الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٦
الحديث رقم ٣٠٦ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاستحاضة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٦٩⦘
وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ، فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:
سَألتْ فاطمةُ بنت حبيش النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إني لا ينقطع عني الدم ويستمر حتى في غير زمن الحيض، فهل يكون حكم ذلك حكم الحيض فأترك الصلاة؟
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إنه دم استحاضة، وهو دم مَرَضِيٌّ ينشأ عن انقطاع عرق في الرحم، وليس بدم حيض،
فإذا جاء وقت الحيض الذي كنت تحيضين فيه على عادتك الشهرية قبل أن تمرضين بالاستحاضة، فاتركي الصلاة والصوم وغيرَهما مما تُمنَع منه الحائض وقت الحيض.
فإذا انتهى مقدار تلك المدة، فتكوني قد طهرتي من الحيض، فاغسلي موضع الدم، ثم اغسلي بدنك اغتسالًا كاملًا لرفع الحدث، ثم صلي.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ، وَقَوْلُهَا طَمَثْتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ حِضْتُ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ، يُقَالُ: طَمِثَتِ الْمَرْأَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي، تَطْمُثُ بِالضَّمِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
٨ - بَاب الِاسْتِحَاضَةِ
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِحَاضَةِ) تقَدَّمَ أَنَّهَا جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ يُقَالُ لَهُ: الْعَاذِلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لَا أَطْهُرُ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِبَيَانِ السَّبَبِ وَهُوَ قَوْلُهَا إِنِّي أُسْتَحَاضُ وَكَانَ عِنْدَهَا أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، فَكَنَّتْ بِعَدَمِ الطُّهْرِ عَنِ اتِّصَالِهِ، وَكَانَتْ قد عَلِمَتْ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مُقْتَرِنٌ بِجَرَيَانِ الدَّمِ مِنَ الْفَرْجِ، فَأَرَادَتْ تَحَقُّقَ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ، وَزَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَالَ لَا.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ الْكَسْرَ عَلَى إِرَادَةِ الْحَالَةِ، لَكِنَّ الْفَتْحَ هُنَا أَظْهَرُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْمُتَعَيَّنِ ; لِأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ إِثْبَاتَ الِاسْتِحَاضَةِ وَنَفْيَ الْحَيْضِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ مَعًا جَوَازًا حَسَنًا. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أَيْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَابِ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامٍ، مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْلَ الدَّمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاغْتِسَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ، وكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لِوُضُوحِهِ عِنْدَهُ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ ثَالِثٌ أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَرَدَدْنَا هُنَاكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَدْرَجٌ، وَقَوْلَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُرْوَةَ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ وَادَّعَى أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَأَوْمَأَ مُسْلِمٌ أَيْضًا إِلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَالسَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أقلِّ الحيض، وهو قدر يومٍ وليلةٍ متَّصلًا، ولم يعبر أكثره وهو خمسة عشر يومًا بلياليها وإن تفرَّق دمها ولم ينقص الضَّعيف المتَّصل بعضه ببعضٍ عن أقلِّ الطُّهر بين الحيضتين وهو خمسة عشر يومًا، ولا حدَّ لأكثره، وأمَّا غير المميِّزة فإن رأتِ الدَّم بصفةٍ أو أكثر لكن فقدت شرطًا من شروط التَّمييز السَّابقة؛ فإن كانت مُبتدأَةً عارفةً بوقت ابتداء دمها رُدَّت لأقلِّ الحيض في الطُّهر لأنَّه المُتيقَّن، وما زاد مشكوكٌ فيه، وإن كانت معتادةً رُدَّت لعادتها قدرًا ووقتًا إن كانت حافظةً لذلك، فإن نسيت عادتها بأن لم تعلم قدرها -وتُسمَّى: المتحيِّرة-فكالمُبتدأَة غير المميِّزة بجامع فقْدِ العادة والتَّمييز، فيكون حيضها يومًا وليلةً، وطهرها بقيَّة الشَّهر، والمشهور أنَّها ليست كالمُبتدَأة لاحتمال كلِّ زمنٍ يمرُّ عليها للحيض والطُّهر، فيجب الاحتياط فتكون في العبادة فرضها ونفلها كطاهرةٍ (١)، وفي الوطء ومسِّ المصحف والقراءة خارج الصَّلاة كحائض، وتغتسل لكلِّ فريضةٍ بعد دخول وقتها عند احتمال الانقطاع، قال في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب: فإن علمت وقت انقطاعه كعند (٢) غروب الشَّمس لزمها الغسل كلَّ يومٍ عقب (٣) الغروب، وتصلِّي به المغرب وتتوضَّأ لباقي الصَّلوات لاحتمال الانقطاع عند الغروب دون ما سواه.
٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) سقط لابن عساكر «ابن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ
فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (١) وفتح المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، ابن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، القرشيَّة الأسديَّة (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ) أي: بسبب أنِّي أُستحاض، وظنَّت أنَّ طهارة الحائض إنَّما هي بالانقطاع، فكنَّتْ بعدم الطُّهر عنِ اتِّصال الدَّم، وكانت قد علمت أنَّ الحائض لا تصلِّي، وظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدَّم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك فقالت: (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (ﷺ): «لا تدعيها» (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) يُسمَّى: العاذل -بالمُعجَمة- يخرج منه (وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كما نقله الخطَّابيُّ عن أكثر المحدِّثين أو كلِّهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحال، لكنَّ الفتح هنا أظهر، وقال النَّوويُّ: وهو متعيّنٌ، أو قريبٌ مِنَ المتعيّن لأنَّه ﷺ أراد إثبات (٢) الاستحاضة ونفيَ الحيض. انتهى. والذي في فرع «اليونينيَّة» الكسر بعد كشط الفتح: (فَإِذَا أقبَلَتِ الحَيْضَةُ) بالفتح في الفرع، قال ابن حجرٍ: والذي في روايتنا بالفتح في الموضعين، وجوَّز النَّوويُّ في هذه الأخيرة: الكسر أيضًا (فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) أي: قدر الحيضة (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أي: بعد الاغتسال، كما صرَّح به في باب إذا «حاضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ» [خ¦٣٢٥] وزاد في رواية أبي معاوية في «بابغسل الدَّم»: «توضَّئي لكلِّ صلاةٍ» [خ¦٢٢٨] أي: مكتوبةٍ، فلا تصلِّي -عند الشَّافعيَّة- أكثر من فريضةٍ واحدةٍ مُؤدَّاة أو مقضيَّةٍ، وقال الحنفيَّة: تتوضَّأ المستحاضة لوقت كلِّ صلاةٍ، فتصلِّي بذلك الوضوء في الوقت ما شاءت من الفرائض الحاضر والفائت (٣) والنَّوافل، لنا: أنَّ اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة، فلا تبقى بعد الفراغ منها، وقال المالكيَّة: يُستحَبُّ لها الوضوء لكلِّ صلاةٍ ولا يجب إلَّا بحدثٍ آخر، بناءً على أنَّ دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَالْحَالة الْأُخْرَى أَرَادَ تَعْلِيم الْأمة، وَأَن ذَلِك جَائِز لَهُم، غير مَحْظُور عَلَيْهِم ذكر الله وَقِرَاءَة الْقُرْآن.
٣٠٥ - حدّثنا أبُو نُعَيمؤغ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيرِ بنُ أبي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نَذْكُرُ إلَاّ الحَجُّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طمِثْتِ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأنَا أَبْكِي فقالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ لَوَدِدْتُ واللَّهِ أنِّي لَمْ أَحُجَّ العامَ قالَ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ قالَ فإنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي. .
هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي أول كتاب الْحيض عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن الْقَاسِم، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد، وشرحناه هُنَاكَ مُسْتَوْفِي.
قَوْله: (سرف) بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء اسْم موع بِالْقربِ من مَكَّة قَوْلهَا: (طمثت) بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا: أَي حِضْت.
٨ - (بابُ الاسْتِحَاضَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِحَاضَة، وَهِي جَرَيَان دم الْمَرْأَة من فرجهَا فِي غير أَوَانه، وَيخرج من عرق يُقَال لَهُ: العاذل، بِالْعينِ الْمُهْملَة. والذال الْمُعْجَمَة.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن الْحيض والاستحاضة من أَحْكَام الْمَرْأَة.
٣٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ قالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْشٍ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَطْهُرُ أفَأَدَعُ الصَّلاةَ فقالَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بالحَيْضَةِ فإذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإذَا ذَهَبَ قَدْرُها فاغْسُلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصلِّي. .
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ غب حكم الِاسْتِحَاضَة، وَمر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب غسل الدَّم، وَصرح فِيهِ بالاستحاضة، وَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (جَاءَت فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت (يَا رَسُول الله إِنِّي أمْرَأَة استحاض فَلَا أطهر، أفأدع الصَّلَاة؟) الحَدِيث.
رِجَاله قد تقدمُوا مرَارًا. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وحبيش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب غسل الدَّم، وَنَذْكُر هَاهُنَا غير مَا ذكرنَا هُنَاكَ.
قَوْله: (وَصلى) أَي: بعد الِاغْتِسَال، كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ فِي بَاب إِذا حَاضَت فِي شهر ثَلَاث حيض، وَفِي لفظ: (فدعي الصَّلَاة قدر الإيام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا) وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه من جِهَة مَالك: (دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا، ثمَّ اغْتَسِلِي وَصلي) وَفِي لفظ: (ثمَّ توضىء لكل صَلَاة) وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة: (أَن أم حَبِيبَة بنت جحش استحيضت سبع سِنِين، فاستففت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن هَذِه لَيست بالحيضة، وَلَكِن هَذَا عرف فاغتسلي وَصلي، وَكَانَت تَغْتَسِل فِي مركن فِي حجرَة أُخْتهَا زَيْنَب بنت جحش حَتَّى تعلو حمرَة الدَّم على المَاء) وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة: (أَن سهلة بنت سُهَيْل استحيضت، فَاتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمرهَا أَن تَغْتَسِل عِنْد كل صَلَاة، فَلَمَّا جهدها ذلكأمرها أَن تجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِغسْل، وَالْمغْرب وَالْعشَاء بِغسْل وتغتسل للصبح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا قَالَت: (أستحيضت امْرَأَة على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمرت أَن تعجل الْعَصْر وتؤخر الظّهْر وتغتسل لَهما غسلا، وَأَن تُؤخر الْمغرب وتعجل الْعشَاء وتغتسل لَهما غسلا وتغتسل لصَلَاة الصُّبْح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة فِي الْمُسْتَحَاضَة: (تَغْتَسِل مرّة وَاحِدَة ثمَّ تتوضأ
إِلَى أَيَّام اقرائها) وَفِي لفظ: [حم (فاجتنبي الصَّلَاة، أثر محيضك ثمَّ اغْتَسِلِي وتوضئي، لكل صَلَاة، وَإِن قطر الدَّم على الْحَصِير) [/ حم وَعند أبي عوَانَة الإسفرائني [حم (فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم) [/ حم وَعند التِّرْمِذِيّ مصححاً. [حم (توضئي لكل صَلَاة حَتَّى يَجِيء ذَلِك الْوَقْت) [/ حم وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَإِذا أَقبلت الْحَيْضَة فلندع الصَّلَاة، وَإِذا أَدْبَرت فلتغتسل ولتتوضأ لكل صَلَاة) وَعند الطَّحَاوِيّ مَرْفُوعا: (فاغتسلي لطهرك وتوضئي عِنْد كل صَلَاة) وَعند الدَّارمِيّ: [حم (فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم وتوضئي وَصلي) [/ حم قَالَ هِشَام: وَكَانَ أبي يَقُول: تَغْتَسِل غسل الأول، ثمَّ مَا يكون بعد ذَلِك فَإِنَّهَا تطهر وَتصلي، وَعند أَحْمد: [حم (اغْتَسِلِي وتوضئي لكل صَلَاة وَصلي) [/ حم وَقَالَ الشَّافِعِي: ذكر الْوضُوء عندنَا غير مَحْفُوظ، وَلَو كَانَ مَحْفُوظًا لَكَانَ أحب إِلَيْنَا من الْقيَاس وَفِي (التَّمْهِيد) رَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن هِشَام مَرْفُوعا كَرِوَايَة يحيى عَن هِشَام سَوَاء، قَالَ فِيهِ: (وتوضئي لكل صَلَاة) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّاد ابْن سَلمَة عَن هِشَام مثله، وَحَمَّاد فِي ثِقَة ثَبت.
وَاعْلَم أَن وَطْء الْمُسْتَحَاضَة جَائِز فِي حَال جَرَيَان الدَّم عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر، وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير وَقَتَادَة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَبكر الْمُزنِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري، وَكَانَ زَوجهَا يَأْتِيهَا، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: لَا يَأْتِيهَا زَوجهَا، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَالْحكم وَسليمَان ابْن يسَار وَالزهْرِيّ وَالشعْبِيّ وَابْن عَلَيْهِ وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين، وَقَالَ أَحْمد لَا يَأْتِيهَا إلَاّ أَن يطول ذَلِك بهَا، وَفِي رِوَايَة: لَا يجوز وَطْؤُهَا إلَاّ أَن يخَاف زَوجهَا الْعَنَت، وَعَن مَنْصُور، تَصُوم وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا وَلَا تمس الْمُصحف وَتصلي مَا شَاءَت من الْفَرَائِض والنوافل.
وَفِي وَجه للشَّافِعِيَّة: لَا تستبيح النَّافِلَة أصلا، وَمذهب الشَّافِعِي: أَنَّهَا لَا تصلي بِطَهَارَة وَاحِدَة أَكثر من فَرِيضَة وَاحِدَة مُؤَدَّاة أَو مقضية وَحكي ذَلِك عَن عُرْوَة وَالثَّوْري وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة طَهَارَتهَا مقدرَة فِي الْوَقْت فَتُصَلِّي فِي الْوَقْت بطهارتها الْوَاحِدَة مَا شَاءَت، وَقَالَ مَالك وَرَبِيعَة وَأَبُو دَاوُد: دم الِاسْتِحَاضَة لَا ينْقض الْوضُوء فَإِذا طهرت فلهَا أَن تصلي بطهارتها مَا شَاءَت من الْفَرَائِض والنوافل إلَاّ أَن تحديث بِغَيْر الِاسْتِحَاضَة، وَيصِح وضؤوها لفريضة قبل دُخُول وَقتهَا، خلافًا للشَّافِعِيّ، وَلَا يجب عَلَيْهَا الِاغْتِسَال لشَيْء من الصَّلَاة وَلَا فِي وَقت من الْأَوْقَات إلَاّ مرّة وَاحِدَة إلَاّ فِي وَقت انْقِطَاع حَيْضهَا، وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عُرْوَة وَأبي سَلمَة وَمَالك وَأبي حنيفَة وَأحمد. وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَابْن الزبير أَنهم قَالُوا: يجب عَلَيْهَا أَن تَغْتَسِل لكل صَلَاة، وَرُوِيَ أَيْضا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: تَغْتَسِل كل يَوْم غسلا وَاحِدًا وَعَن ابْن الْمسيب وَالْحسن، تَغْتَسِل من صَلَاة الظّهْر إِلَى صَلَاة الظّهْر.
فَائِدَة: كَانَ فِي زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمَاعَة من النِّسَاء مستحاضات، مِنْهُنَّ: أم حَبِيبَة بنت جحش وَسَيَأْتِي حَدِيثهَا وَزَيْنَب أم الْمُؤمنِينَ وَأَسْمَاء أُخْت مَيْمُونَة لأمها وَفَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، وَحمْنَة بنت جحش، ذكرهَا أَبُو دَاوُد، وسهلة بنت سُهَيْل ذكرهَا أَيْضا، وَكَذَا زَيْنَب بنت جحش وَسَوْدَة بنت زَمعَة ذكرهَا الْعَلَاء بن الْمسيب عَن الحكم عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن، وَزَيْنَب بنت أم سَلمَة ذكرهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جمعه لحَدِيث يحيى بن أبي كثير، وَأَسْمَاء بنت مرشد الحارثية ذكرهَا الْبَيْهَقِيّ، وبادية بنت غيلَان، ذكرهَا ابْن الْأَثِير. قلت: هِيَ الثقفية الَّتِي قَالَ عَنْهَا: هيت المخنث: تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان، تزَوجهَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وأبوها أسلم وَتَحْته عشرَة نسْوَة.
٩ - (بابُ غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي فِي بَيَان غسل دم الْحيض، وَفِي نُسْخَة دم الْمَحِيض، وَفِي بَعْضهَا دم الْحَائِض، وَقد ذكر فِي كتاب الْوضُوء، بَاب غسل الدَّم وَهُوَ أَعم من هَذِه التَّرْجَمَة.
الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لَا تخفى.
٣٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بُنُ يُوسُفَ قالَ أخْبَرنا مالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عَنُ أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ أَنَّهَا قالَتْ سَأَلْتِ امْرَأَةٌ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إحْدَانَا إذَا أصَابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ، وَقَوْلُهَا طَمَثْتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ حِضْتُ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ، يُقَالُ: طَمِثَتِ الْمَرْأَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي، تَطْمُثُ بِالضَّمِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
٨ - بَاب الِاسْتِحَاضَةِ
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِحَاضَةِ) تقَدَّمَ أَنَّهَا جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ يُقَالُ لَهُ: الْعَاذِلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لَا أَطْهُرُ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِبَيَانِ السَّبَبِ وَهُوَ قَوْلُهَا إِنِّي أُسْتَحَاضُ وَكَانَ عِنْدَهَا أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، فَكَنَّتْ بِعَدَمِ الطُّهْرِ عَنِ اتِّصَالِهِ، وَكَانَتْ قد عَلِمَتْ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مُقْتَرِنٌ بِجَرَيَانِ الدَّمِ مِنَ الْفَرْجِ، فَأَرَادَتْ تَحَقُّقَ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ، وَزَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَالَ لَا.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ الْكَسْرَ عَلَى إِرَادَةِ الْحَالَةِ، لَكِنَّ الْفَتْحَ هُنَا أَظْهَرُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْمُتَعَيَّنِ ; لِأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ إِثْبَاتَ الِاسْتِحَاضَةِ وَنَفْيَ الْحَيْضِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ مَعًا جَوَازًا حَسَنًا. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أَيْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَابِ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامٍ، مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْلَ الدَّمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاغْتِسَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ، وكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لِوُضُوحِهِ عِنْدَهُ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ ثَالِثٌ أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَرَدَدْنَا هُنَاكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَدْرَجٌ، وَقَوْلَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُرْوَةَ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ وَادَّعَى أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَأَوْمَأَ مُسْلِمٌ أَيْضًا إِلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَالسَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أقلِّ الحيض، وهو قدر يومٍ وليلةٍ متَّصلًا، ولم يعبر أكثره وهو خمسة عشر يومًا بلياليها وإن تفرَّق دمها ولم ينقص الضَّعيف المتَّصل بعضه ببعضٍ عن أقلِّ الطُّهر بين الحيضتين وهو خمسة عشر يومًا، ولا حدَّ لأكثره، وأمَّا غير المميِّزة فإن رأتِ الدَّم بصفةٍ أو أكثر لكن فقدت شرطًا من شروط التَّمييز السَّابقة؛ فإن كانت مُبتدأَةً عارفةً بوقت ابتداء دمها رُدَّت لأقلِّ الحيض في الطُّهر لأنَّه المُتيقَّن، وما زاد مشكوكٌ فيه، وإن كانت معتادةً رُدَّت لعادتها قدرًا ووقتًا إن كانت حافظةً لذلك، فإن نسيت عادتها بأن لم تعلم قدرها -وتُسمَّى: المتحيِّرة-فكالمُبتدأَة غير المميِّزة بجامع فقْدِ العادة والتَّمييز، فيكون حيضها يومًا وليلةً، وطهرها بقيَّة الشَّهر، والمشهور أنَّها ليست كالمُبتدَأة لاحتمال كلِّ زمنٍ يمرُّ عليها للحيض والطُّهر، فيجب الاحتياط فتكون في العبادة فرضها ونفلها كطاهرةٍ (١)، وفي الوطء ومسِّ المصحف والقراءة خارج الصَّلاة كحائض، وتغتسل لكلِّ فريضةٍ بعد دخول وقتها عند احتمال الانقطاع، قال في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب: فإن علمت وقت انقطاعه كعند (٢) غروب الشَّمس لزمها الغسل كلَّ يومٍ عقب (٣) الغروب، وتصلِّي به المغرب وتتوضَّأ لباقي الصَّلوات لاحتمال الانقطاع عند الغروب دون ما سواه.
٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) سقط لابن عساكر «ابن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ
فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (١) وفتح المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، ابن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، القرشيَّة الأسديَّة (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ) أي: بسبب أنِّي أُستحاض، وظنَّت أنَّ طهارة الحائض إنَّما هي بالانقطاع، فكنَّتْ بعدم الطُّهر عنِ اتِّصال الدَّم، وكانت قد علمت أنَّ الحائض لا تصلِّي، وظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدَّم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك فقالت: (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (ﷺ): «لا تدعيها» (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) يُسمَّى: العاذل -بالمُعجَمة- يخرج منه (وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كما نقله الخطَّابيُّ عن أكثر المحدِّثين أو كلِّهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحال، لكنَّ الفتح هنا أظهر، وقال النَّوويُّ: وهو متعيّنٌ، أو قريبٌ مِنَ المتعيّن لأنَّه ﷺ أراد إثبات (٢) الاستحاضة ونفيَ الحيض. انتهى. والذي في فرع «اليونينيَّة» الكسر بعد كشط الفتح: (فَإِذَا أقبَلَتِ الحَيْضَةُ) بالفتح في الفرع، قال ابن حجرٍ: والذي في روايتنا بالفتح في الموضعين، وجوَّز النَّوويُّ في هذه الأخيرة: الكسر أيضًا (فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) أي: قدر الحيضة (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أي: بعد الاغتسال، كما صرَّح به في باب إذا «حاضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ» [خ¦٣٢٥] وزاد في رواية أبي معاوية في «بابغسل الدَّم»: «توضَّئي لكلِّ صلاةٍ» [خ¦٢٢٨] أي: مكتوبةٍ، فلا تصلِّي -عند الشَّافعيَّة- أكثر من فريضةٍ واحدةٍ مُؤدَّاة أو مقضيَّةٍ، وقال الحنفيَّة: تتوضَّأ المستحاضة لوقت كلِّ صلاةٍ، فتصلِّي بذلك الوضوء في الوقت ما شاءت من الفرائض الحاضر والفائت (٣) والنَّوافل، لنا: أنَّ اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة، فلا تبقى بعد الفراغ منها، وقال المالكيَّة: يُستحَبُّ لها الوضوء لكلِّ صلاةٍ ولا يجب إلَّا بحدثٍ آخر، بناءً على أنَّ دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَالْحَالة الْأُخْرَى أَرَادَ تَعْلِيم الْأمة، وَأَن ذَلِك جَائِز لَهُم، غير مَحْظُور عَلَيْهِم ذكر الله وَقِرَاءَة الْقُرْآن.
٣٠٥ - حدّثنا أبُو نُعَيمؤغ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيرِ بنُ أبي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نَذْكُرُ إلَاّ الحَجُّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طمِثْتِ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأنَا أَبْكِي فقالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ لَوَدِدْتُ واللَّهِ أنِّي لَمْ أَحُجَّ العامَ قالَ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ قالَ فإنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي. .
هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي أول كتاب الْحيض عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن الْقَاسِم، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد، وشرحناه هُنَاكَ مُسْتَوْفِي.
قَوْله: (سرف) بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء اسْم موع بِالْقربِ من مَكَّة قَوْلهَا: (طمثت) بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا: أَي حِضْت.
٨ - (بابُ الاسْتِحَاضَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِحَاضَة، وَهِي جَرَيَان دم الْمَرْأَة من فرجهَا فِي غير أَوَانه، وَيخرج من عرق يُقَال لَهُ: العاذل، بِالْعينِ الْمُهْملَة. والذال الْمُعْجَمَة.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن الْحيض والاستحاضة من أَحْكَام الْمَرْأَة.
٣٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ قالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْشٍ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَطْهُرُ أفَأَدَعُ الصَّلاةَ فقالَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بالحَيْضَةِ فإذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإذَا ذَهَبَ قَدْرُها فاغْسُلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصلِّي. .
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ غب حكم الِاسْتِحَاضَة، وَمر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب غسل الدَّم، وَصرح فِيهِ بالاستحاضة، وَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (جَاءَت فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت (يَا رَسُول الله إِنِّي أمْرَأَة استحاض فَلَا أطهر، أفأدع الصَّلَاة؟) الحَدِيث.
رِجَاله قد تقدمُوا مرَارًا. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وحبيش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب غسل الدَّم، وَنَذْكُر هَاهُنَا غير مَا ذكرنَا هُنَاكَ.
قَوْله: (وَصلى) أَي: بعد الِاغْتِسَال، كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ فِي بَاب إِذا حَاضَت فِي شهر ثَلَاث حيض، وَفِي لفظ: (فدعي الصَّلَاة قدر الإيام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا) وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه من جِهَة مَالك: (دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا، ثمَّ اغْتَسِلِي وَصلي) وَفِي لفظ: (ثمَّ توضىء لكل صَلَاة) وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة: (أَن أم حَبِيبَة بنت جحش استحيضت سبع سِنِين، فاستففت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن هَذِه لَيست بالحيضة، وَلَكِن هَذَا عرف فاغتسلي وَصلي، وَكَانَت تَغْتَسِل فِي مركن فِي حجرَة أُخْتهَا زَيْنَب بنت جحش حَتَّى تعلو حمرَة الدَّم على المَاء) وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة: (أَن سهلة بنت سُهَيْل استحيضت، فَاتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمرهَا أَن تَغْتَسِل عِنْد كل صَلَاة، فَلَمَّا جهدها ذلكأمرها أَن تجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِغسْل، وَالْمغْرب وَالْعشَاء بِغسْل وتغتسل للصبح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا قَالَت: (أستحيضت امْرَأَة على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمرت أَن تعجل الْعَصْر وتؤخر الظّهْر وتغتسل لَهما غسلا، وَأَن تُؤخر الْمغرب وتعجل الْعشَاء وتغتسل لَهما غسلا وتغتسل لصَلَاة الصُّبْح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة فِي الْمُسْتَحَاضَة: (تَغْتَسِل مرّة وَاحِدَة ثمَّ تتوضأ
إِلَى أَيَّام اقرائها) وَفِي لفظ: [حم (فاجتنبي الصَّلَاة، أثر محيضك ثمَّ اغْتَسِلِي وتوضئي، لكل صَلَاة، وَإِن قطر الدَّم على الْحَصِير) [/ حم وَعند أبي عوَانَة الإسفرائني [حم (فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم) [/ حم وَعند التِّرْمِذِيّ مصححاً. [حم (توضئي لكل صَلَاة حَتَّى يَجِيء ذَلِك الْوَقْت) [/ حم وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَإِذا أَقبلت الْحَيْضَة فلندع الصَّلَاة، وَإِذا أَدْبَرت فلتغتسل ولتتوضأ لكل صَلَاة) وَعند الطَّحَاوِيّ مَرْفُوعا: (فاغتسلي لطهرك وتوضئي عِنْد كل صَلَاة) وَعند الدَّارمِيّ: [حم (فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم وتوضئي وَصلي) [/ حم قَالَ هِشَام: وَكَانَ أبي يَقُول: تَغْتَسِل غسل الأول، ثمَّ مَا يكون بعد ذَلِك فَإِنَّهَا تطهر وَتصلي، وَعند أَحْمد: [حم (اغْتَسِلِي وتوضئي لكل صَلَاة وَصلي) [/ حم وَقَالَ الشَّافِعِي: ذكر الْوضُوء عندنَا غير مَحْفُوظ، وَلَو كَانَ مَحْفُوظًا لَكَانَ أحب إِلَيْنَا من الْقيَاس وَفِي (التَّمْهِيد) رَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن هِشَام مَرْفُوعا كَرِوَايَة يحيى عَن هِشَام سَوَاء، قَالَ فِيهِ: (وتوضئي لكل صَلَاة) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّاد ابْن سَلمَة عَن هِشَام مثله، وَحَمَّاد فِي ثِقَة ثَبت.
وَاعْلَم أَن وَطْء الْمُسْتَحَاضَة جَائِز فِي حَال جَرَيَان الدَّم عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر، وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير وَقَتَادَة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَبكر الْمُزنِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري، وَكَانَ زَوجهَا يَأْتِيهَا، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: لَا يَأْتِيهَا زَوجهَا، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَالْحكم وَسليمَان ابْن يسَار وَالزهْرِيّ وَالشعْبِيّ وَابْن عَلَيْهِ وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين، وَقَالَ أَحْمد لَا يَأْتِيهَا إلَاّ أَن يطول ذَلِك بهَا، وَفِي رِوَايَة: لَا يجوز وَطْؤُهَا إلَاّ أَن يخَاف زَوجهَا الْعَنَت، وَعَن مَنْصُور، تَصُوم وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا وَلَا تمس الْمُصحف وَتصلي مَا شَاءَت من الْفَرَائِض والنوافل.
وَفِي وَجه للشَّافِعِيَّة: لَا تستبيح النَّافِلَة أصلا، وَمذهب الشَّافِعِي: أَنَّهَا لَا تصلي بِطَهَارَة وَاحِدَة أَكثر من فَرِيضَة وَاحِدَة مُؤَدَّاة أَو مقضية وَحكي ذَلِك عَن عُرْوَة وَالثَّوْري وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة طَهَارَتهَا مقدرَة فِي الْوَقْت فَتُصَلِّي فِي الْوَقْت بطهارتها الْوَاحِدَة مَا شَاءَت، وَقَالَ مَالك وَرَبِيعَة وَأَبُو دَاوُد: دم الِاسْتِحَاضَة لَا ينْقض الْوضُوء فَإِذا طهرت فلهَا أَن تصلي بطهارتها مَا شَاءَت من الْفَرَائِض والنوافل إلَاّ أَن تحديث بِغَيْر الِاسْتِحَاضَة، وَيصِح وضؤوها لفريضة قبل دُخُول وَقتهَا، خلافًا للشَّافِعِيّ، وَلَا يجب عَلَيْهَا الِاغْتِسَال لشَيْء من الصَّلَاة وَلَا فِي وَقت من الْأَوْقَات إلَاّ مرّة وَاحِدَة إلَاّ فِي وَقت انْقِطَاع حَيْضهَا، وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عُرْوَة وَأبي سَلمَة وَمَالك وَأبي حنيفَة وَأحمد. وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَابْن الزبير أَنهم قَالُوا: يجب عَلَيْهَا أَن تَغْتَسِل لكل صَلَاة، وَرُوِيَ أَيْضا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: تَغْتَسِل كل يَوْم غسلا وَاحِدًا وَعَن ابْن الْمسيب وَالْحسن، تَغْتَسِل من صَلَاة الظّهْر إِلَى صَلَاة الظّهْر.
فَائِدَة: كَانَ فِي زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمَاعَة من النِّسَاء مستحاضات، مِنْهُنَّ: أم حَبِيبَة بنت جحش وَسَيَأْتِي حَدِيثهَا وَزَيْنَب أم الْمُؤمنِينَ وَأَسْمَاء أُخْت مَيْمُونَة لأمها وَفَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، وَحمْنَة بنت جحش، ذكرهَا أَبُو دَاوُد، وسهلة بنت سُهَيْل ذكرهَا أَيْضا، وَكَذَا زَيْنَب بنت جحش وَسَوْدَة بنت زَمعَة ذكرهَا الْعَلَاء بن الْمسيب عَن الحكم عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن، وَزَيْنَب بنت أم سَلمَة ذكرهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جمعه لحَدِيث يحيى بن أبي كثير، وَأَسْمَاء بنت مرشد الحارثية ذكرهَا الْبَيْهَقِيّ، وبادية بنت غيلَان، ذكرهَا ابْن الْأَثِير. قلت: هِيَ الثقفية الَّتِي قَالَ عَنْهَا: هيت المخنث: تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان، تزَوجهَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وأبوها أسلم وَتَحْته عشرَة نسْوَة.
٩ - (بابُ غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي فِي بَيَان غسل دم الْحيض، وَفِي نُسْخَة دم الْمَحِيض، وَفِي بَعْضهَا دم الْحَائِض، وَقد ذكر فِي كتاب الْوضُوء، بَاب غسل الدَّم وَهُوَ أَعم من هَذِه التَّرْجَمَة.
الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لَا تخفى.
٣٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بُنُ يُوسُفَ قالَ أخْبَرنا مالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عَنُ أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ أَنَّهَا قالَتْ سَأَلْتِ امْرَأَةٌ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إحْدَانَا إذَا أصَابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