«نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَة�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣١٩

الحديث رقم ٣٣١٩ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة…

«نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً.»

سند حديث: ٣٣١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي…

٣٣١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة…

قال النبي صلى الله عليه وسلم: نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فقرصته نملة، فأخذ متاعه الذي كان تحت الشجرة، وأزاله حتى لا يصيبه الحريق، وأمر ببيت النمل أن يُحرق بالنار، فأوحى الله عز وجل لذلك النبي: فهلا أحرقت نملة واحدة وهي التي حصل منها اللدغ؟ إذ لم يقع من بقية النمل ما يقتضي إحراقها.
ولعله كان جائزًا في شريعة ذلك النبي قتل النمل والتعذيب بالنار؛ لأنه إنما أنكر عليه عقابه لغيرها، ولم ينكر عليه أنه أحرقها بالنار، ولا يجوز عندنا قتل النمل إذا لم يؤذي، ولا إحراق الحي بالنار.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • إذا كان الذر أو النمل يحصل منه إيذاء للناس فلهم أن يقتلوه، وإذا لم يكن مؤذيًا فإنهم يتركونه، وهكذا سائر الحيوانات التي يعرف إيذاؤها بطبعها.
  • الاقتصاد في العقوبة، فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة…

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

َ أنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الحَيَّاتِ فَحَدَّثَهُ أبُو لُبَابَةَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَى عنْ قَتْلِ جِنَّانِ البُيُوتِ فأمْسَكَ عَنْهَا. (انْظُر الحَدِيث ٨٩٢٣)

مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فَليُرَاجع.

٦١ - (بابٌ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ خمس من الدَّوَابّ، وَهُوَ جمع دَابَّة من دب على الأَرْض يدب دبيباً، وكل ماشٍ على الأَرْض دَابَّة، ودبيب، وَالدَّابَّة الَّتِي تركب، ودابة الأَرْض أحد أَشْرَاط السَّاعَة. قَوْله: خمس) ، مَرْفُوع بلابتداء، وفواسق صفته، وَقَوله: يقتلن، خَبره على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي الْحرم) ، يعلم مِنْهُ أَن جَوَاز قَتلهَا فِي غير الْحَرَام بِالطَّرِيقِ الأولى.

٤١٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْريِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ الفأرَةُ والعَقْرَبُ والحُدَيَّا والْغُرَابُ والْكَلْبُ العَقُورُ. (انْظُر الحَدِيث ٩٢٨١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (والحديا) ، بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال وَتَشْديد الْيَاء مَقْصُورَة: وَهُوَ تَصْغِير حدأة على وزن عنبة وَقِيَاسه: الحدية، فزيد فِيهِ الْألف للإشباع، وَقد أنكر بَعضهم صِيغَة التصغير، وَلَا وَجه لإنكاره لما ذكرنَا من وَجه ذَلِك، أَو يُقَال: إِنَّه مَوْضُوع على صِيغَة التصغير، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحدأة مِثَال عنبة، وَجَمعهَا: حدا، مثل عِنَب، وَلَا يُقَال: حدأة، وَوَقع فِي حَدِيث ابْن عمر الْآتِي: الحدأة.

٥١٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخْبَرَنا مالِكٌ عَن عَبْدِ الله بنِ دِينار عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسوُلَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وهْوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ الْعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ والغُرَابُ والْحِدْأةُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٨١) .

قد مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ، حَدِيث ابْن عمر أخرجه عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (خمس من الدَّوَابّ لَيْسَ فِي قتلهن على الْمحرم جنَاح) .

٦١٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ كَثِيرٍ عنْ عَطاءٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما رَفَعَهُ قَالَ خَمِّرُوا الآنِيَةَ وأوْكُوا الأسْقِيَةَ وأجِيفُوا الأبْوابَ وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ فإنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَاراً وخَطْفَةً وَاطفِؤُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فإنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فأحْرَقَتْ أهْلَ الْبَيْتِ. .

قد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب صفة إِبْلِيس عَن قريب. قَوْله: (رَفعه) أَي: إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون بالواسطة أَو بِدُونِهَا، وَأَن يكون الرّفْع مُقَارنًا لرِوَايَة الحَدِيث أَولا، فَأَشَارَ إِلَيْهِ. (وَكثير) ضد الْقَلِيل ابْن شنظير، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: أَبُو قُرَّة الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقَالَ ابْن معِين فِيهِ: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ الْحَاكِم: مُرَاده بذلك أَنه لَيْسَ لَهُ من الحَدِيث مَا يشْتَغل بِهِ، وَقد قَالَ فِيهِ بن معِين مرّة: صَالح، وَكَذَا قَالَ أَحْمد، وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَن تكون أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.

قَوْله (خمروا) من التخمير بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ التغطية قَوْله (أوكوا) من الإيكاء أَي شدوها بالوكاء وَهُوَ الْخَيط

قَوْله: (وأجيفوا) ، بِالْجِيم

وَالْفَاء من الإجافة، يُقَال: أجفت الْبَاب، أَي: رَددته. وَقَالَ الْقَزاز: تَقول جفأت الْبَاب أغلقته، وَقَالَ ابْن التِّين: لم أر من ذكره هَكَذَا غَيره، وَفِيه نظر، فَإِن أجيفوا لامه فَاء، وجفأت لامه همزَة. قلت: معنى جفأت، مَهْمُوز اللَّام: فرغت، يُقَال: جفأت الْقدر إِذا فرغته. وَفِي حَدِيث جُبَير: أَنه حرم الْحمر الْأَهْلِيَّة فجفؤا الْقُدُور: أَي فرغوها وقلبوها، وروى: فأجفئوا، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَهِي لُغَة فِيهِ قَليلَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جفأت الْقدر إِذا كفأتها أَو أملتها فَصَبَبْت مَا فِيهَا، وَلَا تقل: أجفأتها، وَأما الَّذِي فِي حَدِيث: فأجفأوا قدورهم بِمَا فِيهَا، فَهِيَ لُغَة مَجْهُولَة. انْتهى، وَالَّذِي فِي الحَدِيث ذكره ابْن الْأَثِير فِي: بَاب أجوف معتل الْعين بِالْوَاو، ثمَّ قَالَ: وَفِي حَدِيث الْحَج أَنه دخل الْبَيْت وأجاف الْبَاب أَي: رده عَلَيْهِ، وَمِنْه الحَدِيث: (أجيفوا أبوابكم) أَي: ردوهَا. قَوْله: (وأكفتوا) بِهَمْزَة الْوَصْل أَي: ضمُّوا صِبْيَانكُمْ عِنْد الْعشَاء وامنعوهم من الْحَرَكَة فِي ذَلِك الْوَقْت، من كفت الشَّيْء أكفته كفتاً من بَاب ضرب يضْرب إِذا ضممته إِلَى نَفسك. قَوْله: (عِنْد الْعشَاء) ، ويروى: (عِنْد الْمسَاء) ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: (إِذا جنح اللَّيْل أَو إِذا أمسيتم فكفوا صِبْيَانكُمْ) . قَوْله: (وخطفة) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وبالفاء: وَهُوَ استلاب الشَّيْء وَأَخذه بِسُرْعَة، يُقَال: خطف الشَّيْء يخطفه من بَاب علم، وَكَذَا اختطفه يختطفه، وَيُقَال فِيهِ: خطف يخطف من بَاب ضرب يضْرب، وَهُوَ قَلِيل. قَوْله: (عِنْد الرقاد) ، أَي: عِنْد النّوم. قَوْله: (فَإِن الفويسقة) أَي: الْفَأْرَة. قَوْله: (اجْتَرَّتْ) ، بِالْجِيم وَتَشْديد الرَّاء، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: رُبمَا جرت، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ مرت فِي: بَاب صفة الشَّيْطَان.

قالَ ابنُ جُرَيْجٍ وحَبِيبٌ عنْ عَطَاءٍ فإنَّ للشَّيْطَانِ

أَي: قَالَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وحبِيب بن أبي قريبَة أَبُو مُحَمَّد الْمعلم الْبَصْرِيّ، أَرَادَ أَنَّهُمَا رويا هَذَا الحَدِيث عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، كَمَا فِي رِوَايَة ابْن شنظير، إلَاّ أَنَّهُمَا قَالَا: فَإِن للشَّيْطَان، بدل قَول كثير بن شنظير: فَإِن للجن، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يُقَال: لَا مَحْذُور فِي القَوْل بانتشار الصِّنْفَيْنِ، وَقيل: هما حَقِيقَة وَاحِدَة يَخْتَلِفَانِ بِالصِّفَاتِ.

أما تَعْلِيق ابْن جريج فقد وَصله البُخَارِيّ فِي أول هَذَا الْبَاب. وَأما تَعْلِيق حبيب فقد وَصله أَحْمد وَأَبُو يعلى من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن حبيب الْمَذْكُور.

٧١٣٣ - حدَّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله قالَ أخْبَرنا يَحُيىَ بنُ آدَمَ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قالَ كُنَّا مَعَ رَسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غارٍ فَنَزَلَتْ وَالمُرْسَلاتِ عُرْفاً فإنَّا لَنَتَلَقَّاهَا من فِيهِ إذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَها فسَبَقَتْنا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وُقِيَتْ شَرَّكُم كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا. .

عَبدة ضد الْحرَّة ابْن عبد الله أَبُو سهل الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، وَيحيى بن آدم بن سُلَيْمَان الْقرشِي المَخْزُومِي الْكُوفِي صَاحب الثَّوْريّ، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ عَم الْأسود بن يزِيد وَعم أم إِبْرَاهِيم، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن يحيى بن آدم بِهِ، وَقد مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم. .

قَوْله: (وقيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من: وقى يقي وقاية. إِذا حفظ. فَإِن قلت: كَانَ قَتلهمْ لَهَا خيرا لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ. قلت: هُوَ شَرّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، والخيور والشرور من الْأُمُور الإضافية.

وعَنْ إسْرَائِيلَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله مِثْلَهُ قالَ وإنَّا لنَتَلَقَّاهَا مَنْ فِيهِ رَطْبَةً

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن إِسْرَائِيل الْمَذْكُور، كَمَا روى الحَدِيث عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، فَكَذَلِك رَوَاهُ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن

إِبْرَاهِيم، وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ أَنه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم. قَوْله: (من فِيهِ) أَي: من فَمه. قَوْله: (رطبَة) ، أَي: غضة طرية فِي أول مَا تَلَاهَا، ووصفت التِّلَاوَة بالرطوبة لسهواتها، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الرُّطُوبَة رُطُوبَة، فَمه، يَعْنِي: أَنهم أخذوها عَنهُ قبل أَن يجِف رِيقه من تلاوتها، كَذَا قَالَه الشُّرَّاح. قلت: هَذَا كِنَايَة عَن سرعَة أَخذهم على الْفَوْر حِين سَمِعُوهُ، وَهُوَ يقْرَأ من غير تَأْخِير وَلَا توانٍ.

وتابَعَهُ أبُو عَوَانَةَ عنْ مُغِيرَةَ

أَي: تَابع إِسْرَائِيل أَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي فِي رِوَايَته عَن الْمُغيرَة بن مقسم عَن إِبْرَاهِيم، ومتابعة أبي عوَانَة تَأتي فِي تَفْسِير المرسلات.

وَقالَ حَفْصٌ وأبُو مُعَاوِيَةَ وسُلَيْمَانُ بنُ قَرْمٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَبْدِ الله

حَفْص هُوَ ابْن غياث، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد الضَّرِير، وَسليمَان بن قرم، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره مِيم: الضَّبِّيّ، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، أَرَادَ أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة خالفوا إِسْرَائِيل فَجعلُوا الْأسود بن يزِيد بدل عَلْقَمَة بن قيس. أما رِوَايَة حَفْص فوصلها البُخَارِيّ فِي الْحَج، وَأما رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة فوصلها مُسلم من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عبد الله، قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَار) وَأما رِوَايَة سُلَيْمَان بن قرم فعلى الْفتُوح.

٨١٣٣ - حدَّثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ قالَ أخْبرَنا عَبْدُ الأعْلى قالَ حدَّثَنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ دَخَلَتِ امْرَأةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فلَمْ تُطْعِمْها ولَمْ تَدَعْهَا تأكُلُ مِنْ خَشاشِ الأرْضِ. .

نصر بن عَليّ بن نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، طلبه المستعين للْقَضَاء، ثمَّ جاؤا بعهدة الْقَضَاء فَقَالَ: أخروها إِلَى الْعشي، فَلَمَّا خرج إِلَى صَلَاة الظّهْر عاودوه، وَقَالَ: سألتكم إِلَى الْعشي وَعَسَى أَن يَكْفِي الله. قَالُوا: ثمَّ دخل إِلَى منزله فصلى رَكْعَتَيْنِ وَسجد، وَسَأَلَ الله أَن يقبضهُ إِلَيْهِ فَمَاتَ وَهُوَ ساجد، رَحمَه الله تَعَالَى، سنة خمس وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب فضل سقِِي المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره.

قَوْله: (امْرَأَة) لم يدر اسْمهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة: أَنَّهَا حميرية سَوْدَاء طَوِيلَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل تعذب فِي النَّار، وَفِي أُخْرَى لم يقل: من بني إِسْرَائِيل، وَلَا تنَافِي بَينهمَا، لِأَن طَائِفَة من حمير كَانُوا من بني إِسْرَائِيل. وَفِي (التَّوْضِيح) : يجوز أَن تكون هَذِه الْمَرْأَة كَافِرَة، لَكِن ظَاهر الحَدِيث إسْلَامهَا، وعذبت على إصرارها على ذَلِك وَلَيْسَ فِي الحَدِيث تخليدها، وروى الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) : أَنَّهَا كَانَت كَافِرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث والنشور عَن عَائِشَة، فَيكون من جملَة اسْتِحْقَاقهَا النَّار حبس الْهِرَّة، وَعَن القَاضِي: فِيهِ احْتِمَال. قَوْله: (فِي هرة) ، كلمة: فِي، للتَّعْلِيل، أَي: لأجل هرة، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة من جراء هرة، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الرَّاء بِالْقصرِ وَالْمدّ. أَي: من أجل هرة، والهرة أُنْثَى، والهر والسنور الذّكر، وَيجمع على: هررة كقرد وقردة، والهرة على هرر كقربة وَقرب. قَوْله: (من خشَاش الأَرْض) بِفَتْح الْخَاء وَكسرهَا وَضمّهَا وبالشين المعجمتين وَفِي الحشرات.

وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْهِرَّة ورباطها إِذا لم يهمل إطعامها وسقيها، وَيلْحق بهَا غَيرهَا مِمَّا فِي مَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا يجب إطعامها على من حَبسهَا، قَالَه الْقُرْطُبِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه: وجوب نَفَقَة الْحَيَوَان على مَالِكه، قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهَا ملكتها. قلت: فِي قَوْله: هرة لَهَا، يدل على مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَيدل أَيْضا على أَن الْهِرَّة تملك، خلافًا لهَذَا الْقَائِل، فَإِنَّهُ قَالَ: الْهِرَّة لَا تملك، لِأَن اللَّام فِي: هرة لَهَا، تدل على التَّمْلِيك، وَيرد على هَذَا الْقَائِل.

وقالَ وحدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِثْلَهُ

أَي: قَالَ عبد الْأَعْلَى: حَدثنَا عبيد الله بن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل الحَدِيث الْمَذْكُور،

وَأخرجه مُسلم هَكَذَا، وَقَالَ: حَدثنِي نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمثل مَعْنَاهُ.

٧١ - (بابٌ إذَا وقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فإنَّ فِي إحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الأخْرَى شِفَاءً)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وَقع الذُّبَاب ... إِلَى آخِره، وَترْجم هَذَا الْبَاب بِنَصّ الحَدِيث الَّذِي سَاقه فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا وَقع هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن بعض شُيُوخه، وَحذف عِنْد البَاقِينَ، وحذفه أولى، لِأَن الْأَحَادِيث الَّتِي تَأتي بعد هَذَا الحَدِيث لَا تعلق لَهَا بذلك وَلَا مُطَابقَة بَينهَا وَبَين هَذِه التَّرْجَمَة، كَمَا ترَاهُ.

٠٢٣٣ - حدَّثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَد حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ حدَّثني عُتْبَةُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ أخْبَرَني عُبَيْدُ بنُ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا وقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فإنَّ فِي إحْدَى جَناحَيْهِ دَاءً والأُخْرَى شِفَاءً. (الحَدِيث ٠٢٣٣ طرفه فِي: ٢٨٧٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِنَّهُ لَا فرق بَينهمَا، غير أَنه لم يذكر فِي التَّرْجَمَة لفظ (ثمَّ لينزعه) .

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم واللَاّم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره دَال: أَبُو الْهَيْثَم البَجلِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُسلم مولى بني تَمِيم الْمَدِينِيّ. الرَّابِع: عبيد بن حنين، كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ، و: حنين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون الأولى: أَبُو عبد الله مولى زيد بن الْخطاب الْقرشِي الْعَدوي. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطِّبّ، قَالَ: حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا مُسلم بن خَالِد عَن عتبَة بن مُسلم عَن عبيد بن حنين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم فليغمسه فِيهِ ثمَّ ليطرحه، فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء) . وَأخرجه عَن أبي سعيد أَيْضا، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد بن خَالِد عَن أبي سَلمَة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أحد جناحي الذُّبَاب سم وَالْآخر شِفَاء، فَإِذا وَقع فِي الطَّعَام فامقلوه فِيهِ فَإِنَّهُ يقدم السم وَيُؤَخر الشِّفَاء) . وَأخرجه النَّسَائِيّ مُخْتَصرا، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن سُلَيْمَان نَحوه، وَمن حَدِيث أنس بِإِسْنَاد ضَعِيف، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فليغمسه، فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَالْآخر شِفَاء، وَإنَّهُ يتقى بجناحه الَّذِي فِيهِ الدَّاء فيغمسه كُله) . ويروى: فليغمسه كُله.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وَقع الذُّبَاب) الذُّبَاب جمع ذُبَابَة، قَالَه ابْن التِّين وَفِي (الْمُنْتَهى) : الذب بِالضَّمِّ الذُّبَاب، وَجمع الذُّبَاب: ذبان، وَلَا تقل: ذبانة، وَالْجمع الْقَلِيل: أذبة، كغراب وأغربة وغربان، وَقَالَ أَبُو هِلَال العسكري: الذُّبَاب وَاحِد وَالْجمع ذبان، والعامة تَقول: ذبانة للْوَاحِد والذبان للْجمع، وَهُوَ خطأ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: تَقول: هَذَا ذُبَاب للْوَاحِد وذبابان فِي التَّثْنِيَة، وَلَا يُقَال ذُبَابَة وَلَا ذبانة، وَقَالَ ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) : لَا يُقَال: ذُبَابَة، إِلَّا أَن أَبَا عُبَيْدَة رَوَاهُ عَن الْأَحْمَر، وَالصَّوَاب ذُبَاب، وَفِي التَّنْزِيل: {وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا} (الْحَج: ٣٧) . فسروه بِالْوَاحِدِ، وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَن الْعَرَب: ذب، فِي جمع ذُبَاب، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الذُّبَاب مَعْرُوف، الْوَاحِدَة ذُبَابَة، وَلَا تقل: ذبانة، وَجمع الْقلَّة: أذبة، وَالْكَثْرَة: ذبان. وَقَالَ أَبُو عبيد: أَرض مذبة، ذَات ذُبَاب. وَقَالَ الْفراء: أراض مذبوبة، كَمَا يُقَال: موحوشة من الْوَحْش، والمذبة مَا يذب بِهِ الذُّبَاب، وَقَالَ الجاحظ: عمر الذُّبَاب أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَهُوَ فِي النَّار، وَلَيْسَ تعذيباً لَهُ، وَإِنَّمَا يعذب بِهِ أهل النَّار لوُقُوعه عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ لَا شَيْء أضرّ على المكلوم من وُقُوعه على كَلمه. قَوْله: (فِي شراب أحدكُم) ، الشَّرَاب هُنَا يدْخل فِيهِ كل الْمَائِعَات، قَالَ تَعَالَى: {يخرج من بطونها شراب} (النَّحْل: ٩٦) . قلت: قد ذكرنَا آنِفا أَن فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم، والإناء يكون فِيهِ كل شَيْء من المأكولات والمشروبات. قَوْله: (فليغمسه) ، من غمسه فِي المَاء إِذا غطه فِيهِ وَأدْخلهُ، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: فامقلوه فِيهِ، من الْمقل بِالْقَافِ وَهُوَ الغمس. قَالَ أَبُو عبيد: أَي اغمسوه فِي الطَّعَام أَو الشَّرَاب ليخرج الشِّفَاء كَمَا أخرج الدَّاء، وَذَلِكَ بإلهام الله تَعَالَى، وَفِي (الْمغرب) : فِي الحَدِيث: إِذا وَقع الذُّبَاب فِي طَعَام أحدكُم فامقلوه، فَإِن فِي أحد جناحيه سما وَفِي الآخر شِفَاء، هَكَذَا فِي الْأُصُول، وَأما: فامقلوه، ثمَّ انقلوه فمصنوع. قلت: فِي

غَالب كتب أَصْحَابنَا وَقع مثل مَا قَالَ، وَالصَّحِيح: فامقلوه فِيهِ، فَإِنَّهُ يقدم السم وَيُؤَخر الشِّفَاء، كَمَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَغَيره، وَلَيْسَ فِيهِ: ثمَّ انقلوه، نعم، فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: لم لينزعه، وَهُوَ يُؤَدِّي معنى: فانقلوه. قَوْله: (فَإِن فِي إِحْدَى جناحيه) ، الجناج حَقِيقَة للطائر، وَإِذا اسْتعْمل فِي غَيره يكون بطرِيق الِاسْتِعَارَة، قَالَ الله تَعَالَى: {واخفض لَهما جنَاح الذل} (الْإِسْرَاء: ٤٢) . وَفِي غَالب النّسخ: فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَالْآخر شِفَاء، بتذكير: أحد، وَوجه تأنيثها بِاعْتِبَار أَن جنَاح الطَّائِر يَده، والتأنيث بِاعْتِبَار الْيَد. قَوْله: (وَالْأُخْرَى شِفَاء) ، الثَّابِت فِي كثير من النّسخ، وَفِي الْأُخْرَى، بِإِعَادَة حرف الْجَرّ، وَتركهَا يدل على جَوَاز الْعَطف على عاملين، وَهُوَ رَأْي الْأَخْفَش والكوفيين، فَحِينَئِذٍ تكون: الْأُخْرَى، مجروراً عطفا على: فِي إِحْدَى، وَيكون نصب: شِفَاء، مثل نصب: دَاء، وَالْعَامِل فِي: إِحْدَى، حرف الْجَرّ الَّذِي هُوَ لفظ: فِي، وَالْعَامِل فِي: دَاء، كلمة: إِن، فقد شركت الْوَاو فِي الْعَطف على العاملين اللَّذين هما: فِي وان، وسيبويه لَا يجوّز ذَلِك، يُؤَيّدهُ رِوَايَة إِثْبَات حرف الْجَرّ فِي قَوْله: وَفِي الْأُخْرَى، وَقيل: يرْوى شِفَاء، بِالرَّفْع، فعلى هَذَا يخرج الْكَلَام عَن الْعَطف على عاملين، وَلكنه على هَذَا يحْتَاج إِلَى حذف مُضَاف تَقْدِيره: ذُو شِفَاء، لِأَن لفظ الآخر أَو الْأُخْرَى يكون مُبْتَدأ، وشفاء خَبره، وَلعدم صِحَة الْحمل يقدر الْمُضَاف، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد المالقي فِي (جَامعه) : ذُبَاب النَّاس يتَوَلَّد من الزبل، فَإِن أَخذ الذُّبَاب الْكَبِير وَقطعت رؤوسها وَيحك بجسدها الشعرة الَّتِي فِي الأجفان حكاً شَدِيدا فَإِنَّهُ يُبرئهُ، وَإِن سحق الذُّبَاب بصفرة الْبيض سحقاً نَاعِمًا وضمدت بهَا الْعين الَّتِي فِيهَا اللَّحْم الْأَحْمَر من دَاخل فَإِنَّهُ يسكن فِي سَاعَته، وَإِن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن وَجَعه. انْتهى. قَالَ الْخطابِيّ مَا ملخصه: قَالَ بعض الجهلة المعاندين: كَيفَ يجْتَمع الدَّاء والشفاء فِي جناحي الذُّبَاب؟ وَكَيف تعلم الذُّبَاب ذَلِك من نَفسهَا حَتَّى تقدم الدَّاء وتؤخر الدَّوَاء؟ وَمَا أَدَّاهَا إِلَى ذَلِك؟ ورد عَلَيْهِم: بِأَن عَامَّة الْحَيَوَان جمعت فِيهَا بَين الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة فِي أَشْيَاء متضادة إِذا تلاقت تفاسدت لَوْلَا تأليف الله لَهَا، وَالَّذِي ألهم النحلة وَشبههَا من الْحَيَوَان إِلَى بِنَاء الْبيُوت وادخار الْقُوت هُوَ الملهم للذباب مَا ترَاهُ فِي الْكتاب.

١٢٣٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا إسْحَاقُ الأزْرَقُ حَدَّثنَا عَوْفٌ عنِ الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ غُفِرَ لإمْرَأةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ فنَزَعَتْ خُفَّهَا فأوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فنَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ. (الحَدِيث ١٢٣٣ طرفه فِي: ٧٦٤٣) .

لَا تتأتى الْمُطَابقَة هُنَا إلَاّ بَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْمُتَقَدّمَة، وَلَيْسَ لَهُ مُطَابقَة بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أصلا، وَقد ذكرنَا: أَن هَذِه التَّرْجَمَة سَاقِطَة عِنْد غير أبي ذَر وَالْحسن بن الصَّباح، بتَشْديد الْبَاء الْبَزَّار أَبُو عَليّ الوَاسِطِيّ، وَإِسْحَاق بن يُوسُف الْأَزْرَق الوَاسِطِيّ، وعَوْف الْمَشْهُور بالأعرابي، وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِيمَان عَن أَحْمد بن عبد الله المنجوفي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام. وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث سلف فِي الشّرْب من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رجلا فعل ذَلِك، وَكَذَا ذكره فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان، فلعلهما قضيتان. قلت: هَذَا الحَدِيث فِي الْمَرْأَة المومسة، وَالْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَان فِي الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين فِي الرجل، روى كليهمَا أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وكل مِنْهُمَا حَدِيث مُسْتَقل بِذَاتِهِ، فَلَا وَجه لقَوْله: هَذَا الحَدِيث سلف، وَلَا لقَوْله: لعلهما قضيتان، بل هما قضيتان قطعا، فَإِن نَظرنَا إِلَى الظَّاهِر فَهِيَ ثَلَاث قضايا.

قَوْله: (مومسة) ، أَي: زَانِيَة وَيجمع على: مومسات وميامس وموامس، وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: مياميس، وَلَا يَصح إلَاّ على إشباع الكسرة لتصير: يَاء، وَقد اخْتلف فِي أصل هَذِه اللَّفْظَة، فبعضهم يَجعله من الْهمزَة، وَبَعْضهمْ يَجعله من الْوَاو، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: كل مِنْهُمَا تكلّف لَهُ اشتقاقاً فِيهِ بُعْد، فذكرناها فِي حرف الْمِيم لظَاهِر لَفظهَا، ولاختلافهم فِي أَصْلهَا. قلت: قَالَ فِي بَاب الْمِيم: مومس، ثمَّ ذكر مَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ ابْن قرقول: المياميس والمومسات: المجاهرات بِالْفُجُورِ، والواحدة مومسة، وَذكره أَصْحَاب الْعَرَبيَّة فِي

الْوَاو وَالْمِيم وَالسِّين، وَرَوَاهُ ابْن الْوَلِيد عَن ابْن السماك: المآميس، بِالْهَمْزَةِ فَإِن صَحَّ بِالْهَمْز فَهُوَ من مأس الرجل إِذا لم يلْتَفت إِلَى موعظة، ومأس بَين الْقَوْم أفسد. انْتهى. قلت: إِذا كَانَ لفظ: مومسة، من مأس، يَأْتِي إسم الْفَاعِل الْمُؤَنَّث: مائسة، وَلَا يَأْتِي من هَذَا الْبَاب: مومسة، وَالَّذِي يظْهر لي أَنه من: مومس، مثل: وسوس، وَالْفَاعِل مِنْهُ للمذكر مومس، وللمؤنث مومسة. قَوْله: (ركي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء: هُوَ الْبِئْر، وَيجمع على: ركايا. قَوْله: (بذلك) ، أَي: بِسَبَب مَا فعلت من السَّقْي.

وَفِيه: دَلِيل على قبُول عمل المرتكب للكبائر من الْمُسلمين، وَأَن الله تَعَالَى يتَجَاوَز عَن الْكَبِيرَة بِالْعَمَلِ الْيَسِير من الْخَيْر تفضلاً مِنْهُ.

٢٢٣٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كمَا أنَّكَ هَهُنَا قالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أبِي طَلْحَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. .

عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن عبد الله، وَأَبُو طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب إِذا قَالَ أحدكُم: آمين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن ابْن مقَاتل عَن عبد الله عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (كَمَا أَنَّك هَهُنَا) ، يَعْنِي: كَمَا لَا شكّ فِي كونك فِي هَذَا الْمَكَان، كَذَلِك لَا شكّ فِي حفظي لَهُ.

٣٢٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ.

الحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك، وَأخذ مَالك وَأَصْحَابه وَكثير من الْعلمَاء جَوَاز قتل الْكلاب إلَاّ مَا اسْتثْنِي مِنْهَا، وَلم يرَوا الْأَمر بقتل مَا عدا الْمُسْتَثْنى مَنْسُوخا، بل محكماً. وَقَالَ الْإِجْمَاع على قتل الْعَقُور مِنْهَا، وَاخْتلفُوا فِي قتل مَا لَا ضَرَر فِيهِ، فَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَمر الشَّارِع أَولا بقتلها كلهَا، ثمَّ نسخ ذَلِك وَنهى عَن قَتلهَا إلَاّ الْأسود البهيم، ثمَّ اسْتَقر الشَّرْع على النَّهْي عَن قتل جَمِيعهَا إلَاّ الْأسود، لحَدِيث عبد الله بن مُغفل الْمُزنِيّ: لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها، رَوَاهُ أَصْحَاب (السّنَن) الْأَرْبَعَة. وَمعنى: البهيم، شَيْطَان بعيد عَن الْمَنَافِع قريب من الْمضرَّة، وَهَذِه أُمُور لَا تدْرك بِنَظَر، وَلَا يُوصل إِلَيْهَا بِقِيَاس، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى مَا جَاءَ عَن الشَّارِع، وَقد روى ابْن عبد الْبر عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْكلاب من الْجِنّ، وَهِي ضعفة الْجِنّ، وَفِي لفظ: السود مِنْهَا جن، والبقع مِنْهَا جن، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هم سفلَة الْجِنّ وضعفاؤهم، وَقَالَ ابْن عديس: يُقَال: كلب جني، وَرُوِيَ عَن الْحسن وَإِبْرَاهِيم أَنَّهُمَا يكرهان صيد الْكَلْب الْأسود البهيم، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَقَالُوا: لَا يحل الصَّيْد إِذا قَتله، وَعند أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: يحل. وَقَالَ أَبُو عمر: الَّذِي تختاره أَن لَا يقتل مِنْهَا شَيْء إِذا لم يضر، لنَهْيه أَن يتَّخذ فِيهِ روح غَرضا، وَلِحَدِيث: الَّذِي سقى الْكَلْب، وَلقَوْله: فِي كل كبد حر أجر، وَترك قَتلهَا فِي كل الْأَمْصَار، وفيهَا الْعلمَاء وَمن لَا يسامح فِي شَيْء من الْمُنكر والمعاصي الظَّاهِرَة، وَمَا علمت فَقِيها من فُقَهَاء الْمُسلمين جعل اتِّخَاذ الْكلاب جرحة، وَلَا رد قاضٍ شَهَادَة متخذها، وَمذهب الشَّافِعِي تَحْرِيم اقتناء الْكَلْب لغير حَاجَة.

وَقَالَ أَبُو عمر: فِي الْأَمر بقتل الْكلاب دلَالَة على عدم أكلهَا، ألَا ترى إِلَى الَّذِي جَاءَ عَن عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي ذبح الْحمام وَقتل الْكلاب؟ وَفِيه: دلَالَة على افْتِرَاق حكم مَا يُؤْكَل وَمَا لَا يُؤْكَل، لِأَنَّهُ مَا جَازَ ذبحه وَأكله لم يجز الْأَمر بقتْله، وَمن ذهب إِلَى الْأسود مِنْهَا بِأَنَّهُ شَيْطَان فَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَن الله تَعَالَى قد سمى من غلب عَلَيْهِ الشَّرّ من الْإِنْس شَيْطَانا، وَلم يجب بذلك قَتله، وَقد جَاءَ مَرْفُوعا: فِي الْحمام شَيْطَان يتبع شَيْطَانه، وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يدل على أَنَّهُمَا مسخا من الْجِنّ، وَلَا أَن الْحَمَامَة مسخت من الْجِنّ، وَلَا أَن ذَلِك وَاجِب قَتله، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي حَدِيث سقِِي الْكَلْب: يحْتَمل أَن يكون قبل النَّهْي عَن قَتلهَا وَيحْتَمل بعْدهَا، فَإِن كَانَ الأول فَلَيْسَ بناسخ لَهُ، لِأَنَّهُ لما أَمر بقتل الْكلاب لم يَأْمر إلَاّ بقتل كلاب الْمَدِينَة لَا بقتل كلاب الْبَوَادِي،

وَهُوَ الَّذِي نسخ، وكلاب الْبَوَادِي لم يرد فِيهَا قتل وَلَا نسخ، وَظَاهر الحَدِيث يدل عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَو وَجب قَتله لما وَجب سقيه، وَلَا يجمع عَلَيْهِ حر الْعَطش وَالْمَوْت، كَمَا لَا يفعل بالكافر العَاصِي، فَكيف بالكلب الَّذِي لم يعْص؟ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما أَمر بقتل يهود شكوا الْعَطش، فَقَالَ: لَا تجمعُوا عَلَيْهِم حر السَّيْف والعطش، فسُقُوا ثمَّ قُتِلوا.

٤٢٣٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ يَحْيَى قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ قالَ قالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أمْسَكَ كَلْبَاً يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إلَاّ كَلْبَ حَرْثٍ أوْ كَلْبَ ماشِيَةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٣٢) .

يحيى هُوَ ابْن أبي كثير، والْحَدِيث مر فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب اقتناء الْكَلْب للحرث، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَقد ذكرنَا أَن القيراط لَهُ أصل لمقدار مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى، وَالْمرَاد نقص جُزْء من أَجزَاء عمله. وَأما التَّوْفِيق بَين قِيرَاط فِي هَذَا الحَدِيث، وَبَين قيراطين فِي رِوَايَة أُخْرَى فباعتبار التَّغْلِيظ فِي القيراطين لما لم ينْتَه النَّاس، أَو بِاعْتِبَار كَثْرَة الْأَذَى من الْكَلْب وقلته، أَو باخْتلَاف الْمَوَاضِع فالقيراطان فِي الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة لزِيَادَة فَضلهَا، والقيراط فِي غَيرهَا، أَو القيراطان فِي الْمَدِينَة والقيراط فِي الْبَوَادِي، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِمَا ينقص مِنْهُ، فَقيل: ينقص مِمَّا مضى من عمله، وَقيل: من مستقبله. وَاخْتلفُوا فِي مَحل نقصانها، فَقيل: قِيرَاط من عمل النَّهَار، وقيراط من عمل اللَّيْل، وَقيل: قِيرَاط من عمل الْفَرْض وقيراط من النَّفْل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أقرب مَا قيل فِي ذَلِك قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن جَمِيع مَا عمله من عمل ينقص لمن اتخذ مَا نهى عَنهُ من الْكلاب، بِإِزَاءِ كل يَوْم يمسِكهُ جزآن من أَجزَاء ذَلِك الْعَمَل، وَقيل: من عمل ذَلِك الْيَوْم الَّذِي يمسِكهُ فِيهِ. الثَّانِي: يحط من عمله عملان، أَو من عمل يَوْم إِمْسَاكه، عُقُوبَة لَهُ على مَا اقتحم من النَّهْي. قَوْله: (إلَاّ كلب حرث) وَهُوَ الزَّرْع، والماشية اسْم يَقع على جَمِيع الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْغنم.

٥٢٣٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ أخبَرَنِي يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ قالَ أخْبَرَنِي السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ سَمِعَ سُفْيَانَ بنَ أبِي زُهَيْرٍ الشَّنْئيَّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ مَنِ اقْتَنَى كلْباً لَا يُغْنى عنْهُ زَرْعاً وَلا ضَرْعاً نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قيرَاطٌ فَقَالَ السَّائِبُ أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إيْ ورَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٣٢) .

الحَدِيث مر فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب اقتناء الْكَلْب للزِّرَاعَة. وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن خصيفَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء، وَقد مر فِيمَا مضى، والسائب من السيب ابْن يزِيد من الزِّيَادَة مر فِي الْوضُوء (والشنئي) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبالنون والهمزة: نِسْبَة إِلَى شنُوءَة.

قَوْله: (أَي:) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء حرف: جَوَاب بِمَعْنى: نعم، فَيكون لتصديق الْخَبَر والإعلام المستخبر ولوعد الطَّالِب، وَزعم ابْن الْحَاجِب أَنَّهَا إِنَّمَا تقع بعد الِاسْتِفْهَام، وَاتفقَ الْجَمِيع على أَنَّهَا لَا تقع إلَاّ قبل الْقسم، كَمَا وَقع هُنَا قبل قَوْله: (وَرب هَذِه الْقبْلَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَا تعلق لبَعض هَذِه الْأَحَادِيث بترجمة الْبَاب؟ قلت: هَذَا آخر كتاب البدء، فَذكر فِيهِ مَا ثَبت عِنْده مِمَّا يتَعَلَّق بالمخلوقات، وَذكر صَاحب (التَّوْضِيح) أَن ذكر أَحَادِيث الْكَلْب هُنَا لما أُتِي عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره: أَنَّهَا من الْجِنّ، والترجمة قريبَة من الْجِنّ. انْتهى. قلت: أما مَا ذكره الْكرْمَانِي فبعيد جدا، لِأَنَّهُ لَا تعلق لَهَا أصلا بالترجمة، وَكَونهَا مِمَّا يتَعَلَّق بالمخلوقات لَا يَقْتَضِي الْمُنَاسبَة لذكرها فِي هَذِه التَّرْجَمَة، وَهَذَا بعيد جدا، وَأما مَا ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) فأبعد مِنْهُ جدا، لِأَن كَونهَا من الْجِنّ يَقْتَضِي ذكرهَا فِي: بَاب الْجِنّ، وَكَيف يكون قرب هَذِه من: بَاب ذكر الْجِنّ، وَبَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة ثَلَاثَة أَبْوَاب؟ وبمثل هَذَا لَا تقع الْمُطَابقَة. وَالْجَوَاب الموجه مَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ: أَن هَذِه التَّرْجَمَة، وَهِي قَوْله: بَاب إِذا وَقع الذُّبَاب

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

َ أنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الحَيَّاتِ فَحَدَّثَهُ أبُو لُبَابَةَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَى عنْ قَتْلِ جِنَّانِ البُيُوتِ فأمْسَكَ عَنْهَا. (انْظُر الحَدِيث ٨٩٢٣)

مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فَليُرَاجع.

٦١ - (بابٌ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ خمس من الدَّوَابّ، وَهُوَ جمع دَابَّة من دب على الأَرْض يدب دبيباً، وكل ماشٍ على الأَرْض دَابَّة، ودبيب، وَالدَّابَّة الَّتِي تركب، ودابة الأَرْض أحد أَشْرَاط السَّاعَة. قَوْله: خمس) ، مَرْفُوع بلابتداء، وفواسق صفته، وَقَوله: يقتلن، خَبره على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي الْحرم) ، يعلم مِنْهُ أَن جَوَاز قَتلهَا فِي غير الْحَرَام بِالطَّرِيقِ الأولى.

٤١٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْريِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ الفأرَةُ والعَقْرَبُ والحُدَيَّا والْغُرَابُ والْكَلْبُ العَقُورُ. (انْظُر الحَدِيث ٩٢٨١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (والحديا) ، بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال وَتَشْديد الْيَاء مَقْصُورَة: وَهُوَ تَصْغِير حدأة على وزن عنبة وَقِيَاسه: الحدية، فزيد فِيهِ الْألف للإشباع، وَقد أنكر بَعضهم صِيغَة التصغير، وَلَا وَجه لإنكاره لما ذكرنَا من وَجه ذَلِك، أَو يُقَال: إِنَّه مَوْضُوع على صِيغَة التصغير، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحدأة مِثَال عنبة، وَجَمعهَا: حدا، مثل عِنَب، وَلَا يُقَال: حدأة، وَوَقع فِي حَدِيث ابْن عمر الْآتِي: الحدأة.

٥١٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخْبَرَنا مالِكٌ عَن عَبْدِ الله بنِ دِينار عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسوُلَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وهْوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ الْعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ والغُرَابُ والْحِدْأةُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٨١) .

قد مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ، حَدِيث ابْن عمر أخرجه عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (خمس من الدَّوَابّ لَيْسَ فِي قتلهن على الْمحرم جنَاح) .

٦١٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ كَثِيرٍ عنْ عَطاءٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما رَفَعَهُ قَالَ خَمِّرُوا الآنِيَةَ وأوْكُوا الأسْقِيَةَ وأجِيفُوا الأبْوابَ وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ فإنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَاراً وخَطْفَةً وَاطفِؤُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فإنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فأحْرَقَتْ أهْلَ الْبَيْتِ. .

قد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب صفة إِبْلِيس عَن قريب. قَوْله: (رَفعه) أَي: إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون بالواسطة أَو بِدُونِهَا، وَأَن يكون الرّفْع مُقَارنًا لرِوَايَة الحَدِيث أَولا، فَأَشَارَ إِلَيْهِ. (وَكثير) ضد الْقَلِيل ابْن شنظير، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: أَبُو قُرَّة الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقَالَ ابْن معِين فِيهِ: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ الْحَاكِم: مُرَاده بذلك أَنه لَيْسَ لَهُ من الحَدِيث مَا يشْتَغل بِهِ، وَقد قَالَ فِيهِ بن معِين مرّة: صَالح، وَكَذَا قَالَ أَحْمد، وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَن تكون أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.

قَوْله (خمروا) من التخمير بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ التغطية قَوْله (أوكوا) من الإيكاء أَي شدوها بالوكاء وَهُوَ الْخَيط

قَوْله: (وأجيفوا) ، بِالْجِيم

وَالْفَاء من الإجافة، يُقَال: أجفت الْبَاب، أَي: رَددته. وَقَالَ الْقَزاز: تَقول جفأت الْبَاب أغلقته، وَقَالَ ابْن التِّين: لم أر من ذكره هَكَذَا غَيره، وَفِيه نظر، فَإِن أجيفوا لامه فَاء، وجفأت لامه همزَة. قلت: معنى جفأت، مَهْمُوز اللَّام: فرغت، يُقَال: جفأت الْقدر إِذا فرغته. وَفِي حَدِيث جُبَير: أَنه حرم الْحمر الْأَهْلِيَّة فجفؤا الْقُدُور: أَي فرغوها وقلبوها، وروى: فأجفئوا، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَهِي لُغَة فِيهِ قَليلَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جفأت الْقدر إِذا كفأتها أَو أملتها فَصَبَبْت مَا فِيهَا، وَلَا تقل: أجفأتها، وَأما الَّذِي فِي حَدِيث: فأجفأوا قدورهم بِمَا فِيهَا، فَهِيَ لُغَة مَجْهُولَة. انْتهى، وَالَّذِي فِي الحَدِيث ذكره ابْن الْأَثِير فِي: بَاب أجوف معتل الْعين بِالْوَاو، ثمَّ قَالَ: وَفِي حَدِيث الْحَج أَنه دخل الْبَيْت وأجاف الْبَاب أَي: رده عَلَيْهِ، وَمِنْه الحَدِيث: (أجيفوا أبوابكم) أَي: ردوهَا. قَوْله: (وأكفتوا) بِهَمْزَة الْوَصْل أَي: ضمُّوا صِبْيَانكُمْ عِنْد الْعشَاء وامنعوهم من الْحَرَكَة فِي ذَلِك الْوَقْت، من كفت الشَّيْء أكفته كفتاً من بَاب ضرب يضْرب إِذا ضممته إِلَى نَفسك. قَوْله: (عِنْد الْعشَاء) ، ويروى: (عِنْد الْمسَاء) ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: (إِذا جنح اللَّيْل أَو إِذا أمسيتم فكفوا صِبْيَانكُمْ) . قَوْله: (وخطفة) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وبالفاء: وَهُوَ استلاب الشَّيْء وَأَخذه بِسُرْعَة، يُقَال: خطف الشَّيْء يخطفه من بَاب علم، وَكَذَا اختطفه يختطفه، وَيُقَال فِيهِ: خطف يخطف من بَاب ضرب يضْرب، وَهُوَ قَلِيل. قَوْله: (عِنْد الرقاد) ، أَي: عِنْد النّوم. قَوْله: (فَإِن الفويسقة) أَي: الْفَأْرَة. قَوْله: (اجْتَرَّتْ) ، بِالْجِيم وَتَشْديد الرَّاء، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: رُبمَا جرت، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ مرت فِي: بَاب صفة الشَّيْطَان.

قالَ ابنُ جُرَيْجٍ وحَبِيبٌ عنْ عَطَاءٍ فإنَّ للشَّيْطَانِ

أَي: قَالَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وحبِيب بن أبي قريبَة أَبُو مُحَمَّد الْمعلم الْبَصْرِيّ، أَرَادَ أَنَّهُمَا رويا هَذَا الحَدِيث عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، كَمَا فِي رِوَايَة ابْن شنظير، إلَاّ أَنَّهُمَا قَالَا: فَإِن للشَّيْطَان، بدل قَول كثير بن شنظير: فَإِن للجن، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يُقَال: لَا مَحْذُور فِي القَوْل بانتشار الصِّنْفَيْنِ، وَقيل: هما حَقِيقَة وَاحِدَة يَخْتَلِفَانِ بِالصِّفَاتِ.

أما تَعْلِيق ابْن جريج فقد وَصله البُخَارِيّ فِي أول هَذَا الْبَاب. وَأما تَعْلِيق حبيب فقد وَصله أَحْمد وَأَبُو يعلى من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن حبيب الْمَذْكُور.

٧١٣٣ - حدَّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله قالَ أخْبَرنا يَحُيىَ بنُ آدَمَ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قالَ كُنَّا مَعَ رَسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غارٍ فَنَزَلَتْ وَالمُرْسَلاتِ عُرْفاً فإنَّا لَنَتَلَقَّاهَا من فِيهِ إذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَها فسَبَقَتْنا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وُقِيَتْ شَرَّكُم كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا. .

عَبدة ضد الْحرَّة ابْن عبد الله أَبُو سهل الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، وَيحيى بن آدم بن سُلَيْمَان الْقرشِي المَخْزُومِي الْكُوفِي صَاحب الثَّوْريّ، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ عَم الْأسود بن يزِيد وَعم أم إِبْرَاهِيم، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن يحيى بن آدم بِهِ، وَقد مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم. .

قَوْله: (وقيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من: وقى يقي وقاية. إِذا حفظ. فَإِن قلت: كَانَ قَتلهمْ لَهَا خيرا لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ. قلت: هُوَ شَرّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، والخيور والشرور من الْأُمُور الإضافية.

وعَنْ إسْرَائِيلَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله مِثْلَهُ قالَ وإنَّا لنَتَلَقَّاهَا مَنْ فِيهِ رَطْبَةً

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن إِسْرَائِيل الْمَذْكُور، كَمَا روى الحَدِيث عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، فَكَذَلِك رَوَاهُ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن

إِبْرَاهِيم، وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ أَنه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم. قَوْله: (من فِيهِ) أَي: من فَمه. قَوْله: (رطبَة) ، أَي: غضة طرية فِي أول مَا تَلَاهَا، ووصفت التِّلَاوَة بالرطوبة لسهواتها، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الرُّطُوبَة رُطُوبَة، فَمه، يَعْنِي: أَنهم أخذوها عَنهُ قبل أَن يجِف رِيقه من تلاوتها، كَذَا قَالَه الشُّرَّاح. قلت: هَذَا كِنَايَة عَن سرعَة أَخذهم على الْفَوْر حِين سَمِعُوهُ، وَهُوَ يقْرَأ من غير تَأْخِير وَلَا توانٍ.

وتابَعَهُ أبُو عَوَانَةَ عنْ مُغِيرَةَ

أَي: تَابع إِسْرَائِيل أَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي فِي رِوَايَته عَن الْمُغيرَة بن مقسم عَن إِبْرَاهِيم، ومتابعة أبي عوَانَة تَأتي فِي تَفْسِير المرسلات.

وَقالَ حَفْصٌ وأبُو مُعَاوِيَةَ وسُلَيْمَانُ بنُ قَرْمٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَبْدِ الله

حَفْص هُوَ ابْن غياث، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد الضَّرِير، وَسليمَان بن قرم، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره مِيم: الضَّبِّيّ، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، أَرَادَ أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة خالفوا إِسْرَائِيل فَجعلُوا الْأسود بن يزِيد بدل عَلْقَمَة بن قيس. أما رِوَايَة حَفْص فوصلها البُخَارِيّ فِي الْحَج، وَأما رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة فوصلها مُسلم من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عبد الله، قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَار) وَأما رِوَايَة سُلَيْمَان بن قرم فعلى الْفتُوح.

٨١٣٣ - حدَّثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ قالَ أخْبرَنا عَبْدُ الأعْلى قالَ حدَّثَنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ دَخَلَتِ امْرَأةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فلَمْ تُطْعِمْها ولَمْ تَدَعْهَا تأكُلُ مِنْ خَشاشِ الأرْضِ. .

نصر بن عَليّ بن نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، طلبه المستعين للْقَضَاء، ثمَّ جاؤا بعهدة الْقَضَاء فَقَالَ: أخروها إِلَى الْعشي، فَلَمَّا خرج إِلَى صَلَاة الظّهْر عاودوه، وَقَالَ: سألتكم إِلَى الْعشي وَعَسَى أَن يَكْفِي الله. قَالُوا: ثمَّ دخل إِلَى منزله فصلى رَكْعَتَيْنِ وَسجد، وَسَأَلَ الله أَن يقبضهُ إِلَيْهِ فَمَاتَ وَهُوَ ساجد، رَحمَه الله تَعَالَى، سنة خمس وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب فضل سقِِي المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره.

قَوْله: (امْرَأَة) لم يدر اسْمهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة: أَنَّهَا حميرية سَوْدَاء طَوِيلَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل تعذب فِي النَّار، وَفِي أُخْرَى لم يقل: من بني إِسْرَائِيل، وَلَا تنَافِي بَينهمَا، لِأَن طَائِفَة من حمير كَانُوا من بني إِسْرَائِيل. وَفِي (التَّوْضِيح) : يجوز أَن تكون هَذِه الْمَرْأَة كَافِرَة، لَكِن ظَاهر الحَدِيث إسْلَامهَا، وعذبت على إصرارها على ذَلِك وَلَيْسَ فِي الحَدِيث تخليدها، وروى الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) : أَنَّهَا كَانَت كَافِرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث والنشور عَن عَائِشَة، فَيكون من جملَة اسْتِحْقَاقهَا النَّار حبس الْهِرَّة، وَعَن القَاضِي: فِيهِ احْتِمَال. قَوْله: (فِي هرة) ، كلمة: فِي، للتَّعْلِيل، أَي: لأجل هرة، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة من جراء هرة، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الرَّاء بِالْقصرِ وَالْمدّ. أَي: من أجل هرة، والهرة أُنْثَى، والهر والسنور الذّكر، وَيجمع على: هررة كقرد وقردة، والهرة على هرر كقربة وَقرب. قَوْله: (من خشَاش الأَرْض) بِفَتْح الْخَاء وَكسرهَا وَضمّهَا وبالشين المعجمتين وَفِي الحشرات.

وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْهِرَّة ورباطها إِذا لم يهمل إطعامها وسقيها، وَيلْحق بهَا غَيرهَا مِمَّا فِي مَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا يجب إطعامها على من حَبسهَا، قَالَه الْقُرْطُبِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه: وجوب نَفَقَة الْحَيَوَان على مَالِكه، قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهَا ملكتها. قلت: فِي قَوْله: هرة لَهَا، يدل على مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَيدل أَيْضا على أَن الْهِرَّة تملك، خلافًا لهَذَا الْقَائِل، فَإِنَّهُ قَالَ: الْهِرَّة لَا تملك، لِأَن اللَّام فِي: هرة لَهَا، تدل على التَّمْلِيك، وَيرد على هَذَا الْقَائِل.

وقالَ وحدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِثْلَهُ

أَي: قَالَ عبد الْأَعْلَى: حَدثنَا عبيد الله بن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل الحَدِيث الْمَذْكُور،

وَأخرجه مُسلم هَكَذَا، وَقَالَ: حَدثنِي نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمثل مَعْنَاهُ.

٧١ - (بابٌ إذَا وقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فإنَّ فِي إحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الأخْرَى شِفَاءً)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وَقع الذُّبَاب ... إِلَى آخِره، وَترْجم هَذَا الْبَاب بِنَصّ الحَدِيث الَّذِي سَاقه فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا وَقع هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن بعض شُيُوخه، وَحذف عِنْد البَاقِينَ، وحذفه أولى، لِأَن الْأَحَادِيث الَّتِي تَأتي بعد هَذَا الحَدِيث لَا تعلق لَهَا بذلك وَلَا مُطَابقَة بَينهَا وَبَين هَذِه التَّرْجَمَة، كَمَا ترَاهُ.

٠٢٣٣ - حدَّثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَد حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ حدَّثني عُتْبَةُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ أخْبَرَني عُبَيْدُ بنُ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا وقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فإنَّ فِي إحْدَى جَناحَيْهِ دَاءً والأُخْرَى شِفَاءً. (الحَدِيث ٠٢٣٣ طرفه فِي: ٢٨٧٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِنَّهُ لَا فرق بَينهمَا، غير أَنه لم يذكر فِي التَّرْجَمَة لفظ (ثمَّ لينزعه) .

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم واللَاّم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره دَال: أَبُو الْهَيْثَم البَجلِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُسلم مولى بني تَمِيم الْمَدِينِيّ. الرَّابِع: عبيد بن حنين، كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ، و: حنين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون الأولى: أَبُو عبد الله مولى زيد بن الْخطاب الْقرشِي الْعَدوي. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطِّبّ، قَالَ: حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا مُسلم بن خَالِد عَن عتبَة بن مُسلم عَن عبيد بن حنين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم فليغمسه فِيهِ ثمَّ ليطرحه، فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء) . وَأخرجه عَن أبي سعيد أَيْضا، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد بن خَالِد عَن أبي سَلمَة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أحد جناحي الذُّبَاب سم وَالْآخر شِفَاء، فَإِذا وَقع فِي الطَّعَام فامقلوه فِيهِ فَإِنَّهُ يقدم السم وَيُؤَخر الشِّفَاء) . وَأخرجه النَّسَائِيّ مُخْتَصرا، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن سُلَيْمَان نَحوه، وَمن حَدِيث أنس بِإِسْنَاد ضَعِيف، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فليغمسه، فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَالْآخر شِفَاء، وَإنَّهُ يتقى بجناحه الَّذِي فِيهِ الدَّاء فيغمسه كُله) . ويروى: فليغمسه كُله.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وَقع الذُّبَاب) الذُّبَاب جمع ذُبَابَة، قَالَه ابْن التِّين وَفِي (الْمُنْتَهى) : الذب بِالضَّمِّ الذُّبَاب، وَجمع الذُّبَاب: ذبان، وَلَا تقل: ذبانة، وَالْجمع الْقَلِيل: أذبة، كغراب وأغربة وغربان، وَقَالَ أَبُو هِلَال العسكري: الذُّبَاب وَاحِد وَالْجمع ذبان، والعامة تَقول: ذبانة للْوَاحِد والذبان للْجمع، وَهُوَ خطأ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: تَقول: هَذَا ذُبَاب للْوَاحِد وذبابان فِي التَّثْنِيَة، وَلَا يُقَال ذُبَابَة وَلَا ذبانة، وَقَالَ ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) : لَا يُقَال: ذُبَابَة، إِلَّا أَن أَبَا عُبَيْدَة رَوَاهُ عَن الْأَحْمَر، وَالصَّوَاب ذُبَاب، وَفِي التَّنْزِيل: {وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا} (الْحَج: ٣٧) . فسروه بِالْوَاحِدِ، وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَن الْعَرَب: ذب، فِي جمع ذُبَاب، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الذُّبَاب مَعْرُوف، الْوَاحِدَة ذُبَابَة، وَلَا تقل: ذبانة، وَجمع الْقلَّة: أذبة، وَالْكَثْرَة: ذبان. وَقَالَ أَبُو عبيد: أَرض مذبة، ذَات ذُبَاب. وَقَالَ الْفراء: أراض مذبوبة، كَمَا يُقَال: موحوشة من الْوَحْش، والمذبة مَا يذب بِهِ الذُّبَاب، وَقَالَ الجاحظ: عمر الذُّبَاب أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَهُوَ فِي النَّار، وَلَيْسَ تعذيباً لَهُ، وَإِنَّمَا يعذب بِهِ أهل النَّار لوُقُوعه عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ لَا شَيْء أضرّ على المكلوم من وُقُوعه على كَلمه. قَوْله: (فِي شراب أحدكُم) ، الشَّرَاب هُنَا يدْخل فِيهِ كل الْمَائِعَات، قَالَ تَعَالَى: {يخرج من بطونها شراب} (النَّحْل: ٩٦) . قلت: قد ذكرنَا آنِفا أَن فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم، والإناء يكون فِيهِ كل شَيْء من المأكولات والمشروبات. قَوْله: (فليغمسه) ، من غمسه فِي المَاء إِذا غطه فِيهِ وَأدْخلهُ، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: فامقلوه فِيهِ، من الْمقل بِالْقَافِ وَهُوَ الغمس. قَالَ أَبُو عبيد: أَي اغمسوه فِي الطَّعَام أَو الشَّرَاب ليخرج الشِّفَاء كَمَا أخرج الدَّاء، وَذَلِكَ بإلهام الله تَعَالَى، وَفِي (الْمغرب) : فِي الحَدِيث: إِذا وَقع الذُّبَاب فِي طَعَام أحدكُم فامقلوه، فَإِن فِي أحد جناحيه سما وَفِي الآخر شِفَاء، هَكَذَا فِي الْأُصُول، وَأما: فامقلوه، ثمَّ انقلوه فمصنوع. قلت: فِي

غَالب كتب أَصْحَابنَا وَقع مثل مَا قَالَ، وَالصَّحِيح: فامقلوه فِيهِ، فَإِنَّهُ يقدم السم وَيُؤَخر الشِّفَاء، كَمَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَغَيره، وَلَيْسَ فِيهِ: ثمَّ انقلوه، نعم، فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: لم لينزعه، وَهُوَ يُؤَدِّي معنى: فانقلوه. قَوْله: (فَإِن فِي إِحْدَى جناحيه) ، الجناج حَقِيقَة للطائر، وَإِذا اسْتعْمل فِي غَيره يكون بطرِيق الِاسْتِعَارَة، قَالَ الله تَعَالَى: {واخفض لَهما جنَاح الذل} (الْإِسْرَاء: ٤٢) . وَفِي غَالب النّسخ: فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَالْآخر شِفَاء، بتذكير: أحد، وَوجه تأنيثها بِاعْتِبَار أَن جنَاح الطَّائِر يَده، والتأنيث بِاعْتِبَار الْيَد. قَوْله: (وَالْأُخْرَى شِفَاء) ، الثَّابِت فِي كثير من النّسخ، وَفِي الْأُخْرَى، بِإِعَادَة حرف الْجَرّ، وَتركهَا يدل على جَوَاز الْعَطف على عاملين، وَهُوَ رَأْي الْأَخْفَش والكوفيين، فَحِينَئِذٍ تكون: الْأُخْرَى، مجروراً عطفا على: فِي إِحْدَى، وَيكون نصب: شِفَاء، مثل نصب: دَاء، وَالْعَامِل فِي: إِحْدَى، حرف الْجَرّ الَّذِي هُوَ لفظ: فِي، وَالْعَامِل فِي: دَاء، كلمة: إِن، فقد شركت الْوَاو فِي الْعَطف على العاملين اللَّذين هما: فِي وان، وسيبويه لَا يجوّز ذَلِك، يُؤَيّدهُ رِوَايَة إِثْبَات حرف الْجَرّ فِي قَوْله: وَفِي الْأُخْرَى، وَقيل: يرْوى شِفَاء، بِالرَّفْع، فعلى هَذَا يخرج الْكَلَام عَن الْعَطف على عاملين، وَلكنه على هَذَا يحْتَاج إِلَى حذف مُضَاف تَقْدِيره: ذُو شِفَاء، لِأَن لفظ الآخر أَو الْأُخْرَى يكون مُبْتَدأ، وشفاء خَبره، وَلعدم صِحَة الْحمل يقدر الْمُضَاف، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد المالقي فِي (جَامعه) : ذُبَاب النَّاس يتَوَلَّد من الزبل، فَإِن أَخذ الذُّبَاب الْكَبِير وَقطعت رؤوسها وَيحك بجسدها الشعرة الَّتِي فِي الأجفان حكاً شَدِيدا فَإِنَّهُ يُبرئهُ، وَإِن سحق الذُّبَاب بصفرة الْبيض سحقاً نَاعِمًا وضمدت بهَا الْعين الَّتِي فِيهَا اللَّحْم الْأَحْمَر من دَاخل فَإِنَّهُ يسكن فِي سَاعَته، وَإِن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن وَجَعه. انْتهى. قَالَ الْخطابِيّ مَا ملخصه: قَالَ بعض الجهلة المعاندين: كَيفَ يجْتَمع الدَّاء والشفاء فِي جناحي الذُّبَاب؟ وَكَيف تعلم الذُّبَاب ذَلِك من نَفسهَا حَتَّى تقدم الدَّاء وتؤخر الدَّوَاء؟ وَمَا أَدَّاهَا إِلَى ذَلِك؟ ورد عَلَيْهِم: بِأَن عَامَّة الْحَيَوَان جمعت فِيهَا بَين الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة فِي أَشْيَاء متضادة إِذا تلاقت تفاسدت لَوْلَا تأليف الله لَهَا، وَالَّذِي ألهم النحلة وَشبههَا من الْحَيَوَان إِلَى بِنَاء الْبيُوت وادخار الْقُوت هُوَ الملهم للذباب مَا ترَاهُ فِي الْكتاب.

١٢٣٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا إسْحَاقُ الأزْرَقُ حَدَّثنَا عَوْفٌ عنِ الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ غُفِرَ لإمْرَأةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ فنَزَعَتْ خُفَّهَا فأوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فنَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ. (الحَدِيث ١٢٣٣ طرفه فِي: ٧٦٤٣) .

لَا تتأتى الْمُطَابقَة هُنَا إلَاّ بَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْمُتَقَدّمَة، وَلَيْسَ لَهُ مُطَابقَة بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أصلا، وَقد ذكرنَا: أَن هَذِه التَّرْجَمَة سَاقِطَة عِنْد غير أبي ذَر وَالْحسن بن الصَّباح، بتَشْديد الْبَاء الْبَزَّار أَبُو عَليّ الوَاسِطِيّ، وَإِسْحَاق بن يُوسُف الْأَزْرَق الوَاسِطِيّ، وعَوْف الْمَشْهُور بالأعرابي، وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِيمَان عَن أَحْمد بن عبد الله المنجوفي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام. وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث سلف فِي الشّرْب من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رجلا فعل ذَلِك، وَكَذَا ذكره فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان، فلعلهما قضيتان. قلت: هَذَا الحَدِيث فِي الْمَرْأَة المومسة، وَالْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَان فِي الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين فِي الرجل، روى كليهمَا أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وكل مِنْهُمَا حَدِيث مُسْتَقل بِذَاتِهِ، فَلَا وَجه لقَوْله: هَذَا الحَدِيث سلف، وَلَا لقَوْله: لعلهما قضيتان، بل هما قضيتان قطعا، فَإِن نَظرنَا إِلَى الظَّاهِر فَهِيَ ثَلَاث قضايا.

قَوْله: (مومسة) ، أَي: زَانِيَة وَيجمع على: مومسات وميامس وموامس، وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: مياميس، وَلَا يَصح إلَاّ على إشباع الكسرة لتصير: يَاء، وَقد اخْتلف فِي أصل هَذِه اللَّفْظَة، فبعضهم يَجعله من الْهمزَة، وَبَعْضهمْ يَجعله من الْوَاو، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: كل مِنْهُمَا تكلّف لَهُ اشتقاقاً فِيهِ بُعْد، فذكرناها فِي حرف الْمِيم لظَاهِر لَفظهَا، ولاختلافهم فِي أَصْلهَا. قلت: قَالَ فِي بَاب الْمِيم: مومس، ثمَّ ذكر مَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ ابْن قرقول: المياميس والمومسات: المجاهرات بِالْفُجُورِ، والواحدة مومسة، وَذكره أَصْحَاب الْعَرَبيَّة فِي

الْوَاو وَالْمِيم وَالسِّين، وَرَوَاهُ ابْن الْوَلِيد عَن ابْن السماك: المآميس، بِالْهَمْزَةِ فَإِن صَحَّ بِالْهَمْز فَهُوَ من مأس الرجل إِذا لم يلْتَفت إِلَى موعظة، ومأس بَين الْقَوْم أفسد. انْتهى. قلت: إِذا كَانَ لفظ: مومسة، من مأس، يَأْتِي إسم الْفَاعِل الْمُؤَنَّث: مائسة، وَلَا يَأْتِي من هَذَا الْبَاب: مومسة، وَالَّذِي يظْهر لي أَنه من: مومس، مثل: وسوس، وَالْفَاعِل مِنْهُ للمذكر مومس، وللمؤنث مومسة. قَوْله: (ركي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء: هُوَ الْبِئْر، وَيجمع على: ركايا. قَوْله: (بذلك) ، أَي: بِسَبَب مَا فعلت من السَّقْي.

وَفِيه: دَلِيل على قبُول عمل المرتكب للكبائر من الْمُسلمين، وَأَن الله تَعَالَى يتَجَاوَز عَن الْكَبِيرَة بِالْعَمَلِ الْيَسِير من الْخَيْر تفضلاً مِنْهُ.

٢٢٣٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كمَا أنَّكَ هَهُنَا قالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أبِي طَلْحَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. .

عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن عبد الله، وَأَبُو طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب إِذا قَالَ أحدكُم: آمين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن ابْن مقَاتل عَن عبد الله عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (كَمَا أَنَّك هَهُنَا) ، يَعْنِي: كَمَا لَا شكّ فِي كونك فِي هَذَا الْمَكَان، كَذَلِك لَا شكّ فِي حفظي لَهُ.

٣٢٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ.

الحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك، وَأخذ مَالك وَأَصْحَابه وَكثير من الْعلمَاء جَوَاز قتل الْكلاب إلَاّ مَا اسْتثْنِي مِنْهَا، وَلم يرَوا الْأَمر بقتل مَا عدا الْمُسْتَثْنى مَنْسُوخا، بل محكماً. وَقَالَ الْإِجْمَاع على قتل الْعَقُور مِنْهَا، وَاخْتلفُوا فِي قتل مَا لَا ضَرَر فِيهِ، فَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَمر الشَّارِع أَولا بقتلها كلهَا، ثمَّ نسخ ذَلِك وَنهى عَن قَتلهَا إلَاّ الْأسود البهيم، ثمَّ اسْتَقر الشَّرْع على النَّهْي عَن قتل جَمِيعهَا إلَاّ الْأسود، لحَدِيث عبد الله بن مُغفل الْمُزنِيّ: لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها، رَوَاهُ أَصْحَاب (السّنَن) الْأَرْبَعَة. وَمعنى: البهيم، شَيْطَان بعيد عَن الْمَنَافِع قريب من الْمضرَّة، وَهَذِه أُمُور لَا تدْرك بِنَظَر، وَلَا يُوصل إِلَيْهَا بِقِيَاس، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى مَا جَاءَ عَن الشَّارِع، وَقد روى ابْن عبد الْبر عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْكلاب من الْجِنّ، وَهِي ضعفة الْجِنّ، وَفِي لفظ: السود مِنْهَا جن، والبقع مِنْهَا جن، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هم سفلَة الْجِنّ وضعفاؤهم، وَقَالَ ابْن عديس: يُقَال: كلب جني، وَرُوِيَ عَن الْحسن وَإِبْرَاهِيم أَنَّهُمَا يكرهان صيد الْكَلْب الْأسود البهيم، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَقَالُوا: لَا يحل الصَّيْد إِذا قَتله، وَعند أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: يحل. وَقَالَ أَبُو عمر: الَّذِي تختاره أَن لَا يقتل مِنْهَا شَيْء إِذا لم يضر، لنَهْيه أَن يتَّخذ فِيهِ روح غَرضا، وَلِحَدِيث: الَّذِي سقى الْكَلْب، وَلقَوْله: فِي كل كبد حر أجر، وَترك قَتلهَا فِي كل الْأَمْصَار، وفيهَا الْعلمَاء وَمن لَا يسامح فِي شَيْء من الْمُنكر والمعاصي الظَّاهِرَة، وَمَا علمت فَقِيها من فُقَهَاء الْمُسلمين جعل اتِّخَاذ الْكلاب جرحة، وَلَا رد قاضٍ شَهَادَة متخذها، وَمذهب الشَّافِعِي تَحْرِيم اقتناء الْكَلْب لغير حَاجَة.

وَقَالَ أَبُو عمر: فِي الْأَمر بقتل الْكلاب دلَالَة على عدم أكلهَا، ألَا ترى إِلَى الَّذِي جَاءَ عَن عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي ذبح الْحمام وَقتل الْكلاب؟ وَفِيه: دلَالَة على افْتِرَاق حكم مَا يُؤْكَل وَمَا لَا يُؤْكَل، لِأَنَّهُ مَا جَازَ ذبحه وَأكله لم يجز الْأَمر بقتْله، وَمن ذهب إِلَى الْأسود مِنْهَا بِأَنَّهُ شَيْطَان فَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَن الله تَعَالَى قد سمى من غلب عَلَيْهِ الشَّرّ من الْإِنْس شَيْطَانا، وَلم يجب بذلك قَتله، وَقد جَاءَ مَرْفُوعا: فِي الْحمام شَيْطَان يتبع شَيْطَانه، وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يدل على أَنَّهُمَا مسخا من الْجِنّ، وَلَا أَن الْحَمَامَة مسخت من الْجِنّ، وَلَا أَن ذَلِك وَاجِب قَتله، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي حَدِيث سقِِي الْكَلْب: يحْتَمل أَن يكون قبل النَّهْي عَن قَتلهَا وَيحْتَمل بعْدهَا، فَإِن كَانَ الأول فَلَيْسَ بناسخ لَهُ، لِأَنَّهُ لما أَمر بقتل الْكلاب لم يَأْمر إلَاّ بقتل كلاب الْمَدِينَة لَا بقتل كلاب الْبَوَادِي،

وَهُوَ الَّذِي نسخ، وكلاب الْبَوَادِي لم يرد فِيهَا قتل وَلَا نسخ، وَظَاهر الحَدِيث يدل عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَو وَجب قَتله لما وَجب سقيه، وَلَا يجمع عَلَيْهِ حر الْعَطش وَالْمَوْت، كَمَا لَا يفعل بالكافر العَاصِي، فَكيف بالكلب الَّذِي لم يعْص؟ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما أَمر بقتل يهود شكوا الْعَطش، فَقَالَ: لَا تجمعُوا عَلَيْهِم حر السَّيْف والعطش، فسُقُوا ثمَّ قُتِلوا.

٤٢٣٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ يَحْيَى قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ قالَ قالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أمْسَكَ كَلْبَاً يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إلَاّ كَلْبَ حَرْثٍ أوْ كَلْبَ ماشِيَةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٣٢) .

يحيى هُوَ ابْن أبي كثير، والْحَدِيث مر فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب اقتناء الْكَلْب للحرث، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَقد ذكرنَا أَن القيراط لَهُ أصل لمقدار مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى، وَالْمرَاد نقص جُزْء من أَجزَاء عمله. وَأما التَّوْفِيق بَين قِيرَاط فِي هَذَا الحَدِيث، وَبَين قيراطين فِي رِوَايَة أُخْرَى فباعتبار التَّغْلِيظ فِي القيراطين لما لم ينْتَه النَّاس، أَو بِاعْتِبَار كَثْرَة الْأَذَى من الْكَلْب وقلته، أَو باخْتلَاف الْمَوَاضِع فالقيراطان فِي الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة لزِيَادَة فَضلهَا، والقيراط فِي غَيرهَا، أَو القيراطان فِي الْمَدِينَة والقيراط فِي الْبَوَادِي، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِمَا ينقص مِنْهُ، فَقيل: ينقص مِمَّا مضى من عمله، وَقيل: من مستقبله. وَاخْتلفُوا فِي مَحل نقصانها، فَقيل: قِيرَاط من عمل النَّهَار، وقيراط من عمل اللَّيْل، وَقيل: قِيرَاط من عمل الْفَرْض وقيراط من النَّفْل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أقرب مَا قيل فِي ذَلِك قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن جَمِيع مَا عمله من عمل ينقص لمن اتخذ مَا نهى عَنهُ من الْكلاب، بِإِزَاءِ كل يَوْم يمسِكهُ جزآن من أَجزَاء ذَلِك الْعَمَل، وَقيل: من عمل ذَلِك الْيَوْم الَّذِي يمسِكهُ فِيهِ. الثَّانِي: يحط من عمله عملان، أَو من عمل يَوْم إِمْسَاكه، عُقُوبَة لَهُ على مَا اقتحم من النَّهْي. قَوْله: (إلَاّ كلب حرث) وَهُوَ الزَّرْع، والماشية اسْم يَقع على جَمِيع الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْغنم.

٥٢٣٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ أخبَرَنِي يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ قالَ أخْبَرَنِي السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ سَمِعَ سُفْيَانَ بنَ أبِي زُهَيْرٍ الشَّنْئيَّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ مَنِ اقْتَنَى كلْباً لَا يُغْنى عنْهُ زَرْعاً وَلا ضَرْعاً نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قيرَاطٌ فَقَالَ السَّائِبُ أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إيْ ورَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٣٢) .

الحَدِيث مر فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب اقتناء الْكَلْب للزِّرَاعَة. وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن خصيفَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء، وَقد مر فِيمَا مضى، والسائب من السيب ابْن يزِيد من الزِّيَادَة مر فِي الْوضُوء (والشنئي) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبالنون والهمزة: نِسْبَة إِلَى شنُوءَة.

قَوْله: (أَي:) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء حرف: جَوَاب بِمَعْنى: نعم، فَيكون لتصديق الْخَبَر والإعلام المستخبر ولوعد الطَّالِب، وَزعم ابْن الْحَاجِب أَنَّهَا إِنَّمَا تقع بعد الِاسْتِفْهَام، وَاتفقَ الْجَمِيع على أَنَّهَا لَا تقع إلَاّ قبل الْقسم، كَمَا وَقع هُنَا قبل قَوْله: (وَرب هَذِه الْقبْلَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَا تعلق لبَعض هَذِه الْأَحَادِيث بترجمة الْبَاب؟ قلت: هَذَا آخر كتاب البدء، فَذكر فِيهِ مَا ثَبت عِنْده مِمَّا يتَعَلَّق بالمخلوقات، وَذكر صَاحب (التَّوْضِيح) أَن ذكر أَحَادِيث الْكَلْب هُنَا لما أُتِي عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره: أَنَّهَا من الْجِنّ، والترجمة قريبَة من الْجِنّ. انْتهى. قلت: أما مَا ذكره الْكرْمَانِي فبعيد جدا، لِأَنَّهُ لَا تعلق لَهَا أصلا بالترجمة، وَكَونهَا مِمَّا يتَعَلَّق بالمخلوقات لَا يَقْتَضِي الْمُنَاسبَة لذكرها فِي هَذِه التَّرْجَمَة، وَهَذَا بعيد جدا، وَأما مَا ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) فأبعد مِنْهُ جدا، لِأَن كَونهَا من الْجِنّ يَقْتَضِي ذكرهَا فِي: بَاب الْجِنّ، وَكَيف يكون قرب هَذِه من: بَاب ذكر الْجِنّ، وَبَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة ثَلَاثَة أَبْوَاب؟ وبمثل هَذَا لَا تقع الْمُطَابقَة. وَالْجَوَاب الموجه مَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ: أَن هَذِه التَّرْجَمَة، وَهِي قَوْله: بَاب إِذا وَقع الذُّبَاب

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 70%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد