أنْ يأكُلَ

هَذِه قِطْعَة من قصَّة وقف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى مَوْصُولا فِي آخر الشُّرُوط. قيل: ذكره لاشْتِرَاط عمر، لَا حجَّة فِيهِ، لِأَن عمر أخرجهَا عَن يَده ووليها غَيره، فَجعل لمن وَليهَا أَن يَأْكُل على شَرطه. قَوْله: (أَن يَأْكُل) ويروى: (أَن يَأْكُل مِنْهَا) . وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز للْوَاقِف أَن ينْتَفع بوقفه. لِأَنَّهُ أخرجه لله تَعَالَى، وقطعه عَن ملكه، فانتفاعه بِشَيْء مِنْهُ رُجُوع فِي صدقته، وَقد نهى الشَّارِع عَن ذَلِك، وَإِنَّمَا يجوز لَهُ الِانْتِفَاع بِهِ إِن شَرط ذَلِك فِي الْوَقْف أَو إِن يفْتَقر الْمحبس أَو ورثته فَيجوز لَهُم الْأكل مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْقصار: من حبس دَارا أَو سِلَاحا أَو عبدا فِي سَبِيل الله، فأنفذ ذَلِك فِي وجوهه زَمَانا، ثمَّ أَرَادَ أَن ينْتَفع بِهِ مَعَ النَّاس، فَإِن كَانَ من حَاجَة فَلَا بَأْس، وَذكر ابْن حبيب عَن مالكٍ قَالَ: من حبس أصلا يجْرِي

لَا يحْتَاج إِلَى قبض الْغَيْر، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور مِنْهُم الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يَصح الْوَقْف حَتَّى يُخرجهُ عَن يَده، ويقبضه غَيره وَبِه قَالَ ابْن أبي ليلى وَمُحَمّد بن الْحسن وَحجَّة الْجُمْهُور أَن عمر وعلياً وَفَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أوقفوا أوقافاً وأمسكوها بِأَيْدِيهِم، وَكَانُوا يصرفون الِانْتِفَاع مِنْهَا فِي وُجُوه الصَّدَقَة، فَلم تبطل. وَاحْتج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِأَن الْوَقْف شَبيه بِالْعِتْقِ، لإشتراكهما فِي أَنَّهُمَا تمْلِيك لله تَعَالَى، فَينفذ بالْقَوْل الْمُجَرّد عَن الْقَبْض، وَيُفَارق الْهِبَة، فَإِنَّهَا تمْلِيك لآدَمِيّ، فَلَا يتمَّ إلَاّ بِالْقَبْضِ.

لأنَّ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أوْقَفَ وَقَالَ لَا جُنَاحَ علَى منْ ولِيَهُ أنْ يأكُلَ ولَمْ يخُصَّ إنْ ولِيَهُ عُمرُ أوْ غَيْرُهُ

هَذَا تَعْلِيل لقَوْله: فَهُوَ جَائِز، قيل: فِيهِ نظر، لِأَن غَايَة مَا ذكر عَن عمر هُوَ أَن كل من ولي الْوَقْف أُبِيح لَهُ التَّنَاوُل، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن كل أحد يسوغ لَهُ أَن يتَوَلَّى الْوَقْف الْمَذْكُور، بل الْوَقْف لَا بُد لَهُ من متولٍ. وَأجِيب: بِأَن عمر لما وقف ثمَّ شَرط لم يَأْمُرهُ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يُخرجهُ من يَده، فَكَانَ سُكُوته عَن ذَلِك دَالا على صِحَة الْوَقْف وَإِن لم يقبضهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ.

قَالَ النبيُّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي طَلْحَةَ أراى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ فَقَالَ أفْعَلُ فقَسَمَها فِي أقَارِبِهِ وبَني عَمِّهِ

أَرَادَ بِهَذَا أَيْضا الِاحْتِجَاج على عدم اشْتِرَاط الْقَبْض فِي جَوَاز الْوَقْف، وَهَذَا قد تقدم مَوْصُولا قَرِيبا. قَالَ الدَّاودِيّ: مَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على صِحَة الْوَقْف قبل الْقَبْض من قصَّة عمر وَأبي طَلْحَة حمل للشَّيْء على ضِدّه وتمثيله بِغَيْر جنسه وَدفع للظَّاهِر عَن وَجهه، لِأَنَّهُ هُوَ روى أَن عمر دفع الْوَقْف لابنته، وَأَن أَبَا طَلْحَة دفع صدقته إِلَى أبي بن كَعْب وَحسان. وَأجِيب بِأَن البُخَارِيّ: إِنَّمَا أَرَادَ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أخرج عَن أبي طَلْحَة ملكه بِمُجَرَّد قَوْله: (هِيَ لله صَدَقَة) ، وَبِهَذَا يَقُول مَالك: إِن الصَّدَقَة تلْزم بالْقَوْل، وَإِن كَانَ يَقُول: إِنَّهَا لَا تتمّ إلَاّ بِالْقَبْضِ، ونوزع فِي ذَلِك بِاحْتِمَال أَنَّهَا خرجت من يَد أبي طَلْحَة، وَاحْتِمَال أَنَّهَا استمرت فَلَا دلَالَة فِيهَا، وَدفع بِأَن أَبَا طَلْحَة أطلق صَدَقَة أرضه وفوض إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مصرفها فَلَمَّا قَالَ لَهُ: (أرى أَن تجعلها فِي الْأَقْرَبين) ففوض لَهُ قسمتهَا بَينهم، صَار كَأَنَّهُ أقرها فِي يَده بعد أَن مَضَت الصَّدَقَة. قلت: وَفِي نفس الحَدِيث: أَن الَّذِي تولى قسمتهَا هُوَ أَبُو طَلْحَة بِنَفسِهِ، وَالنَّبِيّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عين لَهُ جِهَة الْمصرف، لكنه أجمل لِأَنَّهُ قَالَ: (فِي الْأَقْرَبين) ، وَهَذَا مُجمل، وَلما لم يُمكن لَهُ أَن يقسمها على الْأَقْرَبين كلهم لكثرتهم وانتشارهم فَقَسمهَا على بَعضهم مِمَّن اخْتَار مِنْهُم.

٤١ - (بابٌ إذَا قَالَ دارِي صَدَقَةٌ لله ولَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أوْ غَيْرِهِمْ فَهْوَ جائزٌ ويَضَعُها فِي الأقرَبِينَ أوْ حيْثُ أرادَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا قَالَ شخص: دَاري هَذِه صَدَقَة لله، وَالْحَال أَنه لم يبين، يَعْنِي: هَل هِيَ على الْفُقَرَاء أَو غَيرهم، فَهُوَ جَائِز يَعْنِي: يتم وَقفه، فَإِن شَاءَ يَضَعهَا فِي أَقَاربه أَو حَيْثُ شَاءَ من الْجِهَات. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا قَالَ الرجل: أرضي هَذِه صَدَقَة، وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا أَنه يَنْبَغِي لَهُ أَن يتَصَدَّق بأصلها على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، أَو يَبِيعهَا وَيتَصَدَّق بِثمنِهَا على الْمَسَاكِين، وَلَا يكون وَقفا، وَلَو مَاتَ كَانَ جَمِيع ذَلِك مِيرَاثا بَين ورثته على كتاب الله تَعَالَى، وكل صَدَقَة لَا تُضَاف إِلَى أحد فَهِيَ للْمَسَاكِين.

قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي طَلْحَةَ حينَ قَالَ أحَبُّ أمْوَالِي إلَيَّ بِيرُحاءَ وأنَّها صدَقَةٌ لله فأجازَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذالِكَ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الِاحْتِجَاج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز وقف من قَالَ: دَاري هَذِه صَدَقَة، وَسكت عَلَيْهِ، وَلم يبين مصرفاً

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَنقل صَاحب (التَّلْوِيح) : عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه قَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا وَابْن عَبَّاس أَيْضا مرسلان، لِأَن الْآيَة نزلت بِمَكَّة، وَابْن عَبَّاس كَانَ صَغِيرا، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم بِالْمَدِينَةِ. وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ يُمكن أَن يَكُونَا سمعا ذَلِك من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من صَحَابِيّ آخر.

ثمَّ إِن الْإِجْمَاع قَامَ على أَن اسْم الْوَلَد يَقع على الْبَنِينَ وَالْبَنَات، وَأَن النِّسَاء الَّتِي من صلبه وعصبته كالابنة وَالْأُخْت والعمة يدخلن فِي الْأَقَارِب إِذا وقف على أَقَاربه، أَلا ترى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خص عمته بالنذارة كَمَا خص ابْنَته، وَكَذَلِكَ من كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّن يجمعه مَعَه أَب وَاحِد، وروى أَشهب عَن مَالك: أَن الْأُم لَا تدخل. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تدخل الْأُم فِي ذَلِك وَلَا تدخل الْأَخَوَات لأم.

وَاخْتلفُوا فِي ولد الْبَنَات وَولد العمات مِمَّن لَا يجْتَمع مَعَ الْمُوصى والمحبس فِي أَب وَاحِد، هَل يدْخلُونَ بِالْقَرَابَةِ أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا وقف وقف على وَلَده دخل فِيهِ ولد وَلَده وَولد بَنَاته مَا تَنَاسَلُوا، وَكَذَلِكَ إِذا أوصى لِقَرَابَتِهِ يدْخل فِيهِ ولد الْبَنَات، والقرابة عِنْد أبي حنيفَة: كل ذِي رحم، فَسقط عِنْده ابْن الْعم والعمة وَابْن الْخَال وَالْخَالَة، لأَنهم لَيْسُوا بمحرمين، والقرابة عِنْد الشَّافِعِي: كل ذِي رحم محرم وَغَيره، وَلم يسْقط عِنْده ابْن الْعم وَلَا غَيره، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : صحّح أَصْحَابه أَنه لَا يدْخل فِي الْقَرَابَة الْأُصُول وَالْفُرُوع وَيدخل كل قرَابَة وَإِن بعد. وَقَالَ مَالك: لَا يدْخل فِي ذَلِك ولد الْبَنَات وَقَوله: لقرابتي وعقبي، كَقَوْلِه: لوَلَدي، وَقَوله: وَلَدي، يدْخل فِيهِ: ولد الْبَنِينَ. وَمن يرجع إِلَى عصبَة الْأَب وصلبه، وَلَا يدْخل ولد الْبَنَات. وَحجَّة من أَدخل ولد الْبِنْت قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن ابْني هَذَا سيد فِي الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا) . وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى} (الحجرات: ٣١) . والتولد من جِهَة الْأُم كالتولد من جِهَة الْأَب، وَقد دلّ الْقُرْآن على ذَلِك قَالَ تَعَالَى: {وَمن ذُريَّته دَاوُد} إِلَى أَن قَالَ: {وَعِيسَى} (الْأَنْعَام: ٤٨) . فَجعل عِيسَى من ذُريَّته وَهُوَ ابْن بنته، وَلم يفرق فِي الِاسْم بَين ابْنه وَبَين بنته. وَأجِيب بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا سمى الْحسن ابْنا على وَجه التخنن، وَأَبوهُ فِي الْحَقِيقَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِلَيْهِ نسبه، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْعَبَّاس: (أتركوا لي أبي) ، وَهُوَ عَمه وَإِن كَانَ الْأَب حَقِيقَة خِلَافه وَعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، جرى عَلَيْهِ اسْم الذُّرِّيَّة على طَرِيق الاتساع.

قَوْله: (سليني مَا شِئْت) ، فِيهِ أَن الائتلاف للْمُسلمين وَغَيرهم بِالْمَالِ جَائِز، وَفِي الْكَافِر آكِد.

تابَعَهُ أصْبَغُ عنِ ابنِ وهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ

هَذِه الْمُتَابَعَة أخرجهَا مُسلم عَن حَرْمَلَة عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب، وَأبي سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين أنزل الله عَلَيْهِ {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين ... } (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . الحَدِيث.

٢١ - (بابٌ هَلْ يَنْتَفعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل ينْتَفع الْوَاقِف بوقفه الَّذِي وَقفه؟ وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة: هَل، الاستفهامية لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وانتفاع الْوَاقِف بوقفه أَعم من أَن يكون الْوَقْف على نَفسه أَو أَن يَجْعَل جُزْءا كم ريعه على نَفسه، أَو أَن يَجْعَل النّظر عَلَيْهِ لنَفسِهِ.

وقدِ اشتَرَطَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا جناحَ على مَنْ وَليَهُ أنْ يأكُلَ

هَذِه قِطْعَة من قصَّة وقف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى مَوْصُولا فِي آخر الشُّرُوط. قيل: ذكره لاشْتِرَاط عمر، لَا حجَّة فِيهِ، لِأَن عمر أخرجهَا عَن يَده ووليها غَيره، فَجعل لمن وَليهَا أَن يَأْكُل على شَرطه. قَوْله: (أَن يَأْكُل) ويروى: (أَن يَأْكُل مِنْهَا) . وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز للْوَاقِف أَن ينْتَفع بوقفه. لِأَنَّهُ أخرجه لله تَعَالَى، وقطعه عَن ملكه، فانتفاعه بِشَيْء مِنْهُ رُجُوع فِي صدقته، وَقد نهى الشَّارِع عَن ذَلِك، وَإِنَّمَا يجوز لَهُ الِانْتِفَاع بِهِ إِن شَرط ذَلِك فِي الْوَقْف أَو إِن يفْتَقر الْمحبس أَو ورثته فَيجوز لَهُم الْأكل مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْقصار: من حبس دَارا أَو سِلَاحا أَو عبدا فِي سَبِيل الله، فأنفذ ذَلِك فِي وجوهه زَمَانا، ثمَّ أَرَادَ أَن ينْتَفع بِهِ مَعَ النَّاس، فَإِن كَانَ من حَاجَة فَلَا بَأْس، وَذكر ابْن حبيب عَن مالكٍ قَالَ: من حبس أصلا يجْرِي

لَا يحْتَاج إِلَى قبض الْغَيْر، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور مِنْهُم الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يَصح الْوَقْف حَتَّى يُخرجهُ عَن يَده، ويقبضه غَيره وَبِه قَالَ ابْن أبي ليلى وَمُحَمّد بن الْحسن وَحجَّة الْجُمْهُور أَن عمر وعلياً وَفَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أوقفوا أوقافاً وأمسكوها بِأَيْدِيهِم، وَكَانُوا يصرفون الِانْتِفَاع مِنْهَا فِي وُجُوه الصَّدَقَة، فَلم تبطل. وَاحْتج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِأَن الْوَقْف شَبيه بِالْعِتْقِ، لإشتراكهما فِي أَنَّهُمَا تمْلِيك لله تَعَالَى، فَينفذ بالْقَوْل الْمُجَرّد عَن الْقَبْض، وَيُفَارق الْهِبَة، فَإِنَّهَا تمْلِيك لآدَمِيّ، فَلَا يتمَّ إلَاّ بِالْقَبْضِ.

لأنَّ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أوْقَفَ وَقَالَ لَا جُنَاحَ علَى منْ ولِيَهُ أنْ يأكُلَ ولَمْ يخُصَّ إنْ ولِيَهُ عُمرُ أوْ غَيْرُهُ

هَذَا تَعْلِيل لقَوْله: فَهُوَ جَائِز، قيل: فِيهِ نظر، لِأَن غَايَة مَا ذكر عَن عمر هُوَ أَن كل من ولي الْوَقْف أُبِيح لَهُ التَّنَاوُل، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن كل أحد يسوغ لَهُ أَن يتَوَلَّى الْوَقْف الْمَذْكُور، بل الْوَقْف لَا بُد لَهُ من متولٍ. وَأجِيب: بِأَن عمر لما وقف ثمَّ شَرط لم يَأْمُرهُ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يُخرجهُ من يَده، فَكَانَ سُكُوته عَن ذَلِك دَالا على صِحَة الْوَقْف وَإِن لم يقبضهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ.

قَالَ النبيُّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي طَلْحَةَ أراى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ فَقَالَ أفْعَلُ فقَسَمَها فِي أقَارِبِهِ وبَني عَمِّهِ

أَرَادَ بِهَذَا أَيْضا الِاحْتِجَاج على عدم اشْتِرَاط الْقَبْض فِي جَوَاز الْوَقْف، وَهَذَا قد تقدم مَوْصُولا قَرِيبا. قَالَ الدَّاودِيّ: مَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على صِحَة الْوَقْف قبل الْقَبْض من قصَّة عمر وَأبي طَلْحَة حمل للشَّيْء على ضِدّه وتمثيله بِغَيْر جنسه وَدفع للظَّاهِر عَن وَجهه، لِأَنَّهُ هُوَ روى أَن عمر دفع الْوَقْف لابنته، وَأَن أَبَا طَلْحَة دفع صدقته إِلَى أبي بن كَعْب وَحسان. وَأجِيب بِأَن البُخَارِيّ: إِنَّمَا أَرَادَ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أخرج عَن أبي طَلْحَة ملكه بِمُجَرَّد قَوْله: (هِيَ لله صَدَقَة) ، وَبِهَذَا يَقُول مَالك: إِن الصَّدَقَة تلْزم بالْقَوْل، وَإِن كَانَ يَقُول: إِنَّهَا لَا تتمّ إلَاّ بِالْقَبْضِ، ونوزع فِي ذَلِك بِاحْتِمَال أَنَّهَا خرجت من يَد أبي طَلْحَة، وَاحْتِمَال أَنَّهَا استمرت فَلَا دلَالَة فِيهَا، وَدفع بِأَن أَبَا طَلْحَة أطلق صَدَقَة أرضه وفوض إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مصرفها فَلَمَّا قَالَ لَهُ: (أرى أَن تجعلها فِي الْأَقْرَبين) ففوض لَهُ قسمتهَا بَينهم، صَار كَأَنَّهُ أقرها فِي يَده بعد أَن مَضَت الصَّدَقَة. قلت: وَفِي نفس الحَدِيث: أَن الَّذِي تولى قسمتهَا هُوَ أَبُو طَلْحَة بِنَفسِهِ، وَالنَّبِيّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عين لَهُ جِهَة الْمصرف، لكنه أجمل لِأَنَّهُ قَالَ: (فِي الْأَقْرَبين) ، وَهَذَا مُجمل، وَلما لم يُمكن لَهُ أَن يقسمها على الْأَقْرَبين كلهم لكثرتهم وانتشارهم فَقَسمهَا على بَعضهم مِمَّن اخْتَار مِنْهُم.

٤١ - (بابٌ إذَا قَالَ دارِي صَدَقَةٌ لله ولَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أوْ غَيْرِهِمْ فَهْوَ جائزٌ ويَضَعُها فِي الأقرَبِينَ أوْ حيْثُ أرادَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا قَالَ شخص: دَاري هَذِه صَدَقَة لله، وَالْحَال أَنه لم يبين، يَعْنِي: هَل هِيَ على الْفُقَرَاء أَو غَيرهم، فَهُوَ جَائِز يَعْنِي: يتم وَقفه، فَإِن شَاءَ يَضَعهَا فِي أَقَاربه أَو حَيْثُ شَاءَ من الْجِهَات. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا قَالَ الرجل: أرضي هَذِه صَدَقَة، وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا أَنه يَنْبَغِي لَهُ أَن يتَصَدَّق بأصلها على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، أَو يَبِيعهَا وَيتَصَدَّق بِثمنِهَا على الْمَسَاكِين، وَلَا يكون وَقفا، وَلَو مَاتَ كَانَ جَمِيع ذَلِك مِيرَاثا بَين ورثته على كتاب الله تَعَالَى، وكل صَدَقَة لَا تُضَاف إِلَى أحد فَهِيَ للْمَسَاكِين.

قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي طَلْحَةَ حينَ قَالَ أحَبُّ أمْوَالِي إلَيَّ بِيرُحاءَ وأنَّها صدَقَةٌ لله فأجازَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذالِكَ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الِاحْتِجَاج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز وقف من قَالَ: دَاري هَذِه صَدَقَة، وَسكت عَلَيْهِ، وَلم يبين مصرفاً

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد