«خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٩

الحديث رقم ٣١٩ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل…

«خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ. قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ».

سند حديث: ٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ…

٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل…

معنى حديث عائشة رضي الله عنها : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نَذْكُرُ إلا الحج".
أي: من المدينة وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم السَبت لخمس ليالٍ بَقَيْنَ من ذي القِعدة بعد أن صلى بها الظهر أربع ركعات، ثم سَار إلى ذي الحليفة فَصَلى بها العصر ركعتين.
"لا نَذْكُرُ إلا الحج".
وفي رواية :"لا نَرَى إلا الحج". لكن جاء عنها في حديث آخر صحيح: "فمنَّا من أهَلَّ بِعمرة، ومنَّا من أهَلَّ بحج، وكنت ممن أَهَلَّ بِعمرة"، وعلى هذا يكون قولها رضي الله عنها : "لا نَذْكر إلا الحج"، وقولها: "لا نَرى إلا الحج" لا يخلو من الأحوال التالية:
الحال الأولى: تريد بذلك فريضة الحج من حيث الأصل، لا بيان نوع النُّسك الذي أحرموا به.
الحال الثانية: تريد بذلك عند خروجهم وقبل وصولهم إلى الميقات، والدخول في الإحرام.
الحال الثالثة : تريد بذلك حال غيرها من الصحابة، ولم تقصد نفسها.
"حتى جِئْنَا سَرِف".
يعني: حتى وصلوا موضِعا يُقال له: "سَرِفُ"، وهو مَوضع قريب من مكة.
"فَطَمِثْتُ" يعني: حاضت رضي الله عنها .
"فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبْكِي، فقال: «ما يُبْكِيك؟» فقلت: والله، لوَدِدْتُ أنَّي لم أكُن خرجت العَام".
لما حصل معها ما حصل بَكَت رضي الله عنها وتَمَنَّت أنها لم تحج معهم هذه السَّنة؛ ظنا منها أنها لما حاضت قد تنقطع عن أعمال الحج، ويفوتها بذلك الخير.
" قال: «ما لك؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»".
أي: حِضْت .
" قلت: نعم، قال: «هذا شيء كَتَبه الله على بَنَات آدم»".
أي: أن الحيض أمْر مُقَدَّر ومكتوب على بنات آدم، فليس خاصًا بك وليس بيدك؛ فلا داعي للبكاء.
"افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري".
فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحيض لا يمنعها من المضي في نسكها، ولا يُخِلُّ بإحرامها، وأنها تفعل ما يفعله الحاج: من الوقوف بعرفة ومنى ومزدلفة ورمي الجماروسائر أفعال الحج غير الطواف، فإنها تمتنع منه حتى تَطْهر من حيضها وتغتسل.
"قالت: فلمَّا قَدمت مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «اجْعَلُوها عُمرة»".
تعني لما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمَر من لم يسوقوا الهدي أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فمن أحرم بالحج ولم يكن ساق الهدي فإنه يَقْلب إحرامه بالحج عمرة، فيطوف ويسعى ويقصر، ثم هو قد حَلَّ من إحرامه، وفي رواية أخرى لمسلم: "فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَحِلَّ منَّا من لم يكن معه هدى، قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه".
"قالت: فأحَلَّ الناس إلا من كان معه الهَدْي، قالت: فكان الهَدْي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذَوِي اليَسَارَة".
تعني أن من لم يكن معه الهدي حلُّوا من إحرامهم بعد أن طافوا وسعوا وقصروا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن ساق الهدي ممن وسَّعَ الله عليهم بقوا على إحرامهم؛ لأنهم ساقوا الهدي ومن ساق الهدي لم يَجز له فسخ إحرامه إلى عمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "لولا أني سُقْتُ الهَدْي، لفعلت مثل الذي أمَرْتُكم به".
"قالت: ثم أهَلُّوا حين راحُوا".
تعني أن الذين طافوا وسعوا وقصروا، أهلوا بالحج حين راحُوا إلى منى وذلك يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحِجة.
"قالت: فلمَّا كان يوم النَّحر طَهَرْت".
أي: أنها طَهَرت من حيضها يوم النحر، وهو يوم العاشر من ذِي الحِجَّة، سُمي بذلك؛ لنَحر الأضاحي فيه.
"فأمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَفَضْتُ".
أي: بعد أن طَهَرت من حيضها رضي الله عنها يوم النَّحر أمَرَها النبي صلى الله عليه وسلم بأداء طواف الإفاضة فَفَعَلت.
"قالت: فَأُتِيَنَا بِلَحم بَقَر، فقلت: ما هذا؟".
يعني: أُرسل لها ولمن معها من النساء لحم بقر، ثم إنها سَألت عنه.
"فقالوا: أَهْدَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نِسَائه البَقر".
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَحَر عن كل واحدة من نسائه بقرة.
"فلمَّا كانت ليلة الحَصْبَةِ".
يعني لمَّا كانت ليلة النزول من منى، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك؛ لأنهم نَفَروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به، وفي البخاري : "أن النبي صلى الله عليه وسلم رقَد رقْدَةً في المُحصَّب، ثم ركِبَ إلى البيت فطاف به".
"قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بِحَجَّة وعُمرة وأرجع بِحَجَّة؟".
أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة؛ لأنهم كانوا متمتعين، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة؛ لأنها كانت قارنة، والعمرة في القران داخلة في الحج بالنية، وفي رواية لمسلم "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟"، فهي أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي: وقد تما وحسبا لك جميعا، فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس.
"قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فَأَرْدَفَنِي على جَمَلِه".
أي : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما بأن يخرج بها إلى التَّنْعِيم؛ لتأتي منه بعمرة، حتى تكون مثل بقية الناس، فأردفَها رضي الله عنه خَلفه كما في رواية مسلم الأخرى.
"قالت: فإني لأذْكُر، وأنا جَارية حَدِيثَةُ السِّن، أَنْعَسُ فيُصِيب وجْهِي مُؤْخِرَة الرَّحْل".
أي: عندما أردفها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه خلفه، وسار بها إلى التنعيم كانت تَنْعَس حتى أنها رأسها يسقط من شِدَّة النُّعاس، فيضرب في مؤخرة الرَّحْل.
"حتى جِئْنَا إلى التَّنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ منها بِعُمْرة؛ جزاء بِعُمْرَة الناس التي اعْتَمَرُوا".
أي لما وصلا إلى التنعيم، أهلت رضي الله عنها بعمرة مستقلة بأعمالها مقام عمرة الناس التي اعتمروها أولا.
وفي رواية في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها بعد أن أدَّت العمرة : "هذه مكان عمرتك" أي: هذه العمرة مكان العمرة التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة مع الحج، فمنعك الحيض من القيام بها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية خروج النساء للحج متى ما توفرت شروطه، ومنها المحرم.
  • جواز السفر يوم السبت، وكانت أكثر أسفاره -صلى الله عليه وسلم- يوم الخميس.
  • جواز استعمال: "لو" إذا لم يترتب عليها محذور شرعي، ويؤكده قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث.
  • حرص عائشة -رضي الله عنها- على إكمال الطاعة على أفضل وجه، ولهذا تمنت أنها لم تحج معهم تلك السَّنة، ظنًّا منها أنها لن تكمل نسكها؛ بسبب حيضها.
  • تسمية الحيض نفاساً.
  • أنه ينبغي تَسْلِية المُصَاب بذكر ما كان مثل مُصيبته أو أشد.
  • أن دم الحيض دم طبيعة بخلاف من قال أنه دَم عقوبة عُوقبت به نساء بني إسرائيل، والحديث يرده؛ لأنه قال: "كتبه الله على بنات آدم".
  • أن ما قُدِّر على بَني آدم رجالهم ونِسَائهم لا يمكن تخلُّفه بحال من الأحوال.
  • صحة جميع أعمال الحج من الحائض والنفساء: من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة.
  • إدخال الحج على العمرة؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- أحرمت بعمرة وعندما حاضَت مُنعت من الطواف لأداء العمرة؛ فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة.
  • أن جميع أعمال الحج لا تُشترط لها الطهارة من الحَدَث الأكبر عدا الطواف بالبيت.
  • اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر للطواف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) فدل ذلك على أن الطهارة شرط لصحة الطواف.
  • لا تشترط الطهارة للإحرام، فيصح أن يحرم الإنسان وهو على غير طهارة، والأفضل أن يكون على طهارة إن أمكن ذلك.
  • أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد.
  • قَلْب الإحرام بالحج إلى عمرة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اجْعَلُوها عُمرة) وكان ذلك واجبًا على الصحابة -رضي الله عنهم- في ذلك العام.
  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنا في حَجَّته.
  • أن أبا بَكر وعمر وجمع من الصحابة -رضي الله عنهم- المَيْسُوِرين منهم قَرَنوا بين الحج والعُمرة.
  • أن الأفضل في حق من كان بمكة أن يُحرم بالحج يوم التروية ولا يُقَدِّمه عليه؛ لقولها -رضي الله عنها-: "أحرموا حين راحُوا"، ورواحهم كان يوم الثامن، وهو يوم التروية.
  • استحباب المُبادرة بطواف الإفاضة يوم النَّحَر.
  • لا حرج في السؤال عمَّا خَفِي أمره؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- سألت عن اللحم الذي أرسل لها؛ لجهلها بحاله.
  • جواز إهداء البقر.
  • وجوب الهَدي على القَارن؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- حَجَّت قارنة وأهدى عنها -عليه الصلاة والسلام-.
  • لا يلزم الزوج أن يهدي زوجته، وما فعله -صلى الله عليه وسلم- مع نسائه، فهذا من كريم خلقه، وحسن عشرته.
  • نزوله -صلى الله عليه وسلم- المُحَصَّب؛ لكونه أسمح لخروجه، ولا علاقة له بالمناسك إلا من جهة التخفيف على الحجيج.
  • دليل على جواز الإرْدَاف إذا كانت الدَّابة مُطيقة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك .
  • جواز إردَاف الرجل المرأة إذا كانت من محارمه والخلوة بها.
  • وجوب خروج المكي ومن أخذ حكمه من مكة، إذا أراد أن يحرم بعمرة، فيخرج إلى أدنى الحِل، سواء كان التنعيم أو غيره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَقَالَ: يَا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ مَجَّهَا الرَّحِمُ دَمًا، وَإِنْ قَالَ مُخَلَّقَةٌ قَالَ: يَا رَبِّ فَمَا صِفَةُ هَذِهِ النُّطْفَةِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ لِأَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا وَقَالَ: الصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُخَلَّقَةُ الْمُصَوَّرَةُ خَلْقًا تَامًّا، وَغَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ السِّقْطُ قَبْلَ تَمَامِ خَلْقِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيُّ بِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْحَيْضِ تَقْوِيَةُ مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: إِنَّهَا تَحِيضُ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ. قُلْتُ: وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِيضُ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَامِلِ هُوَ السِّقْطَ الَّذِي لَمْ يُصَوَّرْ أَنْ لَا يَكُونَ (١) الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ حَمْلُهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ. وَمَا ادَّعَاهُ الْمُخَالِفُ مِنْ أَنَّهُ رَشْحٌ مِنَ الْوَلَدِ أَوْ مِنْ فَضْلَةِ غِذَائِهِ أَوْ دَمُ فِسَادٍ لِعِلَّةٍ فَمُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ. وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ خَبَرٍ أَوْ أَثَرٍ لَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّ هَذَا دَمٌ بِصِفَاتِ دَمِ الْحَيْضِ وَفِي زَمَنِ إِمْكَانِهِ، فَلَهُ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ، فَمَنِ ادَّعَى خِلَافَهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.

وَأَقْوَى حُجَجِهِمْ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ اعْتُبِرَ بِالْمَحِيضِ لِتَحَقُّقِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الْحَمْلِ، فَلَوْ كَانَتِ الْحَامِلُ تَحِيضُ لَمْ تَتِمَّ الْبَرَاءَةُ بِالْحَيْضِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمِ حَيْضٍ بِأَنَّ الْمَلَكَ مُوَكَّلٌ بِرَحِمِ الْحَامِلِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ قَذَرٌ وَلَا يُلَائِمُهَا ذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَكِ مُوَكَّلًا بِهِ أَنْ يَكُونَ حَالًّا فِيهِ، ثُمَّ هُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; لِأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ قَذِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٨ - بَاب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ، قَالَتْ، فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنْ التَّنْعِيمِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) مُرَادُهُ بَيَانُ صِحَّةَ إِهْلَالِ الْحَائِضِ، وَمَعْنَى كَيْفَ فِي التَّرْجَمَةِ الْإِعْلَامُ بِالْحَالِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ لَا الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي يُرَادُ بِهَا الصِّفَةُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلتَّرْجَمَةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ صِفَةِ الْإِهْلَالِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِحَجَّةٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَكَذَا لِلْحَمَوِيِّ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ فَحِضْتُ) أَيْ بِسَرِفَ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى قَضَيْتُ حَجَّتِي) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي الْوَقْتِ حَجِّي، وَالْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْحَدِيثِ يَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح (١) العين-الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» () من المدينة (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) لخمس بقين من ذي القعدة سنة عشرٍ من الهجرة (فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ) أي: أحرم (بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي (٢): «بِحَجَّةٍ» (فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، من الإهداء (فَلْيُحْلِلْ) بكسر اللَّام من الثَّلاثيِّ، أي: قبل يوم النَّحر حتَّى يحرم بالحجِّ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ) بفتح المُثنَّاة وكسر الحاء والضَّمِّ في لام الأولى، والفتح في لام الأخرى (بِنَحْرِ هَدْيِهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حتَّى يحلَّ نحر (٣) هديه» أي: يوم العيد؛ لكونه أدخل الحجَّ فيصير قارنًا، ولا يكون متمتِّعًا فلا يحلُّ، وأمَّا توقُّفه على دخول يوم النَّحر مع إمكان التَّحلُّل بعد نصف ليلته فليس التَّحلُّل الكليَّ، أمَّا التَّحلُّل الكليُّ المبيح

للجماع فهو في يوم النَّحر (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) مفردًا، ولأبي ذرٍّ وعزاها في «الفتح» للمُستملي والحَمُّويي: «ومن أهلَّ بحجَّةٍ» (فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) سواءٌ كان معه هديٌ أم لا (قَالَتْ) عائشة : (فَحِضْتُ) أي: بسَرِف (فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) برفع «يومُ» لأنَّ «كان» تامَّةٌ (وَلَمْ أُهْلِلْ) بضمِّ الهمزة وكسر اللَّام الأولى (إِلَّا بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ أَنْ أَنْقُضَ) شعر (رَأْسِي وَ) أن (أَمْتَشِطَ وَ) أن (أُهِلَّ) بضمِّ الهمزة (بِحَجٍّ وَ) أن (أَتْرُكَ العُمْرَةَ) أي: أعمالها أو (١) أبطلها (فَفَعَلْتُ ذَلِكَ) كلَّه (حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «حجَّتي» (فَبَعَثَ) (مَعِي) أخي (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «الصِّدِّيق» (وَأَمَرَنِي) ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فأمرني» بالفاء (أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ).

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك»، ويأتي ما فيه من البحث في «الحجِّ» [خ¦١٥٥٦] إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته.

(١٩) (بابُ إِقْبَالِ المَحِيضِ (٣) وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ) بالرَّفع بدلٌ من ضمير «كنَّ» (٤)، أو على لغة: «أكلوني البراغيث»، وفائدة ذكره بعد أن عُلِمَ من لفظ: «كنَّ» إشارةٌ إلى التَّنويع، والتَّنوين يدلُّ عليه، أي: كان ذلك من بعضهنَّ لا من كلِّهنَّ (يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ) (بِالدِّرَجَةِ) بكسر الدَّال وفتح الرَّاء والجيم، جمع: دُرْجٍ، بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، وبضمِّ أوَّله وسكون ثانيه في قول ابن قرقول، وبه ضبطه ابن عبد البرِّ في «المُوطَّأ»، وعند الباجيِّ بفتح الأوَّلين، ونُوزِع فيه، وهي (٥) وعاءٌ أو خرقةٌ

(فِيهَا الكُرْسُفُ) بضمِّ الكاف وإسكان الرَّاء وضمِّ السِّين آخره فاءٌ، أي: القطن (فِيهِ) أي: في القطن (الصُّفْرَةُ) الحاصلة من أثر دم الحيض، بعد وضع ذلك في الفرج لاختبار الطُّهر، وإنَّما اختير القطن لبياضه، ولأنَّه ينشِّف الرُّطوبة فيظهر فيه من آثار الدَّم ما لم يظهر في غيره (فَتَقُولُ) عائشة لهنَّ: (لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ) بسكون اللَّام والمُثنَّاة التَّحتيَّة (القَصَّةَ البَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: ماءٌ أبيض يكون آخر الحيض يتبيَّن به نقاء الرَّحم تشبيهًا بالجصِّ وهو النُّورة، ومنه قصَّص داره، أي: جصَّصها، وقال الهرويُّ: معناه: أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًّا كالقَصَّة (١)، كأنَّه ذهب إلى الجفوف، قال القاضي عياضٌ: وبينهما عند النَّساء وأهل المعرفة فرقٌ بيِّنٌ. انتهى. قال في «المصابيح»: وسببه أنَّ الجفوف عدمٌ، والقَصَّة وجودٌ، والوجود أبلغ دلالةً (٢)، وكيف لا والرَّحم قد يجفُّ في أثناء الحيض؟ وقد تنظِّف الحائض فيجفُّ رحمها ساعةً، والقَصَّة لا تكون إلَّا طهرًا. انتهى. وفيه دلالةٌ على أنَّ الصُّفرة والكدرة في أيَّام الحيض حيضٌ، وهذا الأثر رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» من حديث علقمة بن أبي علقمة المدنيِّ عن أمِّه (٣) مرجانة مولاة عائشة، وقد عُلِمَ أنَّ إقبال المحيض يكون بالدَّفقة (٤) من الدَّم، وإدباره بالقَصَّة أو بالجفاف.

