الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٣١٨
الحديث رقم ٤٣١٨ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٤٣١٨ - ٤٣١٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي لَيْثٌ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ :
⦗١٥٤⦘
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ فَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْرَائِيلَ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَنْ قَالَ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ فُلَانٍ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَلَفْظُهُ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ زُهَيْرٍ فَوَصَلَهَا أَيْضًا فِي بَابِ مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ لَفْظَهُ قَرِيبًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لَمَّا غَشَوُا النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ. وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ قَالَ: فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.
ثُمَّ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنِّي أَنَّهُ ضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَهَزَمَهُمْ قَالَ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ رِوَايَةً عَنْ أَبِي هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ تُرَابًا وَلِأَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ قُدْمًا، فَحَادَتْ بِهِ بَغْلَتُهُ فَمَالَ عَنِ السَّرْجِ فَقُلْتُ: ارْتَفِعْ رَفَعَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: نَاوِلْنِي كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَامْتَلَأَتْ أَعْيُنُهُمْ تُرَابًا. وَجَاءَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ سُيُوفُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ كَأَنَّهَا الشُّهُبُ، فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ الْأَدْبَارَ وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا نَاوَلَ النَّبِيَّ ﷺ التُّرَابَ، فَرَمَى بِهِ فِي وجه الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ ﷺ أَوَّلًا قَالَ لِصَاحِبِهِ: نَاوِلْنِي فَنَاوَلَهُ فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَمَاهُمْ أَيْضًا. فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَصَى فِي إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى ترَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي الْخِطَابِ، وَالْإِرْشَادُ إِلَى حُسْنِ السُّؤَالِ بِحُسْنِ الْجَوَابِ. وَذَمُّ الْإِعْجَابِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِانْتِسَابِ إِلَى الْآبَاءِ وَلَوْ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ خَارِجُ الْحَرْبِ. وَمِثْلُهُ الرُّخْصَةُ فِي الْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ دُونَ غَيْرِهَا. وَجَوَازُ التَّعَرُّضِ إِلَى الْهَلَاكِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ويُقَالُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَيَقِّنًا لِلنَّصْرِ لِوَعْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ قَدْ ثَبَتَ مَعَهُ آخِذًا بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْيَقِينِ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدِ اسْتُشْهِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ. وَفِيهِ رُكُوبُ الْبَغْلَةِ إِشَارَةً إِلَى مَزِيدِ الثَّبَاتِ؛ لِأَنَّ رُكُوبَ الْفُحُولَةِ مَظِنَّةُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْفِرَارِ وَالتَّوَلِّي، وَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْجَيْشِ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ وَأَخَذَ بِأَسْبَابِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَأَتْبَاعِهِ عَلَى الثَّبَاتِ. وَفِيهِ شُهْرَةُ الرَّئِيسِ نَفْسَهُ فِي الْحَرْبِ مُبَالَغَةً فِي الشَّجَاعَةِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِالْعَدُوِّ.
٤٣١٨، ٤٣١٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بن سعد، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح.
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ؛ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ - وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا:
فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ
طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي بَقِيَّةِ الْمَوَاضِعِ حَيْثُ لَا يُذْكَرُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُرْسِلُهُ، فَإِنَّ الْمِسْوَرَ يَصْغُرُ عَنْ إِدْرَاكِ الْقِصَّةِ وَمَرْوَانُ أَصْغَرُ مِنْهُ. نَعَمْ كَانَ الْمِسْوَرُ فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ مُمَيِّزًا، فَقَدْ ضَبَطَ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِ قِصَّةَ خِطْبَةِ عَلِيٍّ لِابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَسَقَطَ ابْنُ مُسْلِمٍ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ.
قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَخْ وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ) سَاقَ الزُّهْرِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرَةً، وَقَدْ سَاقَهَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلَةً وَلَفْظُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ إِلَى الْجِعْرَانَةِ وَبِهَا السَّبْيُ يَعْنِي سَبْيَ هَوَازِنَ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فِيهِمْ تِسْعَةُ نَفَرٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا، ثُمَّ كَلَّمُوهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فِيمَنْ أَصَبْتُمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَهُنَّ مَخَازِي الْأَقْوَامِ، فَقَالَ: سَأَطْلُبُ لَكُمْ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْمُقَاسِمُ فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ: آلسَّبْيُ أَمِ الْمَالِ؟ قَالُوا: خَيَّرْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَ الْحَسَبِ وَالْمَالِ، فَالْحَسَبُ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ. فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي لِبَنِي هَاشِمٍ فَهُوَ لَكُمْ، وَسَوْفَ أُكَلِّمُ لَكُمُ الْمُسْلِمِينَ، فَكَلِّمُوهُمْ وَأَظْهِرُوا إِسْلَامَكُمْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَاجِرَةَ قَامُوا فَتَكَلَّمَ خُطَبَاؤُهُمْ فَأَبْلَغُوا وَرَغِبُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي رَدِّ سَبْيهِمْ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغُوا فَشَفَعَ لَهُمْ وَحَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ رَدَدْتُ الَّذِي لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَيْهِمْ. فَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَدَدُ الْوَفْدِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى. وَقَدْ أَغْفَلَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لَمَّا ذَكَرَ الْوُفُودَ وَفْدَ هَوَازِنَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ أَحَدٌ الْوُفُودِ أَكْثَرَ مِمَّا جَمَعَ.
وَمِمَّنْ سُمِّيَ مِنْ وَفْدِ هَوَازِنَ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَبُو مَرْوَانَ - وَيُقَالُ: أَبُو ثَرْوَانَ أَوَّلُهُ مُثَلَّثَةٌ بَدَلَ الْمِيمِ وَيُقَالُ بِمُوَحَّدَةٍ وَقَافٍ - وَهُوَ عَمُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ تَعْيِينُ الَّذِي خَطَبَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَفْظُهُ وَأَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بَالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ قَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّوَاتِي فِي الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالَاتُكَ وَعَمَّاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ واللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَكْفُولٍ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ الْأَبْيَاتَ الْمَشْهُورَةَ أَوَّلُهَا:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ فَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْرَائِيلَ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَنْ قَالَ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ فُلَانٍ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَلَفْظُهُ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ زُهَيْرٍ فَوَصَلَهَا أَيْضًا فِي بَابِ مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ لَفْظَهُ قَرِيبًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لَمَّا غَشَوُا النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ. وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ قَالَ: فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.
ثُمَّ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنِّي أَنَّهُ ضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَهَزَمَهُمْ قَالَ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ رِوَايَةً عَنْ أَبِي هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ تُرَابًا وَلِأَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ قُدْمًا، فَحَادَتْ بِهِ بَغْلَتُهُ فَمَالَ عَنِ السَّرْجِ فَقُلْتُ: ارْتَفِعْ رَفَعَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: نَاوِلْنِي كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَامْتَلَأَتْ أَعْيُنُهُمْ تُرَابًا. وَجَاءَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ سُيُوفُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ كَأَنَّهَا الشُّهُبُ، فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ الْأَدْبَارَ وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا نَاوَلَ النَّبِيَّ ﷺ التُّرَابَ، فَرَمَى بِهِ فِي وجه الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ ﷺ أَوَّلًا قَالَ لِصَاحِبِهِ: نَاوِلْنِي فَنَاوَلَهُ فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَمَاهُمْ أَيْضًا. فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَصَى فِي إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى ترَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي الْخِطَابِ، وَالْإِرْشَادُ إِلَى حُسْنِ السُّؤَالِ بِحُسْنِ الْجَوَابِ. وَذَمُّ الْإِعْجَابِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِانْتِسَابِ إِلَى الْآبَاءِ وَلَوْ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ خَارِجُ الْحَرْبِ. وَمِثْلُهُ الرُّخْصَةُ فِي الْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ دُونَ غَيْرِهَا. وَجَوَازُ التَّعَرُّضِ إِلَى الْهَلَاكِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ويُقَالُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَيَقِّنًا لِلنَّصْرِ لِوَعْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ قَدْ ثَبَتَ مَعَهُ آخِذًا بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْيَقِينِ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدِ اسْتُشْهِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ. وَفِيهِ رُكُوبُ الْبَغْلَةِ إِشَارَةً إِلَى مَزِيدِ الثَّبَاتِ؛ لِأَنَّ رُكُوبَ الْفُحُولَةِ مَظِنَّةُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْفِرَارِ وَالتَّوَلِّي، وَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْجَيْشِ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ وَأَخَذَ بِأَسْبَابِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَأَتْبَاعِهِ عَلَى الثَّبَاتِ. وَفِيهِ شُهْرَةُ الرَّئِيسِ نَفْسَهُ فِي الْحَرْبِ مُبَالَغَةً فِي الشَّجَاعَةِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِالْعَدُوِّ.
٤٣١٨، ٤٣١٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بن سعد، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح.
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ؛ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ - وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا:
فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ
طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي بَقِيَّةِ الْمَوَاضِعِ حَيْثُ لَا يُذْكَرُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُرْسِلُهُ، فَإِنَّ الْمِسْوَرَ يَصْغُرُ عَنْ إِدْرَاكِ الْقِصَّةِ وَمَرْوَانُ أَصْغَرُ مِنْهُ. نَعَمْ كَانَ الْمِسْوَرُ فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ مُمَيِّزًا، فَقَدْ ضَبَطَ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِ قِصَّةَ خِطْبَةِ عَلِيٍّ لِابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَسَقَطَ ابْنُ مُسْلِمٍ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ.
قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَخْ وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ) سَاقَ الزُّهْرِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرَةً، وَقَدْ سَاقَهَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلَةً وَلَفْظُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ إِلَى الْجِعْرَانَةِ وَبِهَا السَّبْيُ يَعْنِي سَبْيَ هَوَازِنَ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فِيهِمْ تِسْعَةُ نَفَرٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا، ثُمَّ كَلَّمُوهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فِيمَنْ أَصَبْتُمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَهُنَّ مَخَازِي الْأَقْوَامِ، فَقَالَ: سَأَطْلُبُ لَكُمْ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْمُقَاسِمُ فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ: آلسَّبْيُ أَمِ الْمَالِ؟ قَالُوا: خَيَّرْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَ الْحَسَبِ وَالْمَالِ، فَالْحَسَبُ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ. فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي لِبَنِي هَاشِمٍ فَهُوَ لَكُمْ، وَسَوْفَ أُكَلِّمُ لَكُمُ الْمُسْلِمِينَ، فَكَلِّمُوهُمْ وَأَظْهِرُوا إِسْلَامَكُمْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَاجِرَةَ قَامُوا فَتَكَلَّمَ خُطَبَاؤُهُمْ فَأَبْلَغُوا وَرَغِبُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي رَدِّ سَبْيهِمْ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغُوا فَشَفَعَ لَهُمْ وَحَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ رَدَدْتُ الَّذِي لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَيْهِمْ. فَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَدَدُ الْوَفْدِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى. وَقَدْ أَغْفَلَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لَمَّا ذَكَرَ الْوُفُودَ وَفْدَ هَوَازِنَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ أَحَدٌ الْوُفُودِ أَكْثَرَ مِمَّا جَمَعَ.
وَمِمَّنْ سُمِّيَ مِنْ وَفْدِ هَوَازِنَ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَبُو مَرْوَانَ - وَيُقَالُ: أَبُو ثَرْوَانَ أَوَّلُهُ مُثَلَّثَةٌ بَدَلَ الْمِيمِ وَيُقَالُ بِمُوَحَّدَةٍ وَقَافٍ - وَهُوَ عَمُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ تَعْيِينُ الَّذِي خَطَبَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَفْظُهُ وَأَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بَالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ قَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّوَاتِي فِي الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالَاتُكَ وَعَمَّاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ واللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَكْفُولٍ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ الْأَبْيَاتَ الْمَشْهُورَةَ أَوَّلُهَا: