الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٩٨
الحديث رقم ٣١٩٨ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في سبع أرضين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣١٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ : أَنَّهُ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لما قضى الله الْخلق) . ومغيرة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة، وَالنَّسَائِيّ فِي النعوت كلهم عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (لما قضى الله الْخلق) ، قَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد لما خلق الله الْخلق كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فقضاهن سبع سموات} (فصلت: ٢١) . أَي: خَلقهنَّ، وَقَالَ ابْن عَرَفَة: قَضَاء الشي إحكامه وإمضاؤه والفراغ مِنْهُ، وَبِه سمي القَاضِي لِأَنَّهُ إِذا حكم فقد فرغ مِمَّا بَين الْخَصْمَيْنِ. قَوْله: (كتب فِي كِتَابه) ، أَي: أَمر الْقَلَم أَن يكْتب فِي كِتَابه وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، والمكتوب هُوَ: أَن رَحْمَتي غلبت غَضَبي. قَوْله: (فَهُوَ عِنْده) ، أَي: الْكتاب عِنْده، والعندية لَيست مكانية بل هُوَ إِشَارَة إِلَى كَمَال كَونه مكنوناً عَن الْخلق مَرْفُوعا عَن حيّز إدراكهم. قَوْله: (فَوق الْعَرْش) ، قَالَ الْخطابِيّ: قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ دون الْعَرْش استعظاماً أَن يكون شَيْء من الْخلق فَوق الْعَرْش كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (الْبَقَرَة: ٦٢) . أَي: فَمَا دونهَا أَي: أَصْغَر مِنْهَا، وَقَالَ بَعضهم: إِن لفظ الفوق زَائِد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ} (النِّسَاء: ١١) . إِذْ الثنتان يرثان الثُّلثَيْنِ. قلت: فِي كل مِنْهُمَا نظر، أما الأول فَفِيهِ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَوْضِعه، وَأما الثَّانِي فَفِيهِ فَسَاد الْمَعْنى، لِأَن مَعْنَاهُ: يكون حِينَئِذٍ: فَهُوَ عِنْده الْعَرْش، وَهَذَا لَا يَصح، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال معنى قَوْله: فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش أَي: علم ذَلِك عِنْد الله فَوق الْعَرْش لَا ينْسَخ وَلَا يُبدل، أَو ذكر ذَلِك عِنْد الله فَوق الْعَرْش، وَلَا مَحْذُور من إِضْمَار لفظ الْعلم أَو الذّكر، على أَن الْعَرْش مَخْلُوق وَلَا يَسْتَحِيل أَن يمسهُ كتاب مَخْلُوق، فَإِن الْمَلَائِكَة حَملَة الْعَرْش حاملونه على كواهلهم، وَفِيه المماسة فَلَا مَحْذُور أَن يكون كِتَابه فَوق الْعَرْش. فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص هَذَا بِالذكر على مَا قلت، مَعَ أَن الْقَلَم كتب كل شَيْء؟ قلت: لما فِيهِ من الرَّجَاء الْكَامِل وَإِظْهَار أَن رَحمته وسعت كل شَيْء، بِخِلَاف غَيره. قَوْله: (أَن رَحْمَتي) ، بِفَتْح أَن على أَنَّهَا بدل من: كتب، وبكسرها ابْتِدَاء كَلَام يحمي مَضْمُون الْكتاب. قَوْله: (غلبت) ، فِي رِوَايَة شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد فِي التَّوْحِيد: سبقت، بدل: غلبت، وَالْمرَاد من الْغَضَب مَعْنَاهُ الغائي وَهُوَ لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة الإنتقام مِمَّن يَقع عَلَيْهِ الْغَضَب والسبق وَالْغَلَبَة بِاعْتِبَار التَّعَلُّق أَي: تعلق الرَّحْمَة سَابق غَالب على تَعْلِيق الْغَضَب، لِأَن الرَّحْمَة مُقْتَضى ذَاته المقدسة، وَأما الْغَضَب فَإِنَّهُ مُتَوَقف على سَابِقَة عمل من العَبْد حَادث، وَبِهَذَا ينْدَفع إِشْكَال من أورد وُقُوع الْعَذَاب قبل الرَّحْمَة فِي بعض الْمَوَاضِع كمن يدْخل النَّار من الْمُوَحِّدين ثمَّ يخرج بالشفاعة أَو غَيرهَا، وَقيل: الرَّحْمَة وَالْغَضَب من صِفَات الْفِعْل لَا من صِفَات الذَّات فَلَا مَانع من تقدم بعض الْأَفْعَال على بعض، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي سبق الرَّحْمَة إِشَارَة إِلَى أَن قسط الْخلق مِنْهَا أَكثر من قسطهم من الْغَضَب، وَأَنَّهَا تنالهم من غير اسْتِحْقَاق، وَأَن الْغَضَب لَا ينالهم إلَاّ بِاسْتِحْقَاق، فالرحمة تَشْمَل الشَّخْص جَنِينا ورضيعاً وفطيماً وناشئاً قبل أَن يصدر مِنْهُ شَيْء من الطَّاعَة وَلَا يلْحقهُ الْغَضَب إلَاّ بعد أَن يصدر عَنهُ من الذُّنُوب مَا يسْتَحق مَعَه ذَلِك، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي سَبْعِ أرَضينَ)
هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي وضع سبع أَرضين.
وقَوْلِ الله تعَالى {ألله الَّذِي خلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مَثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ الله علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ الله قَدْ أحاطَ بِكُلَّ شَيْءٍ عِلْمَاً (الطَّلَاق: ٢١) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: فِي سبع أَرضين. قَوْله: (الله) مُبْتَدأ. و: الَّذِي خلق، خَبره. قَوْله: (سبع سموات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ) فِي الْعدَد، قيل: مَا فِي الْقُرْآن آيَة تدل على أَن الْأَرْضين سبع: إلَاّ هَذِه الْآيَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن الْأَرْضين بَعْضهَا فَوق بعض مثل السَّمَوَات لَيْسَ بَينهَا فُرْجَة، وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم: أَن الأَرْض وَاحِدَة، قَالَ: وَهُوَ مَرْدُود بِالْقُرْآنِ وَالسّنة. وروى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الضُّحَى عَن مُسلم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: {الله الَّذِي خلق سبع سموات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ} (الطَّلَاق: ٢١) . قَالَ: سبع أَرضين فِي كل أَرض نَبِي كنبيكم وآدَم كآدمكم ونوح كنوحكم وَإِبْرَاهِيم كإبراهيمكم وَعِيسَى كعيسى، ثمَّ قَالَ: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس صَحِيح، وَهُوَ شَاذ بِمرَّة لَا أعلم لأبي الضُّحَى عَلَيْهِ مُتَابعًا. وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُحَمَّد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَو حدثتكم بتفسير هَذِه الْآيَة لكَفَرْتُمْ، وكفركم تكذيبكم بهَا، وَقد روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، أَن بَين كل سَمَاء وسماء خَمْسمِائَة عَام، وَأَن سمك كل سَمَاء كَذَلِك، وَأَن بَين كل أَرض
وَأَرْض خَمْسمِائَة عَام. وَأخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي ذَر نَحوه. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: بَين كل سَمَاء وسماء إِحْدَى أَو اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سنة. قلت: يجمع بَينهمَا بِأَن اخْتِلَاف الْمسَافَة بَينهمَا بِاعْتِبَار بطء السّير وسرعته، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقيل: إِن المُرَاد بقوله: سبع أَرضين الأقاليم السَّبْعَة، والدعوة شَامِلَة جَمِيعهَا، وَقيل: إِنَّهَا سبع أَرضين مُتَّصِلَة بَعْضهَا بِبَعْض والحائل بَين كل أَرض وَأَرْض بحار لَا يُمكن قطعهَا وَلَا الْوُصُول إِلَى الأَرْض الْأُخْرَى وَلَا تصل الدعْوَة إِلَيْهِم قَوْله: (لِتَعْلَمُوا) اللَاّم تتَعَلَّق بِخلق، وَقيل: بيتنزل، وَالْأول أقرب، وَأَن الله تَعَالَى قد أحَاط بِكُل شَيْء علما لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء، وعلماً مصدر من غير لفظ الْفِعْل أَي: قد علم كل شَيْء علما.
والسَّقْفِ المَرْفُوعِ السَّماءُ
هَذِه حِكَايَة عَمَّا فِي سُورَة الطّور وَهُوَ: {وَالطور وَكتاب مسطور فِي رق منشور وَالْبَيْت الْمَعْمُور والسقف الْمَرْفُوع} (الطّور: ١) . فَقَوله: والسقف الْمَرْفُوع، بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَقَوله: {السَّمَاء} (الطّور: ١) . خَبره وَهُوَ تَفْسِيره، كَذَا فسره مُجَاهِد، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَغَيره من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَيجوز بِالْجَرِّ على طَرِيق الْحِكَايَة عَمَّا فِي سُورَة الطّور سمى السَّمَاء سقفاً لِأَنَّهَا للْأَرْض كالسقف للبيت، وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّد على من قَالَ: إِن السَّمَاء كرية، لِأَن السّقف فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة لَا يكون كرياً، وَفِيه نظر.
سَمْكَهَا بِنَاءَها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {رفع سمكها فسواها} (النازعات: ٨٢) . فِي: والنازعات، وَهنا: سمكها، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: بناؤها، وَيجوز بِالنّصب على الْحِكَايَة. وَقَوله: {رفع سمكها} (النازعات: ٨٢) . أَي: بناءها يَعْنِي: رفع بنيانها، والسمك، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم، وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي طَلْحَة عَنهُ.
الْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وحُسْنُها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّمَاء ذَات الحبك} (الذاريات: ٧) . وَيجوز فِي الحبك الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره: استواؤها، وَيجوز الْجَرّ على الْحِكَايَة، وَالتَّفْسِير الَّذِي فسره رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَطاء بن السَّائِب عَن يزِيد عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ، والحبك بِضَمَّتَيْنِ جمع حبيكة، كطرق جمع طَريقَة، وزنا وَمعنى. وَقيل: وَاحِدهَا حباك كمثال، وَقيل: الحبك الطرائق الَّتِي ترى فِي السَّمَاء من آثَار الْغَيْم، وروى الطَّبَرِيّ عَن الضَّحَّاك نَحوه، وَقيل: هِيَ النُّجُوم أخرجه الطَّبَرِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن الْحسن، وروى الطَّبَرِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو: أَن المُرَاد بالسماء هُنَا السَّمَاء السَّابِعَة.
وأذِنَتْ سَمِعَتْ وأطَاعَتْ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا السَّمَاء انشقت وأذنت لِرَبِّهَا وحقت} (الانشقاق: ١، ٢) . وَرَوَاهُ هَكَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: {وأذنت لِرَبِّهَا} أَي: أطاعت، وَمن طَرِيق الضَّحَّاك: أَي: سَمِعت، قَالَ النَّسَفِيّ: وَحَقِيقَته من أذن الشَّيْء إِذا أصغى إِلَيْهِ أُذُنه للاستماع، وَالسَّمَاع يسْتَعْمل للإسعاف والإجابة، كَذَلِك الْإِذْن أَي: أجابت لِرَبِّهَا إِلَى الانشقاق وَمَا أَرَادَهُ مِنْهَا.
وألْقَتْ أخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ المَوْتَى وتَخَلَّتْ عَنْهُمْ
أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى بعد قَوْله: {وأذنت لِرَبِّهَا وحقت وَإِذا الأَرْض مدت وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت} (الانشقاق: ٢، ٣) . وحقت أَي: حق لَهَا أَن تطيع، وَأَلْقَتْ أَي: طرحت مَا فِيهَا، ومدت من مد الشَّيْء فامتد وَهُوَ: أَن تَزُول جبالها وآكامها، وكل أمة فِيهَا حَتَّى تمتد وتنبسط وَيَسْتَوِي ظهرهَا، وتخلت أَي: خلت غَايَة الْخُلُو حَتَّى لَا يبْقى فِي بَطنهَا شَيْء كَأَنَّهَا تكلفت أقْصَى جهدها فِي الْخُلُو.
طَحَاهَا دَحاها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْأَرْض وَمَا طحاها، وَنَفس وَمَا سواهَا} (الشَّمْس: ٦، ٧) . وَأَرَادَ بقوله: (دحاها) ، تَفْسِير قَوْله: {طحاها} وَهَكَذَا فسره مُجَاهِد، أخرجه عَنهُ عبد بن حميد وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ وَغَيرهمَا: {دحاها} أَي: بسطها، من الدحو وَهُوَ الْبسط، يُقَال: دحا يدحو ويدحي، أَي: بسط ووسع.
بالسَّاهِرَةِ وَجْهُ الأرْضِ كانَ فِيهَا الحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وسَهَرُهُمْ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هم بالساهرة} (النازعات: ٤١) . أَي: وَجه الأَرْض، وَلَعَلَّه سمى بهَا لِأَن نوم الْخَلَائق وسهرهم فِيهَا، هَكَذَا فسره عِكْرِمَة، أخرجه ابْن أبي حَاتِم، وَأخرج أَيْضا من طَرِيق مُصعب بن ثَابت عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هم بالساهرة} (النازعات: ٤١) . قَالَ: أَرض بَيْضَاء عفراء كالخبزة، وَعَن ابْن أبي حَاتِم: المُرَاد بهَا أَرض الْقِيَامَة، وَقَالَ النَّسَفِيّ: قيل: هَذِه الساهرة جبل عِنْد بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: {فَإِذا هم بالساهرة} (النازعات: ٤١) . بالصقع الَّذِي بَين جبل حسبان وجبل أرِيحَا.
٥٩١٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ أخْبَرَنَا ابنُ عَليَّةَ عنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى ابنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الحَارِثِ عنْ أبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ وكانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أرْض فَدَخَلَ علَى عائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فقالَتْ يَا أبَا سلَمَةَ اجْتَنِبِ الأرْضَ فإنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعٍ أرَضِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من سبع أَرضين) . وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَابْن علية اسْمه إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَعليَّة اسْم أمه وَقد مر غير مرّة.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم شَيْئا من الأَرْض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن حُسَيْن عَن يحيى بن أبي كثير إِلَى آخِره.
قَوْله: (قيد شبر) ، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْمِقْدَار. قَوْله: (طوقه) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمعنى التطويق أَن يخسف الله بِهِ الأَرْض فَتَصِير الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة مِنْهَا فِي عُنُقه يَوْم الْقِيَامَة كالطوق، وَقيل: هُوَ أَن يطوق حملهَا يَوْم الْقِيَامَة، أَي: يُكَلف، لَا من طوق التَّقْلِيد، بل من طوق التَّكْلِيف.
٦٩١٣ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرَنا عَبْدُ الله عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أخَذَ شَيْئاً مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَى سَبْعِ أرْضِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَسَالم يروي عَن أَبِيه عبد الله بن الْمُبَارك. والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله بن الْمُبَارك.
٧٩١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنَا أيُّوبُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنِ ابنِ أبِي بَكْرَةَ عَن أبي بكرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَاً مِنْهَا أرْبَعةٌ حُرُمٌ ثَلاث مُتَوَالِياتٌ ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والْمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادي وشَعْبَانَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تتأتى بالتعسف لِأَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهَا التَّصْرِيح بِسبع أَرضين، وَهَذَا الْمَذْكُور لفظ: الأَرْض فَقَط، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ سبع أَرضين أَيْضا. وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَابْن أبي بكرَة عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو بكرَة نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ، وَقد مضى فِي كتاب الْعلم عَن أبي بكرَة، وَفِي الْحَج أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَلَكِن يَأْتِي نَحوه بأتم مِنْهُ فِي آخر
الْمَغَازِي.
قَوْله: (الزَّمَان) اسْم لقَلِيل الْوَقْت وَكَثِيره، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا السّنة، وَذَلِكَ أَن قَوْله: (السّنة إثني عشر شهرا) إِلَى آخِره، جمل مستأنفة مبينَة للجملة الأولى. فَالْمَعْنى أَن الزَّمَان فِي انقسامه إِلَى الأعوام، والأعوام إِلَى الْأَشْهر عَاد إِلَى أصل الْحساب والوضع الَّذِي اخْتَارَهُ الله وَوَضعه يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (اسْتَدَارَ) ، يُقَال: دَار يَدُور، واستدار يستدير بِمَعْنى: إِذا طَاف حول الشَّيْء وَإِذا عَاد إِلَى الْموضع الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَمعنى الحَدِيث: أَن الْعَرَب كَانُوا يؤخرون الْمحرم إِلَى صفر وَهُوَ النسيء الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر} (التَّوْبَة: ٧٣) . وَذَلِكَ لِيُقَاتِلُوا فِيهِ، ويفعلون ذَلِك كل سنة بعد سنة فَينْتَقل الْمحرم من شهر إِلَى شهر حَتَّى جَعَلُوهُ فِي جَمِيع شهور السّنة، فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ السّنة قد عَاد إِلَى زَمَنه الْمَخْصُوص بِهِ، قيل: دارت السّنة كهيئتها الأولى، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا أخر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحَج مَعَ الْإِمْكَان ليُوَافق أصل الْحساب فيحج فِيهِ حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (كَهَيْئَته) ، الْكَاف صفة مصدر مَحْذُوف أَي: اسْتَدَارَ استدارة مثل حَالَته يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (ثَلَاث مُتَوَالِيَات) إِنَّمَا حذف التَّاء من الْعدَد بِاعْتِبَار أَن الشَّهْر وَاحِد الْأَشْهر بِمَعْنى اللَّيَالِي، فَاعْتبر لذَلِك تأنيثه، وَيُقَال: ذَلِك بِاعْتِبَار الْغرَّة أَو اللَّيْلَة، مَعَ أَن الْعدَد الَّذِي لم يذكر مَعَه الْمُمَيز جَازَ فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، ويروى: (ثَلَاثَة) ، على الأَصْل. قَوْله: (ذُو الْقعدَة) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ ذُو الْقعدَة، أَو: أَولهَا ذُو الْقعدَة، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَرَجَب مُضْمر) عطف على قَوْله: (ثَلَاث) ، وَلَيْسَ بعطف على قَوْله: وَالْمحرم، وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى مُضر لِأَنَّهَا كَانَت تحافظ على تَحْرِيمه أَشد من مُحَافظَة سَائِر الْعَرَب، وَلم يكن يستحله أحد من الْعَرَب. قَوْله: (بَين جُمَادَى وَشَعْبَان) ، ذكره تَأْكِيدًا وإزاحة للريب الْحَادِث فِيهِ من النسىء. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: النسيء تَأْخِير حُرْمَة شهر إِلَى شهر آخر، كَانُوا يحلونَ الشَّهْر الْحَرَام ويحرمون مَكَانَهُ شهرا آخر حَتَّى رفضوا تَخْصِيص الْأَشْهر الْحرم، فَكَانُوا يحرمُونَ من شهور الْعَام أَرْبَعَة أشهر مُطلقًا، وَرُبمَا زادوا فِي الْأَشْهر فيجعلونها ثَلَاثَة عشر، أَو أَرْبَعَة عشر، قَالَ: وَالْمعْنَى: رجعت الْأَشْهر إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ وَعَاد الْحَج إِلَى ذِي الْحجَّة وَبَطل النسيء الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقد وَافَقت حجَّة الْوَدَاع ذَا الْحجَّة، فَكَانَت حجَّة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبلهَا فِي ذِي الْقعدَة.
٨٩١٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثناأبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَعِيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ أنَّهُ خَاصَمَتْهُ أرْوَى فِي حَقٍّ زَعَمَ أنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوانَ فقالَ سَعِيدٌ أنَا أنْتَقِصُ مِنْ حقِّهَا شَيْئاً أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ منْ أخَذَ شِبْرَاً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً فإنَّهُ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرْضِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٥٤٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين: واسْمه فِي الأَصْل عبد الله الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير يروي عَن أَبِيه عُرْوَة، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: الْعَدوي أحد الْعشْرَة المبشرة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث من قَوْله: (لسمعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى آخِره، قد مر فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم شَيْئا من الأَرْض.
قَوْله (أروى) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو وبالقصر بنت أبي أويس بِالسِّين الْمُهْملَة قَالَ ابْن الْأَثِير لم أتحقق أَنَّهَا صحابية أَو تابعية قَوْله: (زعمت) ، أَي: أدعت أَنه أَي: أَن سعيد بن زيد انتقصه، أَي: انتقصها من حَقّهَا فِي أَرض. قَوْله: (إِلَى مَرْوَان) ، يتَعَلَّق بقوله: خاصمته، أَي: ترافعا إِلَى مَرْوَان، وَهُوَ كَانَ يَوْمئِذٍ مُتَوَلِّي الْمَدِينَة، وَقد ترك سعيد الْحق لَهَا ودعا عَلَيْهَا، فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى دعاءه وَمَرَّتْ الْقِصَّة فِي الْمَظَالِم.
قَالَ ابنُ الزِّنادِ عنْ هشامٍ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ لِي سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ دَخَلْتُ على النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
ابْن أبي الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله مفتي بَغْدَاد، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان لِقَاء عُرْوَة
سعيداً وتصريح سَمَاعه مِنْهُ الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ بَعضهم: وَقد لَقِي عُرْوَة من هُوَ أقدم من سعيد كوالده الزبير وَعلي وَغَيرهمَا، قلت: لَا يلْزم من ذَلِك ملاقاته سعيداً من هَذَا الْوَجْه.
٣ - (بابٌ فِي النُّجُومِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي النُّجُوم.
وقَالَ قَتَادَةُ {ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} (الْملك: ٥) . خلَقَ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلاثٍ جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ ورُحُومَاً لِلْشَّياطِينَ وعَلاماتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمنْ تأوَّلَ فِيها بِغَيْرِ ذلِكَ أخْطأ وأضاع نَصِيبَهُ وتكَلَّفَ مَا لَا علْمَ لَهُ بِهِ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن يُونُس عَن سُفْيَان عَنهُ وَزَاد فِي آخِره: وَأَن نَاسا جهلة بِأَمْر الله قد أَحْدَثُوا فِي هَذِه النُّجُوم كهَانَة من غرس بِنَجْم كَذَا كَانَ كَذَا، وَمن سَافر بِنَجْم كَذَا كَانَ كَذَا، ولعمري مَا من النُّجُوم نجم إلَاّ ويولد بِهِ الطَّوِيل والقصير والأحمر والأبيض وَالْحسن والدميم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَول قَتَادَة فِي النُّجُوم حسن إلَاّ قَوْله: أَخطَأ وأضاع نصِيبه، فَإِنَّهُ قصر فِي ذَلِك بل قَائِل ذَلِك كَافِر. انْتهى. ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن الْكفْر فِي ذَلِك إلَاّ فِي حق من نسب الاختراع إِلَى النُّجُوم، وَفِي (ذمّ النُّجُوم) للخطيب الْبَغْدَادِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن البحتري بن عبيد الله عَن أَبِيه عَن أبي ذَر عَن عمر مَرْفُوعا: لَا تسألوا عَن النُّجُوم. وَمن حَدِيث عبد الله بن مُوسَى عَن الرّبيع بن حبيب عَن نَوْفَل بن عبد الْملك عَن أَبِيه عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نهاني رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن النّظر فِي النُّجُوم. وَعَن أبي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس نَحوه. وَعَن الْحسن: أَن قَيْصر سَأَلَ قس بن سَاعِدَة الأيادي: هَل نظرت فِي النُّجُوم؟ قَالَ: نعم نظرت فِيمَا يُرَاد بِهِ الْهِدَايَة وَلم أنظر فِيمَا يُرَاد بِهِ الكهانة. وَفِي (كتاب الأنواء) لأبي حنيفَة: الْمُنكر فِي الذَّم من النُّجُوم نِسْبَة الْأَمر إِلَى الْكَوَاكِب وَأَنَّهَا هِيَ المؤثرة، وَأما من نسب التَّأْثِير إِلَى خَالِقهَا وَزعم أَنه نصبها أعلاماً وصيرها آثاراً لما يحدثه فَلَا جنَاح عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ هَشِيماً مُتَغَيِّراً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأصْبح هشيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاح} (الْكَهْف: ٥٤) . وَفسّر ابْن عَبَّاس ورأبة: هشيماً، بقوله: متغيراً، ذكره إِسْمَاعِيل ابْن أبي زِيَاد فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس، وَقد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ذكر آيَة أَو حَدِيثا فِي التَّرْجَمَة وَنَحْوهَا يذكر أَيْضا بالتبعية على سَبِيل الاستطراد مَاله أدنى مُلَابسَة بهَا تكثيراً للفائدة.
والأبُّ مَا يأكُلُ الأنْعَامُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَحَدَائِق غلبا وَفَاكِهَة وأبَّاً} (عبس: ٠٣، ١٣) . وَهَذَا أَيْضا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَنهُ قَالَ الْأَب مَا أَنْبَتَهُ الأَرْض مِمَّا تَأْكُله الدَّوَابّ وَلَا يَأْكُلهُ النَّاس وَمن طَرِيق عَطاء وَالضَّحَّاك الْأَب كل شَيْء ينْبت على وَجه الأَرْض وَزَاد الضَّحَّاك إلَاّ الْفَاكِهَة.
والأنامُ الخَلْقُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْأَرْض وَضعهَا للأنام} فسر الْأَنَام بقوله الْخلق وَهَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَيْضا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَالْمرَاد بالخلق: الْمَخْلُوق، وروى من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة قَالَ: الْأَنَام النَّاس، وَمن طَرِيق الْحسن قَالَ: الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقَالَ الشّعبِيّ: هُوَ كل ذِي روح.
برْزَخٌ حاجِبٌ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بَينهمَا برزخ لَا يبغيان} (الرحمان: ٠٢) . فسره بقوله: حَاجِب يَعْنِي: حَاجِب بَين الْبَحْرين لَا يختلطان، وَهَذَا أَيْضا
تَفْسِير ابْن عَبَّاس، وحاجب: بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي قَول الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني حاجز، بالزاي مَوضِع الْبَاء، من حجز بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حَال بَينهمَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ألْفافاً مُلْتَفَّةً. والغُلْبُ المُلْتَفَّةُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وجنات ألفافاً} (النبإ: ٦١) . أَي: ملتفة، وَصله عَنهُ عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح، وَمعنى ملتفة أَي: ملتفة بَعْضهَا على بعض، وألفاف جمع لف، وَقيل: جمع لفيف، وَحكى الْكسَائي أَنه جمع الْجمع، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل اللُّغَة فِي وَاحِد الألفاف، فَقَالَ بعض نحاة الْبَصْرَة: لف، وَقَالَ بعض نحاة الْكُوفَة: لف ولفيف، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِن كَانَ الألفاف جمعا فواحده جمع أَيْضا، تَقول: جنَّة لف وجنات لف. قَوْله: (والغلب الملتفة) إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَحَدَائِق غلبا} (عبس: ٠٣) . وَفسّر الغلب بقوله: الملتفة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس: الحدائق مَا الْتفت، والغلب مَا غلظ، وروى من طَرِيق عِكْرِمَة عَنهُ: الغلب شجر بِالْجَبَلِ لَا يحمل يستظل بِهِ.
{فِرَاشاً} (الْبَقَرَة: ٢٢) . مِهَاداً كقَوْلِهِ {ولَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌ} (الْبَقَرَة: ٦٣) .
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا} (الْبَقَرَة: ٢٢) . وَفَسرهُ بقوله: مهاداً، وَبِه فسر قَتَادَة وَالربيع بن أنس وَصله الطَّبَرِيّ عَنْهُمَا. قَوْله: (كَقَوْلِه: {وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر} (الْبَقَرَة: ٦٣) . أَي: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر} (الْبَقَرَة: ٦٣) . أَي: مَوضِع قَرَار، وَهُوَ بِمَعْنى المهاد.
نَكِداً قلِيلاً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي خبث لَا يخرج إلَاّ نكداً} (الْأَعْرَاف: ٨٥) . وَفسّر النكد بقوله: قَلِيلا، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ، قَالَ: {لَا يخرج إلَاّ نكداً} (الْأَعْرَاف: ٨٥) . قَالَ: النكد: الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي لَا ينفع. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم أَيْضا من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: هَذَا مثل ضرب للْكَافِرِ، كالبلد السبخة المالحة الَّتِي لَا تخرج مِنْهَا الْبركَة.
٤ - (بابُ صِفَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبَانٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير صفة الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان.
قالَ مُجَاهِدٌ كَحُسْبَانِ الرَّحَى
يَعْنِي الشَّمْس وَالْقَمَر يجريان بحسبان، يَعْنِي: بِحِسَاب مَعْلُوم كجري الرَّحَى، يَعْنِي على حِسَاب الْحَرَكَة الرحوية الدورية وعَلى وَضعهَا، والحسبان قد يكون مصدرا، تَقول: حسبت حسابا وحسباناً، مثل: الغفران والكفران والرجحان وَالنُّقْصَان والبرهان، وَقد يكون جمع الْحساب مثل: الشهبان والركبان والقضبان والرهبان، وَقَول مُجَاهِد وَصله الْفرْيَابِيّ فِي (تَفْسِيره) من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ بِحِسَابٍ ومَنَازِلَ لَا يَعْدُوَانِهَا
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي تَفْسِير الْآيَة الْمَذْكُورَة: إِن مَعْنَاهَا يجريان بحسبان، أَي: بِقدر مَعْلُوم، ويجريان فِي منَازِل لَا يعدوانها أَي: لَا يتجاوزان الْمنَازل، روى ذَلِك الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد صَحِيح، وروى عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق أبي مَالك الْغِفَارِيّ مثله.
حُسْبانٌ جَمَاعَةُ حِسابٍ مِثْلُ شِهابٍ وشُهْبَانٍ
قد ذكرنَا الْآن أَن لفظ حسبان قد يكون جمعا، وَقد يكون مصدرا.
ضُحَاهَا ضَوْؤُها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} (الشَّمْس: ١) . وَفسّر الضُّحَى بالضوء، وَصله عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} (الشَّمْس: ١) . قَالَ: ضوؤها، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: يُرِيد أَن الضُّحَى تقع فِي صدر النَّهَار، وَعِنْده تشتد إضاءة الشَّمْس، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَتَادَة وَالضَّحَّاك، وَقَالَ: ضحاها النَّهَار، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) . . {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} (الشَّمْس: ١) . إِذا أشرقت وَقَامَ سلطانها، وَلذَلِك قيل: وَقت الضُّحَى، وَكَانَ وَجهه شمس الضُّحَى، وَقيل: الضحوة ارْتِفَاع النَّهَار، وَالضُّحَى فَوق ذَلِك.
أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ ولَا يَنْبَغِي لَهُما ذَلِكَ سَابِقُ النَّهَارِ يتَطَالَبَانِ حَثِيثَانِ نَسْلَخُ نُخْرِجُ أحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ ونُجْرِي كلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار} (يَس: ٠٤) . قَالَ الضَّحَّاك: إِي: لَا يَزُول اللَّيْل من قبل مَجِيء النَّهَار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي: لَا يَأْتِي اللَّيْل فِي غير وقته. قَوْله: (وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار) أَي: يتطالبان حثيثان، أَي: سريعان، وَقَالَ تَعَالَى: يَطْلُبهُ حثيثاً أَي: سَرِيعا. قَوْله: (نسلخ مِنْهُ النَّهَار) أَي: نسلخ من اللَّيْل النَّهَار، والسلخ الْإِخْرَاج. وَيُقَال: سلخت الشَّاة من الإهاب، وَالشَّاة مسلوخة، وَالْمعْنَى: أخرجنَا النَّهَار من اللَّيْل إخراجاً لم يبقَ معَهُ شَيْء، فاستعير السلخ لإِزَالَة الضَّوْء وكشفه عَن مَكَان اللَّيْل وملقى ظله. قَوْله: (وتجري) بالنُّون من الإجراء. قَوْله: (كل وَاحِد مِنْهُمَا) ، أَي: من اللَّيْل وَالنَّهَار، وَلما كَانَ السلخ إِخْرَاج النَّهَار من اللَّيْل وَبِالْعَكْسِ أَيْضا كَذَلِك، عمم البُخَارِيّ فَقَالَ بِلَفْظ أَحدهمَا.
واهِيَةٌ وهْيُهَا تَشَقُّقُهَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وانشقت السَّمَاء فَهِيَ يَوْمئِذٍ واهية} (الحاقة: ٦١) . وَفسّر الوهي بالتشقيق، وَهَذَا قَول الْفراء، وروى الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس: واهية متمزقة ضَعِيفَة.
أرْجَائِها مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْها فَهْيَ علَى حافَتَيْهِ كَقَوْلِكَ علَى أرْجَاءِ البِئْرِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالْملك على أرجائها} (الحاقة: ٧١) . وَهُوَ جمع الرَّجَاء مَقْصُورا، وَهُوَ نَاحيَة الْبِئْر، والرجوان حافتا الْبِئْر، وَوَقع فِي رِوَايَة غير الْكشميهني: فَهُوَ على حافتيها، وَكَأَنَّهُ أفرد الضَّمِير بِاعْتِبَار لفظ الْملك، وَجمع بِاعْتِبَار الْجِنْس، وروى عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {وَالْملك على أرجائها} (الحاقة: ٧١) . أَي: على حافات السَّمَاء، وروى الطَّبَرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب مثله، وَعَن سعيد بن جُبَير: على حافاة الدُّنْيَا، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: وَالْملك على حافات السَّمَاء حِين تشقق.
أغْطَشَ وجَنَّ أظْلَمَ
أَشَارَ بقوله: أغطش إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أغطش لَيْلهَا} (النازعات: ٩٢) . وَبِقَوْلِهِ: وجن، إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فلمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل} (الْأَنْعَام: ٦٧) . وفسرهما بقوله: أظلم، فَالْأول: تَفْسِير قَتَادَة أخرجه عبد بن حميد من طَرِيقه، وَالثَّانِي: تَفْسِير أبي عُبَيْدَة.
وَقَالَ الحَسَنُ كُوِّرَتْ تُكَوَّرُ حتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِذا الشَّمْس كورت} (التكوير: ١) . قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: معنى: كورت، تكور حَتَّى يذهب ضوؤها، وَمعنى تكور تلف، تَقول: كورت الْعِمَامَة تكويراً إِذا لففتها، والتكوير أَيْضا الْجمع، تَقول: كورته إِذا جمعته، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: {إِذا الشَّمْس كورت} (التكوير:) . يَقُول: أظلمت، وَمن طَرِيق الرّبيع بن خثيم، قَالَ: كورت، أَي: رمى بهَا، وَمن طَرِيق أبي يحيى عَن مُجَاهِد: كورت، قَالَ: اضمحلت.
واللَّيْلُ وَمَا وسَقَ جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ
وَصله عبد بن حميد من طَرِيق مبارك بن فضَالة عَن الْحسن نَحوه.
اتَّسَقَ اسْتَوَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالْقَمَر إِذا اتسق} (الانشقاق: ٨١) . فسره بقوله: اسْتَوَى، وَصله عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق مَنْصُور عَنهُ، وأصل اتسق أَو تسق قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء أَي: تجمع ضوؤه، وَذَلِكَ فِي اللَّيَالِي الْبيض.
بُرُوجَاً مَنَازِلَ الشَّمْسِ والقَمَرِ
أَشَارَ بِهِ إلَى قولِهِ تعَالَى: {تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجاً} (الْفرْقَان: ١٦) . وَفسّر البروج بالمنازل أَي: منَازِل الشَّمْس وَالْقَمَر. وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُجَاهِد، قَالَ: البروج الْكَوَاكِب، وَمن طَرِيق أبي صَالح قَالَ: هِيَ النُّجُوم الْكِبَار، وَقيل: هِيَ قُصُور فِي السَّمَاء، رَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق يحيى بن رَافع، وَمن طَرِيق قَتَادَة قَالَ: هِيَ قُصُور على أَبْوَاب السَّمَاء فِيهَا الحرس، وَعند أهل الْهَيْئَة: البروج غير الْمنَازل، فالبروج اثْنَا عشر، والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ، فَكل برج عبارَة عَن منزلتين، وَثلث مِنْهَا، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَمَّا قيل: كَيفَ يُفَسر البروج بالمنازل والبروج اثْنَا عشر والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ؟ أَو المُرَاد بالمنازل مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ لَا الَّتِي عَلَيْهِ أهل التنجيم.
الحَرُورُ بالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا الظل وَلَا الحرور} (فاطر: ١٢) . وَفسّر الحرور بِأَنَّهُ يكون بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس، كَذَا رُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْفراء: الحرور الْحر الدَّائِم لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا، والسموم بِالنَّهَارِ خَاصَّة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ورؤبة: الحَرُورُ باللَّيْلِ والسَّمُومُ بالنَّهَارِ
رؤبة بِضَم الرَّاء ابْن العجاج، اسْمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صَخْر بن كنيف بن عميرَة بن حييّ بن ربيعَة بن سعد ابْن مَالك بن سعد التَّمِيمِي السَّعْدِيّ من سعد تَمِيم الْبَصْرِيّ هُوَ وَأَبوهُ راجزان مشهوران عالمان باللغة، وهما من الطَّبَقَة التَّاسِعَة من رجال الْإِسْلَام، وَتَفْسِير رؤبة هَذَا ذكره أَبُو عبيد عَنهُ فِي (الْمجَاز) وَقَالَ السّديّ: المُرَاد بالظل والحرور فِي الْآيَة الْجنَّة وَالنَّار أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَنهُ.
يُقَالُ يُولِجُ يْكَوِّرُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يولج اللَّيْل فِي النَّهَار} (الْحَج: ١٦٢، لُقْمَان: ٩٢، فاطر: ٣١٢، الْحَدِيد: ٦) . وَفَسرهُ بقوله: يكور، وَقَالَ بَعضهم: يكور كَذَا، يَعْنِي بالراء فِي رِوَايَة أبي ذَر وَرَأَيْت فِي رِوَايَة ابْن شبويه: يكون، بنُون وَهُوَ الْأَشْبَه. قلت: الْأَشْبَه بالراء لِأَن معنى يكور يلف النَّهَار فِي اللَّيْل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يولج أَي ينقص من اللَّيْل فيزيد فِي النَّهَار، وَكَذَلِكَ النَّهَار، وروى عبد بن حميد من طَرِيق مُجَاهِد قَالَ: مَا نقص من أَحدهمَا دخل فِي الآخر يتقاصان ذَلِك فِي السَّاعَات.
ولِيجَةً كلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى لفظ: وليجة، الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: {أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة} (التَّوْبَة: ٦١) . وَقد فسر وليجة بقوله: (كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء) . قَوْله: {أَن تتركوا} (التَّوْبَة: ٦١) . أَي: أم حسبتم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ أَن نترككم مهملين وَلَا نختبركم بِأُمُور يظْهر فِيهَا أهل الْعَزْم والصدق من الْكَاذِب؟ وَلِهَذَا قَالَ: {وَلما يعلم الله} (التَّوْبَة: ٦١) . إِلَى قَوْله: {وليجة} (التَّوْبَة: ٦١) . أَي: بطانة ودخيلة، بل هم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن على النصح لله وَلِرَسُولِهِ، فَاكْتفى بِأحد الْقسمَيْنِ عَن الآخر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الوليجة الْخِيَانَة، وَقيل: الخديعة، وَقيل: البطانة من غير الْمُسلمين وَهُوَ أَن يتَّخذ الرجل من الْمُسلمين دخيلاً من الْمُشْركين يفشون إِلَيْهِم أسرارهم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء لَيْسَ مِنْهُ فَإِنَّهُ وليجة.
٩٩١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأِبِيَّ ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ أتَدْرِي
أيْنَ تَذْهَبُ قُلْتُ الله ورسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ فإنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأذِنَ فَيُؤذَنُ لَهَا ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وتَسْتَأذِنَ فَلَا يُؤذَنُ لَهَا يُقالُ لَها ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: {والشَّمُسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ} (ي س: ٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ من جملَة صِفَات الشَّمْس الَّتِي تعرض عَلَيْهَا، وَزعم بَعضهم أَن وَجه الْمُطَابقَة هُوَ سير الشَّمْس فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، وَلَيْسَ ذَلِك بِوَجْه، وَالدَّلِيل على وَجه مَا قُلْنَا أَن فِي بعض النّسخ ذكر هَذَا: بَاب صفة الشَّمْس، ثمَّ ذكر الحَدِيث الْمَذْكُور، والألفاظ الَّتِي ذكرهَا من قَوْله: قَالَ مُجَاهِد: كحسبان الرَّحَى، إِلَى هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بموجودة فِي بعض النّسخ.
وَرِجَال هَذَا الحَدِيث كلهم مضوا عَن قريب، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد من الزِّيَادَة ابْن شريك ابْن طَارق التَّيْمِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ يروي عَن أبي ذَر واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة، وَقد اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَافا كثيرا أشهرها مَا ذَكرْنَاهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن الْحميدِي وَعَن أبي نعيم وَفِي التَّوْحِيد عَن عَيَّاش عَن يحيى بن جَعْفَر. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأبي سعيد الْأَشَج عَن إِسْحَاق وَيحيى بن أَيُّوب وَعَن عبد الحميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُرُوف عَن عُثْمَان والقواريري. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن وَفِي التَّفْسِير عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَتَدْرِي؟) الْغَرَض من هَذَا الِاسْتِفْهَام إِعْلَامه بذلك. قَوْله: (حَتَّى تسْجد تَحت الْعَرْش) ، فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالسُّجُود إِذْ لَا جبهة لَهَا، والانقياد حَاصِل دَائِما؟ قلت: الْغَرَض تشبيهها بالساجد عِنْد الْغُرُوب. فَإِن قلت: يرى أَنَّهَا تغيب فِي الأَرْض، وَقد أخبر الله تَعَالَى أَنَّهَا تغرب فِي عين حمئة، فَأَيْنَ هِيَ من الْعَرْش؟ قلت: الأرضون السَّبع فِي ضرب الْمِثَال كقطب الرَّحَى، وَالْعرش لعظم ذَاته كالرحى، فأينما سجدت الشَّمْس سجدت تَحت الْعَرْش، وَذَلِكَ مستقرها. فَإِن قلت: أَصْحَاب الْهَيْئَة قَالُوا: الشَّمْس مرصعة فِي الْفلك فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن الَّذِي يسير هُوَ الْفلك، وَظَاهر الحَدِيث أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تسير وتجري؟ قلت: أما أَولا فَلَا اعْتِبَار لقَوْل أهل الْهَيْئَة عِنْد مصادمة كَلَام الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَلَام الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هُوَ الْحق لَا مرية فِيهِ، وَكَلَامهم حدس وتخمين، وَلَا مَانع فِي قدرَة الله تَعَالَى أَن تخرج الشَّمْس من مجْراهَا وَتذهب إِلَى تَحت الْعَرْش فتسجد ثمَّ ترجع. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: {وكل فِي فلك يسبحون} (الْأَنْبِيَاء: ٣٣، ي س: ٠٤) . أَي: يدورون. قلت: دوران الشَّمْس فِي فلكها لَا يسْتَلْزم منع سجودها فِي أَي مَوضِع أَرَادَهُ الله تَعَالَى، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالسُّجُود من هُوَ مُوكل بهَا من الْمَلَائِكَة. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال غير ناشىء عَن دَلِيل فَلَا يعْتَبر بِهِ، وَهُوَ أَيْضا مُخَالف لظَاهِر الحَدِيث، وعدول عَن حَقِيقَته، وَقيل: المُرَاد من قَوْله: تَحت الْعَرْش، أَي: تَحت الْقَهْر وَالسُّلْطَان. قلت: لماذا الهروب من ظَاهر الْكَلَام وَحَقِيقَته؟ على أَنا نقُول: السَّمَوَات والأرضون وَغَيرهمَا من جَمِيع الْعَالم تَحت الْعَرْش، فَإِذا سجدت الشَّمْس فِي أَي مَوضِع قدره الله تَعَالَى يَصح أَن يُقَال: سجدت تَحت الْعَرْش، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَقد أنكر قوم سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. قلت: هَؤُلَاءِ قوم من الْمَلَاحِدَة لأَنهم أَنْكَرُوا مَا أخبر بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَثَبت عَنهُ بِوَجْه صَحِيح: وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَن يسْجد لَهُ. قَوْله: (فَتَسْتَأْذِن) ، يدل على أَنَّهَا تعقل، وَكَذَلِكَ قَوْله: (تسْجد) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فيمَ تستأذن؟ قلت: الظَّاهِر أَنه فِي الطُّلُوع من الْمشرق، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. انْتهى. قلت: لَا حَاجَة إِلَى الْقَيْد بقوله: الظَّاهِر، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن استئذانها هَذَا لأجل الطُّلُوع من الْمشرق على عَادَتهَا، فَيُؤذن لَهَا، ثمَّ إِذا قرب يَوْم الْقِيَامَة تستأذن فِي ذَلِك فَلَا يُؤذن لَهَا كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (ويوشك أَن تسْجد) لفظ: يُوشك، من أَفعَال المقاربة، وَهِي على أَنْوَاع: مِنْهَا مَا وضع للدلالة على قرب الْخَبَر، وَهُوَ ثَلَاثَة: كَاد وكرب وأوشك، كَمَا عرف
فِي مَوْضِعه، فعلى هَذَا معنى: ويوشك أَن تسْجد، وَيقرب أَن تسْجد، وَقد علم أَن أَفعَال المقاربة مُلَازمَة لصيغة الْمَاضِي إلَاّ أَرْبَعَة أَلْفَاظ، فَاسْتعْمل لَهَا مضارع مِنْهَا: أوشك. قَوْله: (فَلَا يقبل مِنْهَا) يَعْنِي: لَا يُؤذن لَهَا حَتَّى تسْجد. قَوْله: (وتستأذن فَلَا يُؤذن لَهَا) ، يَعْنِي: تستأذن بالسير إِلَى مطْلعهَا فَلَا يُؤذن لَهَا. فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا} (ي س: ٣٤) . أَشَارَ بقوله، فَذَلِك إِلَى مَا تضمن قَوْله: فَإِنَّهَا تذْهب إِلَى آخِره. قَوْله: (لمستقر لَهَا) يَعْنِي: إِلَى مُسْتَقر لَهَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يبلغ مستقرها حَتَّى ترجع إِلَى منازلها. قَالَ قَتَادَة: إِلَى وَقت وَأجل لَهَا لَا تعدوه، وَقيل: إِلَى انْتِهَاء أمرهَا عِنْد انْقِضَاء الدُّنْيَا، وَقيل: إِلَى أبعد منازلها فِي الْغُرُوب، وَقيل: لحد لَهَا من مسيرها كل يَوْم فِي مرأى عيوننا وَهُوَ الْمغرب، وَقيل: مستقرها أجلهَا الَّذِي أقرّ الله عَلَيْهِ أمرهَا فِي جريها فاستقرت عَلَيْهِ، وَهُوَ آخر السّنة. وَعَن ابْن عَبَّاس: إِنَّه قَرَأَ {لَا مُسْتَقر لَهَا} وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود، أَي: لَا قَرَار لَهَا فَهِيَ جَارِيَة أبدا {ذَلِك} (يس: ٣٤) . الجري على ذَلِك التَّقْدِير والحساب الدَّقِيق الَّذِي يكلُّ الفطن عَن استخراجه وتتحير الأفهام فِي استنباط مَا هُوَ إلَاّ {تَقْدِير الْعَزِيز} (ي س: ٣٤) . الْغَالِب بقدرته على كل مَقْدُور {الْعَلِيم} (ي س: ٣٤) . الْمُحِيط علما بِكُل مَعْلُوم، فَإِن قلت: روى مُسلم عَن أبي ذَر قَالَ: سَأَلت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قَول الله تَعَالَى: {وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا} (ي س: ٣٤) . قَالَ: مستقرها تَحت الْعَرْش. قلت: لَا يُنكر أَن يكون لَهَا اسْتِقْرَار تَحت الْعَرْش من حَيْثُ لَا ندركه وَلَا نشاهده، وَإِنَّمَا أخبر عَن غيب فَلَا نكذبه وَلَا نكيفه إِن علمنَا لَا يُحِيط بِهِ.
٠٠٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ الْمُخْتَارِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله الدَّانَاجُ قَالَ حدَّثني أَبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الشَّمْسُ والقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن تكور الشَّمْس وَالْقَمَر من صفاتهما. وَعبد الله هُوَ ابْن فَيْرُوز الداناج، بِالدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَفِي آخِره جِيم، وَيُقَال: بِدُونِ الْجِيم أَيْضا، وَهُوَ مُعرب، وَمَعْنَاهُ: الْعَالم وَهُوَ بَصرِي.
قَوْله: (مكوران) أَي: مطويان ذَاهِبًا الضَّوْء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي: يلفان ويجمعان، وَفِي رِوَايَة كَعْب الْأَحْبَار: يجاء بالشمس وَالْقَمَر ثورين يكوران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة، أَي: يلفان ويلقيان فِي النَّار، وَالرِّوَايَة: ثورين، بالثاء الْمُثَلَّثَة كَأَنَّهُمَا يمسخان، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد رُوِيَ بالنُّون وَهُوَ تَصْحِيف، وَقَالَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: تَكْذِيب كَعْب فِي قَوْله: هَذِه يَهُودِيَّة يُرِيد إدخالها فِي الْإِسْلَام، الله أكْرم وَأجل من أَن يعذب على طَاعَته، ألم تَرَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وسخر لكم الشَّمْس وَالْقَمَر دائبين} (إِبْرَاهِيم: ٣٣) . يَعْنِي: دوامهما فِي طَاعَته، فَكيف يعذب عَبْدَيْنِ اثنى الله عَلَيْهِمَا؟ انْتهى.
قلت: قد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس أَيْضا مثل مَا رُوِيَ عَن كَعْب. أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فقد قَالَ الْخطابِيّ: وَرُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة لم يذكرهَا أَبُو عبد الله وَهِي مَا حَدثنَا ابْن الْأَعرَابِي حَدثنَا عَبَّاس الدوري حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الْعَزِيز الْمُخْتَار عَن عبد الله الداناج: شهِدت أَبَا سَلمَة، حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران يكوران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة) . قَالَ الْحسن: وَمَا ذنبهما؟ قَالَ أَبُو سَلمَة: أَنا أحَدثك عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنت تَقول مَا ذنبهما؟ فَسكت الْحسن. وَأما مَا رُوِيَ عَن أنس فقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) : عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس مَرْفُوعا: (أَن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران عقيران فِي النَّار) . وَذكره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي بعض نسخ (أَطْرَافه) موهماً أَن ذَلِك فِي الصَّحِيح، وَذكر ابْن وهب فِي (كتاب الْأَمْوَال) : عَن عَطاء بن يسَار أَنه تَلا هَذِه الْآيَة: وَجمع {الشَّمْس وَالْقَمَر} (إِبْرَاهِيم: ٣٣) . قَالَ: يجمعان يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يقذفان فِي النَّار فيكونان فِي نَار الله الْكُبْرَى، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَيْسَ المُرَاد بكونهما فِي النَّار، تعذيبهما بذلك، وَلكنه تبكيت لمن لَكَانَ يعبدهما فِي الدُّنْيَا ليعلموا أَن عِبَادَتهم لَهما كَانَت بَاطِلَة. وَقيل: إنَّهُمَا خلقا من النَّار فأعيدا فِيهَا، وَيرد هَذَا القَوْل مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (تكلم رَبنَا بكلمتين صير إِحْدَاهمَا شمساً وَالْأُخْرَى قمراً وَكِلَاهُمَا من النُّور ويعادان يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْجنَّة) . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا يلْزم من جَعلهمَا فِي النَّار تعذيبهما، فَإِن الله فِي النَّار مَلَائِكَة وَغَيرهَا لتَكون لأهل النَّار عذَابا وَآلَة من آلَات الْعَذَاب.
١٠٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرَني عَمْرٌ وأنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ القاسِمِ قَالَ حدَّثَهُ عنْ أبِيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْكُسُوف الَّذِي يعرض للشمس والخسوف الَّذِي يعرض للقمر من صفاتهما.
وَيحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر وَمَات بهَا سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أصبغ عَن ابْن وهب إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فصلوا) أَي: صَلَاة الْكُسُوف.
٢٠٢٣ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَسارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عِبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رأيْتُمْ ذَلِكَ فاذْكُرُوا الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. والْحَدِيث مضى بأتم وأطول مِنْهُ فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك ... إِلَى آخِره.
٣٠٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ قامَ فَكَبَّرَ وقرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ ركُوعَاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ رأسَهُ فَقَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ وقامَ كَمَا هُوَ فقَرَأ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وهِيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأولى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وهْوَ أدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأولى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودَاً طَوِيلاً ثُمَّ فعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سلَّمَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب هَل يَقُول: كسفت الشَّمْس أَو خسفت؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره نَحوه. قَوْله: (فافزعوا) أَي: التجئوا إِلَى الصَّلَاة وَذكر الله.
٤٠٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قَيْسٌ عنْ أبِي مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الشَّمْسُ والقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُما فَصَلُّوا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي، وَقيس بن أبي حَازِم واسْمه: عَوْف الأحمسي البَجلِيّ، وَأَبُو مَسْعُود اسْمه: عقبَة بن عَمْرو البدري. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا ابْن مَسْعُود، أَي: عبد الله، وَهَذَا وَإِن كَانَ صَحِيحا من جِهَة أَن قيس بن أبي حَازِم بالزاي يروي عَنهُ أَيْضا، لَكِن الرِّوَايَات
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لما قضى الله الْخلق) . ومغيرة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة، وَالنَّسَائِيّ فِي النعوت كلهم عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (لما قضى الله الْخلق) ، قَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد لما خلق الله الْخلق كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فقضاهن سبع سموات} (فصلت: ٢١) . أَي: خَلقهنَّ، وَقَالَ ابْن عَرَفَة: قَضَاء الشي إحكامه وإمضاؤه والفراغ مِنْهُ، وَبِه سمي القَاضِي لِأَنَّهُ إِذا حكم فقد فرغ مِمَّا بَين الْخَصْمَيْنِ. قَوْله: (كتب فِي كِتَابه) ، أَي: أَمر الْقَلَم أَن يكْتب فِي كِتَابه وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، والمكتوب هُوَ: أَن رَحْمَتي غلبت غَضَبي. قَوْله: (فَهُوَ عِنْده) ، أَي: الْكتاب عِنْده، والعندية لَيست مكانية بل هُوَ إِشَارَة إِلَى كَمَال كَونه مكنوناً عَن الْخلق مَرْفُوعا عَن حيّز إدراكهم. قَوْله: (فَوق الْعَرْش) ، قَالَ الْخطابِيّ: قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ دون الْعَرْش استعظاماً أَن يكون شَيْء من الْخلق فَوق الْعَرْش كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (الْبَقَرَة: ٦٢) . أَي: فَمَا دونهَا أَي: أَصْغَر مِنْهَا، وَقَالَ بَعضهم: إِن لفظ الفوق زَائِد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ} (النِّسَاء: ١١) . إِذْ الثنتان يرثان الثُّلثَيْنِ. قلت: فِي كل مِنْهُمَا نظر، أما الأول فَفِيهِ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَوْضِعه، وَأما الثَّانِي فَفِيهِ فَسَاد الْمَعْنى، لِأَن مَعْنَاهُ: يكون حِينَئِذٍ: فَهُوَ عِنْده الْعَرْش، وَهَذَا لَا يَصح، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال معنى قَوْله: فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش أَي: علم ذَلِك عِنْد الله فَوق الْعَرْش لَا ينْسَخ وَلَا يُبدل، أَو ذكر ذَلِك عِنْد الله فَوق الْعَرْش، وَلَا مَحْذُور من إِضْمَار لفظ الْعلم أَو الذّكر، على أَن الْعَرْش مَخْلُوق وَلَا يَسْتَحِيل أَن يمسهُ كتاب مَخْلُوق، فَإِن الْمَلَائِكَة حَملَة الْعَرْش حاملونه على كواهلهم، وَفِيه المماسة فَلَا مَحْذُور أَن يكون كِتَابه فَوق الْعَرْش. فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص هَذَا بِالذكر على مَا قلت، مَعَ أَن الْقَلَم كتب كل شَيْء؟ قلت: لما فِيهِ من الرَّجَاء الْكَامِل وَإِظْهَار أَن رَحمته وسعت كل شَيْء، بِخِلَاف غَيره. قَوْله: (أَن رَحْمَتي) ، بِفَتْح أَن على أَنَّهَا بدل من: كتب، وبكسرها ابْتِدَاء كَلَام يحمي مَضْمُون الْكتاب. قَوْله: (غلبت) ، فِي رِوَايَة شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد فِي التَّوْحِيد: سبقت، بدل: غلبت، وَالْمرَاد من الْغَضَب مَعْنَاهُ الغائي وَهُوَ لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة الإنتقام مِمَّن يَقع عَلَيْهِ الْغَضَب والسبق وَالْغَلَبَة بِاعْتِبَار التَّعَلُّق أَي: تعلق الرَّحْمَة سَابق غَالب على تَعْلِيق الْغَضَب، لِأَن الرَّحْمَة مُقْتَضى ذَاته المقدسة، وَأما الْغَضَب فَإِنَّهُ مُتَوَقف على سَابِقَة عمل من العَبْد حَادث، وَبِهَذَا ينْدَفع إِشْكَال من أورد وُقُوع الْعَذَاب قبل الرَّحْمَة فِي بعض الْمَوَاضِع كمن يدْخل النَّار من الْمُوَحِّدين ثمَّ يخرج بالشفاعة أَو غَيرهَا، وَقيل: الرَّحْمَة وَالْغَضَب من صِفَات الْفِعْل لَا من صِفَات الذَّات فَلَا مَانع من تقدم بعض الْأَفْعَال على بعض، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي سبق الرَّحْمَة إِشَارَة إِلَى أَن قسط الْخلق مِنْهَا أَكثر من قسطهم من الْغَضَب، وَأَنَّهَا تنالهم من غير اسْتِحْقَاق، وَأَن الْغَضَب لَا ينالهم إلَاّ بِاسْتِحْقَاق، فالرحمة تَشْمَل الشَّخْص جَنِينا ورضيعاً وفطيماً وناشئاً قبل أَن يصدر مِنْهُ شَيْء من الطَّاعَة وَلَا يلْحقهُ الْغَضَب إلَاّ بعد أَن يصدر عَنهُ من الذُّنُوب مَا يسْتَحق مَعَه ذَلِك، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي سَبْعِ أرَضينَ)
هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي وضع سبع أَرضين.
وقَوْلِ الله تعَالى {ألله الَّذِي خلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مَثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ الله علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ الله قَدْ أحاطَ بِكُلَّ شَيْءٍ عِلْمَاً (الطَّلَاق: ٢١) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: فِي سبع أَرضين. قَوْله: (الله) مُبْتَدأ. و: الَّذِي خلق، خَبره. قَوْله: (سبع سموات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ) فِي الْعدَد، قيل: مَا فِي الْقُرْآن آيَة تدل على أَن الْأَرْضين سبع: إلَاّ هَذِه الْآيَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن الْأَرْضين بَعْضهَا فَوق بعض مثل السَّمَوَات لَيْسَ بَينهَا فُرْجَة، وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم: أَن الأَرْض وَاحِدَة، قَالَ: وَهُوَ مَرْدُود بِالْقُرْآنِ وَالسّنة. وروى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الضُّحَى عَن مُسلم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: {الله الَّذِي خلق سبع سموات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ} (الطَّلَاق: ٢١) . قَالَ: سبع أَرضين فِي كل أَرض نَبِي كنبيكم وآدَم كآدمكم ونوح كنوحكم وَإِبْرَاهِيم كإبراهيمكم وَعِيسَى كعيسى، ثمَّ قَالَ: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس صَحِيح، وَهُوَ شَاذ بِمرَّة لَا أعلم لأبي الضُّحَى عَلَيْهِ مُتَابعًا. وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُحَمَّد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَو حدثتكم بتفسير هَذِه الْآيَة لكَفَرْتُمْ، وكفركم تكذيبكم بهَا، وَقد روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، أَن بَين كل سَمَاء وسماء خَمْسمِائَة عَام، وَأَن سمك كل سَمَاء كَذَلِك، وَأَن بَين كل أَرض
وَأَرْض خَمْسمِائَة عَام. وَأخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي ذَر نَحوه. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: بَين كل سَمَاء وسماء إِحْدَى أَو اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سنة. قلت: يجمع بَينهمَا بِأَن اخْتِلَاف الْمسَافَة بَينهمَا بِاعْتِبَار بطء السّير وسرعته، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقيل: إِن المُرَاد بقوله: سبع أَرضين الأقاليم السَّبْعَة، والدعوة شَامِلَة جَمِيعهَا، وَقيل: إِنَّهَا سبع أَرضين مُتَّصِلَة بَعْضهَا بِبَعْض والحائل بَين كل أَرض وَأَرْض بحار لَا يُمكن قطعهَا وَلَا الْوُصُول إِلَى الأَرْض الْأُخْرَى وَلَا تصل الدعْوَة إِلَيْهِم قَوْله: (لِتَعْلَمُوا) اللَاّم تتَعَلَّق بِخلق، وَقيل: بيتنزل، وَالْأول أقرب، وَأَن الله تَعَالَى قد أحَاط بِكُل شَيْء علما لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء، وعلماً مصدر من غير لفظ الْفِعْل أَي: قد علم كل شَيْء علما.
والسَّقْفِ المَرْفُوعِ السَّماءُ
هَذِه حِكَايَة عَمَّا فِي سُورَة الطّور وَهُوَ: {وَالطور وَكتاب مسطور فِي رق منشور وَالْبَيْت الْمَعْمُور والسقف الْمَرْفُوع} (الطّور: ١) . فَقَوله: والسقف الْمَرْفُوع، بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَقَوله: {السَّمَاء} (الطّور: ١) . خَبره وَهُوَ تَفْسِيره، كَذَا فسره مُجَاهِد، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَغَيره من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَيجوز بِالْجَرِّ على طَرِيق الْحِكَايَة عَمَّا فِي سُورَة الطّور سمى السَّمَاء سقفاً لِأَنَّهَا للْأَرْض كالسقف للبيت، وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّد على من قَالَ: إِن السَّمَاء كرية، لِأَن السّقف فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة لَا يكون كرياً، وَفِيه نظر.
سَمْكَهَا بِنَاءَها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {رفع سمكها فسواها} (النازعات: ٨٢) . فِي: والنازعات، وَهنا: سمكها، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: بناؤها، وَيجوز بِالنّصب على الْحِكَايَة. وَقَوله: {رفع سمكها} (النازعات: ٨٢) . أَي: بناءها يَعْنِي: رفع بنيانها، والسمك، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم، وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي طَلْحَة عَنهُ.
الْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وحُسْنُها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّمَاء ذَات الحبك} (الذاريات: ٧) . وَيجوز فِي الحبك الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره: استواؤها، وَيجوز الْجَرّ على الْحِكَايَة، وَالتَّفْسِير الَّذِي فسره رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَطاء بن السَّائِب عَن يزِيد عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ، والحبك بِضَمَّتَيْنِ جمع حبيكة، كطرق جمع طَريقَة، وزنا وَمعنى. وَقيل: وَاحِدهَا حباك كمثال، وَقيل: الحبك الطرائق الَّتِي ترى فِي السَّمَاء من آثَار الْغَيْم، وروى الطَّبَرِيّ عَن الضَّحَّاك نَحوه، وَقيل: هِيَ النُّجُوم أخرجه الطَّبَرِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن الْحسن، وروى الطَّبَرِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو: أَن المُرَاد بالسماء هُنَا السَّمَاء السَّابِعَة.
وأذِنَتْ سَمِعَتْ وأطَاعَتْ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا السَّمَاء انشقت وأذنت لِرَبِّهَا وحقت} (الانشقاق: ١، ٢) . وَرَوَاهُ هَكَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: {وأذنت لِرَبِّهَا} أَي: أطاعت، وَمن طَرِيق الضَّحَّاك: أَي: سَمِعت، قَالَ النَّسَفِيّ: وَحَقِيقَته من أذن الشَّيْء إِذا أصغى إِلَيْهِ أُذُنه للاستماع، وَالسَّمَاع يسْتَعْمل للإسعاف والإجابة، كَذَلِك الْإِذْن أَي: أجابت لِرَبِّهَا إِلَى الانشقاق وَمَا أَرَادَهُ مِنْهَا.
وألْقَتْ أخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ المَوْتَى وتَخَلَّتْ عَنْهُمْ
أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى بعد قَوْله: {وأذنت لِرَبِّهَا وحقت وَإِذا الأَرْض مدت وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت} (الانشقاق: ٢، ٣) . وحقت أَي: حق لَهَا أَن تطيع، وَأَلْقَتْ أَي: طرحت مَا فِيهَا، ومدت من مد الشَّيْء فامتد وَهُوَ: أَن تَزُول جبالها وآكامها، وكل أمة فِيهَا حَتَّى تمتد وتنبسط وَيَسْتَوِي ظهرهَا، وتخلت أَي: خلت غَايَة الْخُلُو حَتَّى لَا يبْقى فِي بَطنهَا شَيْء كَأَنَّهَا تكلفت أقْصَى جهدها فِي الْخُلُو.
طَحَاهَا دَحاها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْأَرْض وَمَا طحاها، وَنَفس وَمَا سواهَا} (الشَّمْس: ٦، ٧) . وَأَرَادَ بقوله: (دحاها) ، تَفْسِير قَوْله: {طحاها} وَهَكَذَا فسره مُجَاهِد، أخرجه عَنهُ عبد بن حميد وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ وَغَيرهمَا: {دحاها} أَي: بسطها، من الدحو وَهُوَ الْبسط، يُقَال: دحا يدحو ويدحي، أَي: بسط ووسع.
بالسَّاهِرَةِ وَجْهُ الأرْضِ كانَ فِيهَا الحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وسَهَرُهُمْ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هم بالساهرة} (النازعات: ٤١) . أَي: وَجه الأَرْض، وَلَعَلَّه سمى بهَا لِأَن نوم الْخَلَائق وسهرهم فِيهَا، هَكَذَا فسره عِكْرِمَة، أخرجه ابْن أبي حَاتِم، وَأخرج أَيْضا من طَرِيق مُصعب بن ثَابت عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هم بالساهرة} (النازعات: ٤١) . قَالَ: أَرض بَيْضَاء عفراء كالخبزة، وَعَن ابْن أبي حَاتِم: المُرَاد بهَا أَرض الْقِيَامَة، وَقَالَ النَّسَفِيّ: قيل: هَذِه الساهرة جبل عِنْد بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: {فَإِذا هم بالساهرة} (النازعات: ٤١) . بالصقع الَّذِي بَين جبل حسبان وجبل أرِيحَا.
٥٩١٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ أخْبَرَنَا ابنُ عَليَّةَ عنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى ابنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الحَارِثِ عنْ أبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ وكانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أرْض فَدَخَلَ علَى عائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فقالَتْ يَا أبَا سلَمَةَ اجْتَنِبِ الأرْضَ فإنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعٍ أرَضِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من سبع أَرضين) . وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَابْن علية اسْمه إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَعليَّة اسْم أمه وَقد مر غير مرّة.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم شَيْئا من الأَرْض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن حُسَيْن عَن يحيى بن أبي كثير إِلَى آخِره.
قَوْله: (قيد شبر) ، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْمِقْدَار. قَوْله: (طوقه) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمعنى التطويق أَن يخسف الله بِهِ الأَرْض فَتَصِير الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة مِنْهَا فِي عُنُقه يَوْم الْقِيَامَة كالطوق، وَقيل: هُوَ أَن يطوق حملهَا يَوْم الْقِيَامَة، أَي: يُكَلف، لَا من طوق التَّقْلِيد، بل من طوق التَّكْلِيف.
٦٩١٣ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرَنا عَبْدُ الله عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أخَذَ شَيْئاً مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَى سَبْعِ أرْضِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَسَالم يروي عَن أَبِيه عبد الله بن الْمُبَارك. والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله بن الْمُبَارك.
٧٩١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنَا أيُّوبُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنِ ابنِ أبِي بَكْرَةَ عَن أبي بكرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَاً مِنْهَا أرْبَعةٌ حُرُمٌ ثَلاث مُتَوَالِياتٌ ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والْمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادي وشَعْبَانَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تتأتى بالتعسف لِأَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهَا التَّصْرِيح بِسبع أَرضين، وَهَذَا الْمَذْكُور لفظ: الأَرْض فَقَط، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ سبع أَرضين أَيْضا. وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَابْن أبي بكرَة عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو بكرَة نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ، وَقد مضى فِي كتاب الْعلم عَن أبي بكرَة، وَفِي الْحَج أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَلَكِن يَأْتِي نَحوه بأتم مِنْهُ فِي آخر
الْمَغَازِي.
قَوْله: (الزَّمَان) اسْم لقَلِيل الْوَقْت وَكَثِيره، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا السّنة، وَذَلِكَ أَن قَوْله: (السّنة إثني عشر شهرا) إِلَى آخِره، جمل مستأنفة مبينَة للجملة الأولى. فَالْمَعْنى أَن الزَّمَان فِي انقسامه إِلَى الأعوام، والأعوام إِلَى الْأَشْهر عَاد إِلَى أصل الْحساب والوضع الَّذِي اخْتَارَهُ الله وَوَضعه يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (اسْتَدَارَ) ، يُقَال: دَار يَدُور، واستدار يستدير بِمَعْنى: إِذا طَاف حول الشَّيْء وَإِذا عَاد إِلَى الْموضع الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَمعنى الحَدِيث: أَن الْعَرَب كَانُوا يؤخرون الْمحرم إِلَى صفر وَهُوَ النسيء الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر} (التَّوْبَة: ٧٣) . وَذَلِكَ لِيُقَاتِلُوا فِيهِ، ويفعلون ذَلِك كل سنة بعد سنة فَينْتَقل الْمحرم من شهر إِلَى شهر حَتَّى جَعَلُوهُ فِي جَمِيع شهور السّنة، فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ السّنة قد عَاد إِلَى زَمَنه الْمَخْصُوص بِهِ، قيل: دارت السّنة كهيئتها الأولى، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا أخر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحَج مَعَ الْإِمْكَان ليُوَافق أصل الْحساب فيحج فِيهِ حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (كَهَيْئَته) ، الْكَاف صفة مصدر مَحْذُوف أَي: اسْتَدَارَ استدارة مثل حَالَته يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (ثَلَاث مُتَوَالِيَات) إِنَّمَا حذف التَّاء من الْعدَد بِاعْتِبَار أَن الشَّهْر وَاحِد الْأَشْهر بِمَعْنى اللَّيَالِي، فَاعْتبر لذَلِك تأنيثه، وَيُقَال: ذَلِك بِاعْتِبَار الْغرَّة أَو اللَّيْلَة، مَعَ أَن الْعدَد الَّذِي لم يذكر مَعَه الْمُمَيز جَازَ فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، ويروى: (ثَلَاثَة) ، على الأَصْل. قَوْله: (ذُو الْقعدَة) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ ذُو الْقعدَة، أَو: أَولهَا ذُو الْقعدَة، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَرَجَب مُضْمر) عطف على قَوْله: (ثَلَاث) ، وَلَيْسَ بعطف على قَوْله: وَالْمحرم، وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى مُضر لِأَنَّهَا كَانَت تحافظ على تَحْرِيمه أَشد من مُحَافظَة سَائِر الْعَرَب، وَلم يكن يستحله أحد من الْعَرَب. قَوْله: (بَين جُمَادَى وَشَعْبَان) ، ذكره تَأْكِيدًا وإزاحة للريب الْحَادِث فِيهِ من النسىء. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: النسيء تَأْخِير حُرْمَة شهر إِلَى شهر آخر، كَانُوا يحلونَ الشَّهْر الْحَرَام ويحرمون مَكَانَهُ شهرا آخر حَتَّى رفضوا تَخْصِيص الْأَشْهر الْحرم، فَكَانُوا يحرمُونَ من شهور الْعَام أَرْبَعَة أشهر مُطلقًا، وَرُبمَا زادوا فِي الْأَشْهر فيجعلونها ثَلَاثَة عشر، أَو أَرْبَعَة عشر، قَالَ: وَالْمعْنَى: رجعت الْأَشْهر إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ وَعَاد الْحَج إِلَى ذِي الْحجَّة وَبَطل النسيء الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقد وَافَقت حجَّة الْوَدَاع ذَا الْحجَّة، فَكَانَت حجَّة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبلهَا فِي ذِي الْقعدَة.
٨٩١٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثناأبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَعِيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ أنَّهُ خَاصَمَتْهُ أرْوَى فِي حَقٍّ زَعَمَ أنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوانَ فقالَ سَعِيدٌ أنَا أنْتَقِصُ مِنْ حقِّهَا شَيْئاً أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ منْ أخَذَ شِبْرَاً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً فإنَّهُ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرْضِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٥٤٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين: واسْمه فِي الأَصْل عبد الله الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير يروي عَن أَبِيه عُرْوَة، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: الْعَدوي أحد الْعشْرَة المبشرة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث من قَوْله: (لسمعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى آخِره، قد مر فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم شَيْئا من الأَرْض.
قَوْله (أروى) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو وبالقصر بنت أبي أويس بِالسِّين الْمُهْملَة قَالَ ابْن الْأَثِير لم أتحقق أَنَّهَا صحابية أَو تابعية قَوْله: (زعمت) ، أَي: أدعت أَنه أَي: أَن سعيد بن زيد انتقصه، أَي: انتقصها من حَقّهَا فِي أَرض. قَوْله: (إِلَى مَرْوَان) ، يتَعَلَّق بقوله: خاصمته، أَي: ترافعا إِلَى مَرْوَان، وَهُوَ كَانَ يَوْمئِذٍ مُتَوَلِّي الْمَدِينَة، وَقد ترك سعيد الْحق لَهَا ودعا عَلَيْهَا، فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى دعاءه وَمَرَّتْ الْقِصَّة فِي الْمَظَالِم.
قَالَ ابنُ الزِّنادِ عنْ هشامٍ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ لِي سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ دَخَلْتُ على النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
ابْن أبي الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله مفتي بَغْدَاد، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان لِقَاء عُرْوَة
سعيداً وتصريح سَمَاعه مِنْهُ الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ بَعضهم: وَقد لَقِي عُرْوَة من هُوَ أقدم من سعيد كوالده الزبير وَعلي وَغَيرهمَا، قلت: لَا يلْزم من ذَلِك ملاقاته سعيداً من هَذَا الْوَجْه.
٣ - (بابٌ فِي النُّجُومِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي النُّجُوم.
وقَالَ قَتَادَةُ {ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} (الْملك: ٥) . خلَقَ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلاثٍ جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ ورُحُومَاً لِلْشَّياطِينَ وعَلاماتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمنْ تأوَّلَ فِيها بِغَيْرِ ذلِكَ أخْطأ وأضاع نَصِيبَهُ وتكَلَّفَ مَا لَا علْمَ لَهُ بِهِ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن يُونُس عَن سُفْيَان عَنهُ وَزَاد فِي آخِره: وَأَن نَاسا جهلة بِأَمْر الله قد أَحْدَثُوا فِي هَذِه النُّجُوم كهَانَة من غرس بِنَجْم كَذَا كَانَ كَذَا، وَمن سَافر بِنَجْم كَذَا كَانَ كَذَا، ولعمري مَا من النُّجُوم نجم إلَاّ ويولد بِهِ الطَّوِيل والقصير والأحمر والأبيض وَالْحسن والدميم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَول قَتَادَة فِي النُّجُوم حسن إلَاّ قَوْله: أَخطَأ وأضاع نصِيبه، فَإِنَّهُ قصر فِي ذَلِك بل قَائِل ذَلِك كَافِر. انْتهى. ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن الْكفْر فِي ذَلِك إلَاّ فِي حق من نسب الاختراع إِلَى النُّجُوم، وَفِي (ذمّ النُّجُوم) للخطيب الْبَغْدَادِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن البحتري بن عبيد الله عَن أَبِيه عَن أبي ذَر عَن عمر مَرْفُوعا: لَا تسألوا عَن النُّجُوم. وَمن حَدِيث عبد الله بن مُوسَى عَن الرّبيع بن حبيب عَن نَوْفَل بن عبد الْملك عَن أَبِيه عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نهاني رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن النّظر فِي النُّجُوم. وَعَن أبي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس نَحوه. وَعَن الْحسن: أَن قَيْصر سَأَلَ قس بن سَاعِدَة الأيادي: هَل نظرت فِي النُّجُوم؟ قَالَ: نعم نظرت فِيمَا يُرَاد بِهِ الْهِدَايَة وَلم أنظر فِيمَا يُرَاد بِهِ الكهانة. وَفِي (كتاب الأنواء) لأبي حنيفَة: الْمُنكر فِي الذَّم من النُّجُوم نِسْبَة الْأَمر إِلَى الْكَوَاكِب وَأَنَّهَا هِيَ المؤثرة، وَأما من نسب التَّأْثِير إِلَى خَالِقهَا وَزعم أَنه نصبها أعلاماً وصيرها آثاراً لما يحدثه فَلَا جنَاح عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ هَشِيماً مُتَغَيِّراً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأصْبح هشيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاح} (الْكَهْف: ٥٤) . وَفسّر ابْن عَبَّاس ورأبة: هشيماً، بقوله: متغيراً، ذكره إِسْمَاعِيل ابْن أبي زِيَاد فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس، وَقد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ذكر آيَة أَو حَدِيثا فِي التَّرْجَمَة وَنَحْوهَا يذكر أَيْضا بالتبعية على سَبِيل الاستطراد مَاله أدنى مُلَابسَة بهَا تكثيراً للفائدة.
والأبُّ مَا يأكُلُ الأنْعَامُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَحَدَائِق غلبا وَفَاكِهَة وأبَّاً} (عبس: ٠٣، ١٣) . وَهَذَا أَيْضا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَنهُ قَالَ الْأَب مَا أَنْبَتَهُ الأَرْض مِمَّا تَأْكُله الدَّوَابّ وَلَا يَأْكُلهُ النَّاس وَمن طَرِيق عَطاء وَالضَّحَّاك الْأَب كل شَيْء ينْبت على وَجه الأَرْض وَزَاد الضَّحَّاك إلَاّ الْفَاكِهَة.
والأنامُ الخَلْقُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْأَرْض وَضعهَا للأنام} فسر الْأَنَام بقوله الْخلق وَهَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَيْضا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَالْمرَاد بالخلق: الْمَخْلُوق، وروى من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة قَالَ: الْأَنَام النَّاس، وَمن طَرِيق الْحسن قَالَ: الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقَالَ الشّعبِيّ: هُوَ كل ذِي روح.
برْزَخٌ حاجِبٌ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بَينهمَا برزخ لَا يبغيان} (الرحمان: ٠٢) . فسره بقوله: حَاجِب يَعْنِي: حَاجِب بَين الْبَحْرين لَا يختلطان، وَهَذَا أَيْضا
تَفْسِير ابْن عَبَّاس، وحاجب: بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي قَول الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني حاجز، بالزاي مَوضِع الْبَاء، من حجز بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حَال بَينهمَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ألْفافاً مُلْتَفَّةً. والغُلْبُ المُلْتَفَّةُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وجنات ألفافاً} (النبإ: ٦١) . أَي: ملتفة، وَصله عَنهُ عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح، وَمعنى ملتفة أَي: ملتفة بَعْضهَا على بعض، وألفاف جمع لف، وَقيل: جمع لفيف، وَحكى الْكسَائي أَنه جمع الْجمع، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل اللُّغَة فِي وَاحِد الألفاف، فَقَالَ بعض نحاة الْبَصْرَة: لف، وَقَالَ بعض نحاة الْكُوفَة: لف ولفيف، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِن كَانَ الألفاف جمعا فواحده جمع أَيْضا، تَقول: جنَّة لف وجنات لف. قَوْله: (والغلب الملتفة) إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَحَدَائِق غلبا} (عبس: ٠٣) . وَفسّر الغلب بقوله: الملتفة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس: الحدائق مَا الْتفت، والغلب مَا غلظ، وروى من طَرِيق عِكْرِمَة عَنهُ: الغلب شجر بِالْجَبَلِ لَا يحمل يستظل بِهِ.
{فِرَاشاً} (الْبَقَرَة: ٢٢) . مِهَاداً كقَوْلِهِ {ولَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌ} (الْبَقَرَة: ٦٣) .
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا} (الْبَقَرَة: ٢٢) . وَفَسرهُ بقوله: مهاداً، وَبِه فسر قَتَادَة وَالربيع بن أنس وَصله الطَّبَرِيّ عَنْهُمَا. قَوْله: (كَقَوْلِه: {وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر} (الْبَقَرَة: ٦٣) . أَي: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر} (الْبَقَرَة: ٦٣) . أَي: مَوضِع قَرَار، وَهُوَ بِمَعْنى المهاد.
نَكِداً قلِيلاً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي خبث لَا يخرج إلَاّ نكداً} (الْأَعْرَاف: ٨٥) . وَفسّر النكد بقوله: قَلِيلا، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ، قَالَ: {لَا يخرج إلَاّ نكداً} (الْأَعْرَاف: ٨٥) . قَالَ: النكد: الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي لَا ينفع. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم أَيْضا من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: هَذَا مثل ضرب للْكَافِرِ، كالبلد السبخة المالحة الَّتِي لَا تخرج مِنْهَا الْبركَة.
٤ - (بابُ صِفَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبَانٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير صفة الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان.
قالَ مُجَاهِدٌ كَحُسْبَانِ الرَّحَى
يَعْنِي الشَّمْس وَالْقَمَر يجريان بحسبان، يَعْنِي: بِحِسَاب مَعْلُوم كجري الرَّحَى، يَعْنِي على حِسَاب الْحَرَكَة الرحوية الدورية وعَلى وَضعهَا، والحسبان قد يكون مصدرا، تَقول: حسبت حسابا وحسباناً، مثل: الغفران والكفران والرجحان وَالنُّقْصَان والبرهان، وَقد يكون جمع الْحساب مثل: الشهبان والركبان والقضبان والرهبان، وَقَول مُجَاهِد وَصله الْفرْيَابِيّ فِي (تَفْسِيره) من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ بِحِسَابٍ ومَنَازِلَ لَا يَعْدُوَانِهَا
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي تَفْسِير الْآيَة الْمَذْكُورَة: إِن مَعْنَاهَا يجريان بحسبان، أَي: بِقدر مَعْلُوم، ويجريان فِي منَازِل لَا يعدوانها أَي: لَا يتجاوزان الْمنَازل، روى ذَلِك الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد صَحِيح، وروى عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق أبي مَالك الْغِفَارِيّ مثله.
حُسْبانٌ جَمَاعَةُ حِسابٍ مِثْلُ شِهابٍ وشُهْبَانٍ
قد ذكرنَا الْآن أَن لفظ حسبان قد يكون جمعا، وَقد يكون مصدرا.
ضُحَاهَا ضَوْؤُها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} (الشَّمْس: ١) . وَفسّر الضُّحَى بالضوء، وَصله عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} (الشَّمْس: ١) . قَالَ: ضوؤها، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: يُرِيد أَن الضُّحَى تقع فِي صدر النَّهَار، وَعِنْده تشتد إضاءة الشَّمْس، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَتَادَة وَالضَّحَّاك، وَقَالَ: ضحاها النَّهَار، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) . . {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} (الشَّمْس: ١) . إِذا أشرقت وَقَامَ سلطانها، وَلذَلِك قيل: وَقت الضُّحَى، وَكَانَ وَجهه شمس الضُّحَى، وَقيل: الضحوة ارْتِفَاع النَّهَار، وَالضُّحَى فَوق ذَلِك.
أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ ولَا يَنْبَغِي لَهُما ذَلِكَ سَابِقُ النَّهَارِ يتَطَالَبَانِ حَثِيثَانِ نَسْلَخُ نُخْرِجُ أحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ ونُجْرِي كلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار} (يَس: ٠٤) . قَالَ الضَّحَّاك: إِي: لَا يَزُول اللَّيْل من قبل مَجِيء النَّهَار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي: لَا يَأْتِي اللَّيْل فِي غير وقته. قَوْله: (وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار) أَي: يتطالبان حثيثان، أَي: سريعان، وَقَالَ تَعَالَى: يَطْلُبهُ حثيثاً أَي: سَرِيعا. قَوْله: (نسلخ مِنْهُ النَّهَار) أَي: نسلخ من اللَّيْل النَّهَار، والسلخ الْإِخْرَاج. وَيُقَال: سلخت الشَّاة من الإهاب، وَالشَّاة مسلوخة، وَالْمعْنَى: أخرجنَا النَّهَار من اللَّيْل إخراجاً لم يبقَ معَهُ شَيْء، فاستعير السلخ لإِزَالَة الضَّوْء وكشفه عَن مَكَان اللَّيْل وملقى ظله. قَوْله: (وتجري) بالنُّون من الإجراء. قَوْله: (كل وَاحِد مِنْهُمَا) ، أَي: من اللَّيْل وَالنَّهَار، وَلما كَانَ السلخ إِخْرَاج النَّهَار من اللَّيْل وَبِالْعَكْسِ أَيْضا كَذَلِك، عمم البُخَارِيّ فَقَالَ بِلَفْظ أَحدهمَا.
واهِيَةٌ وهْيُهَا تَشَقُّقُهَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وانشقت السَّمَاء فَهِيَ يَوْمئِذٍ واهية} (الحاقة: ٦١) . وَفسّر الوهي بالتشقيق، وَهَذَا قَول الْفراء، وروى الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس: واهية متمزقة ضَعِيفَة.
أرْجَائِها مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْها فَهْيَ علَى حافَتَيْهِ كَقَوْلِكَ علَى أرْجَاءِ البِئْرِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالْملك على أرجائها} (الحاقة: ٧١) . وَهُوَ جمع الرَّجَاء مَقْصُورا، وَهُوَ نَاحيَة الْبِئْر، والرجوان حافتا الْبِئْر، وَوَقع فِي رِوَايَة غير الْكشميهني: فَهُوَ على حافتيها، وَكَأَنَّهُ أفرد الضَّمِير بِاعْتِبَار لفظ الْملك، وَجمع بِاعْتِبَار الْجِنْس، وروى عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {وَالْملك على أرجائها} (الحاقة: ٧١) . أَي: على حافات السَّمَاء، وروى الطَّبَرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب مثله، وَعَن سعيد بن جُبَير: على حافاة الدُّنْيَا، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: وَالْملك على حافات السَّمَاء حِين تشقق.
أغْطَشَ وجَنَّ أظْلَمَ
أَشَارَ بقوله: أغطش إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أغطش لَيْلهَا} (النازعات: ٩٢) . وَبِقَوْلِهِ: وجن، إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فلمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل} (الْأَنْعَام: ٦٧) . وفسرهما بقوله: أظلم، فَالْأول: تَفْسِير قَتَادَة أخرجه عبد بن حميد من طَرِيقه، وَالثَّانِي: تَفْسِير أبي عُبَيْدَة.
وَقَالَ الحَسَنُ كُوِّرَتْ تُكَوَّرُ حتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِذا الشَّمْس كورت} (التكوير: ١) . قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: معنى: كورت، تكور حَتَّى يذهب ضوؤها، وَمعنى تكور تلف، تَقول: كورت الْعِمَامَة تكويراً إِذا لففتها، والتكوير أَيْضا الْجمع، تَقول: كورته إِذا جمعته، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: {إِذا الشَّمْس كورت} (التكوير:) . يَقُول: أظلمت، وَمن طَرِيق الرّبيع بن خثيم، قَالَ: كورت، أَي: رمى بهَا، وَمن طَرِيق أبي يحيى عَن مُجَاهِد: كورت، قَالَ: اضمحلت.
واللَّيْلُ وَمَا وسَقَ جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ
وَصله عبد بن حميد من طَرِيق مبارك بن فضَالة عَن الْحسن نَحوه.
اتَّسَقَ اسْتَوَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالْقَمَر إِذا اتسق} (الانشقاق: ٨١) . فسره بقوله: اسْتَوَى، وَصله عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق مَنْصُور عَنهُ، وأصل اتسق أَو تسق قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء أَي: تجمع ضوؤه، وَذَلِكَ فِي اللَّيَالِي الْبيض.
بُرُوجَاً مَنَازِلَ الشَّمْسِ والقَمَرِ
أَشَارَ بِهِ إلَى قولِهِ تعَالَى: {تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجاً} (الْفرْقَان: ١٦) . وَفسّر البروج بالمنازل أَي: منَازِل الشَّمْس وَالْقَمَر. وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُجَاهِد، قَالَ: البروج الْكَوَاكِب، وَمن طَرِيق أبي صَالح قَالَ: هِيَ النُّجُوم الْكِبَار، وَقيل: هِيَ قُصُور فِي السَّمَاء، رَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق يحيى بن رَافع، وَمن طَرِيق قَتَادَة قَالَ: هِيَ قُصُور على أَبْوَاب السَّمَاء فِيهَا الحرس، وَعند أهل الْهَيْئَة: البروج غير الْمنَازل، فالبروج اثْنَا عشر، والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ، فَكل برج عبارَة عَن منزلتين، وَثلث مِنْهَا، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَمَّا قيل: كَيفَ يُفَسر البروج بالمنازل والبروج اثْنَا عشر والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ؟ أَو المُرَاد بالمنازل مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ لَا الَّتِي عَلَيْهِ أهل التنجيم.
الحَرُورُ بالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا الظل وَلَا الحرور} (فاطر: ١٢) . وَفسّر الحرور بِأَنَّهُ يكون بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس، كَذَا رُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْفراء: الحرور الْحر الدَّائِم لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا، والسموم بِالنَّهَارِ خَاصَّة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ورؤبة: الحَرُورُ باللَّيْلِ والسَّمُومُ بالنَّهَارِ
رؤبة بِضَم الرَّاء ابْن العجاج، اسْمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صَخْر بن كنيف بن عميرَة بن حييّ بن ربيعَة بن سعد ابْن مَالك بن سعد التَّمِيمِي السَّعْدِيّ من سعد تَمِيم الْبَصْرِيّ هُوَ وَأَبوهُ راجزان مشهوران عالمان باللغة، وهما من الطَّبَقَة التَّاسِعَة من رجال الْإِسْلَام، وَتَفْسِير رؤبة هَذَا ذكره أَبُو عبيد عَنهُ فِي (الْمجَاز) وَقَالَ السّديّ: المُرَاد بالظل والحرور فِي الْآيَة الْجنَّة وَالنَّار أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَنهُ.
يُقَالُ يُولِجُ يْكَوِّرُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يولج اللَّيْل فِي النَّهَار} (الْحَج: ١٦٢، لُقْمَان: ٩٢، فاطر: ٣١٢، الْحَدِيد: ٦) . وَفَسرهُ بقوله: يكور، وَقَالَ بَعضهم: يكور كَذَا، يَعْنِي بالراء فِي رِوَايَة أبي ذَر وَرَأَيْت فِي رِوَايَة ابْن شبويه: يكون، بنُون وَهُوَ الْأَشْبَه. قلت: الْأَشْبَه بالراء لِأَن معنى يكور يلف النَّهَار فِي اللَّيْل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يولج أَي ينقص من اللَّيْل فيزيد فِي النَّهَار، وَكَذَلِكَ النَّهَار، وروى عبد بن حميد من طَرِيق مُجَاهِد قَالَ: مَا نقص من أَحدهمَا دخل فِي الآخر يتقاصان ذَلِك فِي السَّاعَات.
ولِيجَةً كلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى لفظ: وليجة، الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: {أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة} (التَّوْبَة: ٦١) . وَقد فسر وليجة بقوله: (كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء) . قَوْله: {أَن تتركوا} (التَّوْبَة: ٦١) . أَي: أم حسبتم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ أَن نترككم مهملين وَلَا نختبركم بِأُمُور يظْهر فِيهَا أهل الْعَزْم والصدق من الْكَاذِب؟ وَلِهَذَا قَالَ: {وَلما يعلم الله} (التَّوْبَة: ٦١) . إِلَى قَوْله: {وليجة} (التَّوْبَة: ٦١) . أَي: بطانة ودخيلة، بل هم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن على النصح لله وَلِرَسُولِهِ، فَاكْتفى بِأحد الْقسمَيْنِ عَن الآخر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الوليجة الْخِيَانَة، وَقيل: الخديعة، وَقيل: البطانة من غير الْمُسلمين وَهُوَ أَن يتَّخذ الرجل من الْمُسلمين دخيلاً من الْمُشْركين يفشون إِلَيْهِم أسرارهم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء لَيْسَ مِنْهُ فَإِنَّهُ وليجة.
٩٩١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأِبِيَّ ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ أتَدْرِي
أيْنَ تَذْهَبُ قُلْتُ الله ورسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ فإنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأذِنَ فَيُؤذَنُ لَهَا ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وتَسْتَأذِنَ فَلَا يُؤذَنُ لَهَا يُقالُ لَها ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: {والشَّمُسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ} (ي س: ٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ من جملَة صِفَات الشَّمْس الَّتِي تعرض عَلَيْهَا، وَزعم بَعضهم أَن وَجه الْمُطَابقَة هُوَ سير الشَّمْس فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، وَلَيْسَ ذَلِك بِوَجْه، وَالدَّلِيل على وَجه مَا قُلْنَا أَن فِي بعض النّسخ ذكر هَذَا: بَاب صفة الشَّمْس، ثمَّ ذكر الحَدِيث الْمَذْكُور، والألفاظ الَّتِي ذكرهَا من قَوْله: قَالَ مُجَاهِد: كحسبان الرَّحَى، إِلَى هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بموجودة فِي بعض النّسخ.
وَرِجَال هَذَا الحَدِيث كلهم مضوا عَن قريب، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد من الزِّيَادَة ابْن شريك ابْن طَارق التَّيْمِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ يروي عَن أبي ذَر واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة، وَقد اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَافا كثيرا أشهرها مَا ذَكرْنَاهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن الْحميدِي وَعَن أبي نعيم وَفِي التَّوْحِيد عَن عَيَّاش عَن يحيى بن جَعْفَر. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأبي سعيد الْأَشَج عَن إِسْحَاق وَيحيى بن أَيُّوب وَعَن عبد الحميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُرُوف عَن عُثْمَان والقواريري. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن وَفِي التَّفْسِير عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَتَدْرِي؟) الْغَرَض من هَذَا الِاسْتِفْهَام إِعْلَامه بذلك. قَوْله: (حَتَّى تسْجد تَحت الْعَرْش) ، فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالسُّجُود إِذْ لَا جبهة لَهَا، والانقياد حَاصِل دَائِما؟ قلت: الْغَرَض تشبيهها بالساجد عِنْد الْغُرُوب. فَإِن قلت: يرى أَنَّهَا تغيب فِي الأَرْض، وَقد أخبر الله تَعَالَى أَنَّهَا تغرب فِي عين حمئة، فَأَيْنَ هِيَ من الْعَرْش؟ قلت: الأرضون السَّبع فِي ضرب الْمِثَال كقطب الرَّحَى، وَالْعرش لعظم ذَاته كالرحى، فأينما سجدت الشَّمْس سجدت تَحت الْعَرْش، وَذَلِكَ مستقرها. فَإِن قلت: أَصْحَاب الْهَيْئَة قَالُوا: الشَّمْس مرصعة فِي الْفلك فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن الَّذِي يسير هُوَ الْفلك، وَظَاهر الحَدِيث أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تسير وتجري؟ قلت: أما أَولا فَلَا اعْتِبَار لقَوْل أهل الْهَيْئَة عِنْد مصادمة كَلَام الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَلَام الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هُوَ الْحق لَا مرية فِيهِ، وَكَلَامهم حدس وتخمين، وَلَا مَانع فِي قدرَة الله تَعَالَى أَن تخرج الشَّمْس من مجْراهَا وَتذهب إِلَى تَحت الْعَرْش فتسجد ثمَّ ترجع. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: {وكل فِي فلك يسبحون} (الْأَنْبِيَاء: ٣٣، ي س: ٠٤) . أَي: يدورون. قلت: دوران الشَّمْس فِي فلكها لَا يسْتَلْزم منع سجودها فِي أَي مَوضِع أَرَادَهُ الله تَعَالَى، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالسُّجُود من هُوَ مُوكل بهَا من الْمَلَائِكَة. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال غير ناشىء عَن دَلِيل فَلَا يعْتَبر بِهِ، وَهُوَ أَيْضا مُخَالف لظَاهِر الحَدِيث، وعدول عَن حَقِيقَته، وَقيل: المُرَاد من قَوْله: تَحت الْعَرْش، أَي: تَحت الْقَهْر وَالسُّلْطَان. قلت: لماذا الهروب من ظَاهر الْكَلَام وَحَقِيقَته؟ على أَنا نقُول: السَّمَوَات والأرضون وَغَيرهمَا من جَمِيع الْعَالم تَحت الْعَرْش، فَإِذا سجدت الشَّمْس فِي أَي مَوضِع قدره الله تَعَالَى يَصح أَن يُقَال: سجدت تَحت الْعَرْش، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَقد أنكر قوم سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. قلت: هَؤُلَاءِ قوم من الْمَلَاحِدَة لأَنهم أَنْكَرُوا مَا أخبر بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَثَبت عَنهُ بِوَجْه صَحِيح: وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَن يسْجد لَهُ. قَوْله: (فَتَسْتَأْذِن) ، يدل على أَنَّهَا تعقل، وَكَذَلِكَ قَوْله: (تسْجد) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فيمَ تستأذن؟ قلت: الظَّاهِر أَنه فِي الطُّلُوع من الْمشرق، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. انْتهى. قلت: لَا حَاجَة إِلَى الْقَيْد بقوله: الظَّاهِر، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن استئذانها هَذَا لأجل الطُّلُوع من الْمشرق على عَادَتهَا، فَيُؤذن لَهَا، ثمَّ إِذا قرب يَوْم الْقِيَامَة تستأذن فِي ذَلِك فَلَا يُؤذن لَهَا كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (ويوشك أَن تسْجد) لفظ: يُوشك، من أَفعَال المقاربة، وَهِي على أَنْوَاع: مِنْهَا مَا وضع للدلالة على قرب الْخَبَر، وَهُوَ ثَلَاثَة: كَاد وكرب وأوشك، كَمَا عرف
فِي مَوْضِعه، فعلى هَذَا معنى: ويوشك أَن تسْجد، وَيقرب أَن تسْجد، وَقد علم أَن أَفعَال المقاربة مُلَازمَة لصيغة الْمَاضِي إلَاّ أَرْبَعَة أَلْفَاظ، فَاسْتعْمل لَهَا مضارع مِنْهَا: أوشك. قَوْله: (فَلَا يقبل مِنْهَا) يَعْنِي: لَا يُؤذن لَهَا حَتَّى تسْجد. قَوْله: (وتستأذن فَلَا يُؤذن لَهَا) ، يَعْنِي: تستأذن بالسير إِلَى مطْلعهَا فَلَا يُؤذن لَهَا. فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا} (ي س: ٣٤) . أَشَارَ بقوله، فَذَلِك إِلَى مَا تضمن قَوْله: فَإِنَّهَا تذْهب إِلَى آخِره. قَوْله: (لمستقر لَهَا) يَعْنِي: إِلَى مُسْتَقر لَهَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يبلغ مستقرها حَتَّى ترجع إِلَى منازلها. قَالَ قَتَادَة: إِلَى وَقت وَأجل لَهَا لَا تعدوه، وَقيل: إِلَى انْتِهَاء أمرهَا عِنْد انْقِضَاء الدُّنْيَا، وَقيل: إِلَى أبعد منازلها فِي الْغُرُوب، وَقيل: لحد لَهَا من مسيرها كل يَوْم فِي مرأى عيوننا وَهُوَ الْمغرب، وَقيل: مستقرها أجلهَا الَّذِي أقرّ الله عَلَيْهِ أمرهَا فِي جريها فاستقرت عَلَيْهِ، وَهُوَ آخر السّنة. وَعَن ابْن عَبَّاس: إِنَّه قَرَأَ {لَا مُسْتَقر لَهَا} وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود، أَي: لَا قَرَار لَهَا فَهِيَ جَارِيَة أبدا {ذَلِك} (يس: ٣٤) . الجري على ذَلِك التَّقْدِير والحساب الدَّقِيق الَّذِي يكلُّ الفطن عَن استخراجه وتتحير الأفهام فِي استنباط مَا هُوَ إلَاّ {تَقْدِير الْعَزِيز} (ي س: ٣٤) . الْغَالِب بقدرته على كل مَقْدُور {الْعَلِيم} (ي س: ٣٤) . الْمُحِيط علما بِكُل مَعْلُوم، فَإِن قلت: روى مُسلم عَن أبي ذَر قَالَ: سَأَلت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قَول الله تَعَالَى: {وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا} (ي س: ٣٤) . قَالَ: مستقرها تَحت الْعَرْش. قلت: لَا يُنكر أَن يكون لَهَا اسْتِقْرَار تَحت الْعَرْش من حَيْثُ لَا ندركه وَلَا نشاهده، وَإِنَّمَا أخبر عَن غيب فَلَا نكذبه وَلَا نكيفه إِن علمنَا لَا يُحِيط بِهِ.
٠٠٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ الْمُخْتَارِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله الدَّانَاجُ قَالَ حدَّثني أَبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الشَّمْسُ والقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن تكور الشَّمْس وَالْقَمَر من صفاتهما. وَعبد الله هُوَ ابْن فَيْرُوز الداناج، بِالدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَفِي آخِره جِيم، وَيُقَال: بِدُونِ الْجِيم أَيْضا، وَهُوَ مُعرب، وَمَعْنَاهُ: الْعَالم وَهُوَ بَصرِي.
قَوْله: (مكوران) أَي: مطويان ذَاهِبًا الضَّوْء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي: يلفان ويجمعان، وَفِي رِوَايَة كَعْب الْأَحْبَار: يجاء بالشمس وَالْقَمَر ثورين يكوران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة، أَي: يلفان ويلقيان فِي النَّار، وَالرِّوَايَة: ثورين، بالثاء الْمُثَلَّثَة كَأَنَّهُمَا يمسخان، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد رُوِيَ بالنُّون وَهُوَ تَصْحِيف، وَقَالَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: تَكْذِيب كَعْب فِي قَوْله: هَذِه يَهُودِيَّة يُرِيد إدخالها فِي الْإِسْلَام، الله أكْرم وَأجل من أَن يعذب على طَاعَته، ألم تَرَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وسخر لكم الشَّمْس وَالْقَمَر دائبين} (إِبْرَاهِيم: ٣٣) . يَعْنِي: دوامهما فِي طَاعَته، فَكيف يعذب عَبْدَيْنِ اثنى الله عَلَيْهِمَا؟ انْتهى.
قلت: قد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس أَيْضا مثل مَا رُوِيَ عَن كَعْب. أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فقد قَالَ الْخطابِيّ: وَرُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة لم يذكرهَا أَبُو عبد الله وَهِي مَا حَدثنَا ابْن الْأَعرَابِي حَدثنَا عَبَّاس الدوري حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الْعَزِيز الْمُخْتَار عَن عبد الله الداناج: شهِدت أَبَا سَلمَة، حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران يكوران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة) . قَالَ الْحسن: وَمَا ذنبهما؟ قَالَ أَبُو سَلمَة: أَنا أحَدثك عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنت تَقول مَا ذنبهما؟ فَسكت الْحسن. وَأما مَا رُوِيَ عَن أنس فقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) : عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس مَرْفُوعا: (أَن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران عقيران فِي النَّار) . وَذكره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي بعض نسخ (أَطْرَافه) موهماً أَن ذَلِك فِي الصَّحِيح، وَذكر ابْن وهب فِي (كتاب الْأَمْوَال) : عَن عَطاء بن يسَار أَنه تَلا هَذِه الْآيَة: وَجمع {الشَّمْس وَالْقَمَر} (إِبْرَاهِيم: ٣٣) . قَالَ: يجمعان يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يقذفان فِي النَّار فيكونان فِي نَار الله الْكُبْرَى، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَيْسَ المُرَاد بكونهما فِي النَّار، تعذيبهما بذلك، وَلكنه تبكيت لمن لَكَانَ يعبدهما فِي الدُّنْيَا ليعلموا أَن عِبَادَتهم لَهما كَانَت بَاطِلَة. وَقيل: إنَّهُمَا خلقا من النَّار فأعيدا فِيهَا، وَيرد هَذَا القَوْل مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (تكلم رَبنَا بكلمتين صير إِحْدَاهمَا شمساً وَالْأُخْرَى قمراً وَكِلَاهُمَا من النُّور ويعادان يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْجنَّة) . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا يلْزم من جَعلهمَا فِي النَّار تعذيبهما، فَإِن الله فِي النَّار مَلَائِكَة وَغَيرهَا لتَكون لأهل النَّار عذَابا وَآلَة من آلَات الْعَذَاب.
١٠٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرَني عَمْرٌ وأنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ القاسِمِ قَالَ حدَّثَهُ عنْ أبِيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْكُسُوف الَّذِي يعرض للشمس والخسوف الَّذِي يعرض للقمر من صفاتهما.
وَيحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر وَمَات بهَا سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أصبغ عَن ابْن وهب إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فصلوا) أَي: صَلَاة الْكُسُوف.
٢٠٢٣ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَسارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عِبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رأيْتُمْ ذَلِكَ فاذْكُرُوا الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. والْحَدِيث مضى بأتم وأطول مِنْهُ فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك ... إِلَى آخِره.
٣٠٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ قامَ فَكَبَّرَ وقرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ ركُوعَاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ رأسَهُ فَقَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ وقامَ كَمَا هُوَ فقَرَأ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وهِيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأولى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وهْوَ أدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأولى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودَاً طَوِيلاً ثُمَّ فعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سلَّمَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب هَل يَقُول: كسفت الشَّمْس أَو خسفت؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره نَحوه. قَوْله: (فافزعوا) أَي: التجئوا إِلَى الصَّلَاة وَذكر الله.
٤٠٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قَيْسٌ عنْ أبِي مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الشَّمْسُ والقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُما فَصَلُّوا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي، وَقيس بن أبي حَازِم واسْمه: عَوْف الأحمسي البَجلِيّ، وَأَبُو مَسْعُود اسْمه: عقبَة بن عَمْرو البدري. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا ابْن مَسْعُود، أَي: عبد الله، وَهَذَا وَإِن كَانَ صَحِيحا من جِهَة أَن قيس بن أبي حَازِم بالزاي يروي عَنهُ أَيْضا، لَكِن الرِّوَايَات