الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٥
الحديث رقم ٣٠٥ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
معنى حديث عائشة رضي الله عنها : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نَذْكُرُ إلا الحج".
أي: من المدينة وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم السَبت لخمس ليالٍ بَقَيْنَ من ذي القِعدة بعد أن صلى بها الظهر أربع ركعات، ثم سَار إلى ذي الحليفة فَصَلى بها العصر ركعتين.
"لا نَذْكُرُ إلا الحج".
وفي رواية :"لا نَرَى إلا الحج". لكن جاء عنها في حديث آخر صحيح: "فمنَّا من أهَلَّ بِعمرة، ومنَّا من أهَلَّ بحج، وكنت ممن أَهَلَّ بِعمرة"، وعلى هذا يكون قولها رضي الله عنها : "لا نَذْكر إلا الحج"، وقولها: "لا نَرى إلا الحج" لا يخلو من الأحوال التالية:
الحال الأولى: تريد بذلك فريضة الحج من حيث الأصل، لا بيان نوع النُّسك الذي أحرموا به.
الحال الثانية: تريد بذلك عند خروجهم وقبل وصولهم إلى الميقات، والدخول في الإحرام.
الحال الثالثة : تريد بذلك حال غيرها من الصحابة، ولم تقصد نفسها.
"حتى جِئْنَا سَرِف".
يعني: حتى وصلوا موضِعا يُقال له: "سَرِفُ"، وهو مَوضع قريب من مكة.
"فَطَمِثْتُ" يعني: حاضت رضي الله عنها .
"فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبْكِي، فقال: «ما يُبْكِيك؟» فقلت: والله، لوَدِدْتُ أنَّي لم أكُن خرجت العَام".
لما حصل معها ما حصل بَكَت رضي الله عنها وتَمَنَّت أنها لم تحج معهم هذه السَّنة؛ ظنا منها أنها لما حاضت قد تنقطع عن أعمال الحج، ويفوتها بذلك الخير.
" قال: «ما لك؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»".
أي: حِضْت .
" قلت: نعم، قال: «هذا شيء كَتَبه الله على بَنَات آدم»".
أي: أن الحيض أمْر مُقَدَّر ومكتوب على بنات آدم، فليس خاصًا بك وليس بيدك؛ فلا داعي للبكاء.
"افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري".
فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحيض لا يمنعها من المضي في نسكها، ولا يُخِلُّ بإحرامها، وأنها تفعل ما يفعله الحاج: من الوقوف بعرفة ومنى ومزدلفة ورمي الجماروسائر أفعال الحج غير الطواف، فإنها تمتنع منه حتى تَطْهر من حيضها وتغتسل.
"قالت: فلمَّا قَدمت مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «اجْعَلُوها عُمرة»".
تعني لما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمَر من لم يسوقوا الهدي أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فمن أحرم بالحج ولم يكن ساق الهدي فإنه يَقْلب إحرامه بالحج عمرة، فيطوف ويسعى ويقصر، ثم هو قد حَلَّ من إحرامه، وفي رواية أخرى لمسلم: "فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَحِلَّ منَّا من لم يكن معه هدى، قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه".
"قالت: فأحَلَّ الناس إلا من كان معه الهَدْي، قالت: فكان الهَدْي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذَوِي اليَسَارَة".
تعني أن من لم يكن معه الهدي حلُّوا من إحرامهم بعد أن طافوا وسعوا وقصروا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن ساق الهدي ممن وسَّعَ الله عليهم بقوا على إحرامهم؛ لأنهم ساقوا الهدي ومن ساق الهدي لم يَجز له فسخ إحرامه إلى عمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "لولا أني سُقْتُ الهَدْي، لفعلت مثل الذي أمَرْتُكم به".
"قالت: ثم أهَلُّوا حين راحُوا".
تعني أن الذين طافوا وسعوا وقصروا، أهلوا بالحج حين راحُوا إلى منى وذلك يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحِجة.
"قالت: فلمَّا كان يوم النَّحر طَهَرْت".
أي: أنها طَهَرت من حيضها يوم النحر، وهو يوم العاشر من ذِي الحِجَّة، سُمي بذلك؛ لنَحر الأضاحي فيه.
"فأمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَفَضْتُ".
أي: بعد أن طَهَرت من حيضها رضي الله عنها يوم النَّحر أمَرَها النبي صلى الله عليه وسلم بأداء طواف الإفاضة فَفَعَلت.
"قالت: فَأُتِيَنَا بِلَحم بَقَر، فقلت: ما هذا؟".
يعني: أُرسل لها ولمن معها من النساء لحم بقر، ثم إنها سَألت عنه.
"فقالوا: أَهْدَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نِسَائه البَقر".
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَحَر عن كل واحدة من نسائه بقرة.
"فلمَّا كانت ليلة الحَصْبَةِ".
يعني لمَّا كانت ليلة النزول من منى، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك؛ لأنهم نَفَروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به، وفي البخاري : "أن النبي صلى الله عليه وسلم رقَد رقْدَةً في المُحصَّب، ثم ركِبَ إلى البيت فطاف به".
"قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بِحَجَّة وعُمرة وأرجع بِحَجَّة؟".
أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة؛ لأنهم كانوا متمتعين، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة؛ لأنها كانت قارنة، والعمرة في القران داخلة في الحج بالنية، وفي رواية لمسلم "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟"، فهي أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي: وقد تما وحسبا لك جميعا، فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس.
"قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فَأَرْدَفَنِي على جَمَلِه".
أي : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما بأن يخرج بها إلى التَّنْعِيم؛ لتأتي منه بعمرة، حتى تكون مثل بقية الناس، فأردفَها رضي الله عنه خَلفه كما في رواية مسلم الأخرى.
"قالت: فإني لأذْكُر، وأنا جَارية حَدِيثَةُ السِّن، أَنْعَسُ فيُصِيب وجْهِي مُؤْخِرَة الرَّحْل".
أي: عندما أردفها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه خلفه، وسار بها إلى التنعيم كانت تَنْعَس حتى أنها رأسها يسقط من شِدَّة النُّعاس، فيضرب في مؤخرة الرَّحْل.
"حتى جِئْنَا إلى التَّنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ منها بِعُمْرة؛ جزاء بِعُمْرَة الناس التي اعْتَمَرُوا".
أي لما وصلا إلى التنعيم، أهلت رضي الله عنها بعمرة مستقلة بأعمالها مقام عمرة الناس التي اعتمروها أولا.
وفي رواية في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها بعد أن أدَّت العمرة : "هذه مكان عمرتك" أي: هذه العمرة مكان العمرة التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة مع الحج، فمنعك الحيض من القيام بها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلِهَذَا رَتَّبَ الْعَذَابَ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الْكُفْرَانِ وَغَيْرِهِ لَا عَلَى النَّقْصِ، وَلَيْسَ نَقْصُ الدِّينِ مُنْحَصِرًا فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ
الْإِثْمُ بَلْ فِي أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ، فَالْكَامِلُ مَثَلًا نَاقِصٌ عَنِ الْأَكْمَلِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تَأْثَمُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ زَمَنَ الْحَيْضِ لَكِنَّهَا نَاقِصَةٌ عَنِ الْمُصَلِّي، وَهَلْ تُثَابُ عَلَى هَذَا التَّرْكِ لِكَوْنِهَا مُكَلَّفَةً بِهِ كَمَا يُثَابُ الْمَرِيضُ عَلَى النَّوَافِلِ الَّتِي كَانَ يَعْمَلُهَا فِي صِحَّتِهِ وَشُغِلَ بِالْمَرَضِ عَنْهَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِري أَنَّهَا لَا تُثَابُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا بِنِيَّةِ الدَّوَامِ عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّتِهِ، وَالْحَائِضُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وَعِنْدِي - فِي كَوْنِ هَذَا الْفَرْقِ مُسْتَلْزِمًا لِكَوْنِهَا لَا تُثَابُ - وَقْفَةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مُرَاجَعَةُ الْمُتَعَلِّمِ لِمُعَلِّمِهِ وَالتَّابِعِ لِمَتْبُوعِهِ فِيمَا لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ وَالرِّفْقِ وَالرَّأْفَةِ، زَادَهُ اللَّهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا.
٧ - بَاب تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الْآيَةَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ في كُلِّ أَحْيَانِهِ، وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ: حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي، وَقَالَ الْحَكَمُ: إِنِّي لَأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ، وَقَالَ اللَّهُ تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ. قَالَ: لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ) أَيْ تُؤَدِّي (الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ) قِيلَ: مَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ بِمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ أَنَّ الْحَيْضَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجَنَابَةِ لَا يُنَافِي جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ، بَلْ صَحَّتْ مَعَهُ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ مِنْ أَذْكَارٍ وَغَيْرِهَا، فَمَنَاسِكُ الْحَجِّ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يُنَافِيهَا إِلَّا الطَّوَافَ فَقَطْ.
وَفِي كَوْنِ هَذَا مُرَادَهُ نَظَرٌ ; لِأَنَّ كَوْنَ مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ ابْنُ رَشِيدٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ: إِنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً، وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ، وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ ; لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ، وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ
لِكَوْنِهِ ذِكْرًا لِلَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ غَيْرِهِ، لَكِنَّ أَكْثَرَهَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا تَمَسَّكَ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ غَيْرُهُ كَالطَّبَرِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَدَاوُدَ بِعُمُومِ حَدِيثِ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ; لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ بِالْعُرْفِ.
وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَثَرَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ النَّخَعِيُّ بِأَنَّ مَنْعَ الْحَائِضِ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ أَرْبَعَةٌ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ: الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَعِنْدَ الْخَلَاءِ وَفِي الْحَمَّامِ، إِلَّا الْآيَةَ وَنَحْوَهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ لِلْحَائِضِ دُونَ الْجُنُبِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، ثُمَّ أَوْرَدَ أَثَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِلَفْظِ إِنَّ عَبَّاسًا كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِيدَيْنِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ وَيَدْعُونَ كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَدْعِينَ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْوَاوِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى الرُّومِ وَهُمْ كُفَّارٌ وَالْكَافِرُ جُنُبٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا جَازَ مَسُّ الْكِتَابِ لِلْجُنُبِ مَعَ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى آيَتَيْنِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَتُهُ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ رَشِيدٍ.
وَتَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِنَّمَا كَتَبَ إِلَيْهِمْ لِيَقْرَءُوهُ، فَاسْتَلْزَمَ جَوَازَ الْقِرَاءَةِ بِالنَّصِّ لَا بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَقَدْ أجيبَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - بِأَنَّ الْكِتَابَ اشْتَمَلَ عَلَى أَشْيَاءَ غَيْرِ الْآيَتَيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَكَرَ بَعْضَ الْقُرْآنِ فِي كِتَابٍ فِي الْفِقْهِ أَوْ فِي التَّفْسِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ قِرَاءَتَهُ وَلَا مَسَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ التِّلَاوَةُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّبْلِيغِ، وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالْقَلِيلِ كَالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّمَ الرَّجُلُ النَّصْرَانِيَّ الْحَرْفَ مِنَ الْقُرْآنِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْآيَةَ هُوَ كَالْجُنُبِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَعَنْهُ إِنْ رَجَا مِنْهُ الْهِدَايَةَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ مَنَعَ: لَا دَلَالَةَ فِي الْقِصَّةِ عَلَى جَوَازِ تِلَاوَةِ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ ; لِأَنَّ الْجُنُبَ إِنَّمَا مُنِعَ التِّلَاوَةَ إِذَا قَصَدَهَا وَعَرَفَ أَنَّ الَّذِي يَقْرَؤُهُ قُرْآنٌ، أَمَّا لَوْ قَرَأَ فِي وَرَقَةٍ مَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَعَبْدُوسٍ هُنَا (وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ) بِزِيَادَةِ وَاوٍ قَالَ: وَسَقَطَتْ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَهُوَ الصَّوَابُ. قُلْتُ: فَأَفْهَمَ أَنَّ الْأُولَى خَطَأٌ لِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِلتِّلَاوَةِ، وَلَيْسَتْ خَطَأً، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَوْصُولٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَفِي آخِرِهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي، وَأَمَّا أَثَرُ الْحَكَمِ - وَهُوَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ - فَوَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الذَّبْحَ مُسْتَلْزِمٌ لِذِكْرِ اللَّهِ بِحُكْمِ الْآيَةِ الَّتِي سَاقَهَا، وَفِي جَمِيعِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ نِزَاعٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَصَرُّفِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، لَيْسَ الْجَنَابَةُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ رُوَاتِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ، لَكِنْ قِيلَ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وظاهره تحريم متروك التَّسمية عمدًا أو نسيانًا، وإليه ذهب داود، وعن أحمد مثله، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ بخلافه لقوله ﵇: «ذبيحة المسلم حلالٌ وإن لم يذكر اسم الله عليها (١)»، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان وأوَّلوه بالميتة، أو بما ذُكِرَ غير اسم الله عليه، وقد نُوزِع في جميع ما استدلَّ به المؤلِّف ممَّا يطول ذكره.
٣٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ) من المدينة في حجَّة الوداع (لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) لأنَّهم كانوا يعتقدون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ (فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ) بفتح السِّين، وكسر الرَّاء (طَمِثْتُ) بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ وميم مكسورةٍ، ويجوز فتحها، أي: حِضْتُ (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ) وللأربعة: «فدخل النَّبيُّ» (وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ بالواو (فَقَالَ) ﵊: (مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ:
لَوَدِدْتُ) بكسر الدَّال الأولى، وهو جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم التَّالي (١) وهو قوله: (وَاللهِ) تأكيدٌ له (أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ) أي: لم أقصدِ الحجَّ هذه السَّنة لأنَّ قولها ذلك كان قبل شيءٍ من الحجِّ (قَالَ) ﵇: (لَعَلَّكِ) بكسر الكاف (نَُفِسْتِ) بفتح النُّون وضمِّها، أي: حضتِ؟ (قُلْتُ: نَعَمْ) نفستُ (قَالَ) ﵇: (فَإِنَّ ذَلِكِ) باللَّام وكسر الكاف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فإنَّ ذاك» (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) ليس هو خاصًّا بك، قاله تسليةً لها وتخفيفًا لهمِّها (فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ) من المناسك (غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) طهارةً كاملةً بانقطاع الحيض والاغتسال؛ لحديث: «الطَّواف بالبيت صلاةٌ»، فيُشتَرط له ما يُشترَط (٢) لها. نعم تعلَّق بهذه الغاية الحنفيَّة في صحَّة الطَّواف بالانقطاع وإن لم تغتسل، لكنَّ الأصحَّ عندهم وجوبه لأنَّه يجب بتركه الجابر، فلو طافت بعد الانقطاع قبل الغسل وجب عليها بَدَنة، وكذلك النُّفَساء والجنب كما رُوِي عنِ ابن عبَّاسٍ، وهذا الحديث تقدَّم في أوَّل «كتاب الحيض» [خ¦٢٩٤].
(٨) (بابُ) حكم (الاِسْتِحَاضَةِ) وهي: أن يجاوز الدَّم أكثر الحيض ويستمرَّ؛ وهي أربعة أقسامٍ، مُبتدَأةٌ أوَّل ما ابتدأها الدَّم، ومعتادةٌ سبق لها حيضٌ وطهرٌ، وكلاهما مميِّزة (٣)، وهي التي دمها نوعان: قويٌّ وضعيفٌ، وهذه (٤) تُرَدُّ إلى التَّمييز فيكون حيضها الأقوى إن لم ينقص عن
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فِي الْعِيد، وَأما الْحيض فيعتزلن الْمصلى ويشهدن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين) [/ حم أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: [حم (لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله) [/ حم أَخْرجَاهُ وَفِي رِوَايَة أبي دواد: (وليخرجن ثقلات غير عطرات) ، الْعَوَاتِق، جمع عاتق، وَهِي الْبِنْت الَّتِي بلغت وَقيل: الَّتِي لم تتَزَوَّج، والخدور جمع: خدر، وَهُوَ السّتْر، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) للنووي: يكره للشابة وَمن تشْتَهي الْحُضُور ولخوف الْفِتْنَة عَلَيْهِنَّ وبهن. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز عظة النِّسَاء على حِدة، وَهَذِه للْإِمَام، فَإِن لم يكن فلنائبه. الْخَامِس: فِيهِ إِشَارَة إِلَى الإغلاظ فِي النصح بِمَا يكون سَببا لإِزَالَة الصّفة الَّتِي تعاب أَو الذَّنب الَّذِي ينصف بِهِ الْإِنْسَان، السَّادِس: فِيهِ أَن لَا يواجه بذلك الشَّخْص الْمعِين، فَإِن فِي الشُّمُول تَسْلِيَة وتسهيلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الصَّدَقَة تدفع الْعَذَاب وَأَنَّهَا تكفر الذُّنُوب. الثَّامِن: فِيهِ أَن جحد النعم حرَام، وكفران النِّعْمَة مَذْمُوم. التَّاسِع: فِيهِ أَن اسْتِعْمَال الْكَلَام الْقَبِيح: كاللعن والشتم حرَام، وَأَنه من الْمعاصِي: فَإِن داوم عَلَيْهِ صَار كَبِيرَة، وَاسْتدلَّ النَّوَوِيّ على أَن اللَّعْن والشتم من الْكَبَائِر بالتوعد عَلَيْهِمَا بالنَّار. الْعَاشِر: فِيهِ ذمّ الدُّعَاء باللعن لِأَنَّهُ دُعَاء بالإبعاد من رَحْمَة الله تَعَالَى. قَالُوا: إِنَّه مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ على معِين. الْحَادِي عشر: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على الذُّنُوب الَّتِي لَا تخرج عَن الْملَّة تَغْلِيظًا على فاعلها. الثَّانِي عشرَة: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه. الثَّالِث عشر: فِيهِ مُرَاجعَة المتعلم وَالتَّابِع الْمَتْبُوع والمعلم فِيمَا قَالَه إِذا لم يظْهر لَهُ مَعْنَاهُ. الرَّابِع عشر: فِيهِ تَنْبِيه على أَن شَهَادَة امْرَأتَيْنِ تعدل شَهَادَة رجل. الْخَامِس عشر: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن النَّقْص من الطَّاعَات نقص من الدّين. قلت: لَا ينقص من نفس الدّين شَيْء وَإِنَّمَا النَّقْص أَو الزِّيَادَة يرجعان إِلَى الْكَمَال. السَّادِس عشر: فِيهِ دلَالَة على أَن ملاك الشَّهَادَة الْعقل. السَّابِعَة عشر: فِيهِ نَص على أَن الْحَائِض يسْقط عَنْهَا فرض الصَّوْم وَالصَّلَاة. الثَّامِن عشر: فِيهِ الشَّفَاعَة للْمَسَاكِين وَغَيرهم أَن يسْأَل لَهُم. التَّاسِع عشر: فِيهِ حجَّة لمن كره السُّؤَال لغيره. الْعشْرُونَ: فِيهِ مَا دلّ على مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْخلق الْعَظِيم والصفح الْجَمِيل والرأفة وَالرَّحْمَة أمته، عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وأشرف التَّحِيَّات.
٧ - (بابُ تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّها إلَاّ الطَّوافَ بالبَيْتِ)
فِي الْحَائِض وَالْجنب: يستفتحون رَأس الْآيَة وَلَا يتمون آخرهَا. وَفِي قَول: يكره قِرَاءَة الْقُرْآن للْجنب، وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة بن حَمَّاد أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: يقْرَأ الْجنب الْقُرْآن قَالَ: فَذَكرته لإِبْرَاهِيم فكرهه. وَفِي قَول: يقْرَأ مَا دون الْآيَة وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وروى ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يقْرَأ مَا دون الْآيَة: وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وَفِي قَوْله: يقْرَأ الْقُرْآن مَا لم يكن جنبا، وَحدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عمر قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض الْقُرْآن.
وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسِ بالقِرَاءَةِ لَلْجُنُبِ بَأْساً
هَذَا الْأَثر وَصله ابْن الْمُنْذر بِلَفْظ: أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يقْرَأ ورده وَهُوَ جنب. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا الثَّقَفِيّ عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يقْرَأ الْجنب الْآيَة والآيتين، وَكَانَ أَحْمد يرخص للْجنب أَن يقْرَأ الْآيَة وَنَحْوهَا، وَبِه قَالَ مَالك: وَقد حكى عَنهُ أَنه قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض وَلَا يقْرَأ الْجنب لِأَن الْحَائِض إِذا لم تقْرَأ نسيت الْقُرْآن، لِأَن أَيَّام الْحَائِض تتطاول وَمُدَّة الْجَنَابَة لَا تطول.
وكانَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ أَحْيَائِهِ
هَذَا حَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: يرْوى على كل أَحْوَاله وَأَرَادَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا، وَبِمَا ذكره فِي هَذَا الْبَاب، الِاسْتِدْلَال على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض، لِأَن الذّكر أَعم من أَن يكون بِالْقُرْآنِ أَو بِغَيْرِهِ، وَبِه قَالَ الطَّبَرِيّ وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد.
وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كُنَّا نُؤْمَرُ أنْ يَخْرُجَ الحَيَّضُ فَيَكُبرنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي أَيَّام التَّكْبِير: أَيَّام مني، وَإِذا غَدا إِلَى عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد، قَالَ حَدثنَا عمر ابْن حَفْص، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن عَاصِم عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كُنَّا نؤمر أَن نخرج يَوْم الْعِيد، حَتَّى تخرج الْبكر من خدرها، وَحَتَّى تخرج الْحيض، فيكنَّ خلف النَّاس فيكبرنَّ بتكبيرهم، ويدعونَ بدعائهم يرجون بركَة ذَلِك الْيَوْم وطهرته) ، وَرَوَاهُ أَيْضا فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء الْحيض إِلَى الْمصلى على مَا يَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَوجه الِاسْتِدْلَال بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا فرق بَين الذّكر والتلاوة، لِأَن الذّكر أَعم. وَقَالَ بَعضهم: وَيدعونَ، كَذَا الْأَكْثَر الروَاة، وللكشميهني: يدعين، بياء تَحْتَانِيَّة بدل الْوَاو. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره مُخَالف لقواعد التصريف، لِأَن هَذِه الصِّيغَة معتل الْأُم من ذَوَات الْوَاو، ويستوى فِيهَا لفظ جمَاعَة الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي الْخطاب والغيبة جَمِيعًا.
وَفِي التَّقْدِير مُخْتَلف، فوزن الْجمع الْمُذكر: يقعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث يفعلن، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِي مَوضِع، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
{وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَني أبُو سُفْيَانَ أنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتابِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمان الرَّحِيمِ وَيَا أَهْلَ الكِتابِ تَعَالُوا إِلَى كَلِمَةٍ الآيَةَ} (سُورَة آل عمرَان: ٦٤)
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث أبي سُفْيَان فِي قصَّة هِرقل: وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي بَدْء الْوَحْي وَغَيره، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، قَالَ: أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ (أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة الْكَلْبِيّ إِلَى عَظِيم بصرى، فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه، فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرحمان الرَّحِيم من مُحَمَّد ابْن عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم، سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد، فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ، فَإِن توليت فَعَلَيْك إِثْم الأريسين. {يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَى الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا أشهدوا بِأَنا مُسلمُونَ} .
وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وسلمكتب إِلَى الرّوم وهم كفار، وَالْكَافِر جنب، كَأَنَّهُ يَقُول: إِذا جَازَ مس الْكتاب للْجنب مَعَ كَونه مُشْتَمِلًا على آيَتَيْنِ، فَكَذَا يجوز لَهُ قِرَاءَته، وَالْحَاصِل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث للْكفَّار الْقُرْآن مَعَ أَنهم غير ظَاهِرين، فجوز مسهم وقراءتهم لَهُ، فَدلَّ على جَوَاز الْقِرَاءَة للْجنب.
وقالَ عَطَاءٌ عَنْ جابرٍ حاضَتْ عائِشَةٌ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوافِ بالبَيْتِ لَا تُصَلِّى
عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت) حدّثنا الْحسن بن عمر حدّثنا يزِيد عَن حبيب عَن عَطاء عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلبينا بِالْحَجِّ وَقدمنَا مَكَّة إِلَى أَن قَالَ: وَكَانَت عَائِشَة قدمت مَكَّة وَهِي حَائِض، فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنسك الْمَنَاسِك كلهَا غير أَنَّهَا لَا تَطوف وَلَا تصلي حَتَّى تطهر) الحَدِيث.
قَوْله: (فنسكت) ، بِفَتْح السِّين، وَالْمعْنَى: أَقَامَت بِأُمُور الْحَج كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ وَالصَّلَاة وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) قَوْله: (وَلَا تصلى) يحْتَمل أَن يكون من كَلَام عَطاء، أَو من كَلَام البُخَارِيّ، وَالله أعلم.
وقالَ الحَكَمُ إنِّي لَا ذْبَحْ وَأَنَّا جُنُبٌ وقالَ اللَّهُ: {وَلَا تأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١)
الحكم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف ابْن عتيبة، بِضَم الْعين المهلمة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، الْكُوفِي، وَقد تقدم فِي بَاب السمر بِالْعلمِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) من رِوَايَته عَن عَليّ بن الحعد عَن شُعْبَة عَنهُ. قَوْله: (إِنِّي لأذبح) أَي: أَنِّي لأذبح الذَّبِيحَة وَالْحَال أَنِّي جنب، وَلَكِن لَا بُد أَن أذكر الله تَعَالَى يحكم هَذِه الْآيَة وَهِي: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ} (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١) وَأَرَادَ بِهَذَا أَن الذّبْح مُسْتَلْزم شرعا لذكر الله بِمُقْتَضى هَذِه الْآيَة، فَدلَّ على أَن الْجنب يجوز لَهُ التِّلَاوَة.
وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ ذكر فِي هَذَا الْبَاب سِتَّة من الْآثَار إِلَى هُنَا، وَاسْتدلَّ بهَا على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب الْقُرْآن، وَفِي كل ذَلِك مناقشة، ورد عَلَيْهِ الْجُمْهُور بِأَحَادِيث وَردت بِمَنْع الْجنب عَن قِرَاءَة الْقُرْآن.
وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْأَرْبَعَة، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا حَفْص بن عمر، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله ابْن سَلمَة، قَالَ: دخلت على عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنا ورجلان: رجل منا وَرجل من بني إسد، أحسبد فبعثهما عَليّ بعثاً وَقَالَ: إنَّكُمَا علجان فعالجان عَن دينكما، ثمَّ قَامَ فَدخل الْمخْرج، ثمَّ خرج فَدَعَا بِمَاء فَأخذ مِنْهُ حفْنَة فتمسح بهَا ثمَّ جعل يقْرَأ الْقُرْآن، فأنكروا ذَلِك، فَقَالَ: (إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَجِيء من الْخَلَاء فيقرإ بِنَا الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم لَا يحجزه عَن الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة) . فَإِن قلت: ذكر الْبَزَّار أَنه لَا يرْوى عَن عَليّ إلَاّ حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة، وَحكى البُخَارِيّ: عَن عَمْرو بن مرّة، كَانَ عبد الله، يَعْنِي ابْن سَلمَة يحدثنا، فتعرق وتنكر، وَكَانَ قد كبر وَلَا يُتَابع فِي حَدِيثه، وَذكر الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: وَإِن لم يكن أهل الحَدِيث يثبتونه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا توقف الثَّانِي فِي ثُبُوت هَذَا الحَدِيث لِأَن مَدَاره على عبد الله بن سَلمَة الْكُوفِي، وَكَانَ قد كبر وَأنكر من حَدِيث وعقله بعض النكرَة، وَإِنَّمَا روى هَذَا الحَدِيث بعد كبر. قَالَه شُعْبَة، وَذكر الْخطابِيّ أَن الإِمَام أَحْمد كَانَ يوهن حَدِيث عَليّ هَذَا، ويضعف أَمر عبد الله بن سَلمَة وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الضُّعَفَاء والمتروكين) وَقَالَ النَّسَائِيّ: يعرف وينكر. قلت: التِّرْمِذِيّ لما أخرجه قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا، وَقَالَ الْحَاكِم فِي عبد الله بن سَلمَة، أَنه غير مطعون فِيهِ. وَقَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. قَوْله: لَا يحجزه، بالزاي الْمُعْجَمَة، أَي: لَا يمنعهُ ويروى، بالراء الْمُهْملَة، بِمَعْنَاهُ ويروي: لَا يَحْجُبهُ، بِمَعْنَاهُ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عرم، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقْرَأ الْحَائِض وَلَا الْجنب شَيْئا من الْقُرْآن) ، وَضعف هَذَا الحَدِيث بِإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رِوَايَته عَن أهل الْحجاز ضَعِيفَة لَا يحْتَج بهَا، قَالَه أَحْمد وَيحيى وَغَيرهمَا من الْحفاظ. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه عَن طَاوُوس عَن جَابر مَرْفُوعا نَحوه، وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَأعله بِمُحَمد بن الْفضل وَأَغْلظ فِي تَضْعِيفه عَن البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين. قلت: وَرُبمَا يعتضدان بِحَدِيث عَليّ الْمَذْكُور، وَلم يَصح عَن البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث، فَلذَلِك ذهب إِلَى جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض أَيْضا وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا صَحَّ عِنْده وَعند غَيره من حَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم الَّذِي ذكر عَن قريب، قَالَ الطَّبَرِيّ فِي (كتاب التَّهْذِيب) الصَّوَاب أَن مَا رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ، الصَّلَاة وَالسَّلَام، من ذكر الله على كل أحيائه وَأَنه كَانَ يقْرَأ مَا لم يكن جنبا أَن قِرَاءَته طَاهِرا اخْتِيَار مِنْهُ لأَفْضَل الْحَالَتَيْنِ
وَالْحَالة الْأُخْرَى أَرَادَ تَعْلِيم الْأمة، وَأَن ذَلِك جَائِز لَهُم، غير مَحْظُور عَلَيْهِم ذكر الله وَقِرَاءَة الْقُرْآن.
٣٠٥ - حدّثنا أبُو نُعَيمؤغ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيرِ بنُ أبي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نَذْكُرُ إلَاّ الحَجُّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طمِثْتِ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأنَا أَبْكِي فقالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ لَوَدِدْتُ واللَّهِ أنِّي لَمْ أَحُجَّ العامَ قالَ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ قالَ فإنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي. .
هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي أول كتاب الْحيض عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن الْقَاسِم، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد، وشرحناه هُنَاكَ مُسْتَوْفِي.
قَوْله: (سرف) بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء اسْم موع بِالْقربِ من مَكَّة قَوْلهَا: (طمثت) بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا: أَي حِضْت.
٨ - (بابُ الاسْتِحَاضَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِحَاضَة، وَهِي جَرَيَان دم الْمَرْأَة من فرجهَا فِي غير أَوَانه، وَيخرج من عرق يُقَال لَهُ: العاذل، بِالْعينِ الْمُهْملَة. والذال الْمُعْجَمَة.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن الْحيض والاستحاضة من أَحْكَام الْمَرْأَة.
٣٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ قالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْشٍ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَطْهُرُ أفَأَدَعُ الصَّلاةَ فقالَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بالحَيْضَةِ فإذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإذَا ذَهَبَ قَدْرُها فاغْسُلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصلِّي. .
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ غب حكم الِاسْتِحَاضَة، وَمر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب غسل الدَّم، وَصرح فِيهِ بالاستحاضة، وَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (جَاءَت فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت (يَا رَسُول الله إِنِّي أمْرَأَة استحاض فَلَا أطهر، أفأدع الصَّلَاة؟) الحَدِيث.
رِجَاله قد تقدمُوا مرَارًا. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وحبيش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب غسل الدَّم، وَنَذْكُر هَاهُنَا غير مَا ذكرنَا هُنَاكَ.
قَوْله: (وَصلى) أَي: بعد الِاغْتِسَال، كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ فِي بَاب إِذا حَاضَت فِي شهر ثَلَاث حيض، وَفِي لفظ: (فدعي الصَّلَاة قدر الإيام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا) وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه من جِهَة مَالك: (دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا، ثمَّ اغْتَسِلِي وَصلي) وَفِي لفظ: (ثمَّ توضىء لكل صَلَاة) وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة: (أَن أم حَبِيبَة بنت جحش استحيضت سبع سِنِين، فاستففت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن هَذِه لَيست بالحيضة، وَلَكِن هَذَا عرف فاغتسلي وَصلي، وَكَانَت تَغْتَسِل فِي مركن فِي حجرَة أُخْتهَا زَيْنَب بنت جحش حَتَّى تعلو حمرَة الدَّم على المَاء) وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة: (أَن سهلة بنت سُهَيْل استحيضت، فَاتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمرهَا أَن تَغْتَسِل عِنْد كل صَلَاة، فَلَمَّا جهدها ذلكأمرها أَن تجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِغسْل، وَالْمغْرب وَالْعشَاء بِغسْل وتغتسل للصبح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا قَالَت: (أستحيضت امْرَأَة على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمرت أَن تعجل الْعَصْر وتؤخر الظّهْر وتغتسل لَهما غسلا، وَأَن تُؤخر الْمغرب وتعجل الْعشَاء وتغتسل لَهما غسلا وتغتسل لصَلَاة الصُّبْح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة فِي الْمُسْتَحَاضَة: (تَغْتَسِل مرّة وَاحِدَة ثمَّ تتوضأ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلِهَذَا رَتَّبَ الْعَذَابَ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الْكُفْرَانِ وَغَيْرِهِ لَا عَلَى النَّقْصِ، وَلَيْسَ نَقْصُ الدِّينِ مُنْحَصِرًا فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ
الْإِثْمُ بَلْ فِي أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ، فَالْكَامِلُ مَثَلًا نَاقِصٌ عَنِ الْأَكْمَلِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تَأْثَمُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ زَمَنَ الْحَيْضِ لَكِنَّهَا نَاقِصَةٌ عَنِ الْمُصَلِّي، وَهَلْ تُثَابُ عَلَى هَذَا التَّرْكِ لِكَوْنِهَا مُكَلَّفَةً بِهِ كَمَا يُثَابُ الْمَرِيضُ عَلَى النَّوَافِلِ الَّتِي كَانَ يَعْمَلُهَا فِي صِحَّتِهِ وَشُغِلَ بِالْمَرَضِ عَنْهَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِري أَنَّهَا لَا تُثَابُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا بِنِيَّةِ الدَّوَامِ عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّتِهِ، وَالْحَائِضُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وَعِنْدِي - فِي كَوْنِ هَذَا الْفَرْقِ مُسْتَلْزِمًا لِكَوْنِهَا لَا تُثَابُ - وَقْفَةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مُرَاجَعَةُ الْمُتَعَلِّمِ لِمُعَلِّمِهِ وَالتَّابِعِ لِمَتْبُوعِهِ فِيمَا لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ وَالرِّفْقِ وَالرَّأْفَةِ، زَادَهُ اللَّهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا.
٧ - بَاب تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الْآيَةَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ في كُلِّ أَحْيَانِهِ، وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ: حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي، وَقَالَ الْحَكَمُ: إِنِّي لَأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ، وَقَالَ اللَّهُ تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ. قَالَ: لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ) أَيْ تُؤَدِّي (الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ) قِيلَ: مَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ بِمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ أَنَّ الْحَيْضَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجَنَابَةِ لَا يُنَافِي جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ، بَلْ صَحَّتْ مَعَهُ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ مِنْ أَذْكَارٍ وَغَيْرِهَا، فَمَنَاسِكُ الْحَجِّ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يُنَافِيهَا إِلَّا الطَّوَافَ فَقَطْ.
وَفِي كَوْنِ هَذَا مُرَادَهُ نَظَرٌ ; لِأَنَّ كَوْنَ مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ ابْنُ رَشِيدٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ: إِنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً، وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ، وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ ; لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ، وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ
لِكَوْنِهِ ذِكْرًا لِلَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ غَيْرِهِ، لَكِنَّ أَكْثَرَهَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا تَمَسَّكَ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ غَيْرُهُ كَالطَّبَرِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَدَاوُدَ بِعُمُومِ حَدِيثِ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ; لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ بِالْعُرْفِ.
وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَثَرَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ النَّخَعِيُّ بِأَنَّ مَنْعَ الْحَائِضِ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ أَرْبَعَةٌ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ: الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَعِنْدَ الْخَلَاءِ وَفِي الْحَمَّامِ، إِلَّا الْآيَةَ وَنَحْوَهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ لِلْحَائِضِ دُونَ الْجُنُبِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، ثُمَّ أَوْرَدَ أَثَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِلَفْظِ إِنَّ عَبَّاسًا كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِيدَيْنِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ وَيَدْعُونَ كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَدْعِينَ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْوَاوِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى الرُّومِ وَهُمْ كُفَّارٌ وَالْكَافِرُ جُنُبٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا جَازَ مَسُّ الْكِتَابِ لِلْجُنُبِ مَعَ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى آيَتَيْنِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَتُهُ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ رَشِيدٍ.
وَتَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِنَّمَا كَتَبَ إِلَيْهِمْ لِيَقْرَءُوهُ، فَاسْتَلْزَمَ جَوَازَ الْقِرَاءَةِ بِالنَّصِّ لَا بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَقَدْ أجيبَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - بِأَنَّ الْكِتَابَ اشْتَمَلَ عَلَى أَشْيَاءَ غَيْرِ الْآيَتَيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَكَرَ بَعْضَ الْقُرْآنِ فِي كِتَابٍ فِي الْفِقْهِ أَوْ فِي التَّفْسِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ قِرَاءَتَهُ وَلَا مَسَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ التِّلَاوَةُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّبْلِيغِ، وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالْقَلِيلِ كَالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّمَ الرَّجُلُ النَّصْرَانِيَّ الْحَرْفَ مِنَ الْقُرْآنِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْآيَةَ هُوَ كَالْجُنُبِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَعَنْهُ إِنْ رَجَا مِنْهُ الْهِدَايَةَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ مَنَعَ: لَا دَلَالَةَ فِي الْقِصَّةِ عَلَى جَوَازِ تِلَاوَةِ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ ; لِأَنَّ الْجُنُبَ إِنَّمَا مُنِعَ التِّلَاوَةَ إِذَا قَصَدَهَا وَعَرَفَ أَنَّ الَّذِي يَقْرَؤُهُ قُرْآنٌ، أَمَّا لَوْ قَرَأَ فِي وَرَقَةٍ مَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَعَبْدُوسٍ هُنَا (وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ) بِزِيَادَةِ وَاوٍ قَالَ: وَسَقَطَتْ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَهُوَ الصَّوَابُ. قُلْتُ: فَأَفْهَمَ أَنَّ الْأُولَى خَطَأٌ لِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِلتِّلَاوَةِ، وَلَيْسَتْ خَطَأً، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَوْصُولٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَفِي آخِرِهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي، وَأَمَّا أَثَرُ الْحَكَمِ - وَهُوَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ - فَوَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الذَّبْحَ مُسْتَلْزِمٌ لِذِكْرِ اللَّهِ بِحُكْمِ الْآيَةِ الَّتِي سَاقَهَا، وَفِي جَمِيعِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ نِزَاعٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَصَرُّفِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، لَيْسَ الْجَنَابَةُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ رُوَاتِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ، لَكِنْ قِيلَ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وظاهره تحريم متروك التَّسمية عمدًا أو نسيانًا، وإليه ذهب داود، وعن أحمد مثله، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ بخلافه لقوله ﵇: «ذبيحة المسلم حلالٌ وإن لم يذكر اسم الله عليها (١)»، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان وأوَّلوه بالميتة، أو بما ذُكِرَ غير اسم الله عليه، وقد نُوزِع في جميع ما استدلَّ به المؤلِّف ممَّا يطول ذكره.
٣٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ) من المدينة في حجَّة الوداع (لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) لأنَّهم كانوا يعتقدون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ (فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ) بفتح السِّين، وكسر الرَّاء (طَمِثْتُ) بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ وميم مكسورةٍ، ويجوز فتحها، أي: حِضْتُ (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ) وللأربعة: «فدخل النَّبيُّ» (وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ بالواو (فَقَالَ) ﵊: (مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ:
لَوَدِدْتُ) بكسر الدَّال الأولى، وهو جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم التَّالي (١) وهو قوله: (وَاللهِ) تأكيدٌ له (أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ) أي: لم أقصدِ الحجَّ هذه السَّنة لأنَّ قولها ذلك كان قبل شيءٍ من الحجِّ (قَالَ) ﵇: (لَعَلَّكِ) بكسر الكاف (نَُفِسْتِ) بفتح النُّون وضمِّها، أي: حضتِ؟ (قُلْتُ: نَعَمْ) نفستُ (قَالَ) ﵇: (فَإِنَّ ذَلِكِ) باللَّام وكسر الكاف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فإنَّ ذاك» (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) ليس هو خاصًّا بك، قاله تسليةً لها وتخفيفًا لهمِّها (فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ) من المناسك (غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) طهارةً كاملةً بانقطاع الحيض والاغتسال؛ لحديث: «الطَّواف بالبيت صلاةٌ»، فيُشتَرط له ما يُشترَط (٢) لها. نعم تعلَّق بهذه الغاية الحنفيَّة في صحَّة الطَّواف بالانقطاع وإن لم تغتسل، لكنَّ الأصحَّ عندهم وجوبه لأنَّه يجب بتركه الجابر، فلو طافت بعد الانقطاع قبل الغسل وجب عليها بَدَنة، وكذلك النُّفَساء والجنب كما رُوِي عنِ ابن عبَّاسٍ، وهذا الحديث تقدَّم في أوَّل «كتاب الحيض» [خ¦٢٩٤].
(٨) (بابُ) حكم (الاِسْتِحَاضَةِ) وهي: أن يجاوز الدَّم أكثر الحيض ويستمرَّ؛ وهي أربعة أقسامٍ، مُبتدَأةٌ أوَّل ما ابتدأها الدَّم، ومعتادةٌ سبق لها حيضٌ وطهرٌ، وكلاهما مميِّزة (٣)، وهي التي دمها نوعان: قويٌّ وضعيفٌ، وهذه (٤) تُرَدُّ إلى التَّمييز فيكون حيضها الأقوى إن لم ينقص عن
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فِي الْعِيد، وَأما الْحيض فيعتزلن الْمصلى ويشهدن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين) [/ حم أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: [حم (لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله) [/ حم أَخْرجَاهُ وَفِي رِوَايَة أبي دواد: (وليخرجن ثقلات غير عطرات) ، الْعَوَاتِق، جمع عاتق، وَهِي الْبِنْت الَّتِي بلغت وَقيل: الَّتِي لم تتَزَوَّج، والخدور جمع: خدر، وَهُوَ السّتْر، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) للنووي: يكره للشابة وَمن تشْتَهي الْحُضُور ولخوف الْفِتْنَة عَلَيْهِنَّ وبهن. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز عظة النِّسَاء على حِدة، وَهَذِه للْإِمَام، فَإِن لم يكن فلنائبه. الْخَامِس: فِيهِ إِشَارَة إِلَى الإغلاظ فِي النصح بِمَا يكون سَببا لإِزَالَة الصّفة الَّتِي تعاب أَو الذَّنب الَّذِي ينصف بِهِ الْإِنْسَان، السَّادِس: فِيهِ أَن لَا يواجه بذلك الشَّخْص الْمعِين، فَإِن فِي الشُّمُول تَسْلِيَة وتسهيلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الصَّدَقَة تدفع الْعَذَاب وَأَنَّهَا تكفر الذُّنُوب. الثَّامِن: فِيهِ أَن جحد النعم حرَام، وكفران النِّعْمَة مَذْمُوم. التَّاسِع: فِيهِ أَن اسْتِعْمَال الْكَلَام الْقَبِيح: كاللعن والشتم حرَام، وَأَنه من الْمعاصِي: فَإِن داوم عَلَيْهِ صَار كَبِيرَة، وَاسْتدلَّ النَّوَوِيّ على أَن اللَّعْن والشتم من الْكَبَائِر بالتوعد عَلَيْهِمَا بالنَّار. الْعَاشِر: فِيهِ ذمّ الدُّعَاء باللعن لِأَنَّهُ دُعَاء بالإبعاد من رَحْمَة الله تَعَالَى. قَالُوا: إِنَّه مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ على معِين. الْحَادِي عشر: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على الذُّنُوب الَّتِي لَا تخرج عَن الْملَّة تَغْلِيظًا على فاعلها. الثَّانِي عشرَة: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه. الثَّالِث عشر: فِيهِ مُرَاجعَة المتعلم وَالتَّابِع الْمَتْبُوع والمعلم فِيمَا قَالَه إِذا لم يظْهر لَهُ مَعْنَاهُ. الرَّابِع عشر: فِيهِ تَنْبِيه على أَن شَهَادَة امْرَأتَيْنِ تعدل شَهَادَة رجل. الْخَامِس عشر: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن النَّقْص من الطَّاعَات نقص من الدّين. قلت: لَا ينقص من نفس الدّين شَيْء وَإِنَّمَا النَّقْص أَو الزِّيَادَة يرجعان إِلَى الْكَمَال. السَّادِس عشر: فِيهِ دلَالَة على أَن ملاك الشَّهَادَة الْعقل. السَّابِعَة عشر: فِيهِ نَص على أَن الْحَائِض يسْقط عَنْهَا فرض الصَّوْم وَالصَّلَاة. الثَّامِن عشر: فِيهِ الشَّفَاعَة للْمَسَاكِين وَغَيرهم أَن يسْأَل لَهُم. التَّاسِع عشر: فِيهِ حجَّة لمن كره السُّؤَال لغيره. الْعشْرُونَ: فِيهِ مَا دلّ على مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْخلق الْعَظِيم والصفح الْجَمِيل والرأفة وَالرَّحْمَة أمته، عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وأشرف التَّحِيَّات.
٧ - (بابُ تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّها إلَاّ الطَّوافَ بالبَيْتِ)
فِي الْحَائِض وَالْجنب: يستفتحون رَأس الْآيَة وَلَا يتمون آخرهَا. وَفِي قَول: يكره قِرَاءَة الْقُرْآن للْجنب، وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة بن حَمَّاد أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: يقْرَأ الْجنب الْقُرْآن قَالَ: فَذَكرته لإِبْرَاهِيم فكرهه. وَفِي قَول: يقْرَأ مَا دون الْآيَة وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وروى ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يقْرَأ مَا دون الْآيَة: وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وَفِي قَوْله: يقْرَأ الْقُرْآن مَا لم يكن جنبا، وَحدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عمر قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض الْقُرْآن.
وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسِ بالقِرَاءَةِ لَلْجُنُبِ بَأْساً
هَذَا الْأَثر وَصله ابْن الْمُنْذر بِلَفْظ: أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يقْرَأ ورده وَهُوَ جنب. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا الثَّقَفِيّ عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يقْرَأ الْجنب الْآيَة والآيتين، وَكَانَ أَحْمد يرخص للْجنب أَن يقْرَأ الْآيَة وَنَحْوهَا، وَبِه قَالَ مَالك: وَقد حكى عَنهُ أَنه قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض وَلَا يقْرَأ الْجنب لِأَن الْحَائِض إِذا لم تقْرَأ نسيت الْقُرْآن، لِأَن أَيَّام الْحَائِض تتطاول وَمُدَّة الْجَنَابَة لَا تطول.
وكانَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ أَحْيَائِهِ
هَذَا حَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: يرْوى على كل أَحْوَاله وَأَرَادَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا، وَبِمَا ذكره فِي هَذَا الْبَاب، الِاسْتِدْلَال على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض، لِأَن الذّكر أَعم من أَن يكون بِالْقُرْآنِ أَو بِغَيْرِهِ، وَبِه قَالَ الطَّبَرِيّ وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد.
وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كُنَّا نُؤْمَرُ أنْ يَخْرُجَ الحَيَّضُ فَيَكُبرنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي أَيَّام التَّكْبِير: أَيَّام مني، وَإِذا غَدا إِلَى عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد، قَالَ حَدثنَا عمر ابْن حَفْص، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن عَاصِم عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كُنَّا نؤمر أَن نخرج يَوْم الْعِيد، حَتَّى تخرج الْبكر من خدرها، وَحَتَّى تخرج الْحيض، فيكنَّ خلف النَّاس فيكبرنَّ بتكبيرهم، ويدعونَ بدعائهم يرجون بركَة ذَلِك الْيَوْم وطهرته) ، وَرَوَاهُ أَيْضا فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء الْحيض إِلَى الْمصلى على مَا يَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَوجه الِاسْتِدْلَال بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا فرق بَين الذّكر والتلاوة، لِأَن الذّكر أَعم. وَقَالَ بَعضهم: وَيدعونَ، كَذَا الْأَكْثَر الروَاة، وللكشميهني: يدعين، بياء تَحْتَانِيَّة بدل الْوَاو. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره مُخَالف لقواعد التصريف، لِأَن هَذِه الصِّيغَة معتل الْأُم من ذَوَات الْوَاو، ويستوى فِيهَا لفظ جمَاعَة الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي الْخطاب والغيبة جَمِيعًا.
وَفِي التَّقْدِير مُخْتَلف، فوزن الْجمع الْمُذكر: يقعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث يفعلن، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِي مَوضِع، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
{وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَني أبُو سُفْيَانَ أنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتابِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمان الرَّحِيمِ وَيَا أَهْلَ الكِتابِ تَعَالُوا إِلَى كَلِمَةٍ الآيَةَ} (سُورَة آل عمرَان: ٦٤)
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث أبي سُفْيَان فِي قصَّة هِرقل: وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي بَدْء الْوَحْي وَغَيره، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، قَالَ: أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ (أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة الْكَلْبِيّ إِلَى عَظِيم بصرى، فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه، فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرحمان الرَّحِيم من مُحَمَّد ابْن عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم، سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد، فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ، فَإِن توليت فَعَلَيْك إِثْم الأريسين. {يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَى الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا أشهدوا بِأَنا مُسلمُونَ} .
وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وسلمكتب إِلَى الرّوم وهم كفار، وَالْكَافِر جنب، كَأَنَّهُ يَقُول: إِذا جَازَ مس الْكتاب للْجنب مَعَ كَونه مُشْتَمِلًا على آيَتَيْنِ، فَكَذَا يجوز لَهُ قِرَاءَته، وَالْحَاصِل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث للْكفَّار الْقُرْآن مَعَ أَنهم غير ظَاهِرين، فجوز مسهم وقراءتهم لَهُ، فَدلَّ على جَوَاز الْقِرَاءَة للْجنب.
وقالَ عَطَاءٌ عَنْ جابرٍ حاضَتْ عائِشَةٌ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوافِ بالبَيْتِ لَا تُصَلِّى
عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت) حدّثنا الْحسن بن عمر حدّثنا يزِيد عَن حبيب عَن عَطاء عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلبينا بِالْحَجِّ وَقدمنَا مَكَّة إِلَى أَن قَالَ: وَكَانَت عَائِشَة قدمت مَكَّة وَهِي حَائِض، فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنسك الْمَنَاسِك كلهَا غير أَنَّهَا لَا تَطوف وَلَا تصلي حَتَّى تطهر) الحَدِيث.
قَوْله: (فنسكت) ، بِفَتْح السِّين، وَالْمعْنَى: أَقَامَت بِأُمُور الْحَج كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ وَالصَّلَاة وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) قَوْله: (وَلَا تصلى) يحْتَمل أَن يكون من كَلَام عَطاء، أَو من كَلَام البُخَارِيّ، وَالله أعلم.
وقالَ الحَكَمُ إنِّي لَا ذْبَحْ وَأَنَّا جُنُبٌ وقالَ اللَّهُ: {وَلَا تأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١)
الحكم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف ابْن عتيبة، بِضَم الْعين المهلمة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، الْكُوفِي، وَقد تقدم فِي بَاب السمر بِالْعلمِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) من رِوَايَته عَن عَليّ بن الحعد عَن شُعْبَة عَنهُ. قَوْله: (إِنِّي لأذبح) أَي: أَنِّي لأذبح الذَّبِيحَة وَالْحَال أَنِّي جنب، وَلَكِن لَا بُد أَن أذكر الله تَعَالَى يحكم هَذِه الْآيَة وَهِي: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ} (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١) وَأَرَادَ بِهَذَا أَن الذّبْح مُسْتَلْزم شرعا لذكر الله بِمُقْتَضى هَذِه الْآيَة، فَدلَّ على أَن الْجنب يجوز لَهُ التِّلَاوَة.
وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ ذكر فِي هَذَا الْبَاب سِتَّة من الْآثَار إِلَى هُنَا، وَاسْتدلَّ بهَا على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب الْقُرْآن، وَفِي كل ذَلِك مناقشة، ورد عَلَيْهِ الْجُمْهُور بِأَحَادِيث وَردت بِمَنْع الْجنب عَن قِرَاءَة الْقُرْآن.
وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْأَرْبَعَة، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا حَفْص بن عمر، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله ابْن سَلمَة، قَالَ: دخلت على عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنا ورجلان: رجل منا وَرجل من بني إسد، أحسبد فبعثهما عَليّ بعثاً وَقَالَ: إنَّكُمَا علجان فعالجان عَن دينكما، ثمَّ قَامَ فَدخل الْمخْرج، ثمَّ خرج فَدَعَا بِمَاء فَأخذ مِنْهُ حفْنَة فتمسح بهَا ثمَّ جعل يقْرَأ الْقُرْآن، فأنكروا ذَلِك، فَقَالَ: (إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَجِيء من الْخَلَاء فيقرإ بِنَا الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم لَا يحجزه عَن الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة) . فَإِن قلت: ذكر الْبَزَّار أَنه لَا يرْوى عَن عَليّ إلَاّ حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة، وَحكى البُخَارِيّ: عَن عَمْرو بن مرّة، كَانَ عبد الله، يَعْنِي ابْن سَلمَة يحدثنا، فتعرق وتنكر، وَكَانَ قد كبر وَلَا يُتَابع فِي حَدِيثه، وَذكر الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: وَإِن لم يكن أهل الحَدِيث يثبتونه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا توقف الثَّانِي فِي ثُبُوت هَذَا الحَدِيث لِأَن مَدَاره على عبد الله بن سَلمَة الْكُوفِي، وَكَانَ قد كبر وَأنكر من حَدِيث وعقله بعض النكرَة، وَإِنَّمَا روى هَذَا الحَدِيث بعد كبر. قَالَه شُعْبَة، وَذكر الْخطابِيّ أَن الإِمَام أَحْمد كَانَ يوهن حَدِيث عَليّ هَذَا، ويضعف أَمر عبد الله بن سَلمَة وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الضُّعَفَاء والمتروكين) وَقَالَ النَّسَائِيّ: يعرف وينكر. قلت: التِّرْمِذِيّ لما أخرجه قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا، وَقَالَ الْحَاكِم فِي عبد الله بن سَلمَة، أَنه غير مطعون فِيهِ. وَقَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. قَوْله: لَا يحجزه، بالزاي الْمُعْجَمَة، أَي: لَا يمنعهُ ويروى، بالراء الْمُهْملَة، بِمَعْنَاهُ ويروي: لَا يَحْجُبهُ، بِمَعْنَاهُ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عرم، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقْرَأ الْحَائِض وَلَا الْجنب شَيْئا من الْقُرْآن) ، وَضعف هَذَا الحَدِيث بِإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رِوَايَته عَن أهل الْحجاز ضَعِيفَة لَا يحْتَج بهَا، قَالَه أَحْمد وَيحيى وَغَيرهمَا من الْحفاظ. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه عَن طَاوُوس عَن جَابر مَرْفُوعا نَحوه، وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَأعله بِمُحَمد بن الْفضل وَأَغْلظ فِي تَضْعِيفه عَن البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين. قلت: وَرُبمَا يعتضدان بِحَدِيث عَليّ الْمَذْكُور، وَلم يَصح عَن البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث، فَلذَلِك ذهب إِلَى جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض أَيْضا وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا صَحَّ عِنْده وَعند غَيره من حَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم الَّذِي ذكر عَن قريب، قَالَ الطَّبَرِيّ فِي (كتاب التَّهْذِيب) الصَّوَاب أَن مَا رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ، الصَّلَاة وَالسَّلَام، من ذكر الله على كل أحيائه وَأَنه كَانَ يقْرَأ مَا لم يكن جنبا أَن قِرَاءَته طَاهِرا اخْتِيَار مِنْهُ لأَفْضَل الْحَالَتَيْنِ
وَالْحَالة الْأُخْرَى أَرَادَ تَعْلِيم الْأمة، وَأَن ذَلِك جَائِز لَهُم، غير مَحْظُور عَلَيْهِم ذكر الله وَقِرَاءَة الْقُرْآن.
٣٠٥ - حدّثنا أبُو نُعَيمؤغ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيرِ بنُ أبي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نَذْكُرُ إلَاّ الحَجُّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طمِثْتِ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأنَا أَبْكِي فقالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ لَوَدِدْتُ واللَّهِ أنِّي لَمْ أَحُجَّ العامَ قالَ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ قالَ فإنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي. .
هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي أول كتاب الْحيض عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن الْقَاسِم، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد، وشرحناه هُنَاكَ مُسْتَوْفِي.
قَوْله: (سرف) بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء اسْم موع بِالْقربِ من مَكَّة قَوْلهَا: (طمثت) بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا: أَي حِضْت.
٨ - (بابُ الاسْتِحَاضَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِحَاضَة، وَهِي جَرَيَان دم الْمَرْأَة من فرجهَا فِي غير أَوَانه، وَيخرج من عرق يُقَال لَهُ: العاذل، بِالْعينِ الْمُهْملَة. والذال الْمُعْجَمَة.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن الْحيض والاستحاضة من أَحْكَام الْمَرْأَة.
٣٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ قالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْشٍ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَطْهُرُ أفَأَدَعُ الصَّلاةَ فقالَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بالحَيْضَةِ فإذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإذَا ذَهَبَ قَدْرُها فاغْسُلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصلِّي. .
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ غب حكم الِاسْتِحَاضَة، وَمر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب غسل الدَّم، وَصرح فِيهِ بالاستحاضة، وَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (جَاءَت فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت (يَا رَسُول الله إِنِّي أمْرَأَة استحاض فَلَا أطهر، أفأدع الصَّلَاة؟) الحَدِيث.
رِجَاله قد تقدمُوا مرَارًا. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وحبيش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب غسل الدَّم، وَنَذْكُر هَاهُنَا غير مَا ذكرنَا هُنَاكَ.
قَوْله: (وَصلى) أَي: بعد الِاغْتِسَال، كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ فِي بَاب إِذا حَاضَت فِي شهر ثَلَاث حيض، وَفِي لفظ: (فدعي الصَّلَاة قدر الإيام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا) وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه من جِهَة مَالك: (دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا، ثمَّ اغْتَسِلِي وَصلي) وَفِي لفظ: (ثمَّ توضىء لكل صَلَاة) وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة: (أَن أم حَبِيبَة بنت جحش استحيضت سبع سِنِين، فاستففت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن هَذِه لَيست بالحيضة، وَلَكِن هَذَا عرف فاغتسلي وَصلي، وَكَانَت تَغْتَسِل فِي مركن فِي حجرَة أُخْتهَا زَيْنَب بنت جحش حَتَّى تعلو حمرَة الدَّم على المَاء) وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة: (أَن سهلة بنت سُهَيْل استحيضت، فَاتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمرهَا أَن تَغْتَسِل عِنْد كل صَلَاة، فَلَمَّا جهدها ذلكأمرها أَن تجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِغسْل، وَالْمغْرب وَالْعشَاء بِغسْل وتغتسل للصبح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا قَالَت: (أستحيضت امْرَأَة على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمرت أَن تعجل الْعَصْر وتؤخر الظّهْر وتغتسل لَهما غسلا، وَأَن تُؤخر الْمغرب وتعجل الْعشَاء وتغتسل لَهما غسلا وتغتسل لصَلَاة الصُّبْح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة فِي الْمُسْتَحَاضَة: (تَغْتَسِل مرّة وَاحِدَة ثمَّ تتوضأ