(وَبَلَغَ ابْنَةَ) ولابن عساكر: «بنت» (زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) هي أمُّ كلثومٍ زوج سالم بن عبد الله بن عمر أو أختها أمُّ سعدٍ، والأوَّل اختاره الحافظ ابن حجرٍ (أَنَّ نِسَاءً) من الصَّحابيَّات (يَدْعُونَ بِالمَصَابِيحِ) أي: يطلبنها (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى) ما يدلُّ على (الطُّهْرِ، فَقَالَتْ (٥): مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ) ذلك لكون اللَّيل لا يتبيَّن فيه البياض الخالص من غيره، فيحسبن أنَّهنَّ طَهُرن وليس كذلك، فيصلِّين قبل الطُّهر.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَالزَّوْجَة. وَأما فِي عرف الشَّرْع فقد اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ الرزق هُوَ تَمْكِين الْحَيَوَان من الِانْتِفَاع بالشَّيْء والحظر على غَيره أَن يمنعهُ من الِانْتِفَاع بِهِ وَلما فسرت الْمُعْتَزلَة الرزق بِهَذَا لَا جرم قَالُوا الْحَرَام لَا يكون رزقا وَقَالَ أهل السّنة الْحَرَام رزق لِأَنَّهُ فِي أصل اللُّغَة الْحَظ والنصيب كَمَا ذكرنَا فَمن انْتفع بالحرام فَذَلِك الْحَرَام صَار حظا لَهُ ونصيبا فَوَجَبَ أَن يكون رزقا لَهُ وَأَيْضًا قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها} وَقد يعِيش الرجل طول عمره لَا يَأْكُل إِلَّا من السّرقَة فَوَجَبَ أَن نقُول طول عمره لم يَأْكُل من رزقه شَيْئا قَوْله " وَمَا الْأَجَل " ويروى " وَالْأَجَل " بِدُونِ كلمة مَا وَالْأَجَل هُوَ الزَّمَان الَّذِي علم الله أَن الشَّخْص يَمُوت فِيهِ أَو مُدَّة حَيَاته لِأَنَّهُ يُطلق على غَايَة الْمدَّة وعَلى الْمدَّة قَوْله " فَيكْتب " على صِيغَة الْمَعْلُوم قيل الضَّمِير الَّذِي هُوَ فَاعله هُوَ الله تَعَالَى وَقيل يرجع إِلَى الْملك ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول وَهَذِه الْكِتَابَة يجوز أَن تكون حَقِيقَة لِأَنَّهُ أَمر مُمكن وَالله على كل شَيْء قدير وَيجوز أَن تكون مجَازًا عَن التَّقْدِير قَوْله " فِي بطن أمه " ظرف لقَوْله " يكْتب " وَهُوَ الْمَكْتُوب فِيهِ والشخص هُوَ الْمَكْتُوب عَلَيْهِ كَمَا تَقول كتبت فِي الدَّار فَإِن فِي الدَّار ظرف لِقَوْلِك كتبت والمكتوب عَلَيْهِ خَارج عَن ذَلِك وَالتَّقْدِير أزلي وَهُوَ أَمر عَقْلِي مَحْض وَيُسمى قَضَاء وَالْحَاصِل فِي الْبَطن تعلقه بِالْمحل الْمَوْجُود وَيُسمى قدرا والمكتوب هُوَ الْأُمُور الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد وَغَيرهَا من الْأَحْكَام) اعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث جَامع لجَمِيع أَحْوَال الشَّخْص إِذْ فِيهِ من الْأَحْكَام بَيَان حَال المبدأ وَهُوَ ذَاته ذكرا وَأُنْثَى وَحَال الْمعَاد وَهُوَ السَّعَادَة والشقاوة وَمَا بَينهمَا وَهُوَ الْأَجَل وَمَا يتَصَرَّف فِيهِ وَهُوَ الرزق. وَقد جَاءَ أَيْضا " فرغ الله من أَربع من الْخلق والخلق وَالْأَجَل والرزق " والخلق بِفَتْح الْخَاء إِشَارَة إِلَى الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة وَبِضَمِّهَا السَّعَادَة وضدها وَقَالَ الْمُهلب أَن الله تَعَالَى علم أَحْوَال الْخلق قبل أَن يخلقهم وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة. وَأجْمع الْعلمَاء أَن الْأمة تكون أم ولد بِمَا أسقطته من ولد تَامّ الْخلق. وَاخْتلفُوا فِيمَن لم يتم خلقه من المضغة والعلقة فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك تكون بالمضغة أم ولد مخلقة كَانَت أَو غير مخلقة وتنقضي بهَا الْعدة وَعَن ابْن الْقَاسِم تكون أم ولد بِالدَّمِ الْمُجْتَمع وَعَن أَشهب لَا تكون أم ولد وَتَكون بالمضغة والعلقة وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا إِن كَانَ قد تبين فِي المضغة شَيْء من الْخلق أصْبع أَو عين أَو غير ذَلِك فَهِيَ أم ولد وعَلى مثله هَذَا انْقِضَاء الْعدة. ثمَّ المُرَاد بِجَمِيعِ مَا ذكر من الرزق وَالْأَجَل والسعادة والشقاوة وَالْعَمَل والذكورة وَالْأُنُوثَة أَنه يظْهر ذَلِك للْملك وَيُؤمر بإنفاذه وكتابته وَإِلَّا فقضاء الله وَعلمه وإرادته سَابق على ذَلِك قَالَ القَاضِي عِيَاض وَلم يخْتَلف أَن نفخ الرّوح فِيهِ يكون بعد مائَة وَعشْرين يَوْمًا وَذَلِكَ تَمام أَرْبَعَة أشهر ودخوله فِي الْخَامِس وَهَذَا مَوْجُود بِالْمُشَاهَدَةِ وَعَلِيهِ يعول فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَحْكَام من الِاسْتِلْحَاق وَوُجُوب النَّفَقَات وَذَلِكَ للثقة بحركة الْجَنِين فِي الْجوف وَقيل أَن الْحِكْمَة فِي عدتهَا عَن الْوَفَاة بأَرْبعَة أشهر وَالدُّخُول فِي الْخَامِس تحقق بَرَاءَة الرَّحِم ببلوغ هَذِه الْمدَّة إِذا لم يظْهر حمل وَنفخ الْملك فِي الصُّورَة سَبَب لخلق الله عِنْده فِيهَا الرّوح والحياة لِأَن النفخ الْمُتَعَارف إِنَّمَا هُوَ إِخْرَاج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فِيهِ فَإِن قدر حُدُوث شَيْء عِنْد ذَلِك النفخ بإحداث الله تَعَالَى لَا بالنفخ وَغَايَة النفخ أَن يكون سَببا عَادَة لَا مُوجبا عقلا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي سَائِر الْأَسْبَاب الْمُعْتَادَة

١٨ - (بابُ كَيفَ تُهِلُّ الحائِضُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ أَو الْعمرَة، وَالْمرَاد من الْكَيْفِيَّة: الْحَال من الصِّحَّة والبطلان وَالْجَوَاز وَغير الْجَوَاز، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب صِحَة إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ أَو بِالْعُمْرَةِ، أَو: بَاب جَوَازهَا. وَالْمَقْصُود من الصِّحَّة أَعم من أَن تكون فِي الِابْتِدَاء أَو فِي الدَّوَام.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ أَرَادَ من وضع الْبَاب السَّابِق الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، وَهُوَ حكم من أَحْكَام الْحيض. وَفِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حكم من أَحْكَام الْحيض، وَفِيه نوع من تعسف، وَفِي بعض النّسخ هَذَا الْبَاب قد ذكر قبل الْبَاب السَّابِق.

٣١٩ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيثُ عنْ عُقَيْلٍ عنْ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا منْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ ومنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَي فَلَا يَحِلُّ حتَّى يَحلَّ بِنَحْرِ هَدْيه ومَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فلْيُتِمَّ حَجَّهُ قالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حائِضا حتَّى كانَ يَوْمُ عَرَفَة ولَمْ أُهْلِلْ إلَاّ بِعُمْرَةٍ فأَمَرَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وأمْتَشِطَ وأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حتَّى قَضَيْتُ حَجِّي فَبَعَثَ معِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبي بَكْرٍ وأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي منَ التنْعِيم.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (وَأهل بِحَجّ) فَإِن فِيهِ إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ، لِأَن عَائِشَة كَانَت حائضة حِين أهلت بِالْحَجِّ. وعَلى قَول من قَالَ: إِنَّهَا كَانَت قارنة، كَانَت الْمُطَابقَة أظهر لِأَنَّهَا أَحرمت بِالْحَجِّ وَهِي حَائِض، وَكَانَت معتمرة فَلهَذَا قَالَت: (أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أترك الْعمرَة) ، وَترك الشَّيْء لَا يكون إِلَّا بعد وجوده.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى ابْن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف: بن خَالِد بن عقيل، بِفَتْح الْعين: الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير ابْن الْعَوام. السَّادِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأيلي ومدني.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك، وَيَأْتِي بِزِيَادَة فِي الْحَج إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

قَوْلهَا: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا، وَكَانَت حجَّة الْوَدَاع فِي سنة عشر من الْهِجْرَة. قَوْلهَا: (وَمنا من أهل بِحجَّة) بِفَتْح، الْحَاء وَكسرهَا، وَهُوَ بِالتَّاءِ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَرِوَايَة غَيره: (بِحَجّ) . قَوْلهَا: (فقدمنا) بِكَسْر الدَّال. قَوْلهَا: (وَلم يهد) بِضَم الْيَاء: من الإهداء، وَهُوَ جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فليحلل) ، بِكَسْر اللَّام من الثلاثي، وَفِي مثل هَذِه الْمَادَّة يجوز الْإِدْغَام وفكه. قَوْله: (حَتَّى يحل نحر هَدْيه) ، يَعْنِي يَوْم الْعِيد، ويروى: (حَتَّى يحل بنحر هَدْيه) ، بِزِيَادَة: الْبَاء، لَا يُقَال: إِنَّه متمتع، فَلَا بُد لَهُ من تحلله عَن الْعمرَة، ثمَّ إِحْرَامه بِالْحَجِّ قبل الْوُقُوف لأَنا نقُول: لَا يلْزم أَن يكون مُتَمَتِّعا لجَوَاز أَن يدْخل الْحَج فِي الْعمرَة فَيصير قَارنا فَلَا يتَحَلَّل. قَوْله: (وَمن أهل بِحجَّة) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي. وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (بِحَجّ) ، بِدُونِ التَّاء، وَمَعْنَاهُ: أهلَّ بِحجَّة وَنوى الْإِفْرَاد، سَوَاء كَانَ مَعَه هدي أَو لَا. وَلِهَذَا لم يُقيد: بلم يهد، وَلَا: بأهدى. قَوْلهَا: (حَتَّى كَانَ يَوْم عَرَفَة) بِرَفْع: يَوْم، و: كَانَ، تَامَّة. قَوْله: (وأترك الْعمرَة) ، صَرِيح بِفَسْخ الْعمرَة، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِيَّة. قَوْلهَا: (حَتَّى قضيت حجتي) . ويروى: (حجي) . قَوْلهَا: (فَأمرنِي) ، بفاء الْعَطف، ويروى: (أَمرنِي) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْلهَا: (من التَّنْعِيم) يتَعَلَّق بقوله: (ان اعْتَمر) .

وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ أَن الْحَائِض تهل بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة وَتبقى على إحرامها، وَتفعل مَا يفعل الْحَاج كُله غير الطّواف، فَإِذا طهرت اغْتَسَلت وطافت وأكملت حَجهَا، وَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنقض شعرهَا وتمتشط وَهِي حَائِض لَيْسَ للْوُجُوب، وَإِنَّمَا ذَلِك لإهلالها بِالْحَجِّ، لِأَن من سنة الْحَائِض وَالنُّفَسَاء أَن يغتسلا لَهُ، وَالله تَعَالَى أعلم.

١٩ - (بابُ إقْبالِ المَحِيضِ وإدْبارِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إقبال الْحيض وإدباره. وَقَالَ ابْن بطال: إقبال الْحيض هُوَ الدفعة من الدَّم، وإدباره أقبال الطُّهْر. وَعند

أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: عَلامَة إدبار الْحيض وانقطاعه الزَّمَان وَالْعَادَة، فَإِذا أخلت عَادَتهَا تحرت، وَإِن لم يكن لَهَا ظن أخذت بِالْأَقَلِّ.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ وجود حكم الْحيض فِي كل مِنْهُمَا.

وكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عائشَةَ بالدُّرْجَةِ فِيها الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةَ فَتَقُولُ لَا تعْجَلْنَ حتَّى تَرَيْنَ القَصةَ البَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء) ، فَإِنَّهَا عَلامَة إدبار الْحيض، وَهَذَا الْأَثر ذكره مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) فَقَالَ: عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة، عَن أمه مولاة عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: (كَانَ النِّسَاء يبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَة بالدرجة فِيهَا الكرسف فِيهَا الصُّفْرَة من دم الْحيض يسألنها عَن الصَّلَاة فَتَقول لَهُنَّ: لَا تعجلن حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء، تُرِيدُ الطُّهْر من الْحَيْضَة) . وَقَالَ ابْن حزم: خولفت أم عَلْقَمَة بِمَا هُوَ أقوي من رِوَايَتهَا، وَاسم: أم عَلْقَمَة، مرْجَانَة سَمَّاهَا ابْن حبَان فِي (كتاب الثِّقَات) . وَقَالَ الْعجلِيّ: مَدَنِيَّة تابعية ثِقَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره البُخَارِيّ هُنَا مُعَلّقا مَجْزُومًا، وَبِه تعلق النَّوَوِيّ فَقَالَ: هَذَا تَعْلِيق صَحِيح لِأَن البُخَارِيّ ذكره بِصِيغَة الْجَزْم، وَمَا علم أَن هَذِه الْعبارَة قد لَا تصح كَمَا سبق بَيَانه فِي كثير من التَّعْلِيق المجزوم بِهِ عِنْد البُخَارِيّ، وَلَو نظر كتاب (الْمُوَطَّأ) لمَالِك بن أنس لوجده قد قَالَ: عَن علقمةِ إِلَى آخِره، وَلَو وجده ابْن حزم لما قَالَ: خولفت أم عَلْقَمَة بِمَا هُوَ أقوى من رِوَايَاتهَا. قلت: حَاصِل كَلَامه أَنه يرد على النَّوَوِيّ فِي دَعْوَاهُ الْجَزْم بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن الْحصار: هَذَا حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ من غير تَقْيِيد.

قَوْله: (وَكن نسَاء) ، بِصِيغَة الْجمع للمؤنث، وَفِيه ضمير يرجع إِلَى النِّسَاء، وَيُسمى مثل هَذَا الضَّمِير بالضمير الْمُبْهم، وَجوز ذَلِك بِشَرْط أَن يكون مشعرا بِمَا بعده، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يُقَال: إِنَّه إِضْمَار قبل الذّكر. قَوْله: (نسَاء) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ بدل من الضَّمِير الَّذِي فِي: ركن، وَهَذَا على لُغَة: أكلوني البراغيث. وَفَائِدَة ذكره بعد أَن علم من لفظ كن إِشَارَة إِلَى التنويع، والتنوين فِيهِ يدل عَلَيْهِ. وَالْمرَاد أَن ذَلِك كَانَ من بَعضهنَّ لَا من كُلهنَّ. وَقَالَ بَعضهم: والتنكير فِي النِّسَاء للتنويع. قلت: إِن لم يكن هَذَا مُصحفا من النَّاسِخ فَهُوَ غلط لِأَنَّهُ ماثم كسر فِي النِّسَاء، وَإِنَّمَا فِيهِ الرّفْع كَمَا ذكرنَا، أَو النصب على الِاخْتِصَاص، لَا يُقَال: إِنَّه نكرَة وَشرط النصب على الِاخْتِصَاص أَن يكون معرفَة، لأَنا نقُول: جَاءَ نكرَة كَمَا جَاءَ معرفَة. وَقَالَ الْهُذلِيّ:

(ويأوي إِلَى نسْوَة عطلوشعثا مراضيع مثل السعالي.)

قَوْله: (بالدرجة) ، بِضَم الدَّال وَسُكُون الرَّاء. قَالَه ابْن قرقول. وَقيل بِكَسْر الدَّال وَفتح الرَّاء، وَعند الْبَاجِيّ بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء. قَالَ ابْن قرقول: وَهِي بعيدَة عَن الصَّوَاب. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كتاب (الْمُنْتَهى) : والدرج، بالتسكين: خفش النِّسَاء، والدرجة شَيْء يدرج فَيدْخل فِي حَيا النَّاقة، ثمَّ تشمه فتظنه وَلَدهَا فتراه، وَكَذَا ذكره الْقَزاز، وَصَاحب (الصِّحَاح) وَابْن سَيّده زَاد: والدرجة أَيْضا خرقَة يوضع فِيهَا دَوَاء ثمَّ يدْخل فِي حَيا النَّاقة، وَذَلِكَ إِذا اشتكت مِنْهُ. وَفِي (الباهر) : الدرجَة بِالْكَسْرِ، والإدراج جمع: الدرج، وَهُوَ سفط صَغِير. والدرجة مِثَال رطبَة. وَفِي (الجمهرة) لِابْنِ دُرَيْد: الدرج سفط صَغِير تجْعَل فِيهِ الْمَرْأَة طيبها وَمَا أشبهه. وَقَالَ ابْن قرقول: وَمن قَالَ بِكَسْر الدَّال وَفتح الرَّاء فَهُوَ عِنْده جمع درج، وَهُوَ سفط صَغِير نَحْو خرج وخرجة، وَنَحْو ترس وترسة. قَوْله: (الكرسف) بِضَم الْكَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَضم السِّين الْمُهْملَة، وَفِي آخِره فَاء: وَهُوَ الْقطن، كَذَا قَالَه أَبُو عبيد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب (النَّبَات) : وَزعم بعض الروَاة أَنه يُقَال لَهُ: الكرسف، على الْقلب، وَيجمع الكرفس على كراسف. وَفِي (الْمُحكم) : إِنَّمَا اختير الْقطن لبياضه، وَلِأَنَّهُ ينشف الرُّطُوبَة فَيظْهر فِيهِ من آثَار الدَّم مَا لَا يظْهر من غَيره. قَوْله: (فَتَقول) أَي عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْلهَا: (لَا تعجلن) بِسُكُون اللَّام نهي لجمع مؤنث مُخَاطبَة، وَيَأْتِي كَذَلِك للْجمع الْمُؤَنَّث الغائبة، وَيجوز هَهُنَا الْوَجْهَانِ. وَكَذَا: (فِي تَرين) فَافْهَم. قَوْلهَا: (حَتَّى تَرين) صِيغَة جمع الْمُؤَنَّث المخاطبة، وَأَصلهَا: ترأين، على وزن: تفعلن، لِأَنَّهَا من: رأى يرأى رُؤْيَة بِالْعينِ، وَتقول للْمَرْأَة: أَنْت تَرين، وللجماعة: أنتن تَرين، لِأَن الْفِعْل للواحدة وَالْجَمَاعَة سَوَاء فِي المواجهة فِي خبر الْمَرْأَة من بَنَات الْيَاء، إلَاّ أَن النُّون الَّتِي فِي الْوَاحِدَة عَلامَة الرّفْع، وَالَّتِي فِي الْجمع نون الْجمع. فَإِن قلت: إِذا كَانَ أصل: تَرين ترأين، كَيفَ فعل بِهِ حَتَّى صَار: تَرين؟ قلت: نقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الرَّاء، ثمَّ قلبت ألفا لتحركها فِي الأَصْل وانفتاح مَا قبلهَا، ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَ: تَرين، على وزن: تفلن، لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ عين الْفِعْل وَهُوَ الْهمزَة فَقَط، وَوزن الْوَاحِدَة: تفين، لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ عين الْفِعْل ولامه. قَوْلهَا: (الْقِصَّة الْبَيْضَاء) ، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي تَفْسِيرهَا أَقْوَال. قَالَ ابْن سَيّده: الْقِصَّة والقص والجص، وَقيل: الْحِجَارَة من الجص. وَقَالَ

الْجَوْهَرِي: هِيَ لُغَة حجازية، يُقَال: قصَص دَاره أَي: جصصها. وَيُقَال: الْقِصَّة القطنة والخرقة الْبَيْضَاء الَّتِي تحتشى بهَا الْمَرْأَة عِنْد الْحيض. وَقَالَ الْقَزاز: الْقِصَّة الجص، هَكَذَا قرأته بِفَتْح الْقَاف وحكيت بِالْكَسْرِ. وَفِي (الغريبين) و (الْمغرب) و (الْجَامِع) : الْقِصَّة شَيْء كالخيط الْأَبْيَض يخرج بعد انْقِطَاع الدَّم كُله. وَفِي (الْمُحِيط) من كتب أَصْحَابنَا: الْقِصَّة الطين الَّذِي يغسل بِهِ الرَّأْس. وَهُوَ أَبيض يضْرب إِلَى الصُّفْرَة. وَجَاء فِي الحَدِيث: (الْحَائِض لَا تَغْتَسِل حَتَّى تري الْقِصَّة الْبَيْضَاء) . إِي: حَتَّى تخرج الْقطن الَّتِي تحتشي بهَا كَأَنَّهَا جصة لَا تخالطها صفرَة. قلت: أُرِيد بهَا التَّشْبِيه بالجصة فِي الْبيَاض والصفاء، وأنث لِأَنَّهُ ذهب الى الْمُطَابقَة، كَمَا حكى سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم: لبنة وعسلة. وَقَالَ ابْن قرقول: قد فسر مَالك الْقِصَّة بقوله: تُرِيدُ بذلك الطُّهْر، أَي: تُرِيدُ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بقولِهَا: (حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء) : الطُّهْر من الْحَيْضَة. وَفسّر الْخطابِيّ بقوله: تُرِيدُ الْبيَاض التَّام. وَقَالَ ابْن وهب فِي تَفْسِيره: رَأَتْ الْقطن الْأَبْيَض كَأَنَّهُ هُوَ، وَقَالَ مَالك: سَأَلت النِّسَاء عَن الْقِصَّة الْبَيْضَاء، فَإِذا ذَلِك أَمر مَعْلُوم عِنْد النِّسَاء يرينه عِنْد الطُّهْر. وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن اسحاق عَن عبد الله بن أبي بكر عَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد، وَكَانَت فِي حجر عمْرَة. قَالَت: أرْسلت امْرَأَة من قُرَيْش إِلَى عمْرَة كرسفة قطن فِيهَا. أَظُنهُ أَرَادَ الصُّفْرَة تسألها إِذا لم تَرَ من الْحَيْضَة إلَاّ هَذَا طهرت؟ قَالَ: فَقَالَت: لَا حَتَّى ترى الْبيَاض خَالِصا. وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، فَإِن رَأَتْ صفرَة فِي زمن الْحيض ابْتِدَاء فَهُوَ حيض عِنْدهم. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا حَتَّى يتقدمها دم.

وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيدِ بنِ ثابِتٍ أنَّ نِساءً يَدْعُونَ بالمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ مَا كانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ

مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن نظر النِّسَاء إِلَى الطُّهْر لأجل أَن يعلمن إدبار الْحيض.

وَأخرجه مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عمته عَن ابْنة زيد بن ثَابت أَنه: بلغنَا ... فَذكره، وعمة ابْن أبي بكر اسْمهَا عمْرَة بنت حزم، وَوَقع ذكر بنت زيد بن ثَابت هَهُنَا هَكَذَا مُبْهما، وَوَقع فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: لزيد بن ثَابت من الْبَنَات: أم إِسْحَاق وحسنة وَعمرَة وَأم كُلْثُوم وَأم حسن وَأم مُحَمَّد وَقَرِيبَة وَأم سعد. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيُشبه أَن تكون هَذِه المبهمة أم سعد، ذكرهَا ابْن عبد الْبر فِي الصحابيات، وَقَالَ بَعضهم: وَلم أر لوَاحِدَة مِنْهُنَّ يَعْنِي من بَنَات زيد رِوَايَة إلَاّ لأم كُلْثُوم، وَكَانَت زوج سَالم بن عبد الله بن عمر، فَكَأَنَّهَا هِيَ المبهمة هُنَا. وَزعم بعض الشُّرَّاح أَنَّهَا أم سعد. قَالَ لِأَن ابْن عبد الْبر ذكرهَا فِي الصَّحَابَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَلَيْسَ فِي ذكره لَهَا دَلِيل على الْمُدعى، لِأَنَّهُ لم يقل: إِنَّهَا صَاحِبَة هَذِه الْقِصَّة، بل لم يَأْتِ لَهَا ذكر عِنْده وَلَا عِنْد غَيره إلَاّ من طَرِيق عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن، وَقد كذبوه، وَكَانَ مَعَ ذَلِك يضطرب فِيهَا، فَتَارَة يَقُول: بنت زيد، وَتارَة يَقُول: امْرَأَة زيد. وَلم يذكر أحد من أهل الْمعرفَة بِالنّسَبِ فِي أَوْلَاد زيد من يُقَال لَهَا أم سعد. انْتهى. قلت: ذكره الذَّهَبِيّ، فَقَالَ: أم سعد بنت زيد بن ثَابت. وَقيل: امْرَأَته، وَأَيْضًا عدم رُؤْيَة هَذَا الْقَائِل رِوَايَة الْوَاحِدَة من بَنَات زيد إلَاّ لأم كُلْثُوم لَا يُنَافِي رِوَايَة غَيرهَا من بَنَاته، لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَأْنه أَن يُحِيط بِجَمِيعِ الرِّوَايَات. وَقَوله: زعم بعض الشُّرَّاح، أَرَادَ بِهِ صَاحب (التَّوْضِيح) ، فليت شعري مَا الْفرق بَين زعم هَذَا وزعمه هُوَ حَيْثُ قَالَ: فَكَأَنَّهَا هِيَ المبهمة، أَي: أم كُلْثُوم هِيَ المبهمة فِي هَذَا الْأَثر؟ على أَن صَاحب (التَّوْضِيح) مَا جزم بِمَا قَالَه، بل قَالَ: وَيُشبه أَن تكون هَذِه المبهمة أم سعد.

قَوْله: (إِن نسَاء) هَكَذَا وَقع فِي غَالب النّسخ بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَفِي بَعْضهَا: (إِن النِّسَاء) ، بِالْألف وَاللَّام، حَتَّى قَالَ الْكرْمَانِي: إِن اللَّام، للْعهد عَن نسَاء الصَّحَابَة، وَبِدُون اللَّام أَعم وأشمل. قَوْله: (يدعونَ) بِلَفْظ الْجمع الْمُؤَنَّث، ويشترك فِي هَذِه الْمَادَّة الْجمع الْمُذكر والمؤنث، وَفِي التَّقْدِير مُخْتَلف، فوزن الْجمع الْمُذكر: يفعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث: يفعلن، وَمعنى: يدعونَ بالمصابيح؛ يطلبنها لينظرن بهَا إِلَى مَا فِي الكراسيف حَتَّى يَقِفن على مَا يدل على الطُّهْر. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يدعين، قَالَه بَعضهم: قلت: فِي نِسْبَة هَذَا إِلَيْهِ نظر لَا يخفى، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: قَالَ صَاحب (الْقَامُوس) : دعيت لُغَة فِي دَعَوْت. قلت: أَرَادَ بِهَذَا تَقْوِيَة صِحَة مَا رَوَاهُ عَن الْكشميهني، وَلَا يفِيدهُ هَذَا، لِأَن صَاحب (الْقَامُوس) تكلم فِيهِ. قَوْله: (إِلَى الطُّهْر) أَي: إِلَى مَا يدل على الطُّهْر من القطنة. قَوْله: (وعابت عَلَيْهِنَّ) ، أَي: عابت بنت زيد بن ثَابت على النِّسَاء الْمَذْكُورَة، وَإِنَّمَا عابت عَلَيْهِنَّ لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي الْحَرج وَهُوَ مَذْمُوم، وَكَيف لَا وجوف اللَّيْل لَيْسَ إلَاّ وَقت الاسْتِرَاحَة؟ وَقيل: لكَون ذَلِك كَانَ فِي غير وَقت الصَّلَاة، وَهُوَ جَوف اللَّيْل. قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ وَقت الْعشَاء. قلت: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لم يدل شَيْء أَنه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَقَالَ: يَا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ مَجَّهَا الرَّحِمُ دَمًا، وَإِنْ قَالَ مُخَلَّقَةٌ قَالَ: يَا رَبِّ فَمَا صِفَةُ هَذِهِ النُّطْفَةِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ لِأَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا وَقَالَ: الصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُخَلَّقَةُ الْمُصَوَّرَةُ خَلْقًا تَامًّا، وَغَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ السِّقْطُ قَبْلَ تَمَامِ خَلْقِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيُّ بِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْحَيْضِ تَقْوِيَةُ مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: إِنَّهَا تَحِيضُ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ. قُلْتُ: وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِيضُ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَامِلِ هُوَ السِّقْطَ الَّذِي لَمْ يُصَوَّرْ أَنْ لَا يَكُونَ (١) الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ حَمْلُهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ. وَمَا ادَّعَاهُ الْمُخَالِفُ مِنْ أَنَّهُ رَشْحٌ مِنَ الْوَلَدِ أَوْ مِنْ فَضْلَةِ غِذَائِهِ أَوْ دَمُ فِسَادٍ لِعِلَّةٍ فَمُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ. وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ خَبَرٍ أَوْ أَثَرٍ لَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّ هَذَا دَمٌ بِصِفَاتِ دَمِ الْحَيْضِ وَفِي زَمَنِ إِمْكَانِهِ، فَلَهُ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ، فَمَنِ ادَّعَى خِلَافَهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.

وَأَقْوَى حُجَجِهِمْ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ اعْتُبِرَ بِالْمَحِيضِ لِتَحَقُّقِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الْحَمْلِ، فَلَوْ كَانَتِ الْحَامِلُ تَحِيضُ لَمْ تَتِمَّ الْبَرَاءَةُ بِالْحَيْضِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمِ حَيْضٍ بِأَنَّ الْمَلَكَ مُوَكَّلٌ بِرَحِمِ الْحَامِلِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ قَذَرٌ وَلَا يُلَائِمُهَا ذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَكِ مُوَكَّلًا بِهِ أَنْ يَكُونَ حَالًّا فِيهِ، ثُمَّ هُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; لِأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ قَذِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٨ - بَاب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ، قَالَتْ، فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنْ التَّنْعِيمِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) مُرَادُهُ بَيَانُ صِحَّةَ إِهْلَالِ الْحَائِضِ، وَمَعْنَى كَيْفَ فِي التَّرْجَمَةِ الْإِعْلَامُ بِالْحَالِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ لَا الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي يُرَادُ بِهَا الصِّفَةُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلتَّرْجَمَةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ صِفَةِ الْإِهْلَالِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِحَجَّةٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَكَذَا لِلْحَمَوِيِّ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ فَحِضْتُ) أَيْ بِسَرِفَ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى قَضَيْتُ حَجَّتِي) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي الْوَقْتِ حَجِّي، وَالْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْحَدِيثِ يَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح (١) العين-الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» () من المدينة (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) لخمس بقين من ذي القعدة سنة عشرٍ من الهجرة (فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ) أي: أحرم (بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي (٢): «بِحَجَّةٍ» (فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، من الإهداء (فَلْيُحْلِلْ) بكسر اللَّام من الثَّلاثيِّ، أي: قبل يوم النَّحر حتَّى يحرم بالحجِّ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ) بفتح المُثنَّاة وكسر الحاء والضَّمِّ في لام الأولى، والفتح في لام الأخرى (بِنَحْرِ هَدْيِهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حتَّى يحلَّ نحر (٣) هديه» أي: يوم العيد؛ لكونه أدخل الحجَّ فيصير قارنًا، ولا يكون متمتِّعًا فلا يحلُّ، وأمَّا توقُّفه على دخول يوم النَّحر مع إمكان التَّحلُّل بعد نصف ليلته فليس التَّحلُّل الكليَّ، أمَّا التَّحلُّل الكليُّ المبيح

للجماع فهو في يوم النَّحر (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) مفردًا، ولأبي ذرٍّ وعزاها في «الفتح» للمُستملي والحَمُّويي: «ومن أهلَّ بحجَّةٍ» (فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) سواءٌ كان معه هديٌ أم لا (قَالَتْ) عائشة : (فَحِضْتُ) أي: بسَرِف (فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) برفع «يومُ» لأنَّ «كان» تامَّةٌ (وَلَمْ أُهْلِلْ) بضمِّ الهمزة وكسر اللَّام الأولى (إِلَّا بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ أَنْ أَنْقُضَ) شعر (رَأْسِي وَ) أن (أَمْتَشِطَ وَ) أن (أُهِلَّ) بضمِّ الهمزة (بِحَجٍّ وَ) أن (أَتْرُكَ العُمْرَةَ) أي: أعمالها أو (١) أبطلها (فَفَعَلْتُ ذَلِكَ) كلَّه (حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «حجَّتي» (فَبَعَثَ) (مَعِي) أخي (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «الصِّدِّيق» (وَأَمَرَنِي) ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فأمرني» بالفاء (أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ).

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك»، ويأتي ما فيه من البحث في «الحجِّ» [خ¦١٥٥٦] إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته.

(١٩) (بابُ إِقْبَالِ المَحِيضِ (٣) وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ) بالرَّفع بدلٌ من ضمير «كنَّ» (٤)، أو على لغة: «أكلوني البراغيث»، وفائدة ذكره بعد أن عُلِمَ من لفظ: «كنَّ» إشارةٌ إلى التَّنويع، والتَّنوين يدلُّ عليه، أي: كان ذلك من بعضهنَّ لا من كلِّهنَّ (يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ) (بِالدِّرَجَةِ) بكسر الدَّال وفتح الرَّاء والجيم، جمع: دُرْجٍ، بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، وبضمِّ أوَّله وسكون ثانيه في قول ابن قرقول، وبه ضبطه ابن عبد البرِّ في «المُوطَّأ»، وعند الباجيِّ بفتح الأوَّلين، ونُوزِع فيه، وهي (٥) وعاءٌ أو خرقةٌ

(فِيهَا الكُرْسُفُ) بضمِّ الكاف وإسكان الرَّاء وضمِّ السِّين آخره فاءٌ، أي: القطن (فِيهِ) أي: في القطن (الصُّفْرَةُ) الحاصلة من أثر دم الحيض، بعد وضع ذلك في الفرج لاختبار الطُّهر، وإنَّما اختير القطن لبياضه، ولأنَّه ينشِّف الرُّطوبة فيظهر فيه من آثار الدَّم ما لم يظهر في غيره (فَتَقُولُ) عائشة لهنَّ: (لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ) بسكون اللَّام والمُثنَّاة التَّحتيَّة (القَصَّةَ البَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: ماءٌ أبيض يكون آخر الحيض يتبيَّن به نقاء الرَّحم تشبيهًا بالجصِّ وهو النُّورة، ومنه قصَّص داره، أي: جصَّصها، وقال الهرويُّ: معناه: أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًّا كالقَصَّة (١)، كأنَّه ذهب إلى الجفوف، قال القاضي عياضٌ: وبينهما عند النَّساء وأهل المعرفة فرقٌ بيِّنٌ. انتهى. قال في «المصابيح»: وسببه أنَّ الجفوف عدمٌ، والقَصَّة وجودٌ، والوجود أبلغ دلالةً (٢)، وكيف لا والرَّحم قد يجفُّ في أثناء الحيض؟ وقد تنظِّف الحائض فيجفُّ رحمها ساعةً، والقَصَّة لا تكون إلَّا طهرًا. انتهى. وفيه دلالةٌ على أنَّ الصُّفرة والكدرة في أيَّام الحيض حيضٌ، وهذا الأثر رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» من حديث علقمة بن أبي علقمة المدنيِّ عن أمِّه (٣) مرجانة مولاة عائشة، وقد عُلِمَ أنَّ إقبال المحيض يكون بالدَّفقة (٤) من الدَّم، وإدباره بالقَصَّة أو بالجفاف.

(وَبَلَغَ ابْنَةَ) ولابن عساكر: «بنت» (زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) هي أمُّ كلثومٍ زوج سالم بن عبد الله بن عمر أو أختها أمُّ سعدٍ، والأوَّل اختاره الحافظ ابن حجرٍ (أَنَّ نِسَاءً) من الصَّحابيَّات (يَدْعُونَ بِالمَصَابِيحِ) أي: يطلبنها (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى) ما يدلُّ على (الطُّهْرِ، فَقَالَتْ (٥): مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ) ذلك لكون اللَّيل لا يتبيَّن فيه البياض الخالص من غيره، فيحسبن أنَّهنَّ طَهُرن وليس كذلك، فيصلِّين قبل الطُّهر.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَالزَّوْجَة. وَأما فِي عرف الشَّرْع فقد اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ الرزق هُوَ تَمْكِين الْحَيَوَان من الِانْتِفَاع بالشَّيْء والحظر على غَيره أَن يمنعهُ من الِانْتِفَاع بِهِ وَلما فسرت الْمُعْتَزلَة الرزق بِهَذَا لَا جرم قَالُوا الْحَرَام لَا يكون رزقا وَقَالَ أهل السّنة الْحَرَام رزق لِأَنَّهُ فِي أصل اللُّغَة الْحَظ والنصيب كَمَا ذكرنَا فَمن انْتفع بالحرام فَذَلِك الْحَرَام صَار حظا لَهُ ونصيبا فَوَجَبَ أَن يكون رزقا لَهُ وَأَيْضًا قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها} وَقد يعِيش الرجل طول عمره لَا يَأْكُل إِلَّا من السّرقَة فَوَجَبَ أَن نقُول طول عمره لم يَأْكُل من رزقه شَيْئا قَوْله " وَمَا الْأَجَل " ويروى " وَالْأَجَل " بِدُونِ كلمة مَا وَالْأَجَل هُوَ الزَّمَان الَّذِي علم الله أَن الشَّخْص يَمُوت فِيهِ أَو مُدَّة حَيَاته لِأَنَّهُ يُطلق على غَايَة الْمدَّة وعَلى الْمدَّة قَوْله " فَيكْتب " على صِيغَة الْمَعْلُوم قيل الضَّمِير الَّذِي هُوَ فَاعله هُوَ الله تَعَالَى وَقيل يرجع إِلَى الْملك ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول وَهَذِه الْكِتَابَة يجوز أَن تكون حَقِيقَة لِأَنَّهُ أَمر مُمكن وَالله على كل شَيْء قدير وَيجوز أَن تكون مجَازًا عَن التَّقْدِير قَوْله " فِي بطن أمه " ظرف لقَوْله " يكْتب " وَهُوَ الْمَكْتُوب فِيهِ والشخص هُوَ الْمَكْتُوب عَلَيْهِ كَمَا تَقول كتبت فِي الدَّار فَإِن فِي الدَّار ظرف لِقَوْلِك كتبت والمكتوب عَلَيْهِ خَارج عَن ذَلِك وَالتَّقْدِير أزلي وَهُوَ أَمر عَقْلِي مَحْض وَيُسمى قَضَاء وَالْحَاصِل فِي الْبَطن تعلقه بِالْمحل الْمَوْجُود وَيُسمى قدرا والمكتوب هُوَ الْأُمُور الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد وَغَيرهَا من الْأَحْكَام) اعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث جَامع لجَمِيع أَحْوَال الشَّخْص إِذْ فِيهِ من الْأَحْكَام بَيَان حَال المبدأ وَهُوَ ذَاته ذكرا وَأُنْثَى وَحَال الْمعَاد وَهُوَ السَّعَادَة والشقاوة وَمَا بَينهمَا وَهُوَ الْأَجَل وَمَا يتَصَرَّف فِيهِ وَهُوَ الرزق. وَقد جَاءَ أَيْضا " فرغ الله من أَربع من الْخلق والخلق وَالْأَجَل والرزق " والخلق بِفَتْح الْخَاء إِشَارَة إِلَى الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة وَبِضَمِّهَا السَّعَادَة وضدها وَقَالَ الْمُهلب أَن الله تَعَالَى علم أَحْوَال الْخلق قبل أَن يخلقهم وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة. وَأجْمع الْعلمَاء أَن الْأمة تكون أم ولد بِمَا أسقطته من ولد تَامّ الْخلق. وَاخْتلفُوا فِيمَن لم يتم خلقه من المضغة والعلقة فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك تكون بالمضغة أم ولد مخلقة كَانَت أَو غير مخلقة وتنقضي بهَا الْعدة وَعَن ابْن الْقَاسِم تكون أم ولد بِالدَّمِ الْمُجْتَمع وَعَن أَشهب لَا تكون أم ولد وَتَكون بالمضغة والعلقة وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا إِن كَانَ قد تبين فِي المضغة شَيْء من الْخلق أصْبع أَو عين أَو غير ذَلِك فَهِيَ أم ولد وعَلى مثله هَذَا انْقِضَاء الْعدة. ثمَّ المُرَاد بِجَمِيعِ مَا ذكر من الرزق وَالْأَجَل والسعادة والشقاوة وَالْعَمَل والذكورة وَالْأُنُوثَة أَنه يظْهر ذَلِك للْملك وَيُؤمر بإنفاذه وكتابته وَإِلَّا فقضاء الله وَعلمه وإرادته سَابق على ذَلِك قَالَ القَاضِي عِيَاض وَلم يخْتَلف أَن نفخ الرّوح فِيهِ يكون بعد مائَة وَعشْرين يَوْمًا وَذَلِكَ تَمام أَرْبَعَة أشهر ودخوله فِي الْخَامِس وَهَذَا مَوْجُود بِالْمُشَاهَدَةِ وَعَلِيهِ يعول فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَحْكَام من الِاسْتِلْحَاق وَوُجُوب النَّفَقَات وَذَلِكَ للثقة بحركة الْجَنِين فِي الْجوف وَقيل أَن الْحِكْمَة فِي عدتهَا عَن الْوَفَاة بأَرْبعَة أشهر وَالدُّخُول فِي الْخَامِس تحقق بَرَاءَة الرَّحِم ببلوغ هَذِه الْمدَّة إِذا لم يظْهر حمل وَنفخ الْملك فِي الصُّورَة سَبَب لخلق الله عِنْده فِيهَا الرّوح والحياة لِأَن النفخ الْمُتَعَارف إِنَّمَا هُوَ إِخْرَاج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فِيهِ فَإِن قدر حُدُوث شَيْء عِنْد ذَلِك النفخ بإحداث الله تَعَالَى لَا بالنفخ وَغَايَة النفخ أَن يكون سَببا عَادَة لَا مُوجبا عقلا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي سَائِر الْأَسْبَاب الْمُعْتَادَة

١٨ - (بابُ كَيفَ تُهِلُّ الحائِضُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ أَو الْعمرَة، وَالْمرَاد من الْكَيْفِيَّة: الْحَال من الصِّحَّة والبطلان وَالْجَوَاز وَغير الْجَوَاز، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب صِحَة إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ أَو بِالْعُمْرَةِ، أَو: بَاب جَوَازهَا. وَالْمَقْصُود من الصِّحَّة أَعم من أَن تكون فِي الِابْتِدَاء أَو فِي الدَّوَام.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ أَرَادَ من وضع الْبَاب السَّابِق الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، وَهُوَ حكم من أَحْكَام الْحيض. وَفِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حكم من أَحْكَام الْحيض، وَفِيه نوع من تعسف، وَفِي بعض النّسخ هَذَا الْبَاب قد ذكر قبل الْبَاب السَّابِق.

٣١٩ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيثُ عنْ عُقَيْلٍ عنْ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا منْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ ومنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَي فَلَا يَحِلُّ حتَّى يَحلَّ بِنَحْرِ هَدْيه ومَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فلْيُتِمَّ حَجَّهُ قالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حائِضا حتَّى كانَ يَوْمُ عَرَفَة ولَمْ أُهْلِلْ إلَاّ بِعُمْرَةٍ فأَمَرَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وأمْتَشِطَ وأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حتَّى قَضَيْتُ حَجِّي فَبَعَثَ معِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبي بَكْرٍ وأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي منَ التنْعِيم.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (وَأهل بِحَجّ) فَإِن فِيهِ إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ، لِأَن عَائِشَة كَانَت حائضة حِين أهلت بِالْحَجِّ. وعَلى قَول من قَالَ: إِنَّهَا كَانَت قارنة، كَانَت الْمُطَابقَة أظهر لِأَنَّهَا أَحرمت بِالْحَجِّ وَهِي حَائِض، وَكَانَت معتمرة فَلهَذَا قَالَت: (أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أترك الْعمرَة) ، وَترك الشَّيْء لَا يكون إِلَّا بعد وجوده.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى ابْن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف: بن خَالِد بن عقيل، بِفَتْح الْعين: الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير ابْن الْعَوام. السَّادِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأيلي ومدني.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك، وَيَأْتِي بِزِيَادَة فِي الْحَج إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

قَوْلهَا: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا، وَكَانَت حجَّة الْوَدَاع فِي سنة عشر من الْهِجْرَة. قَوْلهَا: (وَمنا من أهل بِحجَّة) بِفَتْح، الْحَاء وَكسرهَا، وَهُوَ بِالتَّاءِ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَرِوَايَة غَيره: (بِحَجّ) . قَوْلهَا: (فقدمنا) بِكَسْر الدَّال. قَوْلهَا: (وَلم يهد) بِضَم الْيَاء: من الإهداء، وَهُوَ جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فليحلل) ، بِكَسْر اللَّام من الثلاثي، وَفِي مثل هَذِه الْمَادَّة يجوز الْإِدْغَام وفكه. قَوْله: (حَتَّى يحل نحر هَدْيه) ، يَعْنِي يَوْم الْعِيد، ويروى: (حَتَّى يحل بنحر هَدْيه) ، بِزِيَادَة: الْبَاء، لَا يُقَال: إِنَّه متمتع، فَلَا بُد لَهُ من تحلله عَن الْعمرَة، ثمَّ إِحْرَامه بِالْحَجِّ قبل الْوُقُوف لأَنا نقُول: لَا يلْزم أَن يكون مُتَمَتِّعا لجَوَاز أَن يدْخل الْحَج فِي الْعمرَة فَيصير قَارنا فَلَا يتَحَلَّل. قَوْله: (وَمن أهل بِحجَّة) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي. وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (بِحَجّ) ، بِدُونِ التَّاء، وَمَعْنَاهُ: أهلَّ بِحجَّة وَنوى الْإِفْرَاد، سَوَاء كَانَ مَعَه هدي أَو لَا. وَلِهَذَا لم يُقيد: بلم يهد، وَلَا: بأهدى. قَوْلهَا: (حَتَّى كَانَ يَوْم عَرَفَة) بِرَفْع: يَوْم، و: كَانَ، تَامَّة. قَوْله: (وأترك الْعمرَة) ، صَرِيح بِفَسْخ الْعمرَة، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِيَّة. قَوْلهَا: (حَتَّى قضيت حجتي) . ويروى: (حجي) . قَوْلهَا: (فَأمرنِي) ، بفاء الْعَطف، ويروى: (أَمرنِي) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْلهَا: (من التَّنْعِيم) يتَعَلَّق بقوله: (ان اعْتَمر) .

وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ أَن الْحَائِض تهل بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة وَتبقى على إحرامها، وَتفعل مَا يفعل الْحَاج كُله غير الطّواف، فَإِذا طهرت اغْتَسَلت وطافت وأكملت حَجهَا، وَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنقض شعرهَا وتمتشط وَهِي حَائِض لَيْسَ للْوُجُوب، وَإِنَّمَا ذَلِك لإهلالها بِالْحَجِّ، لِأَن من سنة الْحَائِض وَالنُّفَسَاء أَن يغتسلا لَهُ، وَالله تَعَالَى أعلم.

١٩ - (بابُ إقْبالِ المَحِيضِ وإدْبارِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إقبال الْحيض وإدباره. وَقَالَ ابْن بطال: إقبال الْحيض هُوَ الدفعة من الدَّم، وإدباره أقبال الطُّهْر. وَعند

أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: عَلامَة إدبار الْحيض وانقطاعه الزَّمَان وَالْعَادَة، فَإِذا أخلت عَادَتهَا تحرت، وَإِن لم يكن لَهَا ظن أخذت بِالْأَقَلِّ.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ وجود حكم الْحيض فِي كل مِنْهُمَا.

وكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عائشَةَ بالدُّرْجَةِ فِيها الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةَ فَتَقُولُ لَا تعْجَلْنَ حتَّى تَرَيْنَ القَصةَ البَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء) ، فَإِنَّهَا عَلامَة إدبار الْحيض، وَهَذَا الْأَثر ذكره مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) فَقَالَ: عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة، عَن أمه مولاة عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: (كَانَ النِّسَاء يبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَة بالدرجة فِيهَا الكرسف فِيهَا الصُّفْرَة من دم الْحيض يسألنها عَن الصَّلَاة فَتَقول لَهُنَّ: لَا تعجلن حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء، تُرِيدُ الطُّهْر من الْحَيْضَة) . وَقَالَ ابْن حزم: خولفت أم عَلْقَمَة بِمَا هُوَ أقوي من رِوَايَتهَا، وَاسم: أم عَلْقَمَة، مرْجَانَة سَمَّاهَا ابْن حبَان فِي (كتاب الثِّقَات) . وَقَالَ الْعجلِيّ: مَدَنِيَّة تابعية ثِقَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره البُخَارِيّ هُنَا مُعَلّقا مَجْزُومًا، وَبِه تعلق النَّوَوِيّ فَقَالَ: هَذَا تَعْلِيق صَحِيح لِأَن البُخَارِيّ ذكره بِصِيغَة الْجَزْم، وَمَا علم أَن هَذِه الْعبارَة قد لَا تصح كَمَا سبق بَيَانه فِي كثير من التَّعْلِيق المجزوم بِهِ عِنْد البُخَارِيّ، وَلَو نظر كتاب (الْمُوَطَّأ) لمَالِك بن أنس لوجده قد قَالَ: عَن علقمةِ إِلَى آخِره، وَلَو وجده ابْن حزم لما قَالَ: خولفت أم عَلْقَمَة بِمَا هُوَ أقوى من رِوَايَاتهَا. قلت: حَاصِل كَلَامه أَنه يرد على النَّوَوِيّ فِي دَعْوَاهُ الْجَزْم بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن الْحصار: هَذَا حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ من غير تَقْيِيد.

قَوْله: (وَكن نسَاء) ، بِصِيغَة الْجمع للمؤنث، وَفِيه ضمير يرجع إِلَى النِّسَاء، وَيُسمى مثل هَذَا الضَّمِير بالضمير الْمُبْهم، وَجوز ذَلِك بِشَرْط أَن يكون مشعرا بِمَا بعده، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يُقَال: إِنَّه إِضْمَار قبل الذّكر. قَوْله: (نسَاء) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ بدل من الضَّمِير الَّذِي فِي: ركن، وَهَذَا على لُغَة: أكلوني البراغيث. وَفَائِدَة ذكره بعد أَن علم من لفظ كن إِشَارَة إِلَى التنويع، والتنوين فِيهِ يدل عَلَيْهِ. وَالْمرَاد أَن ذَلِك كَانَ من بَعضهنَّ لَا من كُلهنَّ. وَقَالَ بَعضهم: والتنكير فِي النِّسَاء للتنويع. قلت: إِن لم يكن هَذَا مُصحفا من النَّاسِخ فَهُوَ غلط لِأَنَّهُ ماثم كسر فِي النِّسَاء، وَإِنَّمَا فِيهِ الرّفْع كَمَا ذكرنَا، أَو النصب على الِاخْتِصَاص، لَا يُقَال: إِنَّه نكرَة وَشرط النصب على الِاخْتِصَاص أَن يكون معرفَة، لأَنا نقُول: جَاءَ نكرَة كَمَا جَاءَ معرفَة. وَقَالَ الْهُذلِيّ:

(ويأوي إِلَى نسْوَة عطلوشعثا مراضيع مثل السعالي.)

قَوْله: (بالدرجة) ، بِضَم الدَّال وَسُكُون الرَّاء. قَالَه ابْن قرقول. وَقيل بِكَسْر الدَّال وَفتح الرَّاء، وَعند الْبَاجِيّ بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء. قَالَ ابْن قرقول: وَهِي بعيدَة عَن الصَّوَاب. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كتاب (الْمُنْتَهى) : والدرج، بالتسكين: خفش النِّسَاء، والدرجة شَيْء يدرج فَيدْخل فِي حَيا النَّاقة، ثمَّ تشمه فتظنه وَلَدهَا فتراه، وَكَذَا ذكره الْقَزاز، وَصَاحب (الصِّحَاح) وَابْن سَيّده زَاد: والدرجة أَيْضا خرقَة يوضع فِيهَا دَوَاء ثمَّ يدْخل فِي حَيا النَّاقة، وَذَلِكَ إِذا اشتكت مِنْهُ. وَفِي (الباهر) : الدرجَة بِالْكَسْرِ، والإدراج جمع: الدرج، وَهُوَ سفط صَغِير. والدرجة مِثَال رطبَة. وَفِي (الجمهرة) لِابْنِ دُرَيْد: الدرج سفط صَغِير تجْعَل فِيهِ الْمَرْأَة طيبها وَمَا أشبهه. وَقَالَ ابْن قرقول: وَمن قَالَ بِكَسْر الدَّال وَفتح الرَّاء فَهُوَ عِنْده جمع درج، وَهُوَ سفط صَغِير نَحْو خرج وخرجة، وَنَحْو ترس وترسة. قَوْله: (الكرسف) بِضَم الْكَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَضم السِّين الْمُهْملَة، وَفِي آخِره فَاء: وَهُوَ الْقطن، كَذَا قَالَه أَبُو عبيد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب (النَّبَات) : وَزعم بعض الروَاة أَنه يُقَال لَهُ: الكرسف، على الْقلب، وَيجمع الكرفس على كراسف. وَفِي (الْمُحكم) : إِنَّمَا اختير الْقطن لبياضه، وَلِأَنَّهُ ينشف الرُّطُوبَة فَيظْهر فِيهِ من آثَار الدَّم مَا لَا يظْهر من غَيره. قَوْله: (فَتَقول) أَي عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْلهَا: (لَا تعجلن) بِسُكُون اللَّام نهي لجمع مؤنث مُخَاطبَة، وَيَأْتِي كَذَلِك للْجمع الْمُؤَنَّث الغائبة، وَيجوز هَهُنَا الْوَجْهَانِ. وَكَذَا: (فِي تَرين) فَافْهَم. قَوْلهَا: (حَتَّى تَرين) صِيغَة جمع الْمُؤَنَّث المخاطبة، وَأَصلهَا: ترأين، على وزن: تفعلن، لِأَنَّهَا من: رأى يرأى رُؤْيَة بِالْعينِ، وَتقول للْمَرْأَة: أَنْت تَرين، وللجماعة: أنتن تَرين، لِأَن الْفِعْل للواحدة وَالْجَمَاعَة سَوَاء فِي المواجهة فِي خبر الْمَرْأَة من بَنَات الْيَاء، إلَاّ أَن النُّون الَّتِي فِي الْوَاحِدَة عَلامَة الرّفْع، وَالَّتِي فِي الْجمع نون الْجمع. فَإِن قلت: إِذا كَانَ أصل: تَرين ترأين، كَيفَ فعل بِهِ حَتَّى صَار: تَرين؟ قلت: نقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الرَّاء، ثمَّ قلبت ألفا لتحركها فِي الأَصْل وانفتاح مَا قبلهَا، ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَ: تَرين، على وزن: تفلن، لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ عين الْفِعْل وَهُوَ الْهمزَة فَقَط، وَوزن الْوَاحِدَة: تفين، لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ عين الْفِعْل ولامه. قَوْلهَا: (الْقِصَّة الْبَيْضَاء) ، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي تَفْسِيرهَا أَقْوَال. قَالَ ابْن سَيّده: الْقِصَّة والقص والجص، وَقيل: الْحِجَارَة من الجص. وَقَالَ

الْجَوْهَرِي: هِيَ لُغَة حجازية، يُقَال: قصَص دَاره أَي: جصصها. وَيُقَال: الْقِصَّة القطنة والخرقة الْبَيْضَاء الَّتِي تحتشى بهَا الْمَرْأَة عِنْد الْحيض. وَقَالَ الْقَزاز: الْقِصَّة الجص، هَكَذَا قرأته بِفَتْح الْقَاف وحكيت بِالْكَسْرِ. وَفِي (الغريبين) و (الْمغرب) و (الْجَامِع) : الْقِصَّة شَيْء كالخيط الْأَبْيَض يخرج بعد انْقِطَاع الدَّم كُله. وَفِي (الْمُحِيط) من كتب أَصْحَابنَا: الْقِصَّة الطين الَّذِي يغسل بِهِ الرَّأْس. وَهُوَ أَبيض يضْرب إِلَى الصُّفْرَة. وَجَاء فِي الحَدِيث: (الْحَائِض لَا تَغْتَسِل حَتَّى تري الْقِصَّة الْبَيْضَاء) . إِي: حَتَّى تخرج الْقطن الَّتِي تحتشي بهَا كَأَنَّهَا جصة لَا تخالطها صفرَة. قلت: أُرِيد بهَا التَّشْبِيه بالجصة فِي الْبيَاض والصفاء، وأنث لِأَنَّهُ ذهب الى الْمُطَابقَة، كَمَا حكى سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم: لبنة وعسلة. وَقَالَ ابْن قرقول: قد فسر مَالك الْقِصَّة بقوله: تُرِيدُ بذلك الطُّهْر، أَي: تُرِيدُ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بقولِهَا: (حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء) : الطُّهْر من الْحَيْضَة. وَفسّر الْخطابِيّ بقوله: تُرِيدُ الْبيَاض التَّام. وَقَالَ ابْن وهب فِي تَفْسِيره: رَأَتْ الْقطن الْأَبْيَض كَأَنَّهُ هُوَ، وَقَالَ مَالك: سَأَلت النِّسَاء عَن الْقِصَّة الْبَيْضَاء، فَإِذا ذَلِك أَمر مَعْلُوم عِنْد النِّسَاء يرينه عِنْد الطُّهْر. وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن اسحاق عَن عبد الله بن أبي بكر عَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد، وَكَانَت فِي حجر عمْرَة. قَالَت: أرْسلت امْرَأَة من قُرَيْش إِلَى عمْرَة كرسفة قطن فِيهَا. أَظُنهُ أَرَادَ الصُّفْرَة تسألها إِذا لم تَرَ من الْحَيْضَة إلَاّ هَذَا طهرت؟ قَالَ: فَقَالَت: لَا حَتَّى ترى الْبيَاض خَالِصا. وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، فَإِن رَأَتْ صفرَة فِي زمن الْحيض ابْتِدَاء فَهُوَ حيض عِنْدهم. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا حَتَّى يتقدمها دم.

وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيدِ بنِ ثابِتٍ أنَّ نِساءً يَدْعُونَ بالمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ مَا كانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ

مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن نظر النِّسَاء إِلَى الطُّهْر لأجل أَن يعلمن إدبار الْحيض.

وَأخرجه مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عمته عَن ابْنة زيد بن ثَابت أَنه: بلغنَا ... فَذكره، وعمة ابْن أبي بكر اسْمهَا عمْرَة بنت حزم، وَوَقع ذكر بنت زيد بن ثَابت هَهُنَا هَكَذَا مُبْهما، وَوَقع فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: لزيد بن ثَابت من الْبَنَات: أم إِسْحَاق وحسنة وَعمرَة وَأم كُلْثُوم وَأم حسن وَأم مُحَمَّد وَقَرِيبَة وَأم سعد. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيُشبه أَن تكون هَذِه المبهمة أم سعد، ذكرهَا ابْن عبد الْبر فِي الصحابيات، وَقَالَ بَعضهم: وَلم أر لوَاحِدَة مِنْهُنَّ يَعْنِي من بَنَات زيد رِوَايَة إلَاّ لأم كُلْثُوم، وَكَانَت زوج سَالم بن عبد الله بن عمر، فَكَأَنَّهَا هِيَ المبهمة هُنَا. وَزعم بعض الشُّرَّاح أَنَّهَا أم سعد. قَالَ لِأَن ابْن عبد الْبر ذكرهَا فِي الصَّحَابَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَلَيْسَ فِي ذكره لَهَا دَلِيل على الْمُدعى، لِأَنَّهُ لم يقل: إِنَّهَا صَاحِبَة هَذِه الْقِصَّة، بل لم يَأْتِ لَهَا ذكر عِنْده وَلَا عِنْد غَيره إلَاّ من طَرِيق عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن، وَقد كذبوه، وَكَانَ مَعَ ذَلِك يضطرب فِيهَا، فَتَارَة يَقُول: بنت زيد، وَتارَة يَقُول: امْرَأَة زيد. وَلم يذكر أحد من أهل الْمعرفَة بِالنّسَبِ فِي أَوْلَاد زيد من يُقَال لَهَا أم سعد. انْتهى. قلت: ذكره الذَّهَبِيّ، فَقَالَ: أم سعد بنت زيد بن ثَابت. وَقيل: امْرَأَته، وَأَيْضًا عدم رُؤْيَة هَذَا الْقَائِل رِوَايَة الْوَاحِدَة من بَنَات زيد إلَاّ لأم كُلْثُوم لَا يُنَافِي رِوَايَة غَيرهَا من بَنَاته، لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَأْنه أَن يُحِيط بِجَمِيعِ الرِّوَايَات. وَقَوله: زعم بعض الشُّرَّاح، أَرَادَ بِهِ صَاحب (التَّوْضِيح) ، فليت شعري مَا الْفرق بَين زعم هَذَا وزعمه هُوَ حَيْثُ قَالَ: فَكَأَنَّهَا هِيَ المبهمة، أَي: أم كُلْثُوم هِيَ المبهمة فِي هَذَا الْأَثر؟ على أَن صَاحب (التَّوْضِيح) مَا جزم بِمَا قَالَه، بل قَالَ: وَيُشبه أَن تكون هَذِه المبهمة أم سعد.

قَوْله: (إِن نسَاء) هَكَذَا وَقع فِي غَالب النّسخ بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَفِي بَعْضهَا: (إِن النِّسَاء) ، بِالْألف وَاللَّام، حَتَّى قَالَ الْكرْمَانِي: إِن اللَّام، للْعهد عَن نسَاء الصَّحَابَة، وَبِدُون اللَّام أَعم وأشمل. قَوْله: (يدعونَ) بِلَفْظ الْجمع الْمُؤَنَّث، ويشترك فِي هَذِه الْمَادَّة الْجمع الْمُذكر والمؤنث، وَفِي التَّقْدِير مُخْتَلف، فوزن الْجمع الْمُذكر: يفعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث: يفعلن، وَمعنى: يدعونَ بالمصابيح؛ يطلبنها لينظرن بهَا إِلَى مَا فِي الكراسيف حَتَّى يَقِفن على مَا يدل على الطُّهْر. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يدعين، قَالَه بَعضهم: قلت: فِي نِسْبَة هَذَا إِلَيْهِ نظر لَا يخفى، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: قَالَ صَاحب (الْقَامُوس) : دعيت لُغَة فِي دَعَوْت. قلت: أَرَادَ بِهَذَا تَقْوِيَة صِحَة مَا رَوَاهُ عَن الْكشميهني، وَلَا يفِيدهُ هَذَا، لِأَن صَاحب (الْقَامُوس) تكلم فِيهِ. قَوْله: (إِلَى الطُّهْر) أَي: إِلَى مَا يدل على الطُّهْر من القطنة. قَوْله: (وعابت عَلَيْهِنَّ) ، أَي: عابت بنت زيد بن ثَابت على النِّسَاء الْمَذْكُورَة، وَإِنَّمَا عابت عَلَيْهِنَّ لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي الْحَرج وَهُوَ مَذْمُوم، وَكَيف لَا وجوف اللَّيْل لَيْسَ إلَاّ وَقت الاسْتِرَاحَة؟ وَقيل: لكَون ذَلِك كَانَ فِي غير وَقت الصَّلَاة، وَهُوَ جَوف اللَّيْل. قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ وَقت الْعشَاء. قلت: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لم يدل شَيْء أَنه

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده