«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٤١

الحديث رقم ٤١٤١ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حديث الإفك.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين…

«كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، قَالَتْ: وَأَقْبَلَ

⦗١١٧⦘

الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ، قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الْإِفْكِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ، فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى، وَإِنَّ كُِبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: وَأَمْرُنَا

⦗١١٨⦘

أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ، مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ، أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ. قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَقَالَ:

⦗١١٩⦘

أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ، أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ، وَهْوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهْوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ يُخَفِّضُهُمْ، حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ، فَقُلْتُ لِأُمِّي أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ أُمِّي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ، فَقُلْتُ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا: إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ: لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللهَ مُبَرِّئِي

⦗١٢٠⦘

بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، فَوَاللهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ، وَهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهْوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ. قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ ﷿، قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ: مَاذَا عَلِمْتِ، أَوْ رَأَيْتِ؟. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهْيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ. قَالَتْ: وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ ثُمَّ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ.»

سند حديث: ٤١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ…

٤١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ. قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين…

قال محمد بن مسلم شهاب الزهري التابعي الجليل: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهم من كبار التابعين، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، والأربعة كلهم حدثني بالإفراد قطعة من حديثها، وبعضهم كان أحفظ لحديثها من بعض، وأثبت له سياقًا، وقد حفظت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، فجميع الحديث عن مجموعهم لا أن جميعه عن كل واحد منهم، وبعض حديثهم يُصدِّق بعضًا، وإن كان بعضهم أحفظَ له من بعض، وقد جاء ذكر هذه الحادثة في سورة النور.
قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسافر أقرع بين زوجاته، فيكون تحديد الزوجة التي سترافقه بالقرعة، تطييبًا لقلوبهن، فأي واحدة منهن خرج سهمها أخذها النبي عليه الصلاة والسلام وسافرت معه، فأقرع بيننا عليه الصلاة والسلام في غزوة المُرَيسيع، في السنة السادسة، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أُنزِلَ الأمر بالحجاب، وكنت أُحمل في الهودج الذي تُحمل فيه النساء، فسرنا حتى إذا انتهى عليه الصلاة والسلام من غزوته شرع في العودة، واقتربنا من المدينة حال رجوعنا، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً بالاستعداد للرحيل، فقمتُ فمشيت لقضاء حاجتي منفردةً، حتى جاوزت الجيش فلما انتهيت من شأني الذي مشيت له رجعت إلى الموضع الذي نزلت به، فلمست صدري فإذا بقلادة لي من خَرَزٍ يمانيٍّ قد انقطعت وضاعت، فرجعت إلى الموضع الذي ذهبتُ إليه، فبحثت عن قلادتي فأخرني طلبه، وجاء القوم الذين كانوا يحملون هودجي، وهو المحمل الذي يستر المرأة في السفر، فحملوه ووضعوه على الجمل الذي كنت أركبه، وهم يظنون أني بداخل الهودج، وكان النساء يومئذ خفاف، لم يكثر لحمهن، لأنهن كنَّ يأكلن القليل من الطعام، فلم ينكر القوم أن الهودج خفيف حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية صغيرة السن لم تبلغ حينئذٍ خمس عشرة سنة، فأثاروا الجمل وساروا، ووجدت عقدي لكن بعدما ذهب الجيش ومضى، فذهبت لأماكنهم فلم أجد منهم أحدًا، فقصدت منزلي وعلمت أنهم سيفقدونني ويرجعون إليّ، وبينما أنا جالسة في منزلي نعست فنمت، من شدة ما اعتراها من الغم، أو أن الله تعالى ألقى عليها النوم لطفًا منه بها لتستريح من وحشة الانفراد في البرية بالليل، وكان صفوان بن المعطَّل السُّلَمي ثم الذكواني يتخلف وراء الجيش، فمن سقط له شيء من متاعه كالقَدَح والسوط أتاه به، فأصبح عند منزلي فرأى شخصَ إنسانٍ نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل نزول الأمر بالحجاب، فاستيقظت من نومي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، فغطيت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، لما شق عليه من ذلك، ونزل حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها ليسهل الركوب عليها، فلا تحتاج إلى مساعد، فقمت إليها فركبتها، فانطلق صفوان يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش، وذلك في شدَّة الحَرِّ، في وسط الظهيرة حين بلغت الشمس منتهاها من الارتفاع، وكان الجيش قد نزل ووصل إلى المنزل المطلوب.
قالت عائشة رضي الله عنها: فهلك من هلك في أمر الإفك، وكان الذي باشر معظمه عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، قال عروة بن الزبير أُخبرت أن حديث الإفك كان ينتشر ويُتحدث به عند عبد الله بن أبي، فيصدقه ويستمع إليه ولا ينكره ولا ينهى عنه من يقوله، وكان يستخرجه بالبحث عنه حتى يفشيه، وقال عروة بن الزبير: لم يُذكر اسم أحد من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت الشاعر ومِسْطَح بن أُثاثة وحَمْنَة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، في ناس آخرين لا أعلمهم بأسمائهم إلا أنهم عصبة أي عشرة أو ما فوقها إلى الأربعين، كما قال الله تعالى في سورة النور: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم}، وإن متولي معظمه يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
قالت عائشة رضي الله عنها: رجعنا إلى المدينة فمرضت حين رجوعنا مدة شهر، والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك، وأنا لا أحس بشيء من قولهم ولم أسمعه، ولكن يشككني أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أراه عندما أمرض، بل كان عليه الصلاة والسلام يدخل عليَّ ويقول: كيف حالكِ؟ ثم يخرج، فكان ذلك يشككني ولم أشعر بشيءٍ مما يقولون، حتى أفقت من المرض، فخرجت مع أم مسطح جهة المناصع، وهو موضع خارج المدينة، وكان موضع قضاء حاجتنا، وكنا نخرج له في الليل فقط، قبل أن نتخذ الأماكن المخصَّصة لقضاء الحاجة قريبةً من بيوتنا، وأمرُنا كأمر العرب الأوائل، في قضاء الحاجة في البرية خارج المدينة، وكنا نتأذى إذا وضعنا أماكن قضاء الحاجة داخل بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي سلمى ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب رضي الله عنه، وبعد أن انتهينا من شأننا، وعدنا باتجاه بيتي، تعثرت أم مسطح في كسائها، فقالت حين تعثَّرت: هلك مسطح، قلت: هل تسبين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت: يا هذه، ألم تسمعي ما قال مسطح؟ قلت لها: وماذا قال؟ فأخبرتني بما يقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف حالكم؟ فقلت له: هل تسمح لي أن أزور أبوي؟ وكنت أريد أن أتأكد من الخبر الذي سمعته منهما، فأذن لي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتيتهما فقلت لأمي: يا أماه، ما الذي يتحدث الناس به؟ قالت: يا ابنتي هوِّني عليك، فوالله قلما كانت امرأة حسنة جميلة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا أكثرْنَ عليها القول في عيبها ونقصها، والمراد بعض أتباع ضرائرها كحمنة بنت جحش أخت زينب أو نساء غيرها، قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت متعجبة من ذلك: سبحان الله، وقد تحدث الناس بذلك، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا ينقطع الدمع من عيني، ولا تغمض لي عين فأنام؛ لأن الهموم داعية للسهر وسيلان الدموع، ثم أصبحت أبكي.
قالت: ودعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأسامة بن زيد حين طال لبث نزول الوحي، يسألهما عن ذلك ويستشيرهما في فراق أهله، ولم تقل في فراقي لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها، قالت: فأما أسامة فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال أسامة: هم أهلك العفائف ولا نعلم عليهم إلا خيرًا، وأما علي فقال: يا رسول الله النساء غيرها كثير، و لم يضيق الله عليك بألا تتزوج، واسأل الجارية بريرة فتخبرك بما تعلم منها، ولعلها كانت تخدم عائشة رضي الله عنها حينئذ قبل شرائها أو بعده، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا من جنس ما قيل فيها؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها شيئًا أبدًا أعيبه عليها إلا أنها جارية صغيرة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الشاة أو ما يألف البيوت: شاةً أو غيرَها، فتأكله، وهذا دليل على أنه لا عيب فيها سوى هذه الصفة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، مَن يقوم بعذري ولا يلومني إن كافأته على قبيح فعله، أو من ينصرني من رجل قد وصل أذاه إلى أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا صفوان بن المعطَّل، وما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا وهو معي، فقام سعد بن معاذ فقال: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من قبيلتنا الأوس قتلته، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا ما أمرتنا فيه، وكان عبد الله بن أُبيّ خزرجيًّا، فقام رجلٌ من الخزرج، وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، لم يتقدم منه ما يتعلق بالوقوف مع قريبه بالباطل، ولم تغمصه في دينه، ولكن كان بين الحيين مشاحنة قبل الإسلام، ثم زالت وبقي بعض آثارها، فهو من الصالحين ولكن أخذته الحَمِيَّةُ من مقالة سعد بن معاذ فأغضبته، فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لن تقتله، ولا تقدر على قتله؛ لأنا نمنعه منه، ولو كان من الأوس ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتله، ولو كان من الخزرج إذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وليست لكم قدرة على منعنا، فإنك منافق وتجادل عن المنافقين، ولم يرد نفاق الكفر، بل إظهاره الود للمنافقين، فنهض الأوس والخزرج بعضهم إلى بعض من الغضب حتى قاربوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على المنبر، فلا يزال عليه الصلاة والسلام يهدِّئُهم حتى سكتوا وسكت عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة: فبكيت يومي ذلك كله لا تنقطع الدموع من عيني ولا تغمض لي عين بالنوم، وأصبح أبواي أبو بكر وأم رومان عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا بكاءً مستمرًّا شديدًا، حتى أني لأظن أن البكاء سيشق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليَّ امرأة من الأنصار لم تُسَمَّ، فأذنت لها فجلست تبكي معي تفجعًا لما نزل بي، فبينما نحن كذلك، دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قولهم الإفك، وقد مكث عليه الصلاة والسلام شهرًا لا يوحى إليه في شأني هذا بشيء، فتشهد النبي صلى الله عليه وسلم عندما جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة وصلني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة مما نسبوه إليك، فسيثبت الله عز وجل براءتك بوحي ينزله، وإن كان وقع منك ذنب فاستغفري الله وتوبي إليه من هذا الذنب، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب منه، فإن الله يتوب عليه، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من كلامه انقطع دمعي حتى ما أجد منه قطرة، فقلت لأبي: رُدَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما قاله لي، قال: والله لا أعلم ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: رُدِّي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: لا أعلم ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فقلت وأنا جارية صغيرة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا، وهذا تمهيد لعذرها في عدم استحضارها اسم يعقوب عليه السلام، قالت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم حديث الإفك حتى ثبت في أنفسكم وصدَّقتم به، وإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لن تصدقوني، وإن اعترفت لكم بأني لست بريئة، والله يعلم أني بريئة ستصدقونني، والله لا أجد لكم مثلًا إلا قول أبي يوسف، إذ قال: {فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون}، ثم انقلبتُ فرقدتُ على فراشي، وأنا وقتها أعلم أني بريئة، وأن الله سيبرِّئُني، ولكن والله ما كنت أظن أن الله سينزل في أمري وحيًا وقرآنًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر وأصغر من أن يتكلم الله فيَّ بشيءٍ، ولكن كنت أرجو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يثبت الله براءتي بها، قالت: فوالله ما فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت من الذين كانوا حاضرين حينئذٍ حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من العرق من شدة الوحي، حتى إنه لينزل منه مثل اللؤلؤ من العرق وهو في يوم بارد، من ثقل القول الذي ينزل عليه، فلما كُشِف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي كان يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما إن الله عز وجل قد برَّأكِ بالقرآن مما قاله أهل الإفك فيك، فقالت أمي أم رومان: قُومِي إليه صلى الله عليه وسلم لأجل ما بشرك به، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل براءتي، وأنزل الله عز وجل {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه} العشر الآيات كلها.
فلما أنزل الله تعالى هذه الآيات في براءتي وأقيم الحد على من أقيم عليه، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لأنه ابن خالته ولفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال في عائشة، فأنزل الله {ولا يأتل} أي لا يحلف {أولو الفضل منكم} أي أصحاب التقدم في الدين {والسعة} في المال، كأبي بكر رضي الله عنه {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله})، صفات لموصوف واحد وهو مسطح لأنه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًا {وليعفوا وليصفحوا} عنهم خوضهم في أمر عائشة {ألا تحبون} خطاب لأبي بكر {أن يغفر الله لكم} على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم {والله غفور رحيم} قال أبو بكر لما قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فأعاد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه قبل، وحلف ألا ينزعها منه أبدًا.
قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها عن أمري، فقال: يا زينب ماذا علمت على عائشة أو رأيت منها؟ فقالت يا رسول الله أحفظ سمعي من أن أقول سمعت ولم أسمع، و أحفظ بصري من أن أقول أبصرت ولم أبصر، ما علمت عليها إلا خيًرا، قالت عائشة: وزينب هي التي كانت تطلب من العلو والارتفاع والحظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب، أو تعتقد أن لها مثل الذي لي عنده، من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفظها الله بالورع أن تقول ما يقول أهل الإفك، وجعلت أختها حمنة تحارب لأختها زينب، وتحكي مقالة أهل الإفك لتخفض منزلة عائشة وتعلي منزلة أختها زينب، فحُدَّت فيمن حُدَّ من أصحاب الإفك أو أثمت مع من أثم.
قال ابن شهاب: فهذا الذي وصلني من حديث هؤلاء الجماعة، ثم قال عروة، قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل فيه ما قيل من الإفك -وهو صفوان بن المعطل- ليقول متعجبًا مما نسبوه إليه: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، أي سترها وهو كناية عن عدم الجماع، قالت عائشة: ثم قتل صفوان بعد ذلك شهيدًا في سبيل الله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • يؤخذ من سياق عائشة رضي الله عنها جميع قصتها المشتملة على براءتها بيان ما أجمل في الكتاب والسنة.
  • توقف رحيل العسكر على إذن الأمير.
  • استعمال بعض الجيش ساقةً؛ ليكون أمينًا، وليحمل الضعيف، ويحفظ ما يسقط، وغير ذلك من المصالح.
  • مشروعية الاسترجاع عند المصيبة.
  • وجوب تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي، لأن عائشة رضي الله عنها فسَّرت بفعلها كيفية الحجاب المأمور به في الآيات، وأن تغطية الوجه منه.
  • حسن الأدب مع الأجانب، خصوصًا النساء، لا سيما في الخلوة.
  • المشي أمام المرأة؛ ليستقر خاطرها، وتأمن مما يتوهم من نظره، ولما عساه ينكشف منها في حركة المشي.
  • إطلاق الظن على العلم.
  • مشروعية القرعة في فصل الحقوق، حتى بين النساء وغيره.
  • وجوب الإقراع بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن.
  • جواز السفر بالنساء حتى في الغزو إذا أُمِن عليهن.
  • جواز ركوب النساء في الهوادج، وكذلك السيارات والباصات، وجواز خدمة الرجال لهن في الأسفار.
  • جواز خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب.
  • جواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن.
  • الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة.
  • جواز لبس النساء القلائد في السفر كالحضر.
  • جواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل، ولو كان فيه مدح ناس، وذم ناس، إذا تضمن ذلك إزالة توهم النقص عن الحاكي.
  • الدلالة على منع الحكم حالة الغضب، لما بدا من سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة من قول بعضهم لبعض حالة الغضب، حتى كادوا يقتتلون.
  • أن الشدة إذا استحكمت أعقبها الفرج، وإنما ذلك لاستخراج الصبر والإنابة والتوجه لله تعالى من العبد المبتلى.
  • فضل من يُفوِّض الأمر لربه تعالى، وأن من قوي على ذلك خف عنه الهم والغم، كما وقع في حالتي عائشة رضي الله عنها قبل استفسارها عن حالها، وبعد جوابها بقولها: والله المستعان.
  • مشروعية التسبيح عند التعجب، واستعظام الأمر.
  • ذم الغيبة، وذم سماعها، وزجر من يتعاطاها، لا سيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه.
  • ذم إشاعة الفاحشة.
  • تحريم الشك في براءة عائشة رضي الله عنها، ومن رماها بما برأها الله تعالى منه كفر.
  • تثبت أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأمور؛ لأنه لم ينقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهرًا كلمة، فما فوقها، إلا ما ورد عنه في بعض طرق الحديث أنه قال: والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية، فكيف بعد أن أعزنا الله بالإسلام.
  • فضيلة قوية لأم مسطح؛ لأنها لم تحاب ولدها في وقوعه في حق عائشة رضي الله عنهما، بل تعمدت سبه على ذلك.
  • تقوية لأحد الاحتمالين في قوله صلى الله عليه وسلم عن أهل بدر: "إن الله قال لهم: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، وأن الراجح أن المراد بذلك أن الذنوب تقع منهم، لكنها مقرونة بالمغفرة؛ تفضيلا لهم على غيرهم، بسبب ذلك المشهد العظيم، ومرجوحية القول الآخر: أن المراد أن الله تعالى عصمهم، فلا يقع منهم ذنب.
  • مشروعية التسبيح عند سماع ما يعتقد السامع أنه كذب، وتوجيهه هنا أنه سبحانه وتعالى ينزه أن يحصل لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدنيس، فيشرع شكره بالتنزيه في مثل هذا.
  • توقف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها، ولو كانت إلى بيت أبويها.
  • خبر الواحد إذا جاء احتفت به قرائن أفاد القطع، لقول عائشة رضي الله عنها: لأستيقن الخبر من قبلهما، وأن ذلك لا يتوقف على عدد معين.
  • جواز استشارة المرء أهل بطانته.
  • البحث عن حال من اتهم بشيء، وحكاية ذلك؛ للكشف عن أمره، ولا يعد ذلك غيبة.
  • استعمال: "لا نعلم إلا خيرًا" في التزكية، وأن ذلك كاف في حق من سبقت عدالته.
  • التثبت في الشهادة، واستعمال الفطنة من الإمام عند الحادث المهم.
  • ابتداء الكلام في الأمر المهم بالتشهد، والحمد، والثناء، وقول: أما بعد.
  • مشروعية التوبة، وأنها تقبل من المعترف المقلع المخلص.
  • مجرد الاعتراف لا يجزئ في التوبة.
  • الاعتراف بما لم يقع لا يجوز، ولو عرف أنه سيُصدَّق في ذلك، ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه، بل عليه أن يقول الحق، أو يسكت.
  • الصبر تحمد عاقبته، ويغبط صاحبه.
  • توقف من اشتبه عليه الأمر في الكلام.
  • استحباب تبشير من تجددت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة.
  • جواز الضحك، والفرح، والاستبشار عند تجدد النعمة، واندفاع النقمة.
  • معذرة من انزعج عند وقوع الشدة؛ لصغر سن ونحوه.
  • جواز إدلال المرأة على زوجها وأبويها.
  • مشروعية التدرج في الخبر، لئلا يهجم على قلب المخاطب شدة الفرح أو الحزن وهلةً واحدةً، فيضره، يؤخذ ذلك من ابتداء النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي ببراءة عائشة رضي الله عنه بالضحك، ثم تبشيرها، ثم إعلامها ببراءتها مجملة ثم تلاوته الآيات.
  • توطئة العذر لمن يراد إيقاع العقاب به، أو العتاب له.
  • جواز استشارة الأعلى لمن هو دونه.
  • جواز استخدام من ليس في الرق، كبريرة رضي الله عنها.
  • من سئل عن حال شخص، فأراد بيان ما فيه من عيب، فليُقدِّم ذكر عذر ذلك الشخص، إن كان يعلمه، كما قالت بريرة في عائشة بحيث عاتبتها بالنوم عن العجين، فقدمت قبل ذلك أنها جارية حديثة السن، ولا يتحامل على أي مسلم ومسلمة.
  • بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحكم لنفسه، إلا بعد نزول الوحي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجزم في القصة بشيء قبل نزول الوحي.
  • الحَمِيَّة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا تذم، فهي حَمِيَّة إسلامية.
  • ثبوت الفضائل الجمة لعائشة، ولأبويها، ولصفوان، ولعلي بن أبي طالب، وأسامة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير رضي الله عنهم أجمعين.
  • التعصب لأهل الباطل مخالف للصلاح.
  • إطلاق الكذب على الخطأ؛ لأنه مخالف للصواب.
  • جواز القسم بلفظ: "لعمر الله"؛ لأنها صفة من صفاته تعالى.
  • الندب إلى قطع الخصومة، وتسكين ثائرة الفتنة، وسد ذريعة ذلك.
  • احتمال أخف الضررين بزوال أغلظهما.
  • فضل احتمال الأذى.
  • من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل يستحق القتل؛ لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك، ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ولكن لا يقوم بذلك إلا صاحب السلطة، حتى لا يتطاول بعض الناس على دماء آخرين دون تحقق.
  • حسن مساعدة من نزلت به بلية بالتوجع والبكاء والحزن، دون نياحة أو اعتراض على القدر.
  • مشروعية إغاثة الملهوف، وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع، وإكرام ذوي القدر، وإيثارهم بالركوب، وتجشم المشقة لأجل ذلك.
  • ملاطفة الزوجة، وحسن معاشرتها هو الأصل، وجواز التقصير في ذلك عند إشاعة ما يقتضي النقص، وإلم يُتحقق، وفائدة ذلك أن تتفطن لتغير الحال، فتعتذر أو تعترف.
  • لا ينبغي لأهل المريض أن يعلموه بما يؤذيه.
  • مشروعية السؤال عن المريض.
  • يجوز للمرأة إذا خرجت لحاجة تستصحب من يؤنسها، أو يخدمها، ممن تؤمن عليها.
  • ذب المسلم عن المسلم خصوصًا من كان من أهل الفضل، وردع من يؤذيهم.
  • مزيد فضيلة أهل بدر رضي الله عنهم.
  • مشروعية البحث عن الأمر القبيح، إذا أشيع، وتعرف صحته، وفساده بالتنقيب على من قيل فيه، هل وقع منه قبل ذلك ما يشبهه، أو يقرب منه؟
  • استصحاب الحال السابقة لمن اتهم بسوء، فإذا كان قبل ذلك معروفًا بالخير فهو بريء ما لم يظهر ما يخالف ذلك.
  • استعمال التمهيد فيما يحتاج إليه من الكلام.
  • جواز الاستشهاد بآي القرآن في النوازل.
  • استحباب التأسي بما وقع للأكابر، من الأنبياء عليهم السلام، وغيرهم.
  • صيانة المال، ولو كان قليلًا؛ للنهي عن إضاعة المال، فإن عقد عائشة لم يكن من ذهب، ولا جوهر.
  • شؤم الحرص على المال؛ لأنها لو لم تطل في التفتيش لرجعت بسرعة، فلما زاد على قدر الحاجة حصل ما جرى.
  • الحث على الإنفاق في سبيل الخير خصوصًا في صلة الرحم.
  • وقوع المغفرة لمن أحسن إلى من أساء إليه، أو صفح عنه.
  • من حلف ألا يفعل شيئًا من الخير استحب له الحنث.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُمْ فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ الْحَدِيثَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِينَ الْإِيقَاعِ بِهِمْ ثَبَتُوا قَلِيلًا، فَلَمَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ انْهَزَمُوا بِأَنْ يَكُونَ لَمَّا دَهَمَهُمْ وَهُمْ عَلَى الْمَاءِ ثَبَتُوا وَتَصَافَّوْا وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَتِ الْغَلَبَةُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ابْنُ سَعْدٍ نَحْوَ مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَنَّ الْحَارِثَ كَانَ جَمَعَ جُمُوعًا وَأَرْسَلَ عَيْنًا تَأْتِيهِ بِخَبَرِ الْمُسْلِمِينَ فَظَفِرُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ هَلِعَ وَتَفَرَّقَ الْجَمْعُ وَانْتَهَى النَّبِيُّ إِلَى الْمَاءِ وَهُوَ الْمُرَيْسِيعُ فَصَفَّ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ وَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمَلَةً وَاحِدَةً فَمَا أَفْلَتَ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ بَلْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَأُسِرَ الْبَاقُونَ رِجَالًا وَنِسَاءً، وَسَاقَ ذَلِكَ الْيَعْمُرِيُّ فِي عُيُونِ الْأَثَرِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: أَشَارَ ابْنُ سَعْدٍ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: الْأَوَّلُ أَثْبُتُ. قُلْتُ: آخِرُ كَلَامِ ابْنِ سَعْدٍ، وَالْحُكْمُ بِكَوْنِ الَّذِي فِي السِّيَرِ أَثْبَتُ مِمَّا فِي الصَّحِيحِ مَرْدُودٌ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَيْرِيزٌ بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الْعَزْلِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى قِصَّتِهَا مُجْمَلًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

٣٤ - بَاب حَدِيثِ الْإِفْكِ

وَالْأَفَكِ، بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ وَالنَّجَسِ، يُقَالُ: إِفْكُهُمْ وَأَفْكُهُمْ وَأَفَكُهُمْ، فَمَنْ قَالَ: أَفَكَهُمْ يَقُولُ: صَرَفَهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ وَكَذَّبَهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ يُصْرَفُ عَنْهُ مَنْ صُرِفَ

٤١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ، قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّتهنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ مَعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ. فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ.

قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ - وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ جفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ - فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ

خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ. قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ. وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الْإِفْكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ.

قَالَ عُرْوَةُ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّ كِبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ. قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ - وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ - وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ - فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ. قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي. فَلَمَّا

رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا.

قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ لِأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ، مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ. فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أبْكِي. قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ بَرِيرَةَ فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ - فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا.

وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ - فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْخَزْرَجِ - وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ. قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ - فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ - فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ. قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ - حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى أنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا،

فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ.

قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ. قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ . فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ أُمِّي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ . فَقُلْتُ - وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ كَثِيرًا -: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ - وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللَّهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي.

وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنْ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ - وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ - مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ، قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ ﷿. قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هَذَا فِي بَرَاءَتِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ -: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ: مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ فَعَصَمَهَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣٥ - (بابُ حَدِيثِ الإفْكِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَدِيث الْإِفْك، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، بل هَكَذَا: حَدِيث الْإِفْك، أَي: هَذَا حَدِيث الْإِفْك وَلما كَانَ حَدِيث الْإِفْك فِي غَزْوَة بني المصطلق وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع ذكره هُنَا.

الإفْكِ والأفَكِ بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ والنَّجَسِ

أَشَارَ بهما إِلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ الأولى: الأفك، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء: كالنجس، بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْجِيم، وَالثَّانيَِة: الأفك، بِفَتْح الْهمزَة وَالْفَاء مَعًا: كالنجس، بِفتْحَتَيْنِ، وَالْأولَى هِيَ اللُّغَة الْمَشْهُورَة. قَوْله: (بِمَنْزِلَة النَّجس) أَي: بنظير النَّجس وَالنَّجس فِي الضَّبْط، وَفِي كَونهمَا لغتين، ثمَّ الْإِفْك مصدر أفك الرجل يأفك من بَاب ضرب يضْرب إِذا كذب، والإفك، بِضَم الْهمزَة جمع أفوك، وَهُوَ الْكثير الْكَذِب، ذكره ابْن عديس فِي الْكتاب (الباهر) .

يقَالُ إفْكُهُمْ وأفَكَهُمْ وأفَّكَهُمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بل ضلوا عَنْهُم وَذَلِكَ إفكهم وَمَا كَانُوا يفترون} (الْأَحْقَاف: ٢٨) . قرىء فِي الْمَشْهُور: إفكهم، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء، وارتفاعه على أَنه خبر لقَوْله: وَذَلِكَ، وقرىء فِي الشاذ: أفكهم، بِفَتْح الْهمزَة وَالْفَاء وَالْكَاف جَمِيعًا على أَنه فعل ماضٍ، وقرىء أَيْضا: وأفكهم، بتَشْديد الْفَاء للْمُبَالَغَة، وآفكهم، بِمد الْهمزَة وَفتح الْفَاء أَي: جعلهم آفكين وآفكهم بِالْمدِّ وَكسر الْفَاء، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي قَوْلهم الْكَذِب كَمَا تَقول: قَول كَاذِب.

فَمَنْ قَالَ أفَكَهُمْ

يَعْنِي من جعله فعلا مَاضِيا.

يَقُولُ صرَفَهُمْ عنِ الإيمَانِ وكذَبَهُمْ كَمَا قَالَ يُؤْفَكُ عنْهُ مِنْ أُفِكَ يُصْرَفُ عنْهُ مِنْ صُرِفَ

يؤفك، بِضَم الْيَاء صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي الحَدِيث: لقد أفك قوم كَذبُوك، وظاهروا عَلَيْك، أَي صرفُوا عَن الْحق وَمنعُوا مِنْهُ، يُقَال: أفكه يأفكه أفكاً إِذا صرفه عَن الشَّيْء وَقَلبه، وأفك فَهُوَ مأفوك.

٤١٤١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بن مَسْعُودٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ قَالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا وكلُّهُمْ حدَّثَنِي طائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وبَعْضُهُمْ كانَ أوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وأثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصَاً وقَدْ وَعيْتُ عنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الحَدِيثَ الَّذِي حدَّثَنِي عنْ عَائِشة وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدَّقُ بَعْضَاً وإنْ كانَ بَعْضُهُمْ أوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ قالُوا قالَتْ عائِشَةُ كانَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أرَادَ سفَرَاً أقْرَعَ بَيْنَ أزْوَاجِهِ فأيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خرَجَ بِهَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَهُ قالَتْ عائِشَةُ فأقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فخَرَجْتُ معَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حتَّى إذَا فَرَغَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ قافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ فلَمَّا قَضَيْتُ شأنِي أقْبَلْتُ إلَى

رَحْلِي فلَمَسْتُ صَدْرِي فإذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَار قَدِ انْقَطَعَ فرَجَعْتُ فالْتَمَسْتُ عِقْدِي فحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ قالَتْ وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحِّلُونِي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ علَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أرْكَبُ عَلَيْهِ وهُمْ يَحْسِبُونَ أنِّي فِيهِ وكانَ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافَاً لَمْ يَهْبُلْنَ ولَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إنَّمَا يأكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ فلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وحَمَلُوهُ وكُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فبَعَثُوا الجَمَلَ فسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ ولَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وظَنَنْتُ أنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ فَبَيْنَا أنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السَّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فرَأى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رآنِي وكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ فاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَوالله مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ ولَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ وهَوَي حَتَّى أنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِيءَ علَى يَدِهَا فقُمْتُ إلَيْهَا فرَكِبْتُهَا فانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حتَّى أتَيْنَا الجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وهُمْ نُزُولٌ قالَتْ فهَلَكَ فِيَّ مَنْ هَلَكَ وكانَ الَّذِي تَوَلَّي كِبْرَ الإفْكِ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ أُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُشَاعُ ويُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ ويَسْتَمِعُهُ ويَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضا لَمْ يُسَمَّ مِنْ أهْلِ الإفْكِ أَيْضا إلَاّ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي ناسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أنَّهُمْ عُصْبَةٌ كَمَا قَالَ الله تعالَى وإنَّ كُبْرَ ذالِكَ يُقَالُ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ كَانَتْ عائِشَةُ تَكْرَهُ أنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وتَقُولُ إنَّهُ الَّذِي قَالَ:

(فَإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وعِرْضِي ... لِعِرْض مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ)

قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرَاً والنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أصْحَابِ الإفْكِ لَا أشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أنِّي لَا أعْرِفُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أرَى مِنْهُ حِينَ أشْتَكى إنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيُّ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذالِكَ يَرِيبُنِي ولَا أشْعُرُ بالشَّرِّ حتَّى خَرَجْتُ حِينَ نقَهْتُ فخَرَجْتُ معَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ وكانُ مُتَبَرَّزَنَا وكُنَّا لَا نَخْرُجُ إلَاّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ وذالِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبَاً مِنْ بُيُوتِنَا قالَتْ وأمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي البَرِيَّةِ قِبَلَ الغَائِطِ وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا قالَتْ فانْطَلَقْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ وهْيَ ابْنَةُ أبِي رُهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنافٍ وأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ خالَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابْنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادٍ ابنِ المُطَّلِبِ فأقْبَلْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شأنِنَا فعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْرَاً فقَالَتْ أيْ هَنْتَاهُ ولَمْ

تَسْمَعِي مَا قَالَ قالَتْ وقُلْتُ مَا قَالَ فأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ قالَتْ فازْدَدْتُ مَرَضاً علَى مَرَضِي فلَمَّا رَجَعْتُ إلَى بَيْتِي دخَلَ علَيَّ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ فقُلْتُ لَهُ أتَأذَنُ لِي أنْ آتِي أبَوَيَّ قالَتْ وأُرِيدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الخَبرَ مِنْ قِبَلِهِمَا قالتْ فأذِنَ لي رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ لأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ ماذَا يتَحَدَّثُ النَّاسُ قالتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّني علَيْكِ فَوَالله لقَلَّمَا كانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرَ إلَاّ كَثَّرْنَ علَيْهَا قالَتْ فقُلْتُ سُبْحَانَ الله أوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهاذَا قالتْ فبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أصْبَحْتُ لَا يَرْقأ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أصْبَحْتُ أبْكِي قالَتْ ودَعَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علِيَّ بنَ أبِي طالِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلبَثَ الوَحْيُ يَسْألُهُمَا ويَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أهْلِهِ قالَتْ فأمَّا أُسَامَةُ فأشَارَ علَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أهْلِهِ وبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ أُسَامَةُ أهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَاّ خَيْرَاً وأمَّا عليٌّ فقَالَ يَا رسُولَ الله لَمْ يُضَيِّقِ الله عَلَيْكَ والنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ قالَتْ فدَعَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَرِيرَةَ فَقال أيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا رأيْتُ علَيْهَا أمْرَاً قَطُّ أغْمِصُهُ غيْرَ أنَّهَا جَارِيَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عنْ عَجِينِ أهْلِهَا فتَأتِي الدَّاجِنُ فتَأكُلُهُ قالتْ فَقامَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ يَوْمِهِ فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَهْوَ علَى المِنْبَرِ فَقال يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قدْ بَلَغَنِي عنْهُ أذَاهُ فِي أهْلِي وَالله مَا عَلِمْتُ علَى أهْلِي إلَاّ خَيْرَاً ولَقَدْ ذكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ علَيْهِ إلَاّ خَيْرَاً وَمَا يَدْخُلُ علَى أهْلِي إلَاّ مَعِي قالَتْ فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ فَقال أنَا يَا رسُولَ الله أعْذِرُكَ فإنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ قالَتْ فقَامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ وكانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخْذِهِ وهْوَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وهْوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ قالَتْ وكانَ قَبْلَ ذالِكَ رجُلاً صالِحَاً ولاكِنْ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فقَالَ لِسَعْدٍ كَذَبْت لَعَمْرُ الله لَا تَقْتُلْهُ ولَا تَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ ولَوْ كانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أحْبَبْتَ أنْ يُقْتَلَ فقامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وهْوَ ابنُ عَمِّ سَعْدٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عنِ المُنَافِقِينَ قالَتْ فَثارَ الْحَيَّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قائِمٌ علَى المِنْبَرِ قالَتْ فلَمْ يَزَلْ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُخَفِّضُهُمْ حتَّى سَكَتُوا وسَكَتَ قالَتْ فبَكَيْتُ يَوْمِي ذالِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ قالَتْ وأصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي وقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ ويَوْماً لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حتَّى إنِّي لأَظُنُّ أنَّ البُكَاءَ فالِقٌ كَبِدِي فبَيْنَا أبَوَايَ جالِسَانِ عِنْدِي وأنَا أبْكِي فاسْتأذَنَتْ علَيَّ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ فأذِنْتُ لَهَا فجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ علَى ذالِكَ دَخَلَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ

وَسلم عَلَيْنَا فسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قالَتْ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وقَدْ لَبِثَ شَهْرَاً لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي شأني بِشَيْءٍ قالَتْ فتَشَهَّدَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ يَا عائِشَةُ إنَّهُ بلَغَنِي عَنْكِ كذَا وكَذَا فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فسَيُبَرِّئُكِ الله وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي الله وتُوبِي إلَيْهِ فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تابَ الله علَيْهِ قالَتْ فلَمَّا قَضَى رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لأِبِي أجِبْ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنِّي فِيمَا قَالَ فَقَالَ أبي وَالله مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْتُ لاُِمِّي أجِيبِي رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا قالَ قالَتْ أُمِّي مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ وأنَا جَارِيَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ لَا أقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ كَثِيرَاً إنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هاذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أنْفُسِكُمْ وصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأمْرٍ وَالله يَعْلَمُ أنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِي فَوَالله لَا أجِدُ لِي ولَكُمْ مَثَلاً إلَاّ أبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعانُ علَى مَا تَصِفُونَ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ واضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي وَالله يَعْلَمُ أنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ وأنَّ الله مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي ولَكِنْ وَالله مَا كُنْتُ أظُنُّ أنَّ الله مُنْزِلٌ فِي شأنِي وَحْيَاً يُتْلَى لِشأنِي فِي نَفْسِي كانَ أحْقَرَ مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ الله فِيَّ بأمْر ولَكِنْ كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي الله بِهَا فَوالله مَا رَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ علَيْهِ فأخَذَهُ مَا كَانَ يأخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ حَتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ العَرَقِ مِثْلُ الجُمَانِ وهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قالَتْ فَسُرِّيَ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ يَضْحَكُ فكَانَتْ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أنْ قَالَ يَا عَائِشَةُ أمَّا الله فقَدْ بَرَّأكِ قالَتْ فقالَتْ لِي أُمِّي قُوُمِي إلَيْهِ فقُلْتُ لَا وَالله لَا أقُومُ إلَيْهِ فإنِّي لَا أحْمَدُ إلَاّ الله عَزَّ وَجَلَّ قالَتْ وأنْزَلَ الله تعَالى: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} (النُّور: ١١) . العَشَرَ الآياتِ ثُمَّ أنْزَلَ الله تعَالى هاذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وكانَ يُنْفِقُ علَى مِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وفَقْرِهِ وَالله لَا أُنْفِقُ علَى مِسْطَحٍ شَيْئَاً أبَداً بعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ فأنْزَلَ الله تعالَى: {وَلَا يأتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النُّور: ٢٢) . قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بلَى وَالله إنِّي لأحِبُّ أنْ يَغْفِرَ الله لِي فرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ علَيْهِ وَقَالَ وَالله لَا أنْزِعُهَا مِنْهُ أبَدَاً قالَتْ عائِشَةُ وكانَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سألَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عنْ أمْرِي فَقال لِزَيْنَبَ ماذَا عَلِمْتِ أوْ رَأيْتِ فقالَتْ يَا رسُولَ الله أحْمِي سَمْعِي وبَصَرِي وَالله مَا عَلِمْتُ إلَاّ خَيْرَاً قالَتْ عائِشَةُ وهْيَ الَّتِي كانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعَصَمَهَا الله بالوَرَعِ قالَتْ وطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا فهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ فهاذَا الَّذِي بلَغَنِي مِنْ

حَدِيثَ هاؤُلاءِ الرَّهْطِ ثُمَّ قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عائِشَةُ وَالله إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لِيَقُولَ سُبْحَانَ الله فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ قالَتْ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذالِكَ فِي سَبِيلِ الله. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات فِي أول: بَاب تَعْدِيل النِّسَاء بَعضهنَّ بَعْضًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان ... إِلَى آخِره، وليعتبر النَّاظر التَّفَاوُت بَينهمَا من حَدِيث الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ولنتكلم هُنَا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُ.

فَقَوله: (وَأثبت لَهُ اقتصاصاً) أَي: أحفظ وَأحسن إيراداً وسرداً للْحَدِيث، وَهَذَا الَّذِي فعله الزُّهْرِيّ من جمع الحَدِيث عَنْهُم جَائِز لَا كَرَاهَة فِيهِ، لِأَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَئِمَّة حفاظ ثقاة من عُظَمَاء التَّابِعين، فالحجة قَائِمَة بقول أَي كَانَ مِنْهُم. قَوْله: (فِي غَزْوَة غَزَاهَا) ، أرادة الْغَزْوَة الْمُصْطَلِقِيَّة. قَوْله: (سهمي) ، السهْم فِي الأَصْل وَاحِد السِّهَام الَّتِي يضْرب بهَا فِي الميسر، وَهِي القداح، ثمَّ سمى بهَا مَا يفوز بِهِ الفالح سَهْمه، ثمَّ كثر حَتَّى سمي كل نصيب سَهْما، وَالْمرَاد من السهْم هُنَا الْقدح الَّذِي يقترع بِهِ. قَوْله: (أحمل) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي هودجي) ، الهودج مركب من مراكب النِّسَاء مقتب وَغَيره مقتب. قَوْله: (من جزع ظفار) ، الْجزع بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة: خرز، وَهُوَ مُضَاف إِلَى: ظفار، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالراء مَبْنِيَّة على الْكسر وَهُوَ اسْم قَرْيَة بِالْيمن. قَوْله: (ابتغاؤه) ، أَي: طلبه. قَوْله: (لم يهبلن) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: من الهبل وَهُوَ كَثْرَة اللَّحْم والشحم. ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول من الإهبال، ويروى لم يهبلهن اللَّحْم أَي: لم يكثر عَلَيْهِنَّ، يُقَال: هبله اللَّحْم إِذا كثر عَلَيْهِ وَركب بعضه بَعْضًا. قَوْله: (الْعلقَة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَهِي الْقَلِيل من الْأكل. قَوْله: (فَلم يستنكر الْقَوْم خفَّة الهودج) ، وَقد تقدم فِي كتاب الشَّهَادَات: وَلم يستنكر الْقَوْم ثقل الهودج، والتوفيق بَينهمَا أَن الخفة والثقل من الْأُمُور الإضافية فيتفاوتان بِالنِّسْبَةِ. قَوْله: (فَتَيَمَّمت) ، أَي: قصدت. قَوْله: (وَكَانَ صَفْوَان ابْن الْمُعَطل) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن ربيضة بن خزاعي بن محَارب بن مرّة بن فالح بن ثَعْلَبَة بن بهثة بن سليم السّلمِيّ بِالضَّمِّ ثمَّ الذكواني، يكنى أَبَا عَمْرو، وَيُقَال: إِنَّه أسلم قبل الْمُريْسِيع وَشهد الْمُريْسِيع وَمَا بعْدهَا، قَالَ أَبُو عمر: وَكَانَ يكون على ساقة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن ابْن إِسْحَاق: أَنه قتل فِي غزَاة أرمينية شَهِيدا وأميرهم يَوْمئِذٍ عُثْمَان بن العَاصِي سنة تسع عشرَة فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: مَاتَ بالجزيرة فِي نَاحيَة سميساط وَدفن هُنَاكَ، وَقيل: غير ذَلِك. قَوْله: (باسترجاعه) ، أَي: بقوله: {إِنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجعُونَ} (الْبَقَرَة: ١٥٦) . قَوْله: (فحمرت) أَي: غطيت من التخمير، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: وَهِي التغطية. قَوْله: (وَهوى) ، أَي: اسرع حَتَّى أَنَاخَ أَي: برك رَاحِلَته، وَيُقَال: هوى يهوي هوياً من بَاب ضرب يضْرب إِذا أسْرع فِي السّير، وَهوى يهوي من بَاب علم يعلم هوياً إِذا أحب وَهوى يهوى هوياً بِالضَّمِّ: إِذا صعد، وبالفتح إِذا هَبَط، وَفِي رِوَايَة: وأهوى، بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله من أَهْوى إِلَيْهِ إِذا مَال وَأَخذه. قَوْله: (فوطىء على يَدهَا) ، أَي: وطىء صَفْوَان على يَد الرَّاحِلَة ليسهل ركُوبهَا وَلَا يحْتَاج إِلَى مساعدته. قَوْله: (موغرين) ، يجوز أَن يكون صِيغَة تَثْنِيَة وَأَن يكون صِيغَة جمع نصبا على الْحَال، أَي: داخلين فِي الوغرة، بالغين الْمُعْجَمَة، وَيُقَال: أوغر الرجل أَي: دخل فِي شدَّة الْحر، كَمَا يُقَال: أظهر إِذا دخل فِي وَقت الظّهْر، ووغرت الهاجرة وغراً، إِذا اشتدت فِي وَقت توَسط الشَّمْس السَّمَاء، ووغر الصَّدْر بتحريك الْغَيْن الْمُعْجَمَة الغل والحرارة، ويروى: موعرين، بِالْعينِ الْمُهْملَة من الوعر. قَوْله: (فِي نحر الظهيرة) أَي: فِي صدر الظّهْر. قَوْله: (وهم نزُول) أَي: وَالْحَال أَن الْجَيْش نازلون. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (فَهَلَك فِي) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء، أَرَادَت مَا قَالُوا فِيهَا من الْكَذِب والبهتان والافتراء الَّذِي هُوَ سَبَب لهلاك الْقَائِلين، أَي: لخزيهم وَسَوَاد وُجُوههم عِنْد الله وَعند النَّاس. قَوْله: (وَالَّذِي تولى كبر الْإِفْك) بِكَسْر الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: الَّذِي بَاشر مُعظم الْإِفْك وَأَكْثَره (عبد الله بن أبي) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء: ابْن سلول، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَاّم الأولى، وَهِي امْرَأَة من خُزَاعَة وَهِي أم أبي بن مَالك بن الْحَارِث بن عبيد بن مَالك بن سَالم بن غنم بن الْخَزْرَج، وَكَانَ عبد الله هَذَا رَأس الْمُنَافِقين وَابْنه عبد الله من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة) أَي: ابْن الزبير بن الْعَوام أحد الروَاة

الْمَذْكُورين أول الحَدِيث، وَهُوَ مُتَّصِل بالسند الأول. قَوْله: (أخْبرت) على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ مقول عُرْوَة. قَوْله: (أَنه كَانَ يشاع ويتحدث بِهِ عِنْده) أَي: أَن الْإِفْك كَانَ يشاع عِنْد عبد الله بن أبي وكل من يشاع ويتحدث على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب تنَازع العاملين فِي قَوْله: عِنْده. قَوْله: (فيقره) بِضَم الْيَاء أَي: فَيقر عبد الله حَدِيث الْإِفْك وينكره وَلَا ينْهَى من يَقُول بِهِ. قَوْله: (ويستوشيه) أَي: يَسْتَخْرِجهُ بالبحث وَالْمَسْأَلَة ثمَّ يفشيه وَلَا يَدعه ينخمد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يستوشيه أَي يطْلب مَا عِنْده ليزيده. قَوْله: (لم يسم) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مسطح) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة الأولى وَفتح الثَّانِيَة: ابْن أَثَاثَة، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى: ابْن عباد بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي المطلبي، يكنى أَبَا عبَادَة، وَأمه سلمى بنت صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة، وَهِي ابْنة خَالَة أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: أم مسطح بن عَامر خَالَة أبي بكر، شهد بَدْرًا ثمَّ خَاضَ فِي الْإِفْك فجلده رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَن جلد، وَيُقَال: مسطح، لقب واسْمه: عَوْف، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ، وَقيل: شهد مسطح صفّين وَتُوفِّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (وَحمْنَة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالنون: بنت جحش، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن رياب الأَسدِية، من بني أَسد بن خُزَيْمَة، أُخْت زَيْنَب بنت جحش، كَانَت عِنْد مُصعب بن عُمَيْر فَقتل عَنْهَا يَوْم أحد فَتَزَوجهَا طَلْحَة بن عبيد الله وَكَانَت جلدت مَعَ من جلد فِي الْإِفْك. قَوْله: (فِي نَاس آخَرين) أَي: حَال كَون الْمَذْكُورين فِي جمَاعَة آخَرين فِي الْإِفْك. قَالَ عُرْوَة: (وَلَا علم لي بهم) أَي: بأساميهم، غير أَنهم كَانُوا عصبَة. قَالَ ابْن فَارس: الْعصبَة الْعشْرَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَا فَوق الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين، وَقيل: الْعصبَة الْجَمَاعَة. قَوْله: كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي قَوْله: {إِن الَّذين جاؤا بالإفك عصبَة مِنْكُم} (النُّور: ١١) . أَي: جمَاعَة متعصبون مِنْكُم أَي: من الْمُسلمين. قَوْله: (وَأَن كبر ذَلِك) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: وَأَن مُتَوَلِّي مُعظم الْإِفْك يُقَال لَهُ عبد الله بن أبي. قَوْله: (أَن يسب) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَتقول: إِنَّه) أَي: تَقول عَائِشَة: إِن حسان قَالَ: فَإِن أبي ووالده ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَإِن أبي) أَرَادَ بِهِ حسان أَبَاهُ ثَابتا، وَأَرَادَ بقوله: (ووالده) أَي: وَالِد أَبِيه وَهُوَ مُنْذر، وَأَبُو جده: حرَام، لِأَن حسان هُوَ ابْن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام بن عَمْرو بن زيد مَنَاة بن عدي بن مَالك بن النجار النجاري الْأنْصَارِيّ، وَحرَام ضد الْحَلَال وعاش كل وَاحِد من حسان وَأَبِيهِ وجده وجد أَبِيه مائَة وَعشْرين سنة، وَهَذَا من الغرائب. قَوْله: (وعرضي) بِالْكَسْرِ: هُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه أَو من يلْزمه أمره، وَقيل: هُوَ جَانِبه الَّذِي يصونه من نَفسه وحسبه ويحامي عَنهُ أَن ينتقص ويثلب. قَوْله: (وقاء) بِكَسْر الْوَاو، قَالَ الْجَوْهَرِي: الوقاء والوقاء مَا وقيت بِهِ شَيْئا. قَوْله: (فاشتكيت) أَي: مَرضت. قَوْله: (وَالنَّاس يفيضون) ، بِضَم الْيَاء أَي: يَخُوضُونَ. قَوْله: (وَهُوَ يريبني) ، بِفَتْح الْيَاء وَضمّهَا يُقَال: رابه وأرابه إِذا أَوْهَمهُ وشككه. قَوْله: (اللطف) ، بِضَم اللَّام وَسُكُون الطَّاء وَبِفَتْحِهَا جَمِيعًا: الْبر والرفق. قَوْله: (كَيفَ تيكم؟) إعلم أَن: تأوته: ته، اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمُؤَنَّث، فَإِن خاطبت جِئْت بِالْكَاف، فَقلت: تيك وتيكما وتيكم، وَمَا قبل الْكَاف لمن تُشِير إِلَيْهِ فِي التَّذْكِير والتأنيث والثنية وَالْجمع. قَوْله: (حِين نقهت) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا أَي: حِين أَفَقْت من الْمَرَض، يُقَال: نقه نقهاً ونقوها: إِذا صَحَّ عقيب علته، وأنقهه الله فَهُوَ ناقه. قَوْله: (قبل المناصع) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، والمناصع بالنُّون وَالصَّاد وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ على وزن الْمَسَاجِد: مَوَاضِع خَارج الْمَدِينَة كَانُوا يتبرزون فِيهَا، قَالَه الْأَزْهَرِي. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي يتخلى فِيهَا لقَضَاء الْحَاجة، وَاحِدهَا منصع لِأَنَّهُ يبرز إِلَيْهَا وَيظْهر، من نصع الشَّيْء ينصع إِذا وضح وَبَان. قَوْله: (متبرزنا) ، بتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة بعْدهَا الزَّاي الْمَفْتُوحَة: وَهُوَ مَوضِع البرَاز. قَوْله: (الكنف) ، بِضَمَّتَيْنِ جمع: كنيف، وَهُوَ كل مَا ستر من بِنَاء أَو حَظِيرَة. قَوْله: (الأول) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو المخففة، ويروى بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو. قَوْله: (وَهِي ابْنة أبي رهم) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهَاء واسْمه: أنيس، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر النُّون: ابْن الْمطلب بن عبد منَاف، ذكره الزبير وَضَبطه ابْن مَاكُولَا هَكَذَا، وَيُقَال اسْمه صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة. قَوْله: (تعس) ، بِكَسْر الْعين، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَبِفَتْحِهَا قَالَه القَاضِي. قَوْله: (أَي: هنتاه) يَعْنِي: يَا هنتاه، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون النُّون وَفتحهَا، وَأما الْهَاء الْأَخِيرَة فتضم وتسكن وَهَذِه اللَّفْظَة تخْتَص بالنداء، وَمَعْنَاهُ: يَا هَذِه، وَقيل: يَا بلهاء كَأَنَّهَا نسبت إِلَى قلَّة الْمعرفَة بمكائد النَّاس وشرورهم. قَوْله: (وضيئة) ، أَي: حَسَنَة جميلَة، من الْوَضَاءَة وَهِي الْحسن. قَوْله: (إلَاّ كثرن) ، بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، ويروى: أكثرن، من

الْإِكْثَار، أَي: كثرن القَوْل الرَّدِيء عَلَيْهَا. قَوْله: (لَا يرقأ) بِالْقَافِ والهمزة، أَي: لَا يَنْقَطِع يُقَال رقا الدمع وَالدَّم والعرق يرقأ رقوء بِالضَّمِّ: إِذا سكن وَانْقطع. قَوْله: (أهلك) ، قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: وَجه الرّفْع على أَنه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: هِيَ أهلك مَا بهَا شَيْء، وَوجه النصب على تَقْدِير: إلزم أهلك. قَوْله: (لم يضيق الله عَلَيْك) قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا لم يكن عَدَاوَة وَلَا بغضاً، وَلَكِن لما رأى انزعاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الْأَمر وتقلقه بِهِ أَرَادَ إراحة خاطره وتسهيل الْأَمر عَلَيْهِ. قَوْله: (أَي بَرِيرَة) يَعْنِي: يَا بَرِيرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَهِي مولاة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (أغمصه) جملَة وَقعت صفة لقَوْله: أمرا، وَمَعْنَاهُ: أعيبها بِهِ وأطع بِهِ عَلَيْهَا، ومادته: غين مُعْجمَة وَمِيم وصاد مُهْملَة. قَوْله: (الدَّاجِن) ، بِكَسْر الْجِيم وَهِي: الشَّاة الَّتِي تقتنى فِي الْبَيْت وتعلف، وَقد تطلق على غير الشَّاة من كل مَا يألف الْبيُوت من الطير وَغَيره. قَوْله: (فاستعذر من عبد الله بن أبي) ، أَي: قَالَ من يعذرني فِيمَن أذاني فِي أَهلِي؟ وَمعنى: من يعذرني؟ وَمن يقوم بعذري إِن كافأته على قبح فعله؟ وَقيل: مَعْنَاهُ: من ينصرني؟ والعذير النَّاصِر. قَوْله: (فَقَامَ سعد بن معَاذ) ، فَإِن قلت: حَدِيث الْإِفْك كَانَ فِي الْمُريْسِيع، وَسعد قد مَاتَ قبله؟ قلت: ذكر ابْن مَنْدَه أَن سَعْدا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة خمس، وغزوة الْمُريْسِيع كَانَت فِي شعْبَان سنة خمس، فَكَأَن سَعْدا مَاتَ بعد شعْبَان من هَذِه السّنة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: يشبه أَن سَعْدا لم ينفجر جرحه إلَاّ بعد الْمُريْسِيع. قَوْله: (قلص دمعي) ، أَي: انْقَطع، قَوْله: (من البرحاء) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد، وبرحاء الْحمى وَغَيرهَا: شدَّة الْأَذَى. قَوْله: (الجمان) ، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم وَهُوَ: اللُّؤْلُؤ الصغار، وَقيل: حب يتَّخذ من الْفضة أَمْثَال اللُّؤْلُؤ. قَوْله: (من ثقل القَوْل) ، وَضَبطه ابْن التِّين بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْقَاف. قَوْله: {وَلَا يَأْتَلِ أولو الْفضل مِنْكُم} (النُّور: ٢٢) . أَي: لَا يحلف. قَوْله: (أحمى سَمْعِي وبصري) هُوَ مَأْخُوذ من الْحمى، تَقول: أحميه من المآثم إِن رَأَيْت مَا قيل، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت فِي كتاب الشَّهَادَات مستوفاة.

٤١٤٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّد قَالَ أمْلَى عَلَيَّ هِشَامُ بنُ يُوسُفَ مِنْ حِفْظِهِ قَالَ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ لي الولِيدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ أبْلَغَكَ أنَّ عَلِيَّاً كانَ فِيمَنْ قَذَفَ عائِشَةَ قُلْتُ لَا وَلاكِنْ قَدْ أخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِكَ أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ وأبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ لَهُمَا كانَ عَلِيٌّ مُسَلِّمَاً فِي شَأنِهَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ السَّابِق الطَّوِيل، وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ، والوليد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْأمَوِي.

قَوْله: (أمْلى عَليّ) ، من الْإِمْلَاء. قَوْله: (من حفظه) ، فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْإِمْلَاء قد يَقع من الْكتاب. قَوْله: (قَالَ لي الْوَلِيد) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر: كنت عِنْد الْوَلِيد بن عبد الْملك ... أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (أبلغك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (قلت: لَا) ، الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ، أَي: لَا، كَانَ فِيمَن قذف عَائِشَة لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، منزه عَن أَن يَقُول مثل مقَالَة أهل الْإِفْك. قَوْله: (أَبُو سَلمَة) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَأَبُو بكر، عطف عَلَيْهِ تَقْدِيره: هما أَبُو سَلمَة وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، وَالْأولَى أَن يكون أَبُو سَلمَة عطف بَيَان، وَأَبُو بكر عطف عَلَيْهِ، وَأَرَادَ من قَوْله: (من قَوْمك) قُريْشًا، لِأَن أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن مخزومي وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف زهري يجمعهما مَعَ بني أُميَّة رَهْط الْوَلِيد مرّة بن كَعْب ابْن لؤَي بن غَالب. قَوْله: (قَالَت لَهما) ، أَي: قَالَت عَائِشَة لأبي سَلمَة وَأبي بكر. قَوْله: (مُسلما) بِكَسْر اللَّام الْمُشَدّدَة، كَذَا فِي نسخ البُخَارِيّ وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: مُسلما، بِفَتْح اللَاّم، فَالرِّوَايَة الأولى من التَّسْلِيم بِمَعْنى تَسْلِيم الْأَمر بِمَعْنى السُّكُوت، وَالثَّانيَِة من السَّلامَة من الْخَوْض فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: ويروى: مسيئاً، يَعْنِي من الْإِسَاءَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فِيهِ بعد، ورد عَلَيْهِ بِأَن عياضاً ذكر أَنه النَّسَفِيّ رَوَاهُ عَن البُخَارِيّ بِلَفْظ مسيئاً وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَليّ بن السكن عَن الْفربرِي. قلت: الظَّاهِر أَن نِسْبَة هَذِه اللَّفْظَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من حَيْثُ إِنَّه لم يقل مثل مَا قَالَ أُسَامَة بن زيد: أهلك، وَلَا نعلم إلَاّ خيرا، بل قَالَ: لم يضيق الله عَلَيْك وَالنِّسَاء

سواهَا كثير، وَمن هَذَا أَن بعض الغلاة من الناصبية تقربُوا إِلَى بني أُميَّة بِهَذِهِ اللَّفْظَة، فجزى الله تَعَالَى الزُّهْرِيّ خيرا حَيْثُ بَين للوليد بن عبد الْملك مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.

فَرَاجَعُوهُ فلَمْ يَرْجِعْ وَقَالَ مُسَلِّمَاً بِلَا شَكَّ فِيهِ وعَلَيْهِ كانَ فِي أصلِ العَتِيقِ كذَلِكَ

أَي: فراجعوا الزُّهْرِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَلم يرجع، أَي: فَلم يجب بِغَيْر ذَلِك. وَقَالَ معمر: قَالَ الزُّهْرِيّ: مُسلما بِلَا شكّ فِي هَذَا اللَّفْظ، وَزَاد أَيْضا لفظ: عَلَيْهِ، أَي: على الْوَلِيد. قَوْله: (وَقَالَ: مُسلما) أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَت عَائِشَة: قَالَ عَليّ بِلَفْظ مُسلما، لَا بِلَفْظ: مسيئاً، وَقَالَ بَعضهم: الْمُرَاجَعَة فِي ذَلِك وَقعت مَعَ هِشَام بن يُوسُف فِيمَا أَحسب، وَذَلِكَ أَن عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ عَن معمر فخالفه، فَرَوَاهُ بِلَفْظ: مسيئاً. قلت: الَّذِي فسره الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب، أَلا يرى أَن الْأصيلِيّ لما رَوَاهُ بِلَفْظ: مُسلما، قَالَ: كَذَا قرأناه؟ وَالله أعلم.

١٧٣ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن حُصَيْن عَن أبي وَائِل قَالَ حَدثنِي مَسْرُوق بن الأجدع قَالَ حَدَّثتنِي أم رُومَان وَهِي أم عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَت بَينا أَنا قَاعِدَة أَنا وَعَائِشَة إِذْ ولجت امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَت فعل الله بفلان وَفعل بفلان فَقَالَت أم رُومَان وَمَا ذَاك قَالَت ابْني فِيمَن حدث الحَدِيث قَالَت وَمَا ذَاك قَالَت كَذَا وَكَذَا قَالَت عَائِشَة سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت نعم قَالَت وَأَبُو بكر قَالَت نعم فخرت مغشيا عَلَيْهَا فَمَا أفاقت إِلَّا وَعَلَيْهَا حمى بنافض فطرحت عَلَيْهَا ثِيَابهَا فغطيتها فجَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ مَا شَأْن هَذِه قلت يَا رَسُول الله أَخَذتهَا الْحمى بنافض قَالَ فَلَعَلَّ فِي حَدِيث تحدث بِهِ قَالَت نعم فَقَعَدت عَائِشَة فَقَالَت وَالله وَلَئِن حَلَفت لَا تصدقوني وَلَئِن قلت لَا تعذروني مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون قَالَت وَانْصَرف وَلم يقل شَيْئا فَأنْزل الله عذرها قَالَت بِحَمْد الله لَا بِحَمْد أَحْمد وَلَا بحَمْدك) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن لَهُ تعلقا بِالْحَدِيثِ الطَّوِيل السَّابِق وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة الْأَزْدِيّ وَأم رُومَان بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو تقدم ذكرهَا غير مرّة والْحَدِيث مر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي بَاب قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن إِلَى آخِره وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ ولنذكر هُنَا بعض شَيْء فَقَوله حَدَّثتنِي أم رُومَان فِيهِ إِشْكَال استشكله الْخَطِيب وَآخَرُونَ لِأَن أم رُومَان مَاتَت فِي زمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ومسروق لَيست لَهُ صُحْبَة لِأَنَّهُ لم يقدم من الْيمن إِلَّا بعد موت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي خلَافَة أبي بكر أَو عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ الْخَطِيب أَيْضا كَانَ مَسْرُوق يُرْسل هَذَا الحَدِيث عَن أم رُومَان وَيَقُول سُئِلت أم رُومَان فَوَهم حُصَيْن فِيهِ حَيْثُ جعل السَّائِل لَهَا مسروقا أَو يكون بعض النقلَة كتب سُئِلت بِالْألف فَصَارَت سَأَلت فَقَرَأت بِفتْحَتَيْنِ قَالَ عَليّ أَن بعض الروَاة قد رَوَاهُ عَن حُصَيْن على الصَّوَاب يَعْنِي بالعنعنة قَالَ وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِنَاء على ظَاهر الِاتِّصَال وَلم تظهر لَهُ علته انْتهى ورد على الْخَطِيب وَمن تبعه بِوَجْهَيْنِ الأول أَن مستندهم فِي تَارِيخ وَفَاة أم رُومَان عَن الْوَاقِدِيّ فَلَا يضر ذَلِك الْإِسْنَاد الصَّحِيح (الثَّانِي) ذكر أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ أَن أم رُومَان عاشت بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيُؤَيّد هَذَا مَا تقدم فِي عَلَامَات النُّبُوَّة من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فِي قصَّة أضياف أبي بكر قَالَ عبد الرَّحْمَن وَإِنَّمَا هُوَ أَنا وَأبي وَأمي

وامرأتي وخادم وَفِي كتاب الْأَدَب عِنْد البُخَارِيّ فَلَمَّا جَاءَ أَبُو بكر قَالَت لَهُ أُمِّي احْتبست عَن أضيافك الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن وَفَاة أم رُومَان تَأَخَّرت إِلَى زمن بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله إِذْ ولجت أَي إِذْ دخلت وَكلمَة إِذْ جَوَاب قَوْله بَينا قَوْله " حمى بنافض " النافض من الْحمى ذَات الرعدة قَوْله " فِي حَدِيث تحدث " بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " لَئِن حَلَفت " أَي على براءتي قَوْله " لَا تصدقوني " ويروى لَا تصدقونني قَوْله لَا تعذروني أَي لَا تقبلُوا مني الْعذر قَوْله " وَانْصَرف " أَي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

٤١٤٤ - حدَّثني يَحْيَى حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ نَافِعِ بنِ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا كانَتْ تَقْرَأُ {إذْ تلِقُونَهُ بألْسِنَتِكُمْ} (النُّور: ١٥) . وتقُولُ الوَلْقُ الكَذِبُ.

قَالَ ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ وكانَتْ أعْلَمَ مِنْ غَيْرِهَا بِذَلِكَ لأِنَّهُ نَزَلَ فِيهَا. (الحَدِيث ٤١٤٤ طرفه فِي: ٤٧٥٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الَّذِي قبله. وَيحيى هُوَ ابْن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، ووكيع ابْن الْجراح، وَنَافِع بن عمر بن عبد الله الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، يروي عَن عبد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم.

قَوْله: (إِذْ تلقونه) يَعْنِي: تقْرَأ بِكَسْر اللَّام وَضم الْقَاف المخففة، وفسرته بقولِهَا: من الولق وَهُوَ: الْكَذِب، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ الْإِسْرَاع فِي الْكَذِب، وَقيل: هُوَ الِاسْتِمْرَار فِيهِ، وأصل: تلقونه، تولقونه، حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الكسرة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف فِي فعل الْغَائِب، وحذفت فِي فعل الْمُخَاطب وَغَيره طرداً للباب. قَوْله: (وَكَانَت أعلم من غَيرهَا) أَي: وَكَانَت عَائِشَة أعلم بِهَذِهِ الْقِرَاءَة من غَيرهَا، وَقِرَاءَة الْعَامَّة: إِذْ تلقونه، بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْقَاف من التلقي، وَأَصله: إِذْ تتلقونه، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.

٤١٤٥ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ قَالَ ذَهَبْتُ أسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عائِشَةَ فقالَتْ لَا تَسُبَّهُ فإنَّهُ كانَ يُنافِحُ عَنْ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وقالَتْ عائِشَةُ اسْتَأذَنَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ قالَ كَيْفَ بِنَسَبي قالَ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٣١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حسانا مَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب، وَعَبدَة بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي، وَكَانَ اسْمه عبد الرَّحْمَن فغلب عَلَيْهِ لقبه عَبدة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن عَبدة وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة.

قَوْله: (ينافح) بِالْحَاء الْمُهْملَة، يُقَال: نافحت عَن فلَان إِذا خَاصَمت عَنهُ. قَوْله: (كَيفَ بنسبي؟) أَي: تعْمل فِي أَمر نسبي، إِذا هجوت قُريْشًا من الْمُشْركين؟

وَقَالَ مُحَمَّدٌ بنُ عُقْبَةَ وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ فَرْقَدٍ سَمِعْتُ هِشَاماً عنْ أبِيهِ قَالَ سَبَبْتُ حَسَّانَ وكانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَيْهَا

مُحَمَّد بن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة: أَبُو جَعْفَر الطَّحَّان الْكُوفِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، علق عَنهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي: حَدثنَا مُحَمَّد بِغَيْر نِسْبَة، وَعرف نسبه من الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَعُثْمَان بن فرقد، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ، وَله حَدِيث آخر تقدم فِي أَوَاخِر الْبيُوع. قَوْله: (وَكَانَ مِمَّن كثر) بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة من التكثير (عَلَيْهَا) ، أَي: على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي ذكر قَضِيَّة الْإِفْك، فَلذَلِك كَانَ عُرْوَة يسبه.

١٧٦ - (حَدثنِي بشر بن خَالِد أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق قَالَ دَخَلنَا على عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَعِنْدهَا حسان بن ثَابت ينشدها شعرًا يشبب بِأَبْيَات لَهُ وَقَالَ

(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لُحُوم الغوافل)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُمْ فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ الْحَدِيثَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِينَ الْإِيقَاعِ بِهِمْ ثَبَتُوا قَلِيلًا، فَلَمَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ انْهَزَمُوا بِأَنْ يَكُونَ لَمَّا دَهَمَهُمْ وَهُمْ عَلَى الْمَاءِ ثَبَتُوا وَتَصَافَّوْا وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَتِ الْغَلَبَةُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ابْنُ سَعْدٍ نَحْوَ مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَنَّ الْحَارِثَ كَانَ جَمَعَ جُمُوعًا وَأَرْسَلَ عَيْنًا تَأْتِيهِ بِخَبَرِ الْمُسْلِمِينَ فَظَفِرُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ هَلِعَ وَتَفَرَّقَ الْجَمْعُ وَانْتَهَى النَّبِيُّ إِلَى الْمَاءِ وَهُوَ الْمُرَيْسِيعُ فَصَفَّ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ وَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمَلَةً وَاحِدَةً فَمَا أَفْلَتَ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ بَلْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَأُسِرَ الْبَاقُونَ رِجَالًا وَنِسَاءً، وَسَاقَ ذَلِكَ الْيَعْمُرِيُّ فِي عُيُونِ الْأَثَرِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: أَشَارَ ابْنُ سَعْدٍ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: الْأَوَّلُ أَثْبُتُ. قُلْتُ: آخِرُ كَلَامِ ابْنِ سَعْدٍ، وَالْحُكْمُ بِكَوْنِ الَّذِي فِي السِّيَرِ أَثْبَتُ مِمَّا فِي الصَّحِيحِ مَرْدُودٌ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَيْرِيزٌ بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الْعَزْلِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى قِصَّتِهَا مُجْمَلًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

٣٤ - بَاب حَدِيثِ الْإِفْكِ

وَالْأَفَكِ، بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ وَالنَّجَسِ، يُقَالُ: إِفْكُهُمْ وَأَفْكُهُمْ وَأَفَكُهُمْ، فَمَنْ قَالَ: أَفَكَهُمْ يَقُولُ: صَرَفَهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ وَكَذَّبَهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ يُصْرَفُ عَنْهُ مَنْ صُرِفَ

٤١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ، قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّتهنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ مَعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ. فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ.

قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ - وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ جفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ - فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ

خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ. قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ. وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الْإِفْكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ.

قَالَ عُرْوَةُ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّ كِبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ. قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ - وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ - وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ - فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ. قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي. فَلَمَّا

رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا.

قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ لِأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ، مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ. فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أبْكِي. قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ بَرِيرَةَ فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ - فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا.

وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ - فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْخَزْرَجِ - وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ. قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ - فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ - فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ. قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ - حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى أنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا،

فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ.

قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ. قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ . فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ أُمِّي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ . فَقُلْتُ - وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ كَثِيرًا -: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ - وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللَّهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي.

وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنْ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ - وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ - مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ، قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ ﷿. قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هَذَا فِي بَرَاءَتِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ -: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ: مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ فَعَصَمَهَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣٥ - (بابُ حَدِيثِ الإفْكِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَدِيث الْإِفْك، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، بل هَكَذَا: حَدِيث الْإِفْك، أَي: هَذَا حَدِيث الْإِفْك وَلما كَانَ حَدِيث الْإِفْك فِي غَزْوَة بني المصطلق وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع ذكره هُنَا.

الإفْكِ والأفَكِ بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ والنَّجَسِ

أَشَارَ بهما إِلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ الأولى: الأفك، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء: كالنجس، بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْجِيم، وَالثَّانيَِة: الأفك، بِفَتْح الْهمزَة وَالْفَاء مَعًا: كالنجس، بِفتْحَتَيْنِ، وَالْأولَى هِيَ اللُّغَة الْمَشْهُورَة. قَوْله: (بِمَنْزِلَة النَّجس) أَي: بنظير النَّجس وَالنَّجس فِي الضَّبْط، وَفِي كَونهمَا لغتين، ثمَّ الْإِفْك مصدر أفك الرجل يأفك من بَاب ضرب يضْرب إِذا كذب، والإفك، بِضَم الْهمزَة جمع أفوك، وَهُوَ الْكثير الْكَذِب، ذكره ابْن عديس فِي الْكتاب (الباهر) .

يقَالُ إفْكُهُمْ وأفَكَهُمْ وأفَّكَهُمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بل ضلوا عَنْهُم وَذَلِكَ إفكهم وَمَا كَانُوا يفترون} (الْأَحْقَاف: ٢٨) . قرىء فِي الْمَشْهُور: إفكهم، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء، وارتفاعه على أَنه خبر لقَوْله: وَذَلِكَ، وقرىء فِي الشاذ: أفكهم، بِفَتْح الْهمزَة وَالْفَاء وَالْكَاف جَمِيعًا على أَنه فعل ماضٍ، وقرىء أَيْضا: وأفكهم، بتَشْديد الْفَاء للْمُبَالَغَة، وآفكهم، بِمد الْهمزَة وَفتح الْفَاء أَي: جعلهم آفكين وآفكهم بِالْمدِّ وَكسر الْفَاء، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي قَوْلهم الْكَذِب كَمَا تَقول: قَول كَاذِب.

فَمَنْ قَالَ أفَكَهُمْ

يَعْنِي من جعله فعلا مَاضِيا.

يَقُولُ صرَفَهُمْ عنِ الإيمَانِ وكذَبَهُمْ كَمَا قَالَ يُؤْفَكُ عنْهُ مِنْ أُفِكَ يُصْرَفُ عنْهُ مِنْ صُرِفَ

يؤفك، بِضَم الْيَاء صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي الحَدِيث: لقد أفك قوم كَذبُوك، وظاهروا عَلَيْك، أَي صرفُوا عَن الْحق وَمنعُوا مِنْهُ، يُقَال: أفكه يأفكه أفكاً إِذا صرفه عَن الشَّيْء وَقَلبه، وأفك فَهُوَ مأفوك.

٤١٤١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بن مَسْعُودٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ قَالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا وكلُّهُمْ حدَّثَنِي طائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وبَعْضُهُمْ كانَ أوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وأثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصَاً وقَدْ وَعيْتُ عنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الحَدِيثَ الَّذِي حدَّثَنِي عنْ عَائِشة وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدَّقُ بَعْضَاً وإنْ كانَ بَعْضُهُمْ أوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ قالُوا قالَتْ عائِشَةُ كانَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أرَادَ سفَرَاً أقْرَعَ بَيْنَ أزْوَاجِهِ فأيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خرَجَ بِهَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَهُ قالَتْ عائِشَةُ فأقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فخَرَجْتُ معَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حتَّى إذَا فَرَغَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ قافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ فلَمَّا قَضَيْتُ شأنِي أقْبَلْتُ إلَى

رَحْلِي فلَمَسْتُ صَدْرِي فإذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَار قَدِ انْقَطَعَ فرَجَعْتُ فالْتَمَسْتُ عِقْدِي فحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ قالَتْ وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحِّلُونِي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ علَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أرْكَبُ عَلَيْهِ وهُمْ يَحْسِبُونَ أنِّي فِيهِ وكانَ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافَاً لَمْ يَهْبُلْنَ ولَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إنَّمَا يأكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ فلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وحَمَلُوهُ وكُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فبَعَثُوا الجَمَلَ فسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ ولَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وظَنَنْتُ أنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ فَبَيْنَا أنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السَّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فرَأى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رآنِي وكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ فاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَوالله مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ ولَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ وهَوَي حَتَّى أنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِيءَ علَى يَدِهَا فقُمْتُ إلَيْهَا فرَكِبْتُهَا فانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حتَّى أتَيْنَا الجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وهُمْ نُزُولٌ قالَتْ فهَلَكَ فِيَّ مَنْ هَلَكَ وكانَ الَّذِي تَوَلَّي كِبْرَ الإفْكِ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ أُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُشَاعُ ويُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ ويَسْتَمِعُهُ ويَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضا لَمْ يُسَمَّ مِنْ أهْلِ الإفْكِ أَيْضا إلَاّ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي ناسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أنَّهُمْ عُصْبَةٌ كَمَا قَالَ الله تعالَى وإنَّ كُبْرَ ذالِكَ يُقَالُ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ كَانَتْ عائِشَةُ تَكْرَهُ أنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وتَقُولُ إنَّهُ الَّذِي قَالَ:

(فَإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وعِرْضِي ... لِعِرْض مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ)

قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرَاً والنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أصْحَابِ الإفْكِ لَا أشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أنِّي لَا أعْرِفُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أرَى مِنْهُ حِينَ أشْتَكى إنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيُّ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذالِكَ يَرِيبُنِي ولَا أشْعُرُ بالشَّرِّ حتَّى خَرَجْتُ حِينَ نقَهْتُ فخَرَجْتُ معَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ وكانُ مُتَبَرَّزَنَا وكُنَّا لَا نَخْرُجُ إلَاّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ وذالِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبَاً مِنْ بُيُوتِنَا قالَتْ وأمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي البَرِيَّةِ قِبَلَ الغَائِطِ وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا قالَتْ فانْطَلَقْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ وهْيَ ابْنَةُ أبِي رُهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنافٍ وأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ خالَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابْنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادٍ ابنِ المُطَّلِبِ فأقْبَلْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شأنِنَا فعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْرَاً فقَالَتْ أيْ هَنْتَاهُ ولَمْ

تَسْمَعِي مَا قَالَ قالَتْ وقُلْتُ مَا قَالَ فأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ قالَتْ فازْدَدْتُ مَرَضاً علَى مَرَضِي فلَمَّا رَجَعْتُ إلَى بَيْتِي دخَلَ علَيَّ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ فقُلْتُ لَهُ أتَأذَنُ لِي أنْ آتِي أبَوَيَّ قالَتْ وأُرِيدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الخَبرَ مِنْ قِبَلِهِمَا قالتْ فأذِنَ لي رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ لأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ ماذَا يتَحَدَّثُ النَّاسُ قالتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّني علَيْكِ فَوَالله لقَلَّمَا كانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرَ إلَاّ كَثَّرْنَ علَيْهَا قالَتْ فقُلْتُ سُبْحَانَ الله أوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهاذَا قالتْ فبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أصْبَحْتُ لَا يَرْقأ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أصْبَحْتُ أبْكِي قالَتْ ودَعَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علِيَّ بنَ أبِي طالِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلبَثَ الوَحْيُ يَسْألُهُمَا ويَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أهْلِهِ قالَتْ فأمَّا أُسَامَةُ فأشَارَ علَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أهْلِهِ وبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ أُسَامَةُ أهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَاّ خَيْرَاً وأمَّا عليٌّ فقَالَ يَا رسُولَ الله لَمْ يُضَيِّقِ الله عَلَيْكَ والنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ قالَتْ فدَعَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَرِيرَةَ فَقال أيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا رأيْتُ علَيْهَا أمْرَاً قَطُّ أغْمِصُهُ غيْرَ أنَّهَا جَارِيَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عنْ عَجِينِ أهْلِهَا فتَأتِي الدَّاجِنُ فتَأكُلُهُ قالتْ فَقامَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ يَوْمِهِ فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَهْوَ علَى المِنْبَرِ فَقال يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قدْ بَلَغَنِي عنْهُ أذَاهُ فِي أهْلِي وَالله مَا عَلِمْتُ علَى أهْلِي إلَاّ خَيْرَاً ولَقَدْ ذكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ علَيْهِ إلَاّ خَيْرَاً وَمَا يَدْخُلُ علَى أهْلِي إلَاّ مَعِي قالَتْ فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ فَقال أنَا يَا رسُولَ الله أعْذِرُكَ فإنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ قالَتْ فقَامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ وكانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخْذِهِ وهْوَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وهْوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ قالَتْ وكانَ قَبْلَ ذالِكَ رجُلاً صالِحَاً ولاكِنْ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فقَالَ لِسَعْدٍ كَذَبْت لَعَمْرُ الله لَا تَقْتُلْهُ ولَا تَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ ولَوْ كانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أحْبَبْتَ أنْ يُقْتَلَ فقامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وهْوَ ابنُ عَمِّ سَعْدٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عنِ المُنَافِقِينَ قالَتْ فَثارَ الْحَيَّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قائِمٌ علَى المِنْبَرِ قالَتْ فلَمْ يَزَلْ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُخَفِّضُهُمْ حتَّى سَكَتُوا وسَكَتَ قالَتْ فبَكَيْتُ يَوْمِي ذالِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ قالَتْ وأصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي وقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ ويَوْماً لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حتَّى إنِّي لأَظُنُّ أنَّ البُكَاءَ فالِقٌ كَبِدِي فبَيْنَا أبَوَايَ جالِسَانِ عِنْدِي وأنَا أبْكِي فاسْتأذَنَتْ علَيَّ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ فأذِنْتُ لَهَا فجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ علَى ذالِكَ دَخَلَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ

وَسلم عَلَيْنَا فسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قالَتْ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وقَدْ لَبِثَ شَهْرَاً لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي شأني بِشَيْءٍ قالَتْ فتَشَهَّدَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ يَا عائِشَةُ إنَّهُ بلَغَنِي عَنْكِ كذَا وكَذَا فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فسَيُبَرِّئُكِ الله وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي الله وتُوبِي إلَيْهِ فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تابَ الله علَيْهِ قالَتْ فلَمَّا قَضَى رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لأِبِي أجِبْ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنِّي فِيمَا قَالَ فَقَالَ أبي وَالله مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْتُ لاُِمِّي أجِيبِي رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا قالَ قالَتْ أُمِّي مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ وأنَا جَارِيَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ لَا أقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ كَثِيرَاً إنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هاذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أنْفُسِكُمْ وصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأمْرٍ وَالله يَعْلَمُ أنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِي فَوَالله لَا أجِدُ لِي ولَكُمْ مَثَلاً إلَاّ أبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعانُ علَى مَا تَصِفُونَ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ واضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي وَالله يَعْلَمُ أنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ وأنَّ الله مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي ولَكِنْ وَالله مَا كُنْتُ أظُنُّ أنَّ الله مُنْزِلٌ فِي شأنِي وَحْيَاً يُتْلَى لِشأنِي فِي نَفْسِي كانَ أحْقَرَ مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ الله فِيَّ بأمْر ولَكِنْ كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي الله بِهَا فَوالله مَا رَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ علَيْهِ فأخَذَهُ مَا كَانَ يأخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ حَتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ العَرَقِ مِثْلُ الجُمَانِ وهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قالَتْ فَسُرِّيَ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ يَضْحَكُ فكَانَتْ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أنْ قَالَ يَا عَائِشَةُ أمَّا الله فقَدْ بَرَّأكِ قالَتْ فقالَتْ لِي أُمِّي قُوُمِي إلَيْهِ فقُلْتُ لَا وَالله لَا أقُومُ إلَيْهِ فإنِّي لَا أحْمَدُ إلَاّ الله عَزَّ وَجَلَّ قالَتْ وأنْزَلَ الله تعَالى: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} (النُّور: ١١) . العَشَرَ الآياتِ ثُمَّ أنْزَلَ الله تعَالى هاذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وكانَ يُنْفِقُ علَى مِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وفَقْرِهِ وَالله لَا أُنْفِقُ علَى مِسْطَحٍ شَيْئَاً أبَداً بعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ فأنْزَلَ الله تعالَى: {وَلَا يأتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النُّور: ٢٢) . قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بلَى وَالله إنِّي لأحِبُّ أنْ يَغْفِرَ الله لِي فرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ علَيْهِ وَقَالَ وَالله لَا أنْزِعُهَا مِنْهُ أبَدَاً قالَتْ عائِشَةُ وكانَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سألَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عنْ أمْرِي فَقال لِزَيْنَبَ ماذَا عَلِمْتِ أوْ رَأيْتِ فقالَتْ يَا رسُولَ الله أحْمِي سَمْعِي وبَصَرِي وَالله مَا عَلِمْتُ إلَاّ خَيْرَاً قالَتْ عائِشَةُ وهْيَ الَّتِي كانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعَصَمَهَا الله بالوَرَعِ قالَتْ وطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا فهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ فهاذَا الَّذِي بلَغَنِي مِنْ

حَدِيثَ هاؤُلاءِ الرَّهْطِ ثُمَّ قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عائِشَةُ وَالله إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لِيَقُولَ سُبْحَانَ الله فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ قالَتْ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذالِكَ فِي سَبِيلِ الله. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات فِي أول: بَاب تَعْدِيل النِّسَاء بَعضهنَّ بَعْضًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان ... إِلَى آخِره، وليعتبر النَّاظر التَّفَاوُت بَينهمَا من حَدِيث الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ولنتكلم هُنَا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُ.

فَقَوله: (وَأثبت لَهُ اقتصاصاً) أَي: أحفظ وَأحسن إيراداً وسرداً للْحَدِيث، وَهَذَا الَّذِي فعله الزُّهْرِيّ من جمع الحَدِيث عَنْهُم جَائِز لَا كَرَاهَة فِيهِ، لِأَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَئِمَّة حفاظ ثقاة من عُظَمَاء التَّابِعين، فالحجة قَائِمَة بقول أَي كَانَ مِنْهُم. قَوْله: (فِي غَزْوَة غَزَاهَا) ، أرادة الْغَزْوَة الْمُصْطَلِقِيَّة. قَوْله: (سهمي) ، السهْم فِي الأَصْل وَاحِد السِّهَام الَّتِي يضْرب بهَا فِي الميسر، وَهِي القداح، ثمَّ سمى بهَا مَا يفوز بِهِ الفالح سَهْمه، ثمَّ كثر حَتَّى سمي كل نصيب سَهْما، وَالْمرَاد من السهْم هُنَا الْقدح الَّذِي يقترع بِهِ. قَوْله: (أحمل) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي هودجي) ، الهودج مركب من مراكب النِّسَاء مقتب وَغَيره مقتب. قَوْله: (من جزع ظفار) ، الْجزع بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة: خرز، وَهُوَ مُضَاف إِلَى: ظفار، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالراء مَبْنِيَّة على الْكسر وَهُوَ اسْم قَرْيَة بِالْيمن. قَوْله: (ابتغاؤه) ، أَي: طلبه. قَوْله: (لم يهبلن) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: من الهبل وَهُوَ كَثْرَة اللَّحْم والشحم. ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول من الإهبال، ويروى لم يهبلهن اللَّحْم أَي: لم يكثر عَلَيْهِنَّ، يُقَال: هبله اللَّحْم إِذا كثر عَلَيْهِ وَركب بعضه بَعْضًا. قَوْله: (الْعلقَة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَهِي الْقَلِيل من الْأكل. قَوْله: (فَلم يستنكر الْقَوْم خفَّة الهودج) ، وَقد تقدم فِي كتاب الشَّهَادَات: وَلم يستنكر الْقَوْم ثقل الهودج، والتوفيق بَينهمَا أَن الخفة والثقل من الْأُمُور الإضافية فيتفاوتان بِالنِّسْبَةِ. قَوْله: (فَتَيَمَّمت) ، أَي: قصدت. قَوْله: (وَكَانَ صَفْوَان ابْن الْمُعَطل) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن ربيضة بن خزاعي بن محَارب بن مرّة بن فالح بن ثَعْلَبَة بن بهثة بن سليم السّلمِيّ بِالضَّمِّ ثمَّ الذكواني، يكنى أَبَا عَمْرو، وَيُقَال: إِنَّه أسلم قبل الْمُريْسِيع وَشهد الْمُريْسِيع وَمَا بعْدهَا، قَالَ أَبُو عمر: وَكَانَ يكون على ساقة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن ابْن إِسْحَاق: أَنه قتل فِي غزَاة أرمينية شَهِيدا وأميرهم يَوْمئِذٍ عُثْمَان بن العَاصِي سنة تسع عشرَة فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: مَاتَ بالجزيرة فِي نَاحيَة سميساط وَدفن هُنَاكَ، وَقيل: غير ذَلِك. قَوْله: (باسترجاعه) ، أَي: بقوله: {إِنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجعُونَ} (الْبَقَرَة: ١٥٦) . قَوْله: (فحمرت) أَي: غطيت من التخمير، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: وَهِي التغطية. قَوْله: (وَهوى) ، أَي: اسرع حَتَّى أَنَاخَ أَي: برك رَاحِلَته، وَيُقَال: هوى يهوي هوياً من بَاب ضرب يضْرب إِذا أسْرع فِي السّير، وَهوى يهوي من بَاب علم يعلم هوياً إِذا أحب وَهوى يهوى هوياً بِالضَّمِّ: إِذا صعد، وبالفتح إِذا هَبَط، وَفِي رِوَايَة: وأهوى، بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله من أَهْوى إِلَيْهِ إِذا مَال وَأَخذه. قَوْله: (فوطىء على يَدهَا) ، أَي: وطىء صَفْوَان على يَد الرَّاحِلَة ليسهل ركُوبهَا وَلَا يحْتَاج إِلَى مساعدته. قَوْله: (موغرين) ، يجوز أَن يكون صِيغَة تَثْنِيَة وَأَن يكون صِيغَة جمع نصبا على الْحَال، أَي: داخلين فِي الوغرة، بالغين الْمُعْجَمَة، وَيُقَال: أوغر الرجل أَي: دخل فِي شدَّة الْحر، كَمَا يُقَال: أظهر إِذا دخل فِي وَقت الظّهْر، ووغرت الهاجرة وغراً، إِذا اشتدت فِي وَقت توَسط الشَّمْس السَّمَاء، ووغر الصَّدْر بتحريك الْغَيْن الْمُعْجَمَة الغل والحرارة، ويروى: موعرين، بِالْعينِ الْمُهْملَة من الوعر. قَوْله: (فِي نحر الظهيرة) أَي: فِي صدر الظّهْر. قَوْله: (وهم نزُول) أَي: وَالْحَال أَن الْجَيْش نازلون. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (فَهَلَك فِي) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء، أَرَادَت مَا قَالُوا فِيهَا من الْكَذِب والبهتان والافتراء الَّذِي هُوَ سَبَب لهلاك الْقَائِلين، أَي: لخزيهم وَسَوَاد وُجُوههم عِنْد الله وَعند النَّاس. قَوْله: (وَالَّذِي تولى كبر الْإِفْك) بِكَسْر الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: الَّذِي بَاشر مُعظم الْإِفْك وَأَكْثَره (عبد الله بن أبي) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء: ابْن سلول، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَاّم الأولى، وَهِي امْرَأَة من خُزَاعَة وَهِي أم أبي بن مَالك بن الْحَارِث بن عبيد بن مَالك بن سَالم بن غنم بن الْخَزْرَج، وَكَانَ عبد الله هَذَا رَأس الْمُنَافِقين وَابْنه عبد الله من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة) أَي: ابْن الزبير بن الْعَوام أحد الروَاة

الْمَذْكُورين أول الحَدِيث، وَهُوَ مُتَّصِل بالسند الأول. قَوْله: (أخْبرت) على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ مقول عُرْوَة. قَوْله: (أَنه كَانَ يشاع ويتحدث بِهِ عِنْده) أَي: أَن الْإِفْك كَانَ يشاع عِنْد عبد الله بن أبي وكل من يشاع ويتحدث على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب تنَازع العاملين فِي قَوْله: عِنْده. قَوْله: (فيقره) بِضَم الْيَاء أَي: فَيقر عبد الله حَدِيث الْإِفْك وينكره وَلَا ينْهَى من يَقُول بِهِ. قَوْله: (ويستوشيه) أَي: يَسْتَخْرِجهُ بالبحث وَالْمَسْأَلَة ثمَّ يفشيه وَلَا يَدعه ينخمد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يستوشيه أَي يطْلب مَا عِنْده ليزيده. قَوْله: (لم يسم) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مسطح) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة الأولى وَفتح الثَّانِيَة: ابْن أَثَاثَة، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى: ابْن عباد بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي المطلبي، يكنى أَبَا عبَادَة، وَأمه سلمى بنت صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة، وَهِي ابْنة خَالَة أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: أم مسطح بن عَامر خَالَة أبي بكر، شهد بَدْرًا ثمَّ خَاضَ فِي الْإِفْك فجلده رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَن جلد، وَيُقَال: مسطح، لقب واسْمه: عَوْف، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ، وَقيل: شهد مسطح صفّين وَتُوفِّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (وَحمْنَة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالنون: بنت جحش، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن رياب الأَسدِية، من بني أَسد بن خُزَيْمَة، أُخْت زَيْنَب بنت جحش، كَانَت عِنْد مُصعب بن عُمَيْر فَقتل عَنْهَا يَوْم أحد فَتَزَوجهَا طَلْحَة بن عبيد الله وَكَانَت جلدت مَعَ من جلد فِي الْإِفْك. قَوْله: (فِي نَاس آخَرين) أَي: حَال كَون الْمَذْكُورين فِي جمَاعَة آخَرين فِي الْإِفْك. قَالَ عُرْوَة: (وَلَا علم لي بهم) أَي: بأساميهم، غير أَنهم كَانُوا عصبَة. قَالَ ابْن فَارس: الْعصبَة الْعشْرَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَا فَوق الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين، وَقيل: الْعصبَة الْجَمَاعَة. قَوْله: كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي قَوْله: {إِن الَّذين جاؤا بالإفك عصبَة مِنْكُم} (النُّور: ١١) . أَي: جمَاعَة متعصبون مِنْكُم أَي: من الْمُسلمين. قَوْله: (وَأَن كبر ذَلِك) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: وَأَن مُتَوَلِّي مُعظم الْإِفْك يُقَال لَهُ عبد الله بن أبي. قَوْله: (أَن يسب) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَتقول: إِنَّه) أَي: تَقول عَائِشَة: إِن حسان قَالَ: فَإِن أبي ووالده ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَإِن أبي) أَرَادَ بِهِ حسان أَبَاهُ ثَابتا، وَأَرَادَ بقوله: (ووالده) أَي: وَالِد أَبِيه وَهُوَ مُنْذر، وَأَبُو جده: حرَام، لِأَن حسان هُوَ ابْن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام بن عَمْرو بن زيد مَنَاة بن عدي بن مَالك بن النجار النجاري الْأنْصَارِيّ، وَحرَام ضد الْحَلَال وعاش كل وَاحِد من حسان وَأَبِيهِ وجده وجد أَبِيه مائَة وَعشْرين سنة، وَهَذَا من الغرائب. قَوْله: (وعرضي) بِالْكَسْرِ: هُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه أَو من يلْزمه أمره، وَقيل: هُوَ جَانِبه الَّذِي يصونه من نَفسه وحسبه ويحامي عَنهُ أَن ينتقص ويثلب. قَوْله: (وقاء) بِكَسْر الْوَاو، قَالَ الْجَوْهَرِي: الوقاء والوقاء مَا وقيت بِهِ شَيْئا. قَوْله: (فاشتكيت) أَي: مَرضت. قَوْله: (وَالنَّاس يفيضون) ، بِضَم الْيَاء أَي: يَخُوضُونَ. قَوْله: (وَهُوَ يريبني) ، بِفَتْح الْيَاء وَضمّهَا يُقَال: رابه وأرابه إِذا أَوْهَمهُ وشككه. قَوْله: (اللطف) ، بِضَم اللَّام وَسُكُون الطَّاء وَبِفَتْحِهَا جَمِيعًا: الْبر والرفق. قَوْله: (كَيفَ تيكم؟) إعلم أَن: تأوته: ته، اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمُؤَنَّث، فَإِن خاطبت جِئْت بِالْكَاف، فَقلت: تيك وتيكما وتيكم، وَمَا قبل الْكَاف لمن تُشِير إِلَيْهِ فِي التَّذْكِير والتأنيث والثنية وَالْجمع. قَوْله: (حِين نقهت) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا أَي: حِين أَفَقْت من الْمَرَض، يُقَال: نقه نقهاً ونقوها: إِذا صَحَّ عقيب علته، وأنقهه الله فَهُوَ ناقه. قَوْله: (قبل المناصع) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، والمناصع بالنُّون وَالصَّاد وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ على وزن الْمَسَاجِد: مَوَاضِع خَارج الْمَدِينَة كَانُوا يتبرزون فِيهَا، قَالَه الْأَزْهَرِي. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي يتخلى فِيهَا لقَضَاء الْحَاجة، وَاحِدهَا منصع لِأَنَّهُ يبرز إِلَيْهَا وَيظْهر، من نصع الشَّيْء ينصع إِذا وضح وَبَان. قَوْله: (متبرزنا) ، بتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة بعْدهَا الزَّاي الْمَفْتُوحَة: وَهُوَ مَوضِع البرَاز. قَوْله: (الكنف) ، بِضَمَّتَيْنِ جمع: كنيف، وَهُوَ كل مَا ستر من بِنَاء أَو حَظِيرَة. قَوْله: (الأول) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو المخففة، ويروى بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو. قَوْله: (وَهِي ابْنة أبي رهم) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهَاء واسْمه: أنيس، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر النُّون: ابْن الْمطلب بن عبد منَاف، ذكره الزبير وَضَبطه ابْن مَاكُولَا هَكَذَا، وَيُقَال اسْمه صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة. قَوْله: (تعس) ، بِكَسْر الْعين، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَبِفَتْحِهَا قَالَه القَاضِي. قَوْله: (أَي: هنتاه) يَعْنِي: يَا هنتاه، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون النُّون وَفتحهَا، وَأما الْهَاء الْأَخِيرَة فتضم وتسكن وَهَذِه اللَّفْظَة تخْتَص بالنداء، وَمَعْنَاهُ: يَا هَذِه، وَقيل: يَا بلهاء كَأَنَّهَا نسبت إِلَى قلَّة الْمعرفَة بمكائد النَّاس وشرورهم. قَوْله: (وضيئة) ، أَي: حَسَنَة جميلَة، من الْوَضَاءَة وَهِي الْحسن. قَوْله: (إلَاّ كثرن) ، بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، ويروى: أكثرن، من

الْإِكْثَار، أَي: كثرن القَوْل الرَّدِيء عَلَيْهَا. قَوْله: (لَا يرقأ) بِالْقَافِ والهمزة، أَي: لَا يَنْقَطِع يُقَال رقا الدمع وَالدَّم والعرق يرقأ رقوء بِالضَّمِّ: إِذا سكن وَانْقطع. قَوْله: (أهلك) ، قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: وَجه الرّفْع على أَنه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: هِيَ أهلك مَا بهَا شَيْء، وَوجه النصب على تَقْدِير: إلزم أهلك. قَوْله: (لم يضيق الله عَلَيْك) قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا لم يكن عَدَاوَة وَلَا بغضاً، وَلَكِن لما رأى انزعاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الْأَمر وتقلقه بِهِ أَرَادَ إراحة خاطره وتسهيل الْأَمر عَلَيْهِ. قَوْله: (أَي بَرِيرَة) يَعْنِي: يَا بَرِيرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَهِي مولاة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (أغمصه) جملَة وَقعت صفة لقَوْله: أمرا، وَمَعْنَاهُ: أعيبها بِهِ وأطع بِهِ عَلَيْهَا، ومادته: غين مُعْجمَة وَمِيم وصاد مُهْملَة. قَوْله: (الدَّاجِن) ، بِكَسْر الْجِيم وَهِي: الشَّاة الَّتِي تقتنى فِي الْبَيْت وتعلف، وَقد تطلق على غير الشَّاة من كل مَا يألف الْبيُوت من الطير وَغَيره. قَوْله: (فاستعذر من عبد الله بن أبي) ، أَي: قَالَ من يعذرني فِيمَن أذاني فِي أَهلِي؟ وَمعنى: من يعذرني؟ وَمن يقوم بعذري إِن كافأته على قبح فعله؟ وَقيل: مَعْنَاهُ: من ينصرني؟ والعذير النَّاصِر. قَوْله: (فَقَامَ سعد بن معَاذ) ، فَإِن قلت: حَدِيث الْإِفْك كَانَ فِي الْمُريْسِيع، وَسعد قد مَاتَ قبله؟ قلت: ذكر ابْن مَنْدَه أَن سَعْدا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة خمس، وغزوة الْمُريْسِيع كَانَت فِي شعْبَان سنة خمس، فَكَأَن سَعْدا مَاتَ بعد شعْبَان من هَذِه السّنة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: يشبه أَن سَعْدا لم ينفجر جرحه إلَاّ بعد الْمُريْسِيع. قَوْله: (قلص دمعي) ، أَي: انْقَطع، قَوْله: (من البرحاء) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد، وبرحاء الْحمى وَغَيرهَا: شدَّة الْأَذَى. قَوْله: (الجمان) ، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم وَهُوَ: اللُّؤْلُؤ الصغار، وَقيل: حب يتَّخذ من الْفضة أَمْثَال اللُّؤْلُؤ. قَوْله: (من ثقل القَوْل) ، وَضَبطه ابْن التِّين بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْقَاف. قَوْله: {وَلَا يَأْتَلِ أولو الْفضل مِنْكُم} (النُّور: ٢٢) . أَي: لَا يحلف. قَوْله: (أحمى سَمْعِي وبصري) هُوَ مَأْخُوذ من الْحمى، تَقول: أحميه من المآثم إِن رَأَيْت مَا قيل، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت فِي كتاب الشَّهَادَات مستوفاة.

٤١٤٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّد قَالَ أمْلَى عَلَيَّ هِشَامُ بنُ يُوسُفَ مِنْ حِفْظِهِ قَالَ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ لي الولِيدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ أبْلَغَكَ أنَّ عَلِيَّاً كانَ فِيمَنْ قَذَفَ عائِشَةَ قُلْتُ لَا وَلاكِنْ قَدْ أخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِكَ أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ وأبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ لَهُمَا كانَ عَلِيٌّ مُسَلِّمَاً فِي شَأنِهَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ السَّابِق الطَّوِيل، وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ، والوليد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْأمَوِي.

قَوْله: (أمْلى عَليّ) ، من الْإِمْلَاء. قَوْله: (من حفظه) ، فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْإِمْلَاء قد يَقع من الْكتاب. قَوْله: (قَالَ لي الْوَلِيد) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر: كنت عِنْد الْوَلِيد بن عبد الْملك ... أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (أبلغك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (قلت: لَا) ، الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ، أَي: لَا، كَانَ فِيمَن قذف عَائِشَة لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، منزه عَن أَن يَقُول مثل مقَالَة أهل الْإِفْك. قَوْله: (أَبُو سَلمَة) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَأَبُو بكر، عطف عَلَيْهِ تَقْدِيره: هما أَبُو سَلمَة وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، وَالْأولَى أَن يكون أَبُو سَلمَة عطف بَيَان، وَأَبُو بكر عطف عَلَيْهِ، وَأَرَادَ من قَوْله: (من قَوْمك) قُريْشًا، لِأَن أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن مخزومي وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف زهري يجمعهما مَعَ بني أُميَّة رَهْط الْوَلِيد مرّة بن كَعْب ابْن لؤَي بن غَالب. قَوْله: (قَالَت لَهما) ، أَي: قَالَت عَائِشَة لأبي سَلمَة وَأبي بكر. قَوْله: (مُسلما) بِكَسْر اللَّام الْمُشَدّدَة، كَذَا فِي نسخ البُخَارِيّ وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: مُسلما، بِفَتْح اللَاّم، فَالرِّوَايَة الأولى من التَّسْلِيم بِمَعْنى تَسْلِيم الْأَمر بِمَعْنى السُّكُوت، وَالثَّانيَِة من السَّلامَة من الْخَوْض فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: ويروى: مسيئاً، يَعْنِي من الْإِسَاءَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فِيهِ بعد، ورد عَلَيْهِ بِأَن عياضاً ذكر أَنه النَّسَفِيّ رَوَاهُ عَن البُخَارِيّ بِلَفْظ مسيئاً وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَليّ بن السكن عَن الْفربرِي. قلت: الظَّاهِر أَن نِسْبَة هَذِه اللَّفْظَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من حَيْثُ إِنَّه لم يقل مثل مَا قَالَ أُسَامَة بن زيد: أهلك، وَلَا نعلم إلَاّ خيرا، بل قَالَ: لم يضيق الله عَلَيْك وَالنِّسَاء

سواهَا كثير، وَمن هَذَا أَن بعض الغلاة من الناصبية تقربُوا إِلَى بني أُميَّة بِهَذِهِ اللَّفْظَة، فجزى الله تَعَالَى الزُّهْرِيّ خيرا حَيْثُ بَين للوليد بن عبد الْملك مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.

فَرَاجَعُوهُ فلَمْ يَرْجِعْ وَقَالَ مُسَلِّمَاً بِلَا شَكَّ فِيهِ وعَلَيْهِ كانَ فِي أصلِ العَتِيقِ كذَلِكَ

أَي: فراجعوا الزُّهْرِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَلم يرجع، أَي: فَلم يجب بِغَيْر ذَلِك. وَقَالَ معمر: قَالَ الزُّهْرِيّ: مُسلما بِلَا شكّ فِي هَذَا اللَّفْظ، وَزَاد أَيْضا لفظ: عَلَيْهِ، أَي: على الْوَلِيد. قَوْله: (وَقَالَ: مُسلما) أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَت عَائِشَة: قَالَ عَليّ بِلَفْظ مُسلما، لَا بِلَفْظ: مسيئاً، وَقَالَ بَعضهم: الْمُرَاجَعَة فِي ذَلِك وَقعت مَعَ هِشَام بن يُوسُف فِيمَا أَحسب، وَذَلِكَ أَن عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ عَن معمر فخالفه، فَرَوَاهُ بِلَفْظ: مسيئاً. قلت: الَّذِي فسره الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب، أَلا يرى أَن الْأصيلِيّ لما رَوَاهُ بِلَفْظ: مُسلما، قَالَ: كَذَا قرأناه؟ وَالله أعلم.

١٧٣ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن حُصَيْن عَن أبي وَائِل قَالَ حَدثنِي مَسْرُوق بن الأجدع قَالَ حَدَّثتنِي أم رُومَان وَهِي أم عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَت بَينا أَنا قَاعِدَة أَنا وَعَائِشَة إِذْ ولجت امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَت فعل الله بفلان وَفعل بفلان فَقَالَت أم رُومَان وَمَا ذَاك قَالَت ابْني فِيمَن حدث الحَدِيث قَالَت وَمَا ذَاك قَالَت كَذَا وَكَذَا قَالَت عَائِشَة سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت نعم قَالَت وَأَبُو بكر قَالَت نعم فخرت مغشيا عَلَيْهَا فَمَا أفاقت إِلَّا وَعَلَيْهَا حمى بنافض فطرحت عَلَيْهَا ثِيَابهَا فغطيتها فجَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ مَا شَأْن هَذِه قلت يَا رَسُول الله أَخَذتهَا الْحمى بنافض قَالَ فَلَعَلَّ فِي حَدِيث تحدث بِهِ قَالَت نعم فَقَعَدت عَائِشَة فَقَالَت وَالله وَلَئِن حَلَفت لَا تصدقوني وَلَئِن قلت لَا تعذروني مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون قَالَت وَانْصَرف وَلم يقل شَيْئا فَأنْزل الله عذرها قَالَت بِحَمْد الله لَا بِحَمْد أَحْمد وَلَا بحَمْدك) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن لَهُ تعلقا بِالْحَدِيثِ الطَّوِيل السَّابِق وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة الْأَزْدِيّ وَأم رُومَان بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو تقدم ذكرهَا غير مرّة والْحَدِيث مر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي بَاب قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن إِلَى آخِره وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ ولنذكر هُنَا بعض شَيْء فَقَوله حَدَّثتنِي أم رُومَان فِيهِ إِشْكَال استشكله الْخَطِيب وَآخَرُونَ لِأَن أم رُومَان مَاتَت فِي زمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ومسروق لَيست لَهُ صُحْبَة لِأَنَّهُ لم يقدم من الْيمن إِلَّا بعد موت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي خلَافَة أبي بكر أَو عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ الْخَطِيب أَيْضا كَانَ مَسْرُوق يُرْسل هَذَا الحَدِيث عَن أم رُومَان وَيَقُول سُئِلت أم رُومَان فَوَهم حُصَيْن فِيهِ حَيْثُ جعل السَّائِل لَهَا مسروقا أَو يكون بعض النقلَة كتب سُئِلت بِالْألف فَصَارَت سَأَلت فَقَرَأت بِفتْحَتَيْنِ قَالَ عَليّ أَن بعض الروَاة قد رَوَاهُ عَن حُصَيْن على الصَّوَاب يَعْنِي بالعنعنة قَالَ وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِنَاء على ظَاهر الِاتِّصَال وَلم تظهر لَهُ علته انْتهى ورد على الْخَطِيب وَمن تبعه بِوَجْهَيْنِ الأول أَن مستندهم فِي تَارِيخ وَفَاة أم رُومَان عَن الْوَاقِدِيّ فَلَا يضر ذَلِك الْإِسْنَاد الصَّحِيح (الثَّانِي) ذكر أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ أَن أم رُومَان عاشت بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيُؤَيّد هَذَا مَا تقدم فِي عَلَامَات النُّبُوَّة من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فِي قصَّة أضياف أبي بكر قَالَ عبد الرَّحْمَن وَإِنَّمَا هُوَ أَنا وَأبي وَأمي

وامرأتي وخادم وَفِي كتاب الْأَدَب عِنْد البُخَارِيّ فَلَمَّا جَاءَ أَبُو بكر قَالَت لَهُ أُمِّي احْتبست عَن أضيافك الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن وَفَاة أم رُومَان تَأَخَّرت إِلَى زمن بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله إِذْ ولجت أَي إِذْ دخلت وَكلمَة إِذْ جَوَاب قَوْله بَينا قَوْله " حمى بنافض " النافض من الْحمى ذَات الرعدة قَوْله " فِي حَدِيث تحدث " بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " لَئِن حَلَفت " أَي على براءتي قَوْله " لَا تصدقوني " ويروى لَا تصدقونني قَوْله لَا تعذروني أَي لَا تقبلُوا مني الْعذر قَوْله " وَانْصَرف " أَي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

٤١٤٤ - حدَّثني يَحْيَى حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ نَافِعِ بنِ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا كانَتْ تَقْرَأُ {إذْ تلِقُونَهُ بألْسِنَتِكُمْ} (النُّور: ١٥) . وتقُولُ الوَلْقُ الكَذِبُ.

قَالَ ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ وكانَتْ أعْلَمَ مِنْ غَيْرِهَا بِذَلِكَ لأِنَّهُ نَزَلَ فِيهَا. (الحَدِيث ٤١٤٤ طرفه فِي: ٤٧٥٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الَّذِي قبله. وَيحيى هُوَ ابْن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، ووكيع ابْن الْجراح، وَنَافِع بن عمر بن عبد الله الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، يروي عَن عبد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم.

قَوْله: (إِذْ تلقونه) يَعْنِي: تقْرَأ بِكَسْر اللَّام وَضم الْقَاف المخففة، وفسرته بقولِهَا: من الولق وَهُوَ: الْكَذِب، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ الْإِسْرَاع فِي الْكَذِب، وَقيل: هُوَ الِاسْتِمْرَار فِيهِ، وأصل: تلقونه، تولقونه، حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الكسرة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف فِي فعل الْغَائِب، وحذفت فِي فعل الْمُخَاطب وَغَيره طرداً للباب. قَوْله: (وَكَانَت أعلم من غَيرهَا) أَي: وَكَانَت عَائِشَة أعلم بِهَذِهِ الْقِرَاءَة من غَيرهَا، وَقِرَاءَة الْعَامَّة: إِذْ تلقونه، بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْقَاف من التلقي، وَأَصله: إِذْ تتلقونه، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.

٤١٤٥ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ قَالَ ذَهَبْتُ أسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عائِشَةَ فقالَتْ لَا تَسُبَّهُ فإنَّهُ كانَ يُنافِحُ عَنْ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وقالَتْ عائِشَةُ اسْتَأذَنَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ قالَ كَيْفَ بِنَسَبي قالَ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٣١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حسانا مَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب، وَعَبدَة بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي، وَكَانَ اسْمه عبد الرَّحْمَن فغلب عَلَيْهِ لقبه عَبدة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن عَبدة وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة.

قَوْله: (ينافح) بِالْحَاء الْمُهْملَة، يُقَال: نافحت عَن فلَان إِذا خَاصَمت عَنهُ. قَوْله: (كَيفَ بنسبي؟) أَي: تعْمل فِي أَمر نسبي، إِذا هجوت قُريْشًا من الْمُشْركين؟

وَقَالَ مُحَمَّدٌ بنُ عُقْبَةَ وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ فَرْقَدٍ سَمِعْتُ هِشَاماً عنْ أبِيهِ قَالَ سَبَبْتُ حَسَّانَ وكانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَيْهَا

مُحَمَّد بن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة: أَبُو جَعْفَر الطَّحَّان الْكُوفِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، علق عَنهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي: حَدثنَا مُحَمَّد بِغَيْر نِسْبَة، وَعرف نسبه من الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَعُثْمَان بن فرقد، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ، وَله حَدِيث آخر تقدم فِي أَوَاخِر الْبيُوع. قَوْله: (وَكَانَ مِمَّن كثر) بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة من التكثير (عَلَيْهَا) ، أَي: على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي ذكر قَضِيَّة الْإِفْك، فَلذَلِك كَانَ عُرْوَة يسبه.

١٧٦ - (حَدثنِي بشر بن خَالِد أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق قَالَ دَخَلنَا على عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَعِنْدهَا حسان بن ثَابت ينشدها شعرًا يشبب بِأَبْيَات لَهُ وَقَالَ

(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لُحُوم الغوافل)

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله