«أَوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ يَوْمُ الْخَنْدَقِ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٠٧

الحديث رقم ٤١٠٧ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غزوة الخندق وهي الأحزاب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤١٠٧ في صحيح البخاري

«أَوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ يَوْمُ الْخَنْدَقِ.»

إسناد حديث رقم ٤١٠٧ من صحيح البخاري

٤١٠٧ - حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤١٠٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا.

٤١٠٧ - حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ "أَوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ يَوْمُ الْخَنْدَقِ"

الْحَدِيثُ السَّادِسُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ) هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ. ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وَبَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي صِفَةَ نُزُولِهِمْ قَالَ: نَزَلَتْ قُرَيْشٌ بِمُجْتَمَعِ السُّيُولِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَتِهَامَةَ، وَنَزَلَ عُيَيْنَةُ فِي غَطَفَانَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ بِبَابِ نُعْمَانَ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سِلَعَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ، وَجَعَلَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ، قَالَ: وَتَوَجَّهَ حُيَيُّ بْنُ أَخَطَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى غَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ غَدْرُهُمْ فَاشْتَدَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يُعْطِيَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَمَنْ مَعَهُ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَالَا: كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَطْمَعُونَ مِنَّا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ نَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ ﷿ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ؟ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا، مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَلَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ.

فَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْحِصَارُ، حَتَّى تَكَلَّمَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالنِّفَاقِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ الْآيَاتُ. قَالَ: وَكَانَ الَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ: وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إِلَّا مُرَامَاةٌ بِالنَّبْلِ لَكِنْ كَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيُّ اقْتَحَمَ هُوَ وَنَفَرٌ مَعَهُ خُيُولُهُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ ضَيِّقَةٍ مِنَ الْخَنْدَقِ حَتَّى صَارُوا بِالسَّبْخَةِ فَبَارَزَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ، وَبَرَزَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ فَبَارَزَهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عَلِيٌّ. وَرَجَعَتْ بَقِيَّةُ الْخُيُولِ مُنْهَزِمَةً. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِحُذَيْفَةَ: أَدْرَكْتُمْ رَسُولَ اللَهِ وَلَمْ نُدْرِكْهُ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَا تَدْرِي لَوْ أَدْرَكْتَهُ كَيْفَ تَكُونُ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْخَنْدَقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مَطِيرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ يَذْهَبُ فَيَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ أَحَدٌ، فَقَالَ لَنَا الثَّانِيَةَ: جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقِي. فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ابْعَثْ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ: اذْهَبْ. فَقُلْتُ: أَخْشَى أَنْ أُؤْسَرَ، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُؤْسَرَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ انْطَلَقَ: وَأَنَّهُمْ تَجَادَلُوا، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ بِنَاءً إِلَّا هَدَمَتْهُ وَلَا إِنَاءً إِلَّا أَكْفَأَتْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَرِيعِ بْنِ حُذَيْفَةَ نَحْوُهُ وَفِيهِ: أن عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ صَارَ يَقُولُ: يَا آلَ

عَامِرٍ، إِنَّ الرِّيحَ قَاتِلني.

وَتَحَمَّلَتْ قُرَيْشٌ وَإِنَّ الرِّيحَ لَتَغْلِبُهُمْ عَلَى بَعْضِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ أَخِي حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فَوْقِنَا، وَقُرَيْظَةُ أَسْفَلَ مِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّنَا، وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا أَشَدُّ ظُلْمَةً وَلَا رِيحًا مِنْهَا، فَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ. فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ وَأَنَا جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيَّ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا ثَلَاثُمِائَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، قَالَ: فَدَعَا لِي فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي الْقَرَّ وَالْفَزَعَ، فَدَخَلْتُ عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا الرِّيحُ فِيهِ لَا تُجَاوِزُهُ شِبْرًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ رَأَيْتُ فَوَارِسَ فِي طَرِيقِي فَقَالُوا: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ كَفَاهُ الْقَوْمَ وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِاخْتِصَارٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) سَيَأْتِي بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّرِيقُ الْأُخْرَى لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ أَبِي إِسْحَاقَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ الْبَرَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوِ اغْبَرَّ بَطْنُهُ) كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا، فَأَمَّا الَّتِي بِالْمُوَحَّدَةِ فَوَاضِحٌ مِنَ الْغُبَارِ، وَأَمَّا الَّتِي بِالْمِيمِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَالْمَعْنَى وَارَى التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وَمِنْهُ غِمَارُ النَّاسِ وَهُوَ جَمْعُهُمْ إِذَا تَكَاثَفَ وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَالَ: وَرُوِيَ اعفر بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ، وَالْعَفَرُ بِالتَّحْرِيكِ: التُّرَابُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِنَصْبِ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِرَفْعِهَا، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ حَتَّى غَبَّرَ بَطْنَهُ أَوِ اغْبَرَّ بِمُعْجَمَةٍ فِيهِمَا وَمُوَحَّدَةٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي زَيْدٍ حَتَّى أَغْمَرَ قَالَ: وَلَا وَجْهَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى سَتَرَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ بَطْنَهُ قَالَ: وَأَوْجَهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اغْبَرَّ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَبِرَفْعِ بَطْنِهِ.

قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ أُمٍّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ كَانَ النَّبِيُّ يُعَاطِيهِمُ اللَّبَنَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَقَدِ اغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَ بَطْنِهِ وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الصَّدْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ فِي صِفَتِهِ أَنَّهُ كَانَ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ أَيِ الشَّعْرِ الَّذِي فِي الصَّدْرِ إِلَى الْبَطْنِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ دِقَّتِهِ كَثِيرًا أَيْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَشِرًا بَلْ كَانَ مُسطِيلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ أَنَّ هَذَا الرَّجَزَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ، وَتَحْرِيرُهُ أنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا فَذَكَرَ الرَّاوِي الْأُلَى بِمَعْنَى الَّذِينَ وَحَذَفَ قَدْ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ قَدْ وَهُمْ قَالَ: وَالْأَصْلُ إنَّ الْأُلَى هُمْ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، وَهُوَ يَتَّزِنُ بِمَا قَالَ. لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ. وَذَكَرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَبَوْ بَدَلَ بَغَوْا وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ، أَيْ أَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِنَا. وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ إِنَّ الْأُلَى قَدْ رَغِبُوا عَلَيْنَا كَذَا لِلسَّرَخْسِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَكَذَا فِي نُسْخَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ، وَلِلْبَاقِينَ قَدْ بَغَوْا كَالْأُولَى. وَأَمَّا الْأَصِيلِيُّ فَضَبَطَهَا بِالْغَيْنِ الثَّقِيلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَضَبَطَهَا فِي الْمَطَالِعِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَضُبِطَتْ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ كَذَا لَكِنْ بِزَايٍ أَوَّلُهُ وَالْمَشْهُورُ مَا فِي الْمَطَالِعِ.

قَوْلُهُ: (وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: أَبَيْنَا أَبَيْنَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُوَحَّدَةٍ وَفِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: أَبَيْنَا مَا وَقَعَ فِي آخِرِ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا وَقَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ وَكَرِيمَةَ أَتَيْنَا بِمُثَنَّاةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالسَّجْزِيِّ بِمُثَنَّاةٍ، قَالَ عِيَاضٌ: كِلَاهُمَا صَحِيحُ الْمَعْنَى، أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَعْنَاهُ إِذَا صِيحَ بِنَا لِفَزَعٍ أَوْ حَادِثٍ أَبَيْنَا الْفِرَارَ وَثَبَتْنَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ جِئْنَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا.

٤١٠٧ - حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ "أَوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ يَوْمُ الْخَنْدَقِ"

الْحَدِيثُ السَّادِسُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ) هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ. ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وَبَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي صِفَةَ نُزُولِهِمْ قَالَ: نَزَلَتْ قُرَيْشٌ بِمُجْتَمَعِ السُّيُولِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَتِهَامَةَ، وَنَزَلَ عُيَيْنَةُ فِي غَطَفَانَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ بِبَابِ نُعْمَانَ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سِلَعَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ، وَجَعَلَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ، قَالَ: وَتَوَجَّهَ حُيَيُّ بْنُ أَخَطَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى غَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ غَدْرُهُمْ فَاشْتَدَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يُعْطِيَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَمَنْ مَعَهُ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَالَا: كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَطْمَعُونَ مِنَّا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ نَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ ﷿ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ؟ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا، مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَلَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ.

فَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْحِصَارُ، حَتَّى تَكَلَّمَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالنِّفَاقِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ الْآيَاتُ. قَالَ: وَكَانَ الَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ: وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إِلَّا مُرَامَاةٌ بِالنَّبْلِ لَكِنْ كَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيُّ اقْتَحَمَ هُوَ وَنَفَرٌ مَعَهُ خُيُولُهُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ ضَيِّقَةٍ مِنَ الْخَنْدَقِ حَتَّى صَارُوا بِالسَّبْخَةِ فَبَارَزَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ، وَبَرَزَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ فَبَارَزَهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عَلِيٌّ. وَرَجَعَتْ بَقِيَّةُ الْخُيُولِ مُنْهَزِمَةً. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِحُذَيْفَةَ: أَدْرَكْتُمْ رَسُولَ اللَهِ وَلَمْ نُدْرِكْهُ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَا تَدْرِي لَوْ أَدْرَكْتَهُ كَيْفَ تَكُونُ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْخَنْدَقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مَطِيرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ يَذْهَبُ فَيَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ أَحَدٌ، فَقَالَ لَنَا الثَّانِيَةَ: جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقِي. فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ابْعَثْ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ: اذْهَبْ. فَقُلْتُ: أَخْشَى أَنْ أُؤْسَرَ، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُؤْسَرَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ انْطَلَقَ: وَأَنَّهُمْ تَجَادَلُوا، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ بِنَاءً إِلَّا هَدَمَتْهُ وَلَا إِنَاءً إِلَّا أَكْفَأَتْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَرِيعِ بْنِ حُذَيْفَةَ نَحْوُهُ وَفِيهِ: أن عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ صَارَ يَقُولُ: يَا آلَ

عَامِرٍ، إِنَّ الرِّيحَ قَاتِلني.

وَتَحَمَّلَتْ قُرَيْشٌ وَإِنَّ الرِّيحَ لَتَغْلِبُهُمْ عَلَى بَعْضِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ أَخِي حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فَوْقِنَا، وَقُرَيْظَةُ أَسْفَلَ مِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّنَا، وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا أَشَدُّ ظُلْمَةً وَلَا رِيحًا مِنْهَا، فَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ. فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ وَأَنَا جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيَّ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا ثَلَاثُمِائَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، قَالَ: فَدَعَا لِي فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي الْقَرَّ وَالْفَزَعَ، فَدَخَلْتُ عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا الرِّيحُ فِيهِ لَا تُجَاوِزُهُ شِبْرًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ رَأَيْتُ فَوَارِسَ فِي طَرِيقِي فَقَالُوا: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ كَفَاهُ الْقَوْمَ وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِاخْتِصَارٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) سَيَأْتِي بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّرِيقُ الْأُخْرَى لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ أَبِي إِسْحَاقَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ الْبَرَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوِ اغْبَرَّ بَطْنُهُ) كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا، فَأَمَّا الَّتِي بِالْمُوَحَّدَةِ فَوَاضِحٌ مِنَ الْغُبَارِ، وَأَمَّا الَّتِي بِالْمِيمِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَالْمَعْنَى وَارَى التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وَمِنْهُ غِمَارُ النَّاسِ وَهُوَ جَمْعُهُمْ إِذَا تَكَاثَفَ وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَالَ: وَرُوِيَ اعفر بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ، وَالْعَفَرُ بِالتَّحْرِيكِ: التُّرَابُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِنَصْبِ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِرَفْعِهَا، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ حَتَّى غَبَّرَ بَطْنَهُ أَوِ اغْبَرَّ بِمُعْجَمَةٍ فِيهِمَا وَمُوَحَّدَةٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي زَيْدٍ حَتَّى أَغْمَرَ قَالَ: وَلَا وَجْهَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى سَتَرَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ بَطْنَهُ قَالَ: وَأَوْجَهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اغْبَرَّ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَبِرَفْعِ بَطْنِهِ.

قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ أُمٍّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ كَانَ النَّبِيُّ يُعَاطِيهِمُ اللَّبَنَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَقَدِ اغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَ بَطْنِهِ وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الصَّدْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ فِي صِفَتِهِ أَنَّهُ كَانَ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ أَيِ الشَّعْرِ الَّذِي فِي الصَّدْرِ إِلَى الْبَطْنِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ دِقَّتِهِ كَثِيرًا أَيْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَشِرًا بَلْ كَانَ مُسطِيلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ أَنَّ هَذَا الرَّجَزَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ، وَتَحْرِيرُهُ أنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا فَذَكَرَ الرَّاوِي الْأُلَى بِمَعْنَى الَّذِينَ وَحَذَفَ قَدْ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ قَدْ وَهُمْ قَالَ: وَالْأَصْلُ إنَّ الْأُلَى هُمْ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، وَهُوَ يَتَّزِنُ بِمَا قَالَ. لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ. وَذَكَرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَبَوْ بَدَلَ بَغَوْا وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ، أَيْ أَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِنَا. وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ إِنَّ الْأُلَى قَدْ رَغِبُوا عَلَيْنَا كَذَا لِلسَّرَخْسِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَكَذَا فِي نُسْخَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ، وَلِلْبَاقِينَ قَدْ بَغَوْا كَالْأُولَى. وَأَمَّا الْأَصِيلِيُّ فَضَبَطَهَا بِالْغَيْنِ الثَّقِيلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَضَبَطَهَا فِي الْمَطَالِعِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَضُبِطَتْ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ كَذَا لَكِنْ بِزَايٍ أَوَّلُهُ وَالْمَشْهُورُ مَا فِي الْمَطَالِعِ.

قَوْلُهُ: (وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: أَبَيْنَا أَبَيْنَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُوَحَّدَةٍ وَفِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: أَبَيْنَا مَا وَقَعَ فِي آخِرِ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا وَقَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ وَكَرِيمَةَ أَتَيْنَا بِمُثَنَّاةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالسَّجْزِيِّ بِمُثَنَّاةٍ، قَالَ عِيَاضٌ: كِلَاهُمَا صَحِيحُ الْمَعْنَى، أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَعْنَاهُ إِذَا صِيحَ بِنَا لِفَزَعٍ أَوْ حَادِثٍ أَبَيْنَا الْفِرَارَ وَثَبَتْنَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ جِئْنَا

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل