«مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّب�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٢٠

الحديث رقم ٥٠٢٠ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل القرآن على سائر الكلام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب…

«مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ

⦗١٩١⦘

الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا».

سند حديث: ٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ…

٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب…

بَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أقسامَ الناسِ في قراءة القرآن والانتفاع به:

فالقسم الأول: المؤمن الذي يقرأ القرآنَ وينتفع به، فهو كَثَمَرَةِ الأترجة، طَيِّبُ الطعم والرائحة وحَسَن اللون، ومنافعه كثيرة، فهو يعمل بما يقرأ، وينفع عبادَ الله.

الثاني: المُؤمن الذي لا يقرأ القرآن، فهو كالتَّمْرَة، طعمُها حُلْو، ولا ريح لها، فقلبُه مُشتملٌ على الإيمان كاشتمال التمرة على الحلاوة في طعمها وباطنها، وعدم ظهور ريح لها يَشُمُّه الناسُ؛ لعدم ظهور قراءة منه يرتاح الناس بسماعها.

الثالث: المنافق الذي يقرأ القرآن، فهو كالريحانة، لها رائحة طيبة وطعمها مُرّ، حيث لم يُصلِح قلبَه بالإيمان، ولم يعملْ بالقرآن، ويَظهرُ أمامَ الناس أنه مؤمن، فريحُها الطيب يُشبه قراءتَه، وطعمُها المُرُّ يُشبه كُفرَه.

الرابع: المنافق الذي لا يقرأ القرآن، فهو كالحَنْظَلَة، حيثُ إنها لا رائحة لها، ومُرٌّ مذاقُها، فانعدام ريحِها أَشبَهَ انعدامَ ريحِه؛ لعدم قراءته، ومَرَارةُ طعمِها شَبيهٌ بمرارة كفرِه، فباطنُه خَالٍ من الإيمان، وظاهره لا نفع فيه، بل هو ضارٌّ.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان فضيلة حامل القرآن العامل به.
  • مِن طُرُق التعليم ضَرْبُ المَثَل؛ لتقريب الفهم.
  • ينبغي للمسلم أن يكونَ له وِرْدٌ مُسْتَمِرٌّ مِن كتاب الله تعالى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) أَيْ مَا فِي الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَرَكَ الْقُرْآنَ مَجْمُوعًا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُثْمَانَ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ، وَهُوَ شَيْءٌ اخْتَلَقَهُ الرَّوَافِضُ لِتَصْحِيحِ دَعْوَاهُمْ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ وَاسْتِحْقَاقِهِ الْخِلَافَةَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ كَانَ ثَابِتًا فِي الْقُرْآنِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَتَمُوهُ، وَهِيَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُمُوا مِثْلَ أَنْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَغَيْرَهَا مِنَ الظَّوَاهِرِ الَّتِي قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَا مَنْ يَدَّعِي إِمَامَتَهُ، كَمَا لَمْ يَكْتُمُوا مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ أَوْ يُخَصِّصُ عُمُومَهُ أَوْ يُقَيِّدُ مُطْلَقَهُ. وَقَدْ تَلَطَّفَ الْمُصَنِّفُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الرَّافِضَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَحَدِ أَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ إِمَامَتَهُ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَبِيهِ لَكَانَ هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّ عَلِيٍّ وَأَشَدُّ النَّاسِ لَهُ لُزُومًا وَاطِّلَاعًا عَلَى حَالِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.

قَوْلُهُ: (دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ) هُوَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، تَابِعِيُّ كَبِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ. وَلَمْ يَقَعْ لَهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا.

قَوْلُهُ: (أَتَرَكَ النَّبِيُّ مِنْ شَيْءٍ)؟ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) بِالْفَاءِ تَثْنِيَةُ دَفَّةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ اللَّوْحُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: وَدَخَلْنَا) الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَمْ يَدَعْ إِلَّا مَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ أَيْ لَمْ يَدَعْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يُتْلَى إِلَّا مَا هُوَ دَاخِلُ الْمُصْحَفِ الْمَوْجُودِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ لِأَنَّ عَلِيًّا أَرَادَ الْأَحْكَامَ الَّتِي كَتَبَهَا عَنِ النَّبِيِّ وَلَمْ يَنْفِ أَنَّ عِنْدَهُ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ كَتَبَهَا. وَأَمَّا جَوَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّمَا أَرَادَا مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي يُتْلَى، أَوْ أَرَادَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامَةِ، أَيْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْإِمَامَةِ إِلَّا مَا هُوَ بِأَيْدِي النَّاسِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ ذِكْرِ أَشْيَاءَ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فَنُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا أَوْ لَمْ يَبْقَ، مِثْلُ حَدِيثِ عُمَرَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي بِئْرِ مَعُونَةَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قُرْآنًا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقَدْ لَقِينَا رَبَّنَا وَحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَانَتِ الْأَحْزَابُ قَدْرَ الْبَقَرَةِ وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ مَا يَقْرَءُونَ رُبْعَهَا يَعْنِي بَرَاءَةٌ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ .

١٧ - بَاب فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ

٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٠٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (أَبُو خَالِدٍ) وسقطت الكنية لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابنُ يحيى بنِ دينارٍ الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بنُ دعامةَ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ بْنُ مَالِكٍ) ثبت: «ابنُ مالكٍ» في رواية الأَصيليِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) سقطَ قوله: «الأشعريِّ» لغير الأَصيليِّ (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ) ويعملُ به (كَالأُتْرُجَّةِ) بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وفتح الجيم المشددة، وتخفَّف ويزادُ قبلها نون ساكنة، وتحذف الهمزة مع الوجهين، فهي أربعةٌ، ومع التخفيف ثمانٌ (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) ومنظرهَا حسنٌ، وملمسهَا ليِّن، فاقعٌ لونهَا تسرُّ النَّاظرينَ، تتشوَّقُ (١) إليها النَّفس (٢) قبل التَّناول، يفيدُ أكلُها -بعد الالتذاذِ بذوقها- طيبُ نكهةٍ، ودباغُ معدةٍ، وقوَّة هضمٍ، ويستخرجُ من حبِّها دهنٌ له منافع، وحامضهَا (٣) يسكِّن غلمةَ النِّساء، ويجلو اللَّون والكلَفَ، وقشرُها في الثِّياب يمنعُ السُّوس ويُتداوى بهِ، وهو مفرحٌ بالخاصيَّة. وقيل: إنَّ الجنَّ لا تقربُ البيتَ الذي فيه الأترجُّ، فناسبَ أن يمثَّل بهِ قارئُ القرآنِ (٤) الَّذي لا يقربهُ الشَّيطان (٥)، وغلافُ قلبهِ أبيضُ فيناسب قلبَ المؤمنِ (وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ) بالفوقية وسكون الميم (٦) (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الفَاجِرِ) أي: المنافق (الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ) ونبَّه في «اليونينية» أنَّ قوله: «ومثلُ الفاجر … » إلى آخره ثابتٌ في أصل أبي الوقتِ، وأنَّ سقوطه

غلطٌ (وَمَثَلُ الفَاجِرِ) أي: المنافق (الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ: كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا).

قال شارحُ «مشكاة المصابيح»: إنَّ هذا التَّشبيه والتَّمثيل في الحقيقةِ وصفٌ لموصوف، اشتملَ على معنًى معقولٍ صِرْفٍ، لا يُبْرزهُ عن مكنونهِ إلَّا تصويرُهُ بالمحسوسِ المشاهَدِ، ثمَّ إنَّ كلامَ الله المجيد له تأثيرٌ في باطنِ العبدِ وظاهرِه، وإنَّ العبادَ متفاوتونَ في ذلك، فمنهم من له النَّصيبُ الأوفرُ من ذلك التَّأثير وهو المؤمنُ القارئُ، ومنهم من لا نصيبَ له البتَّةَ وهو المنافقُ الحقيقيُّ، ومنهم من تأثَّر ظاهرهُ دونَ باطنه وهو المُرائي، أو بالعكس، وهو المؤمنُ الَّذي لا يقرؤه، وإبرازُ هذه المعاني وتصويرُهَا في المحسوساتِ ما (١) هو مذكورٌ في الحديثِ، ولم يجد ما يُوافقها ويلائمُها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك؛ لأنَّ المشبَّهاتِ والمشبَّه بها واردةٌ على التَّقسيم الحاصل؛ لأنَّ النَّاس إمَّا مؤمنٌ أو غيرُ مؤمنٍ، والثَّاني: إمَّا منافقٌ صِرْف أو ملحقٌ بهِ، والأوَّل: إمَّا مواظبٌ على القراءةِ أو غيرُ مواظبٍ عليها، فعلى هذا قس الأثمارَ المشبَّه بها، ووجه التَّشبيهِ في المذكوراتِ مركَّب منتزعٌ من أمرينِ محسوسينِ: طعمٌ وريحٌ.

ثمَّ إنَّ إثباتَ القراءةِ في قوله : «يقرأُ القرآنَ» على صيغةِ المضارع، ونفيها (٢) في قوله: «لا يقرأ» ليسَ المرادُ منهما (٣) حصولها مرَّة ونفيها بالكلِّيَّة، بل المرادُ منهما الاستمرارُ والدَّوامُ عليها، وأنَّ القراءة دأبهُ وعادتُه، أو ليسَ ذلك من هجِّيراهُ، كقولك (٤): فلانٌ يَقْري الضَّيف ويحمِي الحريم. انتهى.

وفي هذا الحديثِ فضيلةُ حاملِ القرآنِ، ومطابقتهُ للتَّرجمة من حيثُ ثبوتُ فضلِ قارئ القرآن على غيرهِ، فيستلزمُ فضلَ القرآنِ على سائرِ الكلامِ، كما فُضِّلَ الأترجُّ على سائرِ الفواكهِ، وفيه روايةُ تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وهي روايةُ قتادةَ، عن أنسٍ، عن أبي موسَى، وأخرجهُ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٦٠]، ومسلم في «الصَّلاة»، وأبو داود في

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْمَكْتُوب بَين دفتي الْمَصَاحِف، وَهِي تَثْنِيَة دفة بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد الْفَاء قَالَ فِي الْمغرب: الدفة الْجنب وَكَذَلِكَ الدُّف: وَمن دفتا السرج للوحين اللَّذين يقعان على جَنْبي الدَّابَّة، ودفتا الْمُصحف اللَّتَان ضمتاه من جانبيه، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الجلدان اللَّذَان بَين جَانِبي الْمُصحف، وَقيل: ترك من الحَدِيث أَكثر من الْقُرْآن. وَأجِيب: بِأَنَّهُ مَا ترك مَكْتُوبًا بأَمْره إلَاّ الْقُرْآن. وَقيل: قد تقدم فِي بَاب كِتَابَة الْعلم. من حَدِيث الشّعبِيّ عَن أبي جُحَيْفَة، قَالَ: قلت لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَل عنْدكُمْ كتاب؟ قَالَ: لَا إلَاّ كتاب الله، أَو فهم أعْطِيه رجل مُسلم، أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة الحَدِيث وَأجِيب بِأَنَّهُ لَعَلَّهَا لم تكن مَكْتُوبَة بِأَمْر رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُجَاب بِأَن بعض النَّاس كَانُوا يَزْعمُونَ أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، أوصى إِلَيّ عَليّ، فالسؤال هُوَ عَن شَيْء يتَعَلَّق بِذكر الْإِمَامَة فَقَالَ: مَا ترك شَيْئا مُتَعَلقا بِذكر الْإِمَامَة إلَاّ مَا بَين الدفتين من الْآيَات الَّتِي يتَمَسَّك بهَا فِي الْأمة. وَهَذَا حسن وَفِي التَّلْوِيح: (إلَاّ مَا بَين الدفتين) يحْتَمل أَنه مَا ترك شَيْئا من الدُّنْيَا أَو مَا ترك علما مسطورا سوى الْقُرْآن الْعَزِيز.

٩١٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنا وشَدَّادُ بنُ مَعْقلٍ علَى ابنِ عبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ شدَّادُ بنُ مَعْقلٍ: أتَرَكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مِنْ شَيْء؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتيْنِ. قَالَ: ودَخَلْنا علَى مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنِفِيَّة فَسألْناهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْن الدَّفَتَيْنِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث فِي الِاسْتِدْلَال على الروافض وَبَيَان بطلَان دَعوَاهُم بقول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهُوَ ابْن عَليّ بن أبي طَالب الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة، وَهِي خَوْلَة بنت جَعْفَر من نَبِي حنيفَة، وَكَانَت سبي الْيَمَامَة الَّذين سباهم أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبقول عبد الله بن عَبَّاس: وَفِيه نُكْتَة لطفية من البُخَارِيّ حَيْثُ اسْتدلَّ على الروافض فِي بطلَان مَذْهَبهم بِمُحَمد بن الْحَنَفِيَّة الَّذين يدعونَ إِمَامَته. فَلَو كَانَ شَيْء يتَعَلَّق بإمامة أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما كَانَ يَسعهُ كِتْمَانه لجلاله قدره وَقُوَّة دينه، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بقول ابْن عَبَّاس: فَإِنَّهُ ابْن عمر عَليّ بن أبي طَالب وَأَشد النَّاس لَهُ لُزُوما وإطلاعا على حَاله، فَلَو كَانَ عِنْده شَيْء من ذَلِك مَا وَسعه كِتْمَانه لِكَثْرَة علمه وَقُوَّة دينه وجلالة قدره. وَأخرج هَذَا الحَدِيث عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء الْأَسدي الْمَكِّيّ، سكن الْكُوفَة وَمَات بعد الثَّلَاثِينَ وَمِائَة، وَشَدَّاد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف وباللام: الْأَسدي الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، عَليّ بن أبي طَالب، وَلم يَقع لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع.

قَوْله: (اترك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (من شَيْء) فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: شَيْئا سوى الْقُرْآن. قَوْله: (قَالَ: ودخلنا) الْقَائِل هُوَ عبد الْعَزِيز بن رفيع.

٧١ - (بابُ فَضْلِ القُرْآنِ علَى سائِرِ الكَلَامِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام، وَقد وَقع مثل لفظ هَذِه التَّرْجَمَة فِي حَدِيث أخرجه ابْن عدي من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه فِي إِسْنَاده عمر بن سعيد الْأَشَج وَهُوَ ضَعِيف.

٠٢٠٥ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ أبُو خالِدٍ حدَّثنا هَمَّامٌ حَدثنَا قَتادَةُ حَدثنَا أنَسٌ عنْ أبي مُوسى اعن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها طَيِّبٌ والَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآن كالتَّمْرَةِ طَعْمُها طيِّبٌ وَلَا ريحَ لَها، ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي يقْرَأُ القُرْآن كمَثَلِ الريْحانَةِ

رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي لَا يٌ قْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُها مُر وَلَا رِيحَ لَها.

قيل: الحَدِيث فِي بَيَان فضل قارىء الْقُرْآن، وَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض إِلَى ذكر فضل الْقُرْآن. قلت: لما كَانَ لقارىء الْقُرْآن فضل كَانَ لِلْقُرْآنِ فضل أقوى مِنْهُ، لِأَنَّهُ الْفضل للقارىء إِنَّمَا يحصل من قِرَاءَة الْقُرْآن فتأتي مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة.

وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ.

والْحَدِيث فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ وَهِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هدبة، وَعَن غَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد بِهِ وَعَن عبيد الله بن معَاذ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَمْثَال عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن عبيد الله بن سعيدوفي الْأَيْمَان عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار.

قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن) إِلَى آخِره إعلم أَن هَذَا التَّشْبِيه والتمثيل فِي الْحَقِيقَة وصف اشْتَمَل على معنى مَعْقُول صرف لَا يبرزه عَن مكنونة إلَاّ تَصْوِيره بالمحسوس الْمشَاهد، ثمَّ إِن كَلَام الله الْمجِيد لَهُ تَأْثِير فِي بَاطِن العَبْد وَظَاهره، وَإِن الْعباد متفاوتون فِي ذَلِك، فَمنهمْ من لَهُ النَّصِيب الأوفر من ذَلِك التَّأْثِير وَهُوَ الْمُؤمن القارىء، وَمِنْهُم من لَا نصيب لَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ الْمُنَافِق الْحَقِيقِيّ، وَمِنْهُم من تأثر ظَاهره دون بَاطِنه وَهُوَ الْمرَائِي أَو بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُؤمن الَّذِي لم يقرأه، وإبراز هَذِه الْمعَانِي وتصويرها فِي المحسوسات مَا هُوَ مَذْكُور فِي الحَدِيث وَلم يجد مَا يُوَافِقهَا ويلايمها أقرب وَلَا أحسن وَلَا أجمع من ذَلِك لِأَن المشبهات والمشبه بهَا وَارِدَة على التَّقْسِيم الْحَاضِر، لِأَن النَّاس إِمَّا مُؤمن أَو غير مُؤمن وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِق صرف أَو مُلْحق بِهِ، وَالْأول إِمَّا مواظب عَلَيْهَا، فعلى هَذَا قس الأثمار الْمُشبه بهَا وَوجه التَّشْبِيه فِي الْمَذْكُورَات مركب منتزع من أَمريْن محسوسين: طعم وريح، وَقد ضرب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل بِمَا تنبته الأَرْض ويخرجه الشّجر للمشابهة الَّتِي بَينهَا وَبَين الْأَعْمَال فَإِنَّهَا من ثَمَرَات النُّفُوس، فحص مَا يُخرجهُ الشّجر من الأترجة وَالتَّمْر بِالْمُؤمنِ، وَبِمَا تنبته الأَرْض من الحنظلة والريحانة بالمنافق تَنْبِيها على علو شَأْن الْمُؤمن وارتفاع علمه ودوام ذَلِك، وتوقيفا على ضعة شَأْن الْمُنَافِق وإحباط عمله وَقلة جدواه. قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ) فِيهِ إِثْبَات الْقِرَاءَة على صِيغَة الْمُضَارع، وَفِي قَوْله: (لَا يقْرَأ) بِالنَّفْيِ لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا حُصُولهَا مرّة ونفيها بِالْكُلِّيَّةِ بل المُرَاد مِنْهَا الِاسْتِمْرَار والدوام عَلَيْهَا، وَأَن الْقِرَاءَة دأبه وعادته وَلَيْسَ ذَلِك من هجيراه كَقَوْلِه: فلَان يقري الضَّيْف ويحمي الْحَرِيم. قَوْله: (كالأترجة) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم وَقد تخفف، ويروى اترنجة، بالنُّون الساكنة بعد الرَّاء. وَحكى أَبُو زيد: ترنجة وترنج وترج، وَجه التَّشْبِيه بالأترنجة لِأَنَّهَا أفضل مَا يُوجد من الثِّمَار فِي سَائِر الْبلدَانِ، وأجدى لأسباب كَثِيرَة جَامِعَة للصفات الْمَطْلُوبَة مِنْهَا، والخواص الْمَوْجُودَة فِيهَا فَمن ذَلِك كبر جرمها وَحسن منظرها وَطيب مطعمها ولين ملمسها تَأْخُذ الْأَبْصَار صبغة ولونا فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين تتوق إِلَيْهَا النَّفس قبل التَّنَاوُل تفِيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وهضم اشْتِرَاك الْحَواس الْأَرْبَع الْبَصَر والذوق والشم واللمس فِي الاحتظاء بهَا ثمَّ إِن أجزاءها تَنْقَسِم على طبائع: قشرها حَار يَابِس، ولحمها حَار وَرطب، وحماضها بَارِد يَابِس، وبرزها حَار مجفف، وفيهَا من الْمَنَافِع مَا هُوَ مَذْكُور فِي الْكتب الطبية. قَوْله: (وَلَا ريح لَهَا) ويروي فِيهَا. قَوْله: (وَمثل الْفَاجِر) أَي: الْمُنَافِق. قَوْله: كَمثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا، وَوَقع فِي التِّرْمِذِيّ كَمثل الحنظلة طعهمها مر وريحها مر. قيل: الَّذِي عِنْد البُخَارِيّ أحسن لِأَن الرّيح لَا طعم لَهُ إِذْ المرارة عرض وَالرِّيح عرض وَالْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَوجه هَذَا بِأَن رِيحهَا لما كَانَ كريها استعير للكراهة لفظ المرارة لما بَينهمَا من الْكَرَاهَة الْمُشْتَركَة.

١٢٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيى عنْ سُفْيانَ حدّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّما أجَلُكُمْ فِي أجَلِ مَنْ خلَا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشَّمْسِ ومَثَلُكُمْ ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً. فَقَالَ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) أَيْ مَا فِي الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَرَكَ الْقُرْآنَ مَجْمُوعًا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُثْمَانَ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ، وَهُوَ شَيْءٌ اخْتَلَقَهُ الرَّوَافِضُ لِتَصْحِيحِ دَعْوَاهُمْ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ وَاسْتِحْقَاقِهِ الْخِلَافَةَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ كَانَ ثَابِتًا فِي الْقُرْآنِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَتَمُوهُ، وَهِيَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُمُوا مِثْلَ أَنْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَغَيْرَهَا مِنَ الظَّوَاهِرِ الَّتِي قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَا مَنْ يَدَّعِي إِمَامَتَهُ، كَمَا لَمْ يَكْتُمُوا مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ أَوْ يُخَصِّصُ عُمُومَهُ أَوْ يُقَيِّدُ مُطْلَقَهُ. وَقَدْ تَلَطَّفَ الْمُصَنِّفُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الرَّافِضَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَحَدِ أَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ إِمَامَتَهُ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَبِيهِ لَكَانَ هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّ عَلِيٍّ وَأَشَدُّ النَّاسِ لَهُ لُزُومًا وَاطِّلَاعًا عَلَى حَالِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.

قَوْلُهُ: (دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ) هُوَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، تَابِعِيُّ كَبِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ. وَلَمْ يَقَعْ لَهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا.

قَوْلُهُ: (أَتَرَكَ النَّبِيُّ مِنْ شَيْءٍ)؟ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) بِالْفَاءِ تَثْنِيَةُ دَفَّةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ اللَّوْحُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: وَدَخَلْنَا) الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَمْ يَدَعْ إِلَّا مَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ أَيْ لَمْ يَدَعْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يُتْلَى إِلَّا مَا هُوَ دَاخِلُ الْمُصْحَفِ الْمَوْجُودِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ لِأَنَّ عَلِيًّا أَرَادَ الْأَحْكَامَ الَّتِي كَتَبَهَا عَنِ النَّبِيِّ وَلَمْ يَنْفِ أَنَّ عِنْدَهُ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ كَتَبَهَا. وَأَمَّا جَوَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّمَا أَرَادَا مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي يُتْلَى، أَوْ أَرَادَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامَةِ، أَيْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْإِمَامَةِ إِلَّا مَا هُوَ بِأَيْدِي النَّاسِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ ذِكْرِ أَشْيَاءَ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فَنُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا أَوْ لَمْ يَبْقَ، مِثْلُ حَدِيثِ عُمَرَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي بِئْرِ مَعُونَةَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قُرْآنًا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقَدْ لَقِينَا رَبَّنَا وَحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَانَتِ الْأَحْزَابُ قَدْرَ الْبَقَرَةِ وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ مَا يَقْرَءُونَ رُبْعَهَا يَعْنِي بَرَاءَةٌ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ .

١٧ - بَاب فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ

٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٠٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (أَبُو خَالِدٍ) وسقطت الكنية لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابنُ يحيى بنِ دينارٍ الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بنُ دعامةَ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ بْنُ مَالِكٍ) ثبت: «ابنُ مالكٍ» في رواية الأَصيليِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) سقطَ قوله: «الأشعريِّ» لغير الأَصيليِّ (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ) ويعملُ به (كَالأُتْرُجَّةِ) بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وفتح الجيم المشددة، وتخفَّف ويزادُ قبلها نون ساكنة، وتحذف الهمزة مع الوجهين، فهي أربعةٌ، ومع التخفيف ثمانٌ (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) ومنظرهَا حسنٌ، وملمسهَا ليِّن، فاقعٌ لونهَا تسرُّ النَّاظرينَ، تتشوَّقُ (١) إليها النَّفس (٢) قبل التَّناول، يفيدُ أكلُها -بعد الالتذاذِ بذوقها- طيبُ نكهةٍ، ودباغُ معدةٍ، وقوَّة هضمٍ، ويستخرجُ من حبِّها دهنٌ له منافع، وحامضهَا (٣) يسكِّن غلمةَ النِّساء، ويجلو اللَّون والكلَفَ، وقشرُها في الثِّياب يمنعُ السُّوس ويُتداوى بهِ، وهو مفرحٌ بالخاصيَّة. وقيل: إنَّ الجنَّ لا تقربُ البيتَ الذي فيه الأترجُّ، فناسبَ أن يمثَّل بهِ قارئُ القرآنِ (٤) الَّذي لا يقربهُ الشَّيطان (٥)، وغلافُ قلبهِ أبيضُ فيناسب قلبَ المؤمنِ (وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ) بالفوقية وسكون الميم (٦) (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الفَاجِرِ) أي: المنافق (الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ) ونبَّه في «اليونينية» أنَّ قوله: «ومثلُ الفاجر … » إلى آخره ثابتٌ في أصل أبي الوقتِ، وأنَّ سقوطه

غلطٌ (وَمَثَلُ الفَاجِرِ) أي: المنافق (الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ: كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا).

قال شارحُ «مشكاة المصابيح»: إنَّ هذا التَّشبيه والتَّمثيل في الحقيقةِ وصفٌ لموصوف، اشتملَ على معنًى معقولٍ صِرْفٍ، لا يُبْرزهُ عن مكنونهِ إلَّا تصويرُهُ بالمحسوسِ المشاهَدِ، ثمَّ إنَّ كلامَ الله المجيد له تأثيرٌ في باطنِ العبدِ وظاهرِه، وإنَّ العبادَ متفاوتونَ في ذلك، فمنهم من له النَّصيبُ الأوفرُ من ذلك التَّأثير وهو المؤمنُ القارئُ، ومنهم من لا نصيبَ له البتَّةَ وهو المنافقُ الحقيقيُّ، ومنهم من تأثَّر ظاهرهُ دونَ باطنه وهو المُرائي، أو بالعكس، وهو المؤمنُ الَّذي لا يقرؤه، وإبرازُ هذه المعاني وتصويرُهَا في المحسوساتِ ما (١) هو مذكورٌ في الحديثِ، ولم يجد ما يُوافقها ويلائمُها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك؛ لأنَّ المشبَّهاتِ والمشبَّه بها واردةٌ على التَّقسيم الحاصل؛ لأنَّ النَّاس إمَّا مؤمنٌ أو غيرُ مؤمنٍ، والثَّاني: إمَّا منافقٌ صِرْف أو ملحقٌ بهِ، والأوَّل: إمَّا مواظبٌ على القراءةِ أو غيرُ مواظبٍ عليها، فعلى هذا قس الأثمارَ المشبَّه بها، ووجه التَّشبيهِ في المذكوراتِ مركَّب منتزعٌ من أمرينِ محسوسينِ: طعمٌ وريحٌ.

ثمَّ إنَّ إثباتَ القراءةِ في قوله : «يقرأُ القرآنَ» على صيغةِ المضارع، ونفيها (٢) في قوله: «لا يقرأ» ليسَ المرادُ منهما (٣) حصولها مرَّة ونفيها بالكلِّيَّة، بل المرادُ منهما الاستمرارُ والدَّوامُ عليها، وأنَّ القراءة دأبهُ وعادتُه، أو ليسَ ذلك من هجِّيراهُ، كقولك (٤): فلانٌ يَقْري الضَّيف ويحمِي الحريم. انتهى.

وفي هذا الحديثِ فضيلةُ حاملِ القرآنِ، ومطابقتهُ للتَّرجمة من حيثُ ثبوتُ فضلِ قارئ القرآن على غيرهِ، فيستلزمُ فضلَ القرآنِ على سائرِ الكلامِ، كما فُضِّلَ الأترجُّ على سائرِ الفواكهِ، وفيه روايةُ تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وهي روايةُ قتادةَ، عن أنسٍ، عن أبي موسَى، وأخرجهُ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٦٠]، ومسلم في «الصَّلاة»، وأبو داود في

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْمَكْتُوب بَين دفتي الْمَصَاحِف، وَهِي تَثْنِيَة دفة بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد الْفَاء قَالَ فِي الْمغرب: الدفة الْجنب وَكَذَلِكَ الدُّف: وَمن دفتا السرج للوحين اللَّذين يقعان على جَنْبي الدَّابَّة، ودفتا الْمُصحف اللَّتَان ضمتاه من جانبيه، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الجلدان اللَّذَان بَين جَانِبي الْمُصحف، وَقيل: ترك من الحَدِيث أَكثر من الْقُرْآن. وَأجِيب: بِأَنَّهُ مَا ترك مَكْتُوبًا بأَمْره إلَاّ الْقُرْآن. وَقيل: قد تقدم فِي بَاب كِتَابَة الْعلم. من حَدِيث الشّعبِيّ عَن أبي جُحَيْفَة، قَالَ: قلت لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَل عنْدكُمْ كتاب؟ قَالَ: لَا إلَاّ كتاب الله، أَو فهم أعْطِيه رجل مُسلم، أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة الحَدِيث وَأجِيب بِأَنَّهُ لَعَلَّهَا لم تكن مَكْتُوبَة بِأَمْر رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُجَاب بِأَن بعض النَّاس كَانُوا يَزْعمُونَ أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، أوصى إِلَيّ عَليّ، فالسؤال هُوَ عَن شَيْء يتَعَلَّق بِذكر الْإِمَامَة فَقَالَ: مَا ترك شَيْئا مُتَعَلقا بِذكر الْإِمَامَة إلَاّ مَا بَين الدفتين من الْآيَات الَّتِي يتَمَسَّك بهَا فِي الْأمة. وَهَذَا حسن وَفِي التَّلْوِيح: (إلَاّ مَا بَين الدفتين) يحْتَمل أَنه مَا ترك شَيْئا من الدُّنْيَا أَو مَا ترك علما مسطورا سوى الْقُرْآن الْعَزِيز.

٩١٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنا وشَدَّادُ بنُ مَعْقلٍ علَى ابنِ عبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ شدَّادُ بنُ مَعْقلٍ: أتَرَكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مِنْ شَيْء؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتيْنِ. قَالَ: ودَخَلْنا علَى مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنِفِيَّة فَسألْناهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْن الدَّفَتَيْنِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث فِي الِاسْتِدْلَال على الروافض وَبَيَان بطلَان دَعوَاهُم بقول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهُوَ ابْن عَليّ بن أبي طَالب الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة، وَهِي خَوْلَة بنت جَعْفَر من نَبِي حنيفَة، وَكَانَت سبي الْيَمَامَة الَّذين سباهم أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبقول عبد الله بن عَبَّاس: وَفِيه نُكْتَة لطفية من البُخَارِيّ حَيْثُ اسْتدلَّ على الروافض فِي بطلَان مَذْهَبهم بِمُحَمد بن الْحَنَفِيَّة الَّذين يدعونَ إِمَامَته. فَلَو كَانَ شَيْء يتَعَلَّق بإمامة أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما كَانَ يَسعهُ كِتْمَانه لجلاله قدره وَقُوَّة دينه، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بقول ابْن عَبَّاس: فَإِنَّهُ ابْن عمر عَليّ بن أبي طَالب وَأَشد النَّاس لَهُ لُزُوما وإطلاعا على حَاله، فَلَو كَانَ عِنْده شَيْء من ذَلِك مَا وَسعه كِتْمَانه لِكَثْرَة علمه وَقُوَّة دينه وجلالة قدره. وَأخرج هَذَا الحَدِيث عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء الْأَسدي الْمَكِّيّ، سكن الْكُوفَة وَمَات بعد الثَّلَاثِينَ وَمِائَة، وَشَدَّاد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف وباللام: الْأَسدي الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، عَليّ بن أبي طَالب، وَلم يَقع لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع.

قَوْله: (اترك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (من شَيْء) فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: شَيْئا سوى الْقُرْآن. قَوْله: (قَالَ: ودخلنا) الْقَائِل هُوَ عبد الْعَزِيز بن رفيع.

٧١ - (بابُ فَضْلِ القُرْآنِ علَى سائِرِ الكَلَامِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام، وَقد وَقع مثل لفظ هَذِه التَّرْجَمَة فِي حَدِيث أخرجه ابْن عدي من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه فِي إِسْنَاده عمر بن سعيد الْأَشَج وَهُوَ ضَعِيف.

٠٢٠٥ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ أبُو خالِدٍ حدَّثنا هَمَّامٌ حَدثنَا قَتادَةُ حَدثنَا أنَسٌ عنْ أبي مُوسى اعن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها طَيِّبٌ والَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآن كالتَّمْرَةِ طَعْمُها طيِّبٌ وَلَا ريحَ لَها، ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي يقْرَأُ القُرْآن كمَثَلِ الريْحانَةِ

رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي لَا يٌ قْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُها مُر وَلَا رِيحَ لَها.

قيل: الحَدِيث فِي بَيَان فضل قارىء الْقُرْآن، وَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض إِلَى ذكر فضل الْقُرْآن. قلت: لما كَانَ لقارىء الْقُرْآن فضل كَانَ لِلْقُرْآنِ فضل أقوى مِنْهُ، لِأَنَّهُ الْفضل للقارىء إِنَّمَا يحصل من قِرَاءَة الْقُرْآن فتأتي مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة.

وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ.

والْحَدِيث فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ وَهِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هدبة، وَعَن غَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد بِهِ وَعَن عبيد الله بن معَاذ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَمْثَال عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن عبيد الله بن سعيدوفي الْأَيْمَان عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار.

قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن) إِلَى آخِره إعلم أَن هَذَا التَّشْبِيه والتمثيل فِي الْحَقِيقَة وصف اشْتَمَل على معنى مَعْقُول صرف لَا يبرزه عَن مكنونة إلَاّ تَصْوِيره بالمحسوس الْمشَاهد، ثمَّ إِن كَلَام الله الْمجِيد لَهُ تَأْثِير فِي بَاطِن العَبْد وَظَاهره، وَإِن الْعباد متفاوتون فِي ذَلِك، فَمنهمْ من لَهُ النَّصِيب الأوفر من ذَلِك التَّأْثِير وَهُوَ الْمُؤمن القارىء، وَمِنْهُم من لَا نصيب لَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ الْمُنَافِق الْحَقِيقِيّ، وَمِنْهُم من تأثر ظَاهره دون بَاطِنه وَهُوَ الْمرَائِي أَو بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُؤمن الَّذِي لم يقرأه، وإبراز هَذِه الْمعَانِي وتصويرها فِي المحسوسات مَا هُوَ مَذْكُور فِي الحَدِيث وَلم يجد مَا يُوَافِقهَا ويلايمها أقرب وَلَا أحسن وَلَا أجمع من ذَلِك لِأَن المشبهات والمشبه بهَا وَارِدَة على التَّقْسِيم الْحَاضِر، لِأَن النَّاس إِمَّا مُؤمن أَو غير مُؤمن وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِق صرف أَو مُلْحق بِهِ، وَالْأول إِمَّا مواظب عَلَيْهَا، فعلى هَذَا قس الأثمار الْمُشبه بهَا وَوجه التَّشْبِيه فِي الْمَذْكُورَات مركب منتزع من أَمريْن محسوسين: طعم وريح، وَقد ضرب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل بِمَا تنبته الأَرْض ويخرجه الشّجر للمشابهة الَّتِي بَينهَا وَبَين الْأَعْمَال فَإِنَّهَا من ثَمَرَات النُّفُوس، فحص مَا يُخرجهُ الشّجر من الأترجة وَالتَّمْر بِالْمُؤمنِ، وَبِمَا تنبته الأَرْض من الحنظلة والريحانة بالمنافق تَنْبِيها على علو شَأْن الْمُؤمن وارتفاع علمه ودوام ذَلِك، وتوقيفا على ضعة شَأْن الْمُنَافِق وإحباط عمله وَقلة جدواه. قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ) فِيهِ إِثْبَات الْقِرَاءَة على صِيغَة الْمُضَارع، وَفِي قَوْله: (لَا يقْرَأ) بِالنَّفْيِ لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا حُصُولهَا مرّة ونفيها بِالْكُلِّيَّةِ بل المُرَاد مِنْهَا الِاسْتِمْرَار والدوام عَلَيْهَا، وَأَن الْقِرَاءَة دأبه وعادته وَلَيْسَ ذَلِك من هجيراه كَقَوْلِه: فلَان يقري الضَّيْف ويحمي الْحَرِيم. قَوْله: (كالأترجة) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم وَقد تخفف، ويروى اترنجة، بالنُّون الساكنة بعد الرَّاء. وَحكى أَبُو زيد: ترنجة وترنج وترج، وَجه التَّشْبِيه بالأترنجة لِأَنَّهَا أفضل مَا يُوجد من الثِّمَار فِي سَائِر الْبلدَانِ، وأجدى لأسباب كَثِيرَة جَامِعَة للصفات الْمَطْلُوبَة مِنْهَا، والخواص الْمَوْجُودَة فِيهَا فَمن ذَلِك كبر جرمها وَحسن منظرها وَطيب مطعمها ولين ملمسها تَأْخُذ الْأَبْصَار صبغة ولونا فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين تتوق إِلَيْهَا النَّفس قبل التَّنَاوُل تفِيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وهضم اشْتِرَاك الْحَواس الْأَرْبَع الْبَصَر والذوق والشم واللمس فِي الاحتظاء بهَا ثمَّ إِن أجزاءها تَنْقَسِم على طبائع: قشرها حَار يَابِس، ولحمها حَار وَرطب، وحماضها بَارِد يَابِس، وبرزها حَار مجفف، وفيهَا من الْمَنَافِع مَا هُوَ مَذْكُور فِي الْكتب الطبية. قَوْله: (وَلَا ريح لَهَا) ويروي فِيهَا. قَوْله: (وَمثل الْفَاجِر) أَي: الْمُنَافِق. قَوْله: كَمثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا، وَوَقع فِي التِّرْمِذِيّ كَمثل الحنظلة طعهمها مر وريحها مر. قيل: الَّذِي عِنْد البُخَارِيّ أحسن لِأَن الرّيح لَا طعم لَهُ إِذْ المرارة عرض وَالرِّيح عرض وَالْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَوجه هَذَا بِأَن رِيحهَا لما كَانَ كريها استعير للكراهة لفظ المرارة لما بَينهمَا من الْكَرَاهَة الْمُشْتَركَة.

١٢٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيى عنْ سُفْيانَ حدّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّما أجَلُكُمْ فِي أجَلِ مَنْ خلَا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشَّمْسِ ومَثَلُكُمْ ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً. فَقَالَ:

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 70%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله