«أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ:⦗١٥⦘يَا رَسُولَ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٢٦

الحديث رقم ٥١٢٦ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب النظر إلى المرأة قبل التزويج.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت:⦗١٥⦘يا رسول…

«أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ فَقَالَتْ:

⦗١٥⦘

يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، قَالَ: انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلَسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةَ كَذَا وَسُورَةَ كَذَا وَسُورَةَ كَذَا، عَدَّدَهَا، قَالَ: أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ.»

سند حديث: ٥١٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا…

٥١٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت:⦗١٥⦘يا رسول…

خُص النبي صلى الله عليه وسلم بأحكام ليست لغيره.
منها: تزوجه من تهب نفسها له بغير صداق، فجاءت امرأة واهبة له نفسها، لعلها تكون إحدى نسائه.
فنظر إليها فلم تقع في نفسه، ولكنه لمْ يردها، لئلا يخجلها، فأعرض عنها، فجلست، فقال رجل: يا رسول الله، زَوجْنيهَا إن لم يكن لك بها حاجة.
وبما أن الصداق لازم في النكاح، قال له: هل عندك من شيء تصدقها؟.
فقال: ما عندي إلا إزاري.
وإذا أصدقها إزاره يبقى عريانا لا إزار له، فلذلك قال له: "التمس، ولو خاتَماً من حديد".
فلما لم يكن عنده شيء قال: "هل معك شيء من القرآن؟" قال: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن، تعلمها إياه، فيكون صداقها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز عرض المرأة نفسها، أو الرجل ابنته، على رجل من أهل الخير والصلاح.
  • جواز نظر من له رغبة في الزواج إلى المرأة التي يريد الزواج منها، والحكمة في ذلك، ما أشار إليه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "انظر إليها، فهو أحرى أن يؤدم بينكما".والمسلمون -الآن- بين طَرَفَيْ نقيض.فمنهم: المتجاوزون حدود الله تعالى، بتركها مع خطيبها في المسارح والمتنزهات والخلوات.ومنهم: المقصرون الذين يمنعون رؤيِتها ممن يريد الزواج. وسلوك السبيل الوسط هو الحق كما قال تعالى: (وَكَان بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً).
  • ولاية الإمام على المرأة التي ليس لها ولي من أقربائها.
  • أنه لابد من الصداق في النكاح، لأنه أحد العوضين.
  • يجوز أن يكون الصداق يسيرا جدا للعجز لقوله: "ولو خاتما من حديد"، على أنه يستحب تخفيفه للغني والفقير؛ لما في ذلك من المصالح الكثيرة.
  • الأَولى ذكر الصداق في العقد ليكون، أقطع للنزاع، فإن لم يذكر، صح العقد، ورجع إلى مهر المثل.
  • أن خطبة العقد لا تجب، حيث لم تذكر في هذا الحديث.
  • أنه يصح أن يكون الصداق منفعة، كتعليم قرآن، أو فقه، أو أدب، أو صنعة، أو غير ذلك من المنافع.
  • أن النكاح ينعقد بكل لفظ دال عليه.والدليل على ذلك، ألفاظ الحديث، فقد ورد بلفظ "زوجتكها" وبلفظ "مَلَّكْتُكَهَا" وبلفظ "أمكَناكَهَا".
  • حسن خلقه ولطفه -صلى الله عليه وسلم-، إذ لم يردها حين لم يرغب فيها، بل سكت حتى طلبها منه بعض أصحابه.
  • لا دلالة بحديث الكتاب على جواز لبس خاتم الحديد، لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس، وقد جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه خاتم من حديد، فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه، وقد أخرج هذا الحديث أصحاب السنن.
  • المراوضة في الصداق وخطبة المرء لنفسه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت:⦗١٥⦘يا رسول…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) بنُ عبدِ الرَّحمن (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمَة بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين: (أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسولِ الله» ( فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي) أي: أن تتزوَّجني بلا مهرٍ، وقد عدَّ هذا من خصائصهِ (فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ) بتشديد العين، أي: رفعهُ (إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ) بتشديد الواو، خفضهُ (ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي هنا: «وذكرَ الحديثَ كُلَّه» (١) (فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ) (لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ) بالفوقية (لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) لم يقلْ هبْنِيها لما ذكر أنَّ ذلك من خصائصهِ ، وليس المرادُ حقيقة الهبةِ لأنَّ الحرَّ لا يملكُ نفسه (فَقَالَ) له: (وهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها؟ (قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: انْظُرْ وَلَوْ) كان الَّذي تجده (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) فأصدقْها (٢) إيَّاه فإنَّه سائغٌ (فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا) وجدتُ (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) ولأبي ذرٍّ: «ولا خاتمٌ» بالرفع، أي: ولا حضَر خاتمٌ من حديدٍ (وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ) صدَاقًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا تَصْنَعُ) هي (بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (٣) (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (٤) (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ) وللكُشمِيهنيِّ: «منهُ شيءٌ» (٥) (فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلَسُهُ) بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله (ثُمَّ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) له: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةَ كَذَا، وَسُورَةَ كَذَا، وَسُورَةَ كَذَا) ثلاثَ مرَّاتٍ. ونصب سورة في الثَّلاث (٦) في «اليونينية» وفرعها فقط، وبالرَّفع أيضًا في غيرهما (عَدَّدَهَا) ولأبي ذرٍّ: «عَادَّها» بألف (٧) بعد العين فدال مشددة فهاء، وسبق تعيينُها [خ¦٥٠٨٧] (قَالَ:

أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟) أي: من حفظكَ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) وفي رواية الأكثرين: «زوَّجتُكَها» [خ¦٥٠٢٩] [خ¦٥١٣٢] بدل: «ملَّكتُكهَا» وقال في «المصابيح»: الباء للسَّببيَّة، فيكون هذا نكاح تفويضٍ. انتهى.

والتَّفويضُ ضربان: تفويض مهرٍ بأن تقول المرأةُ للوليِّ: زوِّجنيه بما شاءَ، أو بما شئت. وتفويض بُضْعٍ؛ وهو أن تقول: زوِّجنيه بلا مهرٍ، فزوَّجها نافيًا للمهرِ وساكتًا عنه (١) وجبَ لها مهر المثل بالوطءِ؛ لأنَّ الوطء لا يباحُ بالإباحةِ لما فيه من حقِّ الله تعالى، أو بموتِ أحدهما قبل الوطءِ والفرضِ لأنَّه كالوطءِ في تقرير المسمَّى، فكذا في إيجابِ مهر المثل في التَّفويض، ولأنَّ بَِروع بنت واشقٍ نكحتْ بلا مهرٍ، فمات زوجُها قبل أن يفرضَ لها، فقضى لها رسولُ الله بمهر نسائها وبالميراثِ. رواه أبو داود، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وقال المالكيَّةُ: تستحقُّ المفوِّضة الصَّداق بالوطء، لا بالعقدِ، ولا بالموتِ أو الطَّلاقِ، سواءٌ مات هو أو هي، وهو المشهور، إلَّا أنَّ يفرض وترضى فيشطر المفروضُ بالطَّلاق قبل البناءِ. قال ابنُ عبد السَّلام: وهو ظاهرٌ إن فرض صداقَ المثلِ أو دونهُ ورضيَتْ به. وقال الحنابلةُ بالعقدِ. وسقط قوله: «فلمَّا رأتِ المرأةُ … » إلى آخره للحَمُّويي، وقال بعد قوله: «ثمَّ طأطأَ رأسَهُ»: «وذكر الحديث كله» (٢).

(٣٦) (بابُ مَنْ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) أي: لا تحبسوهُنَّ. وقال إمامنا الشَّافعيُّ: إنَّ هذه الآية أصرحُ دليلٍ على اعتبار الوليِّ، وإلَّا لما كان لعضله معنى، وعبارته في «المعرفة» للبيهقيِّ: إنَّما يؤمر بأن لا يعضُلَ من له سببٌ إلى العضْلِ بأن

يكون يتِمُّ به له نكاحُها من الأولياءِ. قال: وهذا أبينُ ما في القرآنِ من أنَّ للوليِّ مع المرأةِ في نفسها حقًّا، وأنَّ على الوليِّ أن لا يعضُلها إذا رضيَتْ أن تنكحَ بالمعروفِ. انتهى.

وقال البخاريُّ: (فَدَخَلَ (١) فِيهِ) في النَّهي عن العضلِ (الثَّيِّبُ، وَكَذَلِكَ البِكْرُ) لعموم لفظ النِّساء (وَقَالَ) تعالى مخاطبًا للرِّجال: (﴿وَلَا تَنكِحُواْ﴾) أي: أيُّها الأولياءُ مولِّياتكم (﴿الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَقَالَ) ﷿: (﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى﴾) جمع: أَيِّم (﴿مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]) ولم يخاطبِ النِّساء، فلا تعقد امرأةٌ نكاحًا لنفسها ولا لغيرها بولايةٍ؛ إذ لا يليق بمحاسنِ العاداتِ دخولها فيه لما قُصد منها من الحياءِ وعدم ذكره أصلًا، وفي حديث ابن ماجه المرفوع: «لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نفسَها». وأخرجه الدَّارقطنيُّ بإسنادٍ على شرط الشَّيخين، واستنبطَ المؤلِّف الحكم من الآياتِ والأحاديث الآتية لكون الحديث الواردِ بلفظ التَّرجمة ليس على شرطهِ، وقد رواهُ أبو داود والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه والحاكم من حديث أبي مُوسى. فلو وطئَ في نكاحٍ بلا وليٍّ بأن زوَّجت نفسها، ولم يحكم حاكمٌ بصحَّته ولا ببطلانهِ لزمهُ مهرُ المثلِ دون المسمَّى لفسادِ النِّكاح، ولحديث التِّرمذيِّ وحسَّنه، وابن حبَّان والحاكم وصحَّحاه: «أيُّما امرأةٍ نكحَت بغيرِ إذنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ، ثلاثًا، فإن دخلَ بها فلها المهرُ بما استحلَّ من فرجِها … » الحديثَ، ويسقطُ عنه الحدُّ لشبهةِ اختلافِ العلماءِ في صحَّته. نعم يعزَّر معتقدُ تحريمهِ لارتكابهِ محرَّمًا، ولا حدَّ فيه ولا كفَّارة. وقال أبو حنيفةَ: لو زوَّجت نفسَها وهي حرَّةٌ عاقلةٌ بالغةٌ، أو وكَّلت غيرها أو توكَّلت به (٢) جاز بلا وليٍّ، وكان أبو يوسف أوَّلًا يقول: لا ينعقِدُ إلَّا بوليٍّ إذا كان لها وليٌّ، ثمَّ رجع وقال: إن كان الزَّوج كفؤًا لها جازَ وإلَّا فلا. ثمَّ رجع وقال: جاز سواءٌ كان الزَّوج كفؤًا لها أو لم يكن. وعند محمد ينعقدُ موقوفًا على إجازةِ الوليِّ سواءٌ كان الزَّوج كفؤًا لها (٣) أو لم يكن، ويروى رجوعهُ إلى قولهما. واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فهذه الآياتُ تصرِّح بأنَّ النِّكاح ينعقِدُ بعبارة النِّساء لأنَّ النِّكاح المذكور منسوبٌ إلى المرأة من قوله: ﴿أَن يَنكِحْنَ﴾ و ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ﴾. وهذا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) بنُ عبدِ الرَّحمن (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمَة بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين: (أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسولِ الله» ( فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي) أي: أن تتزوَّجني بلا مهرٍ، وقد عدَّ هذا من خصائصهِ (فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ) بتشديد العين، أي: رفعهُ (إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ) بتشديد الواو، خفضهُ (ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي هنا: «وذكرَ الحديثَ كُلَّه» (١) (فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ) (لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ) بالفوقية (لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) لم يقلْ هبْنِيها لما ذكر أنَّ ذلك من خصائصهِ ، وليس المرادُ حقيقة الهبةِ لأنَّ الحرَّ لا يملكُ نفسه (فَقَالَ) له: (وهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها؟ (قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: انْظُرْ وَلَوْ) كان الَّذي تجده (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) فأصدقْها (٢) إيَّاه فإنَّه سائغٌ (فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا) وجدتُ (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) ولأبي ذرٍّ: «ولا خاتمٌ» بالرفع، أي: ولا حضَر خاتمٌ من حديدٍ (وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ) صدَاقًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا تَصْنَعُ) هي (بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (٣) (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (٤) (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ) وللكُشمِيهنيِّ: «منهُ شيءٌ» (٥) (فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلَسُهُ) بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله (ثُمَّ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) له: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةَ كَذَا، وَسُورَةَ كَذَا، وَسُورَةَ كَذَا) ثلاثَ مرَّاتٍ. ونصب سورة في الثَّلاث (٦) في «اليونينية» وفرعها فقط، وبالرَّفع أيضًا في غيرهما (عَدَّدَهَا) ولأبي ذرٍّ: «عَادَّها» بألف (٧) بعد العين فدال مشددة فهاء، وسبق تعيينُها [خ¦٥٠٨٧] (قَالَ:

أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟) أي: من حفظكَ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) وفي رواية الأكثرين: «زوَّجتُكَها» [خ¦٥٠٢٩] [خ¦٥١٣٢] بدل: «ملَّكتُكهَا» وقال في «المصابيح»: الباء للسَّببيَّة، فيكون هذا نكاح تفويضٍ. انتهى.

والتَّفويضُ ضربان: تفويض مهرٍ بأن تقول المرأةُ للوليِّ: زوِّجنيه بما شاءَ، أو بما شئت. وتفويض بُضْعٍ؛ وهو أن تقول: زوِّجنيه بلا مهرٍ، فزوَّجها نافيًا للمهرِ وساكتًا عنه (١) وجبَ لها مهر المثل بالوطءِ؛ لأنَّ الوطء لا يباحُ بالإباحةِ لما فيه من حقِّ الله تعالى، أو بموتِ أحدهما قبل الوطءِ والفرضِ لأنَّه كالوطءِ في تقرير المسمَّى، فكذا في إيجابِ مهر المثل في التَّفويض، ولأنَّ بَِروع بنت واشقٍ نكحتْ بلا مهرٍ، فمات زوجُها قبل أن يفرضَ لها، فقضى لها رسولُ الله بمهر نسائها وبالميراثِ. رواه أبو داود، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وقال المالكيَّةُ: تستحقُّ المفوِّضة الصَّداق بالوطء، لا بالعقدِ، ولا بالموتِ أو الطَّلاقِ، سواءٌ مات هو أو هي، وهو المشهور، إلَّا أنَّ يفرض وترضى فيشطر المفروضُ بالطَّلاق قبل البناءِ. قال ابنُ عبد السَّلام: وهو ظاهرٌ إن فرض صداقَ المثلِ أو دونهُ ورضيَتْ به. وقال الحنابلةُ بالعقدِ. وسقط قوله: «فلمَّا رأتِ المرأةُ … » إلى آخره للحَمُّويي، وقال بعد قوله: «ثمَّ طأطأَ رأسَهُ»: «وذكر الحديث كله» (٢).

(٣٦) (بابُ مَنْ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) أي: لا تحبسوهُنَّ. وقال إمامنا الشَّافعيُّ: إنَّ هذه الآية أصرحُ دليلٍ على اعتبار الوليِّ، وإلَّا لما كان لعضله معنى، وعبارته في «المعرفة» للبيهقيِّ: إنَّما يؤمر بأن لا يعضُلَ من له سببٌ إلى العضْلِ بأن

يكون يتِمُّ به له نكاحُها من الأولياءِ. قال: وهذا أبينُ ما في القرآنِ من أنَّ للوليِّ مع المرأةِ في نفسها حقًّا، وأنَّ على الوليِّ أن لا يعضُلها إذا رضيَتْ أن تنكحَ بالمعروفِ. انتهى.

وقال البخاريُّ: (فَدَخَلَ (١) فِيهِ) في النَّهي عن العضلِ (الثَّيِّبُ، وَكَذَلِكَ البِكْرُ) لعموم لفظ النِّساء (وَقَالَ) تعالى مخاطبًا للرِّجال: (﴿وَلَا تَنكِحُواْ﴾) أي: أيُّها الأولياءُ مولِّياتكم (﴿الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَقَالَ) ﷿: (﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى﴾) جمع: أَيِّم (﴿مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]) ولم يخاطبِ النِّساء، فلا تعقد امرأةٌ نكاحًا لنفسها ولا لغيرها بولايةٍ؛ إذ لا يليق بمحاسنِ العاداتِ دخولها فيه لما قُصد منها من الحياءِ وعدم ذكره أصلًا، وفي حديث ابن ماجه المرفوع: «لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نفسَها». وأخرجه الدَّارقطنيُّ بإسنادٍ على شرط الشَّيخين، واستنبطَ المؤلِّف الحكم من الآياتِ والأحاديث الآتية لكون الحديث الواردِ بلفظ التَّرجمة ليس على شرطهِ، وقد رواهُ أبو داود والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه والحاكم من حديث أبي مُوسى. فلو وطئَ في نكاحٍ بلا وليٍّ بأن زوَّجت نفسها، ولم يحكم حاكمٌ بصحَّته ولا ببطلانهِ لزمهُ مهرُ المثلِ دون المسمَّى لفسادِ النِّكاح، ولحديث التِّرمذيِّ وحسَّنه، وابن حبَّان والحاكم وصحَّحاه: «أيُّما امرأةٍ نكحَت بغيرِ إذنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ، ثلاثًا، فإن دخلَ بها فلها المهرُ بما استحلَّ من فرجِها … » الحديثَ، ويسقطُ عنه الحدُّ لشبهةِ اختلافِ العلماءِ في صحَّته. نعم يعزَّر معتقدُ تحريمهِ لارتكابهِ محرَّمًا، ولا حدَّ فيه ولا كفَّارة. وقال أبو حنيفةَ: لو زوَّجت نفسَها وهي حرَّةٌ عاقلةٌ بالغةٌ، أو وكَّلت غيرها أو توكَّلت به (٢) جاز بلا وليٍّ، وكان أبو يوسف أوَّلًا يقول: لا ينعقِدُ إلَّا بوليٍّ إذا كان لها وليٌّ، ثمَّ رجع وقال: إن كان الزَّوج كفؤًا لها جازَ وإلَّا فلا. ثمَّ رجع وقال: جاز سواءٌ كان الزَّوج كفؤًا لها أو لم يكن. وعند محمد ينعقدُ موقوفًا على إجازةِ الوليِّ سواءٌ كان الزَّوج كفؤًا لها (٣) أو لم يكن، ويروى رجوعهُ إلى قولهما. واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فهذه الآياتُ تصرِّح بأنَّ النِّكاح ينعقِدُ بعبارة النِّساء لأنَّ النِّكاح المذكور منسوبٌ إلى المرأة من قوله: ﴿أَن يَنكِحْنَ﴾ و ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ﴾. وهذا

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.6 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل