«يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٢٦

الحديث رقم ٢٨٢٦ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٨٢٦ في صحيح البخاري

«يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ.»

إسناد حديث رقم ٢٨٢٦ من صحيح البخاري

٢٨٢٦ -

⦗٢٤⦘

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٨٢٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِيهَا﴾ الْآيَةَ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةُ الْحُكْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا.

وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ أَوْ يُفَارِقُ الْمُشْرِكِينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى دِينِهِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ حُكْمِ مَا بَعْدَهُ لِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ انْقَطَعَتْ إِلَّا أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ بَاقِيَةٌ، وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ بِسَبَبِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالْفِرَارِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ وَالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْفِرَارِ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ وَالنِّيَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، وَإِذَا أَمَرَكُمُ الْإِمَامُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَلَكِنْ جِهَادٌ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلٍّ مَدْخُولٍ لَا هِجْرَةَ أَيِ الْهِجْرَةُ مِنَ الْوَطَنِ إِمَّا لِلْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ أَوْ إِلَى الْجِهَادِ أَوْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَطَلَبِ الْعِلْمِ، فَانْقَطَعَتِ الْأُولَى وَبَقِيَ الْأُخْرَيَانِ فَاغْتَنِمُوهُمَا وَلَا تَقَاعَدُوا عَنْهُمَا، بَلْ إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.

قُلْتُ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ مِنَ الْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى مَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْهِجْرَةُ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، كَانَتْ فَرْضًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالَّتِي انْقَطَعَتْ أَصْلًا هِيَ الْقَصْدُ إِلَى النَّبِيِّ حَيْثُ كَانَ. وَفِي الْحَدِيثِ بِشَارَةٌ بِأَنَّ مَكَّةَ تَبْقَى دَارَ إِسْلَامٍ أَبَدًا. وَفِيهِ وُجُوبُ تَعْيِينِ الْخُرُوجِ فِي الْغَزْوِ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْتَبَرُ بِالنِّيَّاتِ.

(تَكْمِلَةٌ):

قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ مَا مُحَصِّلُهُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلَى أَحْوَالِ السَّالِكِ لِأَنَّهُ أَوَّلًا يُؤْمَرُ بِهِجْرَةِ مَأْلُوفِهِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الْفَتْحُ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أَمْرٌ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ فِي ذَلِكَ.

٢٨ - بَاب الْكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَلُ

٢٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ.

٢٨٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحُوهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْهِمْ لِي فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ فَقَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ.

قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: السَّعِيدِيُّ هُوَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ، الْعَاصِ.

[الحديث ٢٨٢٧ - أطرافه في: ٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ) أَيِ الْقَاتِلُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ، أَيْ يَعِيشُ عَلَى سَدَادٍ أَيِ اسْتِقَامَةٍ فِي الدِّينِ.

قَوْلُهُ: (وَيَقْتَتِلُ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ أَوْ يُقْتَلُ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَهِيَ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِي التَّرْجَمَةِ فَيُسَدَّدُ وَالَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ فَيَسْتَشْهِدُ وَكَأَنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ ذُكِرَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى وُجُوهِ التَّسْدِيدِ، وَأَنَّ كُلَّ تَسْدِيدٍ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ أَفْضَلَ، لَكِنْ دُخُولُ الْجَنَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالشَّهِيدِ، فَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ كَالشَّرْحِ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ الْمُسْلِمُ وَقَارَبَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ، وَلِمَالِكٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

قَوْلُهُ: (يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ اللَّهَ يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الضَّحِكُ الَّذِي يَعْتَرِي الْبَشَرَ عِنْدَمَا يَسْتَخِفُّهُمُ الْفَرَحُ أَوِ الطَّرَبُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِهَذَا الصَّنِيعِ الَّذِي يَحِلُّ مَحَلَّ الْإِعْجَابِ عِنْدَ الْبَشَرِ فَإِذَا رَأَوْهُ أَضْحَكَهُمْ، وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ رِضَا اللَّهِ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا وَقَبُولِهِ لِلْآخَرِ وَمُجَازَاتِهِمَا عَلَى صَنِيعِهِمَا بِالْجَنَّةِ مَعَ اخْتِلَافِ حَالَيْهِمَا، قَالَ: وَقَدْ تَأَوَّلَ الْبُخَارِيُّ الضَّحِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَبُ، فَإِنَّ الضَّحِكَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَالْقَبُولِ، قَالَ: وَالْكِرَامُ يُوصَفُونَ عِنْدَمَا يَسْأَلُهُمُ السَّائِلُ بِالْبِشْرِ وَحُسْنِ اللِّقَاءِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ يَضْحَكُ اللَّهُ أَيْ يُجْزِلُ الْعَطَاءَ.

قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يعجب اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ وَيُضْحِكَهُمْ مِنْ صَنِيعِهِمَا، وَهَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْمَجَازِ وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ يَكْثُرُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَكْثَرُ السَّلَفِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَأْوِيلِ مِثْلِ هَذَا وَيُمِرُّونَهُ كَمَا جَاءَ (١) وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي مِثْلِ هَذَا الْإِمْرَارِ اعْتِقَادُ أَنَّهُ لَا تُشْبِهُ صِفَاتُ اللَّهِ صِفَاتِ الْخَلْقِ، وَمَعْنَى الْإِمْرَارِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ مِنْهُ مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّحِكِ الْإِقْبَالُ بِالرِّضَا تَعْدِيَتُهُ بِإِلَى تَقُولُ: ضَحِكَ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ طَلِقَ الْوَجْهِ مُظْهِرًا لِلرِّضَا عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالُوا كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟.

قَوْلُهُ: (يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ) زَادَ هَمَّامٌ فَيَلِجُ الْجَنَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَاتِلَ الْأَوَّلَ كَانَ كَافِرًا. قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَلَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ كَمَا لَوْ قَتَلَ مُسْلمٌ مُسْلِمًا عَمْدًا بِلَا شُبْهَةٍ ثُمَّ تَابَ الْقَاتِلُ وَاسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ دُخُولَ مِثْلِ هَذَا مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَاتِلَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا لَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْآخَرِ فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى أَبِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٨) (بابُ) حكم (الكَافِرِ يَقْتُلُ المُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ) القاتل (١) (فَيُسَدِّدُ) بالسِّين المهملة وكسر الدَّال المهملة (٢) المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: «فَيُسدَّدُ» بفتح الدَّال المهملة (بَعْدُ) بالضَّمِّ، أي: بعد قتله (٣) المسلم (وَيُقْتَلُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه.

٢٨٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: يَضْحَكُ اللهُ) ﷿، أي: يُقبِل بالرِّضا (إِلَى رَجُلَيْنِ) أي: مسلمٍ وكافرٍ، وللنَّسائيِّ: «إنَّ الله لَيعجب من رجلين» (يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ) زاد مسلمٌ من طريق همّام: قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: (يُقَاتِلُ هَذَا) أي: المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (فَيُقْتَلُ) أي: فيقتله الكافر. زاد همام عند مسلمٍ: «فيلج الجنَّة» (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ) زاد هَمَّام أيضًا: «فيهديه إلى الإسلام، ثمَّ يجاهد في سبيل الله» (فَيُسْتَشْهَدُ) ولأحمد من طريق الزُّهريِّ عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة : قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: «يكون أحدهما كافرًا فيَقْتل الآخر، ثمَّ يُسلِم فيغزو فيُقتَل». قال ابن عبد البرِّ: يستفاد من الحديث أنَّ كلَّ من قُتِلَ في سبيل الله فهو في الجنَّة. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة على ما سبق ظاهرةٌ، فلو قتل مسلمٌ مسلمًا عمدًا بلا شبهةٍ ثمَّ تاب القاتل واستشهد في سبيل الله، فقال ابن عبَّاسٍ : لا تُقبَل توبته، أخذًا بظاهر قوله

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِيهَا﴾ الْآيَةَ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةُ الْحُكْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا.

وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ أَوْ يُفَارِقُ الْمُشْرِكِينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى دِينِهِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ حُكْمِ مَا بَعْدَهُ لِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ انْقَطَعَتْ إِلَّا أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ بَاقِيَةٌ، وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ بِسَبَبِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالْفِرَارِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ وَالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْفِرَارِ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ وَالنِّيَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، وَإِذَا أَمَرَكُمُ الْإِمَامُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَلَكِنْ جِهَادٌ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلٍّ مَدْخُولٍ لَا هِجْرَةَ أَيِ الْهِجْرَةُ مِنَ الْوَطَنِ إِمَّا لِلْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ أَوْ إِلَى الْجِهَادِ أَوْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَطَلَبِ الْعِلْمِ، فَانْقَطَعَتِ الْأُولَى وَبَقِيَ الْأُخْرَيَانِ فَاغْتَنِمُوهُمَا وَلَا تَقَاعَدُوا عَنْهُمَا، بَلْ إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.

قُلْتُ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ مِنَ الْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى مَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْهِجْرَةُ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، كَانَتْ فَرْضًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالَّتِي انْقَطَعَتْ أَصْلًا هِيَ الْقَصْدُ إِلَى النَّبِيِّ حَيْثُ كَانَ. وَفِي الْحَدِيثِ بِشَارَةٌ بِأَنَّ مَكَّةَ تَبْقَى دَارَ إِسْلَامٍ أَبَدًا. وَفِيهِ وُجُوبُ تَعْيِينِ الْخُرُوجِ فِي الْغَزْوِ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْتَبَرُ بِالنِّيَّاتِ.

(تَكْمِلَةٌ):

قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ مَا مُحَصِّلُهُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلَى أَحْوَالِ السَّالِكِ لِأَنَّهُ أَوَّلًا يُؤْمَرُ بِهِجْرَةِ مَأْلُوفِهِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الْفَتْحُ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أَمْرٌ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ فِي ذَلِكَ.

٢٨ - بَاب الْكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَلُ

٢٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ.

٢٨٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحُوهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْهِمْ لِي فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ فَقَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ.

قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: السَّعِيدِيُّ هُوَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ، الْعَاصِ.

[الحديث ٢٨٢٧ - أطرافه في: ٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ) أَيِ الْقَاتِلُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ، أَيْ يَعِيشُ عَلَى سَدَادٍ أَيِ اسْتِقَامَةٍ فِي الدِّينِ.

قَوْلُهُ: (وَيَقْتَتِلُ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ أَوْ يُقْتَلُ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَهِيَ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِي التَّرْجَمَةِ فَيُسَدَّدُ وَالَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ فَيَسْتَشْهِدُ وَكَأَنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ ذُكِرَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى وُجُوهِ التَّسْدِيدِ، وَأَنَّ كُلَّ تَسْدِيدٍ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ أَفْضَلَ، لَكِنْ دُخُولُ الْجَنَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالشَّهِيدِ، فَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ كَالشَّرْحِ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ الْمُسْلِمُ وَقَارَبَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ، وَلِمَالِكٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

قَوْلُهُ: (يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ اللَّهَ يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الضَّحِكُ الَّذِي يَعْتَرِي الْبَشَرَ عِنْدَمَا يَسْتَخِفُّهُمُ الْفَرَحُ أَوِ الطَّرَبُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِهَذَا الصَّنِيعِ الَّذِي يَحِلُّ مَحَلَّ الْإِعْجَابِ عِنْدَ الْبَشَرِ فَإِذَا رَأَوْهُ أَضْحَكَهُمْ، وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ رِضَا اللَّهِ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا وَقَبُولِهِ لِلْآخَرِ وَمُجَازَاتِهِمَا عَلَى صَنِيعِهِمَا بِالْجَنَّةِ مَعَ اخْتِلَافِ حَالَيْهِمَا، قَالَ: وَقَدْ تَأَوَّلَ الْبُخَارِيُّ الضَّحِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَبُ، فَإِنَّ الضَّحِكَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَالْقَبُولِ، قَالَ: وَالْكِرَامُ يُوصَفُونَ عِنْدَمَا يَسْأَلُهُمُ السَّائِلُ بِالْبِشْرِ وَحُسْنِ اللِّقَاءِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ يَضْحَكُ اللَّهُ أَيْ يُجْزِلُ الْعَطَاءَ.

قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يعجب اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ وَيُضْحِكَهُمْ مِنْ صَنِيعِهِمَا، وَهَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْمَجَازِ وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ يَكْثُرُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَكْثَرُ السَّلَفِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَأْوِيلِ مِثْلِ هَذَا وَيُمِرُّونَهُ كَمَا جَاءَ (١) وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي مِثْلِ هَذَا الْإِمْرَارِ اعْتِقَادُ أَنَّهُ لَا تُشْبِهُ صِفَاتُ اللَّهِ صِفَاتِ الْخَلْقِ، وَمَعْنَى الْإِمْرَارِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ مِنْهُ مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّحِكِ الْإِقْبَالُ بِالرِّضَا تَعْدِيَتُهُ بِإِلَى تَقُولُ: ضَحِكَ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ طَلِقَ الْوَجْهِ مُظْهِرًا لِلرِّضَا عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالُوا كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟.

قَوْلُهُ: (يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ) زَادَ هَمَّامٌ فَيَلِجُ الْجَنَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَاتِلَ الْأَوَّلَ كَانَ كَافِرًا. قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَلَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ كَمَا لَوْ قَتَلَ مُسْلمٌ مُسْلِمًا عَمْدًا بِلَا شُبْهَةٍ ثُمَّ تَابَ الْقَاتِلُ وَاسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ دُخُولَ مِثْلِ هَذَا مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَاتِلَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا لَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْآخَرِ فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى أَبِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٨) (بابُ) حكم (الكَافِرِ يَقْتُلُ المُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ) القاتل (١) (فَيُسَدِّدُ) بالسِّين المهملة وكسر الدَّال المهملة (٢) المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: «فَيُسدَّدُ» بفتح الدَّال المهملة (بَعْدُ) بالضَّمِّ، أي: بعد قتله (٣) المسلم (وَيُقْتَلُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه.

٢٨٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: يَضْحَكُ اللهُ) ﷿، أي: يُقبِل بالرِّضا (إِلَى رَجُلَيْنِ) أي: مسلمٍ وكافرٍ، وللنَّسائيِّ: «إنَّ الله لَيعجب من رجلين» (يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ) زاد مسلمٌ من طريق همّام: قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: (يُقَاتِلُ هَذَا) أي: المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (فَيُقْتَلُ) أي: فيقتله الكافر. زاد همام عند مسلمٍ: «فيلج الجنَّة» (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ) زاد هَمَّام أيضًا: «فيهديه إلى الإسلام، ثمَّ يجاهد في سبيل الله» (فَيُسْتَشْهَدُ) ولأحمد من طريق الزُّهريِّ عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة : قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: «يكون أحدهما كافرًا فيَقْتل الآخر، ثمَّ يُسلِم فيغزو فيُقتَل». قال ابن عبد البرِّ: يستفاد من الحديث أنَّ كلَّ من قُتِلَ في سبيل الله فهو في الجنَّة. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة على ما سبق ظاهرةٌ، فلو قتل مسلمٌ مسلمًا عمدًا بلا شبهةٍ ثمَّ تاب القاتل واستشهد في سبيل الله، فقال ابن عبَّاسٍ : لا تُقبَل توبته، أخذًا بظاهر قوله

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله