«﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٠٧٧

الحديث رقم ٤٠٧٧ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الذين استجابوا لله والرسول.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما…

«﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ أَبُوكَ مِنْهُمُ: الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللهِ مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، قَالَ: مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ؟ فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ.»

سند حديث: ٤٠٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا…

٤٠٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ: بَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ أَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يُنَشِّفُ بِهِ دَمَهُ وَقَالَ: لَوْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ لَنَزَلَ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ مِنَ السَّمَاءِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ، أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَوَقَعَ هُنَا قَبْلَ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَبَعْدَهُ، وَلَعَلَّهُ قَدَّمَ وَأَخَّرَ.

قَوْلُهُ: (دَمَّوْهُ) (١) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: جَرَحُوهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ.

(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا الْوَقْعَةَ، فَكَأَنَّهمَا حَمَلَاهَا عَمَّنْ شَهِدَهَا أَوْ سَمِعَاهَا مِنَ النَّبِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (يَعْقُوبُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ) هِيَ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَأَوْضَحَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ سَبَبَ مَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَى أُحُدٍ وَلَفْظُهُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ خَرَجَ النِّسَاءُ إِلَى الصَّحَابَةِ يُعِينُونَهُمْ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ فِيمَنْ خَرَجَ، فَلَمَّا رَأَتِ النَّبِيَّ اعْتَنَقَتْهُ وَجَعَلَتْ تَغْسِلُ جِرَاحَاتِهِ بِالْمَاءِ فَيَزْدَادُ الدَّمُ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ بِالنَّارِ وَكَمَدَتْهُ بِهِ حَتَّى لَصِقَ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَأَحْرَقَتْ حَصِيرًا حَتَّى صَارَتْ رَمَادًا، فَأَخَذَتْ مِنْ ذَلِكَ الرَّمَادِ فَوَضَعَتْهُ فِيهِ حَتَّى رَقَأَ الدَّمُ وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ يَوْمَئِذٍ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِهِ. ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَائِذٍ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ الَّذِي رَمَى رَسُولَ اللَّهِ بِأُحُدٍ فَجَرَحَهُ فِي وَجْهِهِ قَالَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ قَمِئَةَ، فَقَالَ: أَقَمْأَكَ اللَّهُ.

قَالَ فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ فَخَرَجَ إِلَى غَنَمِهِ فَوَافَاهَا عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، فَدَخَلَ فِيهَا فَشَدَّ عَلَيْهِ تَيْسُهَا فَنَطَحَهُ نَطْحَةً أَرْدَاهُ مِنْ شَاهِقِ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّدَاوِي، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ يُصَابُونَ بِبَعْضِ الْعَوَارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَالْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ لِيَعْظُمَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْأَجْرُ وَتَزْدَادَ دَرَجَاتُهُمْ رِفْعَةً، وَلِيَتَأَسَّى بِهِمْ أَتْبَاعُهُمْ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

٢٥ - بَاب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

٤٠٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمْ: الزُّبَيْرُ، وَأَبُو بَكْرٍ. لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، قَالَ: مَنْ يَذْهَبُ فِي أثْرِهِمْ فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا. قَالَ: كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، أَيْ: سَبَبُ نُزُولِهَا، وَأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأُحُدٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ أُحُدٌ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ يَوْمَ الْأَحَدِ سَادِسَ عَشَرَ شَوَّالٍ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ فِي النَّاسِ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مَعَنَا إِلَّا مَنْ حَضَرَ بِالْأَمْسِ، فَاسْتَأْذَنَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُ فَأَذِنَ لَهُ، وَإِنَّمَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أُخْت عَائِشَة، وَالزُّبَيْر أَبوهُ، وَأَبُو بكر عطف على أَبوك، ويروى: أَبَوَاك، فَأَبُو بكر عطف على الزبير، وَأطلق الْأَب على أبي بكر وَهُوَ جده مجَازًا. قَوْله: (انتدب) يُقَال: نَدبه لأمر فَانْتدبَ أَي: دَعَاهُ لَهُ فَأجَاب. قَوْله: (سَبْعُونَ رجلا) مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وعمار بن يَاسر وَطَلْحَة وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَذكر عبد الرَّزَّاق من مُرْسل عُرْوَة عبد الله بن مَسْعُود، وَفِي حَدِيث الْبَاب: الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي مُحَمَّد بن سعد حَدثنِي أبي حَدثنِي عمي حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِن الله قذف فِي قلب أبي سُفْيَان الرعب يَوْم أحد بعد الَّذِي كَانَ مِنْهُ، مَا كَانَ فَرجع إِلَى مَكَّة، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن أَبَا سُفْيَان قد أصَاب مِنْكُم طرفا وَقد رَجَعَ وَقذف الله فِي قلبه الرعب، وَكَانَت وقْعَة أحد فِي شَوَّال وَكَانَ التُّجَّار يقدمُونَ الْمَدِينَة فِي ذِي الْقعدَة فينزلون ببدر الصُّغْرَى فِي كل سنة مرّة وَأَنَّهُمْ قدمُوا بعد وقْعَة أحد وَكَانَ أصَاب الْمُؤمنِينَ الْقرح واشتكوا ذَلِك إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم الَّذِي أَصَابَهُم، وَأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ندب النَّاس لِيَنْطَلِقُوا مَعَه ويتبعوا مَا كَانُوا متبعين، وَقَالَ: إِنَّمَا يرتحلون الْآن فَيَأْتُونَ الْحَج وَلَا يقدرُونَ على مثلهَا حَتَّى عَام مقبل، فجَاء الشَّيْطَان فخوف أولياءه فَقَالَ: {إِن النَّاس قد جمعُوا لكم} (آل عمرَان: ١٧٣) . فَأبى عَلَيْهِ النَّاس أَن يتبعوه فَقَالَ: إِنِّي ذَاهِب، وَإِن لم يَتبعني أحد لأحضض، فَانْتدبَ مَعَه أَبُو بكر فذُكر من ذَكَرْنَاهُمْ الْآن وَفِيهِمْ زِيَادَة: حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح فِي سبعين رجلا، فَسَارُوا فِي طلب أبي سُفْيَان فطلبوه حَتَّى بلغُوا الصَّفْرَاء فَأنْزل الله {الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول} (آل عمرَان: ١٧٣) . الْآيَة.

٢٧ - (بَاب من قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْهُمْ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ واليَمَانُ وأنَسُ بنُ النَّضْرِ ومُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قتل من الْمُسلمين يَوْم غَزْوَة أحد، مِنْهُم: حَمْزَة بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد مر بَيَانه فِي بَاب مُفْرد، وَمِنْهُم: الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم وَبعد الْألف نون وَالِد حُذَيْفَة وَهُوَ لقبه، واسْمه حسل، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره لَام، وَقد تقدم فِي آخر: بَاب {إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ} (آل عمرَان: ١٢٢) . وَمِنْهُم أنس بن النَّضر، وَقد تقدم فِي أَوَائِل الْغَزْوَة وَفِي رِوَايَة أبي ذَر النَّضر بن أنس، وَكَذَا وَقع عِنْد النَّسَائِيّ وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب: أنس بن النَّضر وَأما النَّضر بن أنس فَهُوَ وَلَده، وَكَانَ إِذْ ذَاك صَغِيرا، وعاش بعد ذَلِك زَمَانا، وَمِنْهُم مُصعب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف وَقد تقدم أَيْضا.

٤٠٧٨ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثني أبي عنْ قَتَادَةَ قَالَ مَا نَعْلَمُ حَيَّاً مِنْ أحْيَاءِ العَرَبِ أكْثَرَ شَهِيدَاً أعَزَّ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأنْصَارِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، ومعاذ، بِضَم الْمِيم: ابْن هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي الْبَصْرِيّ سكن نَاحيَة الْيمن، يروي عَن أَبِيه عبد الله واسْمه سُفْيَان، قَالَ عَمْرو بن عَليّ: مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة. قَوْله: (أعز) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي من الْعِزَّة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أغر) ، بالغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء، وانتصابه على أَنه صفة أَو بدل أَو عطف بَيَان، وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَازَ حذف حرف الْعَطف كَمَا فِي: التَّحِيَّات المباركات وَفِيه نظر.

قَالَ قَتَادَةُ وحدَّثنا أنَسُ بنُ مَالِكٍ أنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحدٍ سَبْعُونَ ويَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ ويَوْمَ اليَمَامَةِ سَبْعُونَ قالَ وكانَ بِئْرُ مَعُونَةَ علَى عَهْدِ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويَوْمُ اليَمَامَةِ علَى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ

هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَأَرَادَ قَتَادَة بذلك اعتضاد كَلَامه الأول.

قَوْله: (قتل مِنْهُم) أَي: من الْأَنْصَار، هَذَا ظَاهر الْكَلَام إلَاّ أَن الَّذِي قتل من الْمُهَاجِرين قَلِيل، وهم: حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَعبد الله بن جحش وشمسا بن عُثْمَان وَمصْعَب بن عُمَيْر، وَهَؤُلَاء ذكرهم ابْن إِسْحَاق لِأَنَّهُ ذكر من اسْتشْهد من الْمُسلمين بِأحد فبلغوا خَمْسَة وَسِتِّينَ مِنْهُم أَرْبَعَة من الْمُهَاجِرين وهم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ، وروى ابْن مَنْدَه من حَدِيث أبي بن كَعْب، قَالَ: قتل من الْأَنْصَار يَوْم أحد أَرْبَعَة وَسِتُّونَ وَمن الْمُهَاجِرين سِتَّة، وَصَححهُ ابْن حبَان، وَقد ذكر مُوسَى بن عقبَة سَعْدا مولى حَاطِب وَالسَّادِس ثَقِيف بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ حَلِيف بني عبد شمس. قَوْله: (وَيَوْم بِئْر مَعُونَة) ، أَي: قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة، بِفَتْح الْمِيم وَضم الْعين الْمُهْملَة وبالنون، وَهُوَ مَاء لبني سليم وَهُوَ بَين أَرض بني عَامر وَأَرْض بني سليم، وَذكر الْكِنْدِيّ أَن بِئْر مَعُونَة من جبال ليلى فِي طَرِيق المصعد من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة، وَقَالَ ابْن دحْيَة: هِيَ بِئْر بَين مَكَّة وَعُسْفَان وَأَرْض هُذَيْل، وَجزم ابْن التِّين: بِأَنَّهَا على أَربع مراحل من الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: أَقَامَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي بعد أحد بَقِيَّة شَوَّال وَذَا الْقعدَة وَذَا الْحجَّة وَالْمحرم ثمَّ بعث أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة فِي صفر على رَأس أَرْبَعَة أشهر من أحد، وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: وَكَانَ أَمِير الْقَوْم الْمُنْذر بن عَمْرو، وَيُقَال: مرْثَد بن أبي مرْثَد، وَأغْرب مَكْحُول حَيْثُ قَالَ: إِنَّهَا كَانَت بعد الخَنْدَق، وَسَيَأْتِي أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل سبعين رجلا لِحَاجَتِهِ يُقَال لَهُم: الْقُرَّاء، فتعرض لَهُم حيَّان من بني سليم: رعل وذكوان عِنْد بِئْر مَعُونَة فَقَتَلُوهُمْ، فَدَعَا عَلَيْهِم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شهرا فِي صَلَاة الْغَدَاء، وَذَاكَ بَدْء الْقُنُوت. قَوْله: (وَيَوْم الْيَمَامَة) ، أَي: قتل يَوْم الْيَمَامَة سَبْعُونَ، واليمامة مَدِينَة من الْيمن على مرحلَتَيْنِ من الطَّائِف، وَلما تولى أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْخلَافَة بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أرسل جَيْشًا إِلَى قتال مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة، وَجعل خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمِيرا عَلَيْهِم، وقصته طَوِيلَة، وملخصها أَن خَالِدا لما قرب من مُسَيْلمَة وتواجه الْفَرِيقَانِ وَقع حَرْب عَظِيم وصبر الْمُسلمُونَ صبرا لم يعْهَد مثله حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم، وَولى الْكفَّار الأدبار وَدخل أَكْثَرهم الحديقة وأحاط بهم الصَّحَابَة، ثمَّ دخلوها من حيطانها وأبوابها فَقتلُوا من فِيهَا من الْمُرْتَدَّة من أهل الْيَمَامَة حَتَّى خلصوا إِلَى مُسَيْلمَة لَعنه الله فَتقدم إِلَيْهِ وَحشِي بن حَرْب قَاتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَمَاهُ بِحَرْبَة فأصابته وَخرجت من الْجَانِب الآخر، وسارع إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَة سماك بن حَرْب فَضَربهُ بِالسَّيْفِ فَسقط، وَكَانَ جملَة من قتلوا فِي الحديقة وَفِي المعركة قَرِيبا من عشرَة آلَاف مقَاتل، وَقيل: أحد وَعِشْرُونَ ألفا، وَقتل من الْمُسلمين سِتّمائَة، وَقيل: خَمْسمِائَة، وَالله أعلم. وَفِيهِمْ من الصَّحَابَة سَبْعُونَ رجلا، وَيُقَال: كَانَ عمر مُسَيْلمَة يَوْم قتل مائَة وَأَرْبَعين سنة.

٤٠٧٩ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيد حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهاب عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أخبرَهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذَاً لِلْقُرْآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحَدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أنَا شَهِيدٌ علَى هاؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ وأمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُغَسَّلُوا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَانَ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد) . والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب من يقدم فِي اللَّحْد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن ابْن مقَاتل عَن عبد الله عَن لَيْث بن سعد عَن ابْن شهَاب ... إِلَخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٤٠٨٠ - وقَالَ أبُو الوَلِيدِ عنْ شُعْبَةَ عنِ ابنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَاً قَالَ لَمَّا قُتِلَ أبِي جَعَلْتُ أبْكِي وأكْشِفُ الثَّوْبَ عنْ وَجْهِهِ فجَعَلَ أصْحَابُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْهَوْنِي والنَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَمْ يَنْهَ وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَبْكِيهِ أوْ مَا تَبْكِيهِ مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا حتَّى رُفِعَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن وَالِد جَابر هُوَ عبد الله مِمَّن قتل بِأحد، وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَابْن الْمُنْكَدر

هُوَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بن عبد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا أَبُو خَليفَة حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد ... إِلَخ، والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا يكره من النِّيَاحَة على الْمَيِّت بأتم مِنْهُ، أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن ابْن الْمُنْكَدر.

قَوْله: (ينهوني) بِحَذْف نون الْجمع على لُغَة، ويروى: يلهونني، على الأَصْل. قَوْله: (لم ينْه) أَي: لم ينْه جَابِرا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا ينهاني. قَوْله: (لَا تبكيه) ظَاهره يَقْتَضِي أَن النَّهْي لجَابِر، وَبِه صرح الْكرْمَانِي، وَلِأَن قَوْله: لَا تبكيه، خطاب بِصِيغَة الْمُذكر فَيكون النَّهْي لجَابِر. قَوْله: (أَو مَا تبكيه؟) شكّ من الرَّاوِي، قَالَ الْكرْمَانِي: كلمة: مَا، للاستفهام يَعْنِي: لم تبكيه، وَقَالَ بَعضهم: ظَاهره أَن النَّهْي لجَابِر وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا النَّهْي لفاطمة بنت عَمْرو وعمة جَابر، وَقد أخرجه مُسلم من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة بِلَفْظ: قتل أبي فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: وَجعلت بنت عَمْرو عَمَّتي تبكيه، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تبكيه، وَكَذَا تقدم عِنْد المُصَنّف فِي الْجَنَائِز نَحْو هَذَا. انْتهى. قلت: الَّذِي تقدم عِنْد المُصَنّف فِي الْجَنَائِز لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن لَفظه هُنَاكَ: فَذَهَبت أُرِيد أَن أكشف عَنهُ فنهاني قومِي، ثمَّ ذهبت أُرِيد أَن أكشف عَنهُ فنهاني قومِي، فَأمر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَرفع فَسمع صَوت صائحة، فَقَالَ: من هَذِه؟ فَقَالُوا: بنت عَمْرو، أَو أُخْت عَمْرو، قَالَ: فَلم تبْكي أَو لَا تبْكي ... الحَدِيث، وَكَيف يتْرك صَرِيح النَّهْي لجَابِر وَيُقَال: النَّهْي هُنَا لفاطمة بنت عَمْرو وَلَيْسَ لَهَا هُنَا ذكر؟ وَهَذَا تصرف عَجِيب، وَإِن كَانَ أصل الحَدِيث وَاحِدًا، فَلَا يمْنَع أَن يكون النَّهْي هُنَا لجَابِر وَهُنَاكَ لفاطمة، وَبِهَذَا قَالَ الْكرْمَانِي، وَمر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب مَا يكره من النِّيَاحَة، لَكِن ثمَّة رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لعمة عبد الله: لم تبْكي أَو لَا تبْكي، وَهَهُنَا قَالَه لجَابِر.

٤٠٨١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي بُرْدَةَ عنْ جَدِّهِ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أرَى عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ رأيْتُ فِي رُؤْيَايَ أنِّي هَزَزْتُ سَيْفَاً فانْقَطَعَ صَدْرُهُ فإذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَي فَعادَ أحْسَنَ مَا كانَ فإذَا هُوَ مَا جاءَ بِهِ الله مِنَ الفَتْحِ واجْتِمَاعِ المُؤْمِنِينَ ورَأيْتُ فِيهَا بَقَرَاً خَيْرٌ فإذَا هُمُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِذا هُوَ مَا أُصِيب من الْمُؤمنِينَ يَوْم أحد) وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَأَبُو بردة، بِضَم الْبَاء أَيْضا: اسْمه عَامر، وَقيل: غير ذَلِك، وَقد مر غير مرّة، وبريد هَذَا يروي عَن جده أبي بردة وَأَبُو بردة يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي غير مَوضِع فِي الْمَغَازِي وعلامات النُّبُوَّة وَالتَّعْبِير.

قَوْله: (أرى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَذَا وَقع فِي الْأُصُول، وَهُوَ بِضَم الْهمزَة بِمَعْنى: أَظن. قَالَ بَعضهم: الْقَائِل ذَلِك هُوَ البُخَارِيّ. فَكَأَنَّهُ شكّ هَل سمع من شَيْخه صِيغَة الرّفْع أم لَا؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون قَائِله شَيْخه مُحَمَّد بن الْعَلَاء. قَوْله: (رَأَيْت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أريت، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (سَيْفا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: سَيفي، وَقد تقدم فِي أول الْغَزْوَة أَنه ذُو الفقار. قَوْله: (فَانْقَطع صَدره) وَعند ابْن إِسْحَاق: وأريت فِي ذُبَاب سَيفي ثلمًا، وَعند أبي الْأسود فِي الْمَغَازِي عَن عُرْوَة: رَأَيْت سَيفي ذَا الفقار قد انقصم من عِنْد ظبته، وَكَذَا عِنْد ابْن سعد. قَوْله: (بقرًا) بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْقَاف وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة: بقرًا تذبح، وَكَذَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد أبي يعلى. قَوْله: (وَالله خير) كَذَا بِالرَّفْع فيهمَا على أَنه مُبْتَدأ وَخبر وَفِيه حذف تَقْدِيره: وثواب الله خير، أَو صنع الله بالمقتولين خير لَهُم من بقائهم فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ السُّهيْلي: مَعْنَاهُ رَأَيْت بقرًا تنحر وَالله عِنْده خير، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: إِنِّي رَأَيْت وَالله خيرا، رَأَيْت بقرًا، قَالَ النَّوَوِيّ: جَاءَ فِي رِوَايَة: رَأَيْت بقرًا تنحر، وبهذه الزِّيَادَة يتم تَأْوِيل الرُّؤْيَا: إِذْ نحر الْبَقر هُوَ قتل الصَّحَابَة بِأحد.

١١٩ - (حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا زُهَيْر حَدثنَا الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن خباب رَضِي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ: بَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ أَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يُنَشِّفُ بِهِ دَمَهُ وَقَالَ: لَوْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ لَنَزَلَ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ مِنَ السَّمَاءِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ، أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَوَقَعَ هُنَا قَبْلَ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَبَعْدَهُ، وَلَعَلَّهُ قَدَّمَ وَأَخَّرَ.

قَوْلُهُ: (دَمَّوْهُ) (١) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: جَرَحُوهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ.

(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا الْوَقْعَةَ، فَكَأَنَّهمَا حَمَلَاهَا عَمَّنْ شَهِدَهَا أَوْ سَمِعَاهَا مِنَ النَّبِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (يَعْقُوبُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ) هِيَ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَأَوْضَحَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ سَبَبَ مَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَى أُحُدٍ وَلَفْظُهُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ خَرَجَ النِّسَاءُ إِلَى الصَّحَابَةِ يُعِينُونَهُمْ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ فِيمَنْ خَرَجَ، فَلَمَّا رَأَتِ النَّبِيَّ اعْتَنَقَتْهُ وَجَعَلَتْ تَغْسِلُ جِرَاحَاتِهِ بِالْمَاءِ فَيَزْدَادُ الدَّمُ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ بِالنَّارِ وَكَمَدَتْهُ بِهِ حَتَّى لَصِقَ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَأَحْرَقَتْ حَصِيرًا حَتَّى صَارَتْ رَمَادًا، فَأَخَذَتْ مِنْ ذَلِكَ الرَّمَادِ فَوَضَعَتْهُ فِيهِ حَتَّى رَقَأَ الدَّمُ وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ يَوْمَئِذٍ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِهِ. ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَائِذٍ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ الَّذِي رَمَى رَسُولَ اللَّهِ بِأُحُدٍ فَجَرَحَهُ فِي وَجْهِهِ قَالَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ قَمِئَةَ، فَقَالَ: أَقَمْأَكَ اللَّهُ.

قَالَ فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ فَخَرَجَ إِلَى غَنَمِهِ فَوَافَاهَا عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، فَدَخَلَ فِيهَا فَشَدَّ عَلَيْهِ تَيْسُهَا فَنَطَحَهُ نَطْحَةً أَرْدَاهُ مِنْ شَاهِقِ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّدَاوِي، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ يُصَابُونَ بِبَعْضِ الْعَوَارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَالْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ لِيَعْظُمَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْأَجْرُ وَتَزْدَادَ دَرَجَاتُهُمْ رِفْعَةً، وَلِيَتَأَسَّى بِهِمْ أَتْبَاعُهُمْ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

٢٥ - بَاب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

٤٠٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمْ: الزُّبَيْرُ، وَأَبُو بَكْرٍ. لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، قَالَ: مَنْ يَذْهَبُ فِي أثْرِهِمْ فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا. قَالَ: كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، أَيْ: سَبَبُ نُزُولِهَا، وَأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأُحُدٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ أُحُدٌ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ يَوْمَ الْأَحَدِ سَادِسَ عَشَرَ شَوَّالٍ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ فِي النَّاسِ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مَعَنَا إِلَّا مَنْ حَضَرَ بِالْأَمْسِ، فَاسْتَأْذَنَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُ فَأَذِنَ لَهُ، وَإِنَّمَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أُخْت عَائِشَة، وَالزُّبَيْر أَبوهُ، وَأَبُو بكر عطف على أَبوك، ويروى: أَبَوَاك، فَأَبُو بكر عطف على الزبير، وَأطلق الْأَب على أبي بكر وَهُوَ جده مجَازًا. قَوْله: (انتدب) يُقَال: نَدبه لأمر فَانْتدبَ أَي: دَعَاهُ لَهُ فَأجَاب. قَوْله: (سَبْعُونَ رجلا) مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وعمار بن يَاسر وَطَلْحَة وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَذكر عبد الرَّزَّاق من مُرْسل عُرْوَة عبد الله بن مَسْعُود، وَفِي حَدِيث الْبَاب: الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي مُحَمَّد بن سعد حَدثنِي أبي حَدثنِي عمي حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِن الله قذف فِي قلب أبي سُفْيَان الرعب يَوْم أحد بعد الَّذِي كَانَ مِنْهُ، مَا كَانَ فَرجع إِلَى مَكَّة، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن أَبَا سُفْيَان قد أصَاب مِنْكُم طرفا وَقد رَجَعَ وَقذف الله فِي قلبه الرعب، وَكَانَت وقْعَة أحد فِي شَوَّال وَكَانَ التُّجَّار يقدمُونَ الْمَدِينَة فِي ذِي الْقعدَة فينزلون ببدر الصُّغْرَى فِي كل سنة مرّة وَأَنَّهُمْ قدمُوا بعد وقْعَة أحد وَكَانَ أصَاب الْمُؤمنِينَ الْقرح واشتكوا ذَلِك إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم الَّذِي أَصَابَهُم، وَأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ندب النَّاس لِيَنْطَلِقُوا مَعَه ويتبعوا مَا كَانُوا متبعين، وَقَالَ: إِنَّمَا يرتحلون الْآن فَيَأْتُونَ الْحَج وَلَا يقدرُونَ على مثلهَا حَتَّى عَام مقبل، فجَاء الشَّيْطَان فخوف أولياءه فَقَالَ: {إِن النَّاس قد جمعُوا لكم} (آل عمرَان: ١٧٣) . فَأبى عَلَيْهِ النَّاس أَن يتبعوه فَقَالَ: إِنِّي ذَاهِب، وَإِن لم يَتبعني أحد لأحضض، فَانْتدبَ مَعَه أَبُو بكر فذُكر من ذَكَرْنَاهُمْ الْآن وَفِيهِمْ زِيَادَة: حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح فِي سبعين رجلا، فَسَارُوا فِي طلب أبي سُفْيَان فطلبوه حَتَّى بلغُوا الصَّفْرَاء فَأنْزل الله {الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول} (آل عمرَان: ١٧٣) . الْآيَة.

٢٧ - (بَاب من قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْهُمْ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ واليَمَانُ وأنَسُ بنُ النَّضْرِ ومُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قتل من الْمُسلمين يَوْم غَزْوَة أحد، مِنْهُم: حَمْزَة بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد مر بَيَانه فِي بَاب مُفْرد، وَمِنْهُم: الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم وَبعد الْألف نون وَالِد حُذَيْفَة وَهُوَ لقبه، واسْمه حسل، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره لَام، وَقد تقدم فِي آخر: بَاب {إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ} (آل عمرَان: ١٢٢) . وَمِنْهُم أنس بن النَّضر، وَقد تقدم فِي أَوَائِل الْغَزْوَة وَفِي رِوَايَة أبي ذَر النَّضر بن أنس، وَكَذَا وَقع عِنْد النَّسَائِيّ وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب: أنس بن النَّضر وَأما النَّضر بن أنس فَهُوَ وَلَده، وَكَانَ إِذْ ذَاك صَغِيرا، وعاش بعد ذَلِك زَمَانا، وَمِنْهُم مُصعب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف وَقد تقدم أَيْضا.

٤٠٧٨ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثني أبي عنْ قَتَادَةَ قَالَ مَا نَعْلَمُ حَيَّاً مِنْ أحْيَاءِ العَرَبِ أكْثَرَ شَهِيدَاً أعَزَّ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأنْصَارِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، ومعاذ، بِضَم الْمِيم: ابْن هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي الْبَصْرِيّ سكن نَاحيَة الْيمن، يروي عَن أَبِيه عبد الله واسْمه سُفْيَان، قَالَ عَمْرو بن عَليّ: مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة. قَوْله: (أعز) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي من الْعِزَّة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أغر) ، بالغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء، وانتصابه على أَنه صفة أَو بدل أَو عطف بَيَان، وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَازَ حذف حرف الْعَطف كَمَا فِي: التَّحِيَّات المباركات وَفِيه نظر.

قَالَ قَتَادَةُ وحدَّثنا أنَسُ بنُ مَالِكٍ أنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحدٍ سَبْعُونَ ويَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ ويَوْمَ اليَمَامَةِ سَبْعُونَ قالَ وكانَ بِئْرُ مَعُونَةَ علَى عَهْدِ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويَوْمُ اليَمَامَةِ علَى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ

هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَأَرَادَ قَتَادَة بذلك اعتضاد كَلَامه الأول.

قَوْله: (قتل مِنْهُم) أَي: من الْأَنْصَار، هَذَا ظَاهر الْكَلَام إلَاّ أَن الَّذِي قتل من الْمُهَاجِرين قَلِيل، وهم: حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَعبد الله بن جحش وشمسا بن عُثْمَان وَمصْعَب بن عُمَيْر، وَهَؤُلَاء ذكرهم ابْن إِسْحَاق لِأَنَّهُ ذكر من اسْتشْهد من الْمُسلمين بِأحد فبلغوا خَمْسَة وَسِتِّينَ مِنْهُم أَرْبَعَة من الْمُهَاجِرين وهم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ، وروى ابْن مَنْدَه من حَدِيث أبي بن كَعْب، قَالَ: قتل من الْأَنْصَار يَوْم أحد أَرْبَعَة وَسِتُّونَ وَمن الْمُهَاجِرين سِتَّة، وَصَححهُ ابْن حبَان، وَقد ذكر مُوسَى بن عقبَة سَعْدا مولى حَاطِب وَالسَّادِس ثَقِيف بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ حَلِيف بني عبد شمس. قَوْله: (وَيَوْم بِئْر مَعُونَة) ، أَي: قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة، بِفَتْح الْمِيم وَضم الْعين الْمُهْملَة وبالنون، وَهُوَ مَاء لبني سليم وَهُوَ بَين أَرض بني عَامر وَأَرْض بني سليم، وَذكر الْكِنْدِيّ أَن بِئْر مَعُونَة من جبال ليلى فِي طَرِيق المصعد من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة، وَقَالَ ابْن دحْيَة: هِيَ بِئْر بَين مَكَّة وَعُسْفَان وَأَرْض هُذَيْل، وَجزم ابْن التِّين: بِأَنَّهَا على أَربع مراحل من الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: أَقَامَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي بعد أحد بَقِيَّة شَوَّال وَذَا الْقعدَة وَذَا الْحجَّة وَالْمحرم ثمَّ بعث أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة فِي صفر على رَأس أَرْبَعَة أشهر من أحد، وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: وَكَانَ أَمِير الْقَوْم الْمُنْذر بن عَمْرو، وَيُقَال: مرْثَد بن أبي مرْثَد، وَأغْرب مَكْحُول حَيْثُ قَالَ: إِنَّهَا كَانَت بعد الخَنْدَق، وَسَيَأْتِي أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل سبعين رجلا لِحَاجَتِهِ يُقَال لَهُم: الْقُرَّاء، فتعرض لَهُم حيَّان من بني سليم: رعل وذكوان عِنْد بِئْر مَعُونَة فَقَتَلُوهُمْ، فَدَعَا عَلَيْهِم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شهرا فِي صَلَاة الْغَدَاء، وَذَاكَ بَدْء الْقُنُوت. قَوْله: (وَيَوْم الْيَمَامَة) ، أَي: قتل يَوْم الْيَمَامَة سَبْعُونَ، واليمامة مَدِينَة من الْيمن على مرحلَتَيْنِ من الطَّائِف، وَلما تولى أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْخلَافَة بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أرسل جَيْشًا إِلَى قتال مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة، وَجعل خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمِيرا عَلَيْهِم، وقصته طَوِيلَة، وملخصها أَن خَالِدا لما قرب من مُسَيْلمَة وتواجه الْفَرِيقَانِ وَقع حَرْب عَظِيم وصبر الْمُسلمُونَ صبرا لم يعْهَد مثله حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم، وَولى الْكفَّار الأدبار وَدخل أَكْثَرهم الحديقة وأحاط بهم الصَّحَابَة، ثمَّ دخلوها من حيطانها وأبوابها فَقتلُوا من فِيهَا من الْمُرْتَدَّة من أهل الْيَمَامَة حَتَّى خلصوا إِلَى مُسَيْلمَة لَعنه الله فَتقدم إِلَيْهِ وَحشِي بن حَرْب قَاتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَمَاهُ بِحَرْبَة فأصابته وَخرجت من الْجَانِب الآخر، وسارع إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَة سماك بن حَرْب فَضَربهُ بِالسَّيْفِ فَسقط، وَكَانَ جملَة من قتلوا فِي الحديقة وَفِي المعركة قَرِيبا من عشرَة آلَاف مقَاتل، وَقيل: أحد وَعِشْرُونَ ألفا، وَقتل من الْمُسلمين سِتّمائَة، وَقيل: خَمْسمِائَة، وَالله أعلم. وَفِيهِمْ من الصَّحَابَة سَبْعُونَ رجلا، وَيُقَال: كَانَ عمر مُسَيْلمَة يَوْم قتل مائَة وَأَرْبَعين سنة.

٤٠٧٩ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيد حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهاب عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أخبرَهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذَاً لِلْقُرْآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحَدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أنَا شَهِيدٌ علَى هاؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ وأمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُغَسَّلُوا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَانَ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد) . والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب من يقدم فِي اللَّحْد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن ابْن مقَاتل عَن عبد الله عَن لَيْث بن سعد عَن ابْن شهَاب ... إِلَخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٤٠٨٠ - وقَالَ أبُو الوَلِيدِ عنْ شُعْبَةَ عنِ ابنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَاً قَالَ لَمَّا قُتِلَ أبِي جَعَلْتُ أبْكِي وأكْشِفُ الثَّوْبَ عنْ وَجْهِهِ فجَعَلَ أصْحَابُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْهَوْنِي والنَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَمْ يَنْهَ وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَبْكِيهِ أوْ مَا تَبْكِيهِ مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا حتَّى رُفِعَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن وَالِد جَابر هُوَ عبد الله مِمَّن قتل بِأحد، وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَابْن الْمُنْكَدر

هُوَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بن عبد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا أَبُو خَليفَة حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد ... إِلَخ، والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا يكره من النِّيَاحَة على الْمَيِّت بأتم مِنْهُ، أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن ابْن الْمُنْكَدر.

قَوْله: (ينهوني) بِحَذْف نون الْجمع على لُغَة، ويروى: يلهونني، على الأَصْل. قَوْله: (لم ينْه) أَي: لم ينْه جَابِرا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا ينهاني. قَوْله: (لَا تبكيه) ظَاهره يَقْتَضِي أَن النَّهْي لجَابِر، وَبِه صرح الْكرْمَانِي، وَلِأَن قَوْله: لَا تبكيه، خطاب بِصِيغَة الْمُذكر فَيكون النَّهْي لجَابِر. قَوْله: (أَو مَا تبكيه؟) شكّ من الرَّاوِي، قَالَ الْكرْمَانِي: كلمة: مَا، للاستفهام يَعْنِي: لم تبكيه، وَقَالَ بَعضهم: ظَاهره أَن النَّهْي لجَابِر وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا النَّهْي لفاطمة بنت عَمْرو وعمة جَابر، وَقد أخرجه مُسلم من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة بِلَفْظ: قتل أبي فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: وَجعلت بنت عَمْرو عَمَّتي تبكيه، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تبكيه، وَكَذَا تقدم عِنْد المُصَنّف فِي الْجَنَائِز نَحْو هَذَا. انْتهى. قلت: الَّذِي تقدم عِنْد المُصَنّف فِي الْجَنَائِز لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن لَفظه هُنَاكَ: فَذَهَبت أُرِيد أَن أكشف عَنهُ فنهاني قومِي، ثمَّ ذهبت أُرِيد أَن أكشف عَنهُ فنهاني قومِي، فَأمر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَرفع فَسمع صَوت صائحة، فَقَالَ: من هَذِه؟ فَقَالُوا: بنت عَمْرو، أَو أُخْت عَمْرو، قَالَ: فَلم تبْكي أَو لَا تبْكي ... الحَدِيث، وَكَيف يتْرك صَرِيح النَّهْي لجَابِر وَيُقَال: النَّهْي هُنَا لفاطمة بنت عَمْرو وَلَيْسَ لَهَا هُنَا ذكر؟ وَهَذَا تصرف عَجِيب، وَإِن كَانَ أصل الحَدِيث وَاحِدًا، فَلَا يمْنَع أَن يكون النَّهْي هُنَا لجَابِر وَهُنَاكَ لفاطمة، وَبِهَذَا قَالَ الْكرْمَانِي، وَمر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب مَا يكره من النِّيَاحَة، لَكِن ثمَّة رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لعمة عبد الله: لم تبْكي أَو لَا تبْكي، وَهَهُنَا قَالَه لجَابِر.

٤٠٨١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي بُرْدَةَ عنْ جَدِّهِ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أرَى عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ رأيْتُ فِي رُؤْيَايَ أنِّي هَزَزْتُ سَيْفَاً فانْقَطَعَ صَدْرُهُ فإذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَي فَعادَ أحْسَنَ مَا كانَ فإذَا هُوَ مَا جاءَ بِهِ الله مِنَ الفَتْحِ واجْتِمَاعِ المُؤْمِنِينَ ورَأيْتُ فِيهَا بَقَرَاً خَيْرٌ فإذَا هُمُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِذا هُوَ مَا أُصِيب من الْمُؤمنِينَ يَوْم أحد) وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَأَبُو بردة، بِضَم الْبَاء أَيْضا: اسْمه عَامر، وَقيل: غير ذَلِك، وَقد مر غير مرّة، وبريد هَذَا يروي عَن جده أبي بردة وَأَبُو بردة يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي غير مَوضِع فِي الْمَغَازِي وعلامات النُّبُوَّة وَالتَّعْبِير.

قَوْله: (أرى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَذَا وَقع فِي الْأُصُول، وَهُوَ بِضَم الْهمزَة بِمَعْنى: أَظن. قَالَ بَعضهم: الْقَائِل ذَلِك هُوَ البُخَارِيّ. فَكَأَنَّهُ شكّ هَل سمع من شَيْخه صِيغَة الرّفْع أم لَا؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون قَائِله شَيْخه مُحَمَّد بن الْعَلَاء. قَوْله: (رَأَيْت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أريت، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (سَيْفا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: سَيفي، وَقد تقدم فِي أول الْغَزْوَة أَنه ذُو الفقار. قَوْله: (فَانْقَطع صَدره) وَعند ابْن إِسْحَاق: وأريت فِي ذُبَاب سَيفي ثلمًا، وَعند أبي الْأسود فِي الْمَغَازِي عَن عُرْوَة: رَأَيْت سَيفي ذَا الفقار قد انقصم من عِنْد ظبته، وَكَذَا عِنْد ابْن سعد. قَوْله: (بقرًا) بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْقَاف وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة: بقرًا تذبح، وَكَذَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد أبي يعلى. قَوْله: (وَالله خير) كَذَا بِالرَّفْع فيهمَا على أَنه مُبْتَدأ وَخبر وَفِيه حذف تَقْدِيره: وثواب الله خير، أَو صنع الله بالمقتولين خير لَهُم من بقائهم فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ السُّهيْلي: مَعْنَاهُ رَأَيْت بقرًا تنحر وَالله عِنْده خير، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: إِنِّي رَأَيْت وَالله خيرا، رَأَيْت بقرًا، قَالَ النَّوَوِيّ: جَاءَ فِي رِوَايَة: رَأَيْت بقرًا تنحر، وبهذه الزِّيَادَة يتم تَأْوِيل الرُّؤْيَا: إِذْ نحر الْبَقر هُوَ قتل الصَّحَابَة بِأحد.

١١٩ - (حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا زُهَيْر حَدثنَا الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن خباب رَضِي

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 3 صفر
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده