«آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٣٩

الحديث رقم ٦١٣٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب صنع الطعام والتكلف للضيف.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦١٣٩ في صحيح البخاري

«آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ، قَالَ: فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ

⦗٣٣⦘

عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ» أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ يُقَالُ وَهْبُ الْخَيْرِ.

بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ

إسناد حديث البخاري رقم ٦١٣٩

٦١٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦١٣٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِطُولِ مَقَامِهِ أَوْ يَعْرِضُ لَهُ بِمَا يُؤْذِيهِ أَوْ يَظُنُّ بِهِ ظَنًّا سَيِّئًا، وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْإِقَامَةُ بِاخْتِيَارِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ بِأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الزِّيَادَةَ فِي الْإِقَامَةِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى يُحْرِجَهُ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ إِذَا ارْتَفَعَ الْحَرَجُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ قِيلَ: يَا رَسُولَ، وَمَا يُؤَثِّمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ لَا يَجِدُ شَيْئًا يُقَدِّمُهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَفِيهِ قِصَّةٍ لِسَلْمَانَ مَعَ ضَيْفِهِ حَيْثُ طَلَبَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا قَدَّمَ لَهُ فَرَهَنَ مَطْهَرَتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْمَقَامُ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِئَلَّا يُؤْذِيَهُ فَتَصِيرَ الصَّدَقَةُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَنِّ وَالْأَذَى. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الَّذِي فِي الثَّلَاثِ لَا يُسَمَّى صَدَقَةً، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِئَلَّا يُؤْذِيَهُ فَيُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَأْجُورًا.

٨٦ - بَاب صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ

٦١٣٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ فقَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ؛ فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ، قَالَ: فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ.

أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ الشوَائِيُّ يُقَالُ: وَهْبُ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.

قَوْلُهُ: (أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ) يَعْنِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ (وَهْبُ الْخَيْرِ) أَيْ كَانَ يُقَالُ لَهُ وَهْبُ الْخَيْرِ، وَهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ. وَوَقَعَ فِي التَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ حَدِيثُ سَلْمَانَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَتَكَلَّفَ لِلضَّيْفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، فِيهِ قِصَّةُ سَلْمَانَ مَعَ ضَيْفِهِ حَيْثُ طَلَبَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا قَدَّمَ لَهُ، فَرَهَنَ مَطْهَرَتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ لَمَّا فَرَغَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَنَعْنَا بِمَا رَزَقَنَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: لَوْ قَنَعْتَ مَا كَانَتْ مَطْهَرَتِي مَرْهُونَةٌ.

٨٧ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْغَضَبِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ

٦١٤٠ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ: اطْعَمُوا فَقَالُوا: أَيْنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، ابن (١) جعفر بنِ عَمرو بن حُريثٍ المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضم العين المهملة وفتح الميم آخره مهملة مصغَّرًا، عتبة بن عبد الله المسعوديُّ الكوفيُّ (عَنْ عَوْنِ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بالجيم المضمومة ثمَّ الحاء المهملة والفاء مصغَّرًا، وهب (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ) الفارسيِّ (وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ) زوجة أبي الدَّرداء، واسمها خَيْرة -بفتح الخاء وسكون التحتية- بنت أبي حدردٍ الأسلميَّة صحابيَّة بنت صحابيٍّ، وليستْ هي زوجتُه أمَّ الدَّرداء هُجَيمةَ التَّابعيَّة (مُتَبَذِّلَةً) بفتح الفوقية والموحدة وكسر المعجمة المشددة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- المهنة وزنًا ومعنًى، أي: أنَّها تاركة للباسِ الزِّينة (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟) متبذِّلةً يا أمَّ الدَّرداء (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي) نساءِ (الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكلَ (فَقَالَ (٢)) أبو الدَّرداء لسلمان: (كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ) سلمانُ لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامكَ شيئًا (حَتَّى تَأْكُلَ مِنْهُ) وغرضُه بذلك صرفُ أبي الدَّرداء عمَّا (٣) يصنعُه من الجهدِ في العبادةِ وغير ذلك ممَّا تضرَّرت منه أمُّ الدَّرداء زوجته (فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: في أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ) يتهجَّدُ (٤) (فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ) أبو الدَّرداء (يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ) وعند

التِّرمذيِّ فلما كان عند الصُّبح. وللدارقطنيِّ فلمَّا كان في وجهِ الصُّبح. ولأبي ذرٍّ: «من آخرِ اللَّيل» (قَالَ سَلْمَانُ) له: (قُمِ الآنَ. قَالَ) وللطَّبرانيِّ: فقاما فتوضَّآ: (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وإنَّ لنفسك» (عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (١)، فَأَعْطِ) بهمزةِ قطعٍ (كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الَّذي قالهُ سلمان (لَهُ) (فَقَالَ) له (٢) (النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ) وعندَ الدَّارقطنيِّ ثمَّ خرجا إلى المصلَّى فدنا أبو الدَّرداء ليخبرَ النَّبيَّ بالَّذي قال له سلمانُ فقال له: «يا أبا الدَّرداء إنَّ لجسدِكَ عليكَ حقًّا» مثل ما قال سلمانُ، ففي هذه الرِّواية: أنَّ النَّبيَّ أشارَ إليهما بأنَّه علمَ بطريقِ الوحي ما دارَ بينهما وليسَ ذلك في روايةِ محمَّد بن بشَّار، فيحتملُ أنَّه كاشفهما بذلك أوَّلًا، ثمَّ أطلعه أبو الدَّرداء على صورةِ الحال فقال له: «صدقَ سلمان». وعند الطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر، عن محمَّد بن سيرين مرسلًا قال: كان أبو الدَّرداء يُحيي ليلةَ الجمعة، ويصومُ يومها، فأتاهُ سلمان … فذكرَ القصَّة مختصرةً، فقال النَّبيُّ : «عُويمر سلمانُ أفقَه منكَ»، وفيه تعيينُ اللَّيلة الَّتي باتَ سلمان فيها عند أبي الدَّرداء.

(أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ) بضم السين المهملة وتخفيف الواو والمد (يُقَالُ) له (وَهْبُ الخَيْرِ) وقوله: «أبو جُحَيفة … » إلى آخره سقط لأبي ذرٍّ. قال في «فتح الباري»: ووقع في التَّكلُّف للضَّيف حديث سلمان نهانا رسولُ الله أن نتكلَّف للضَّيف. أخرجه أحمدُ والحاكم، وفيه قصَّة سلمان مع ضيفهِ حيثُ طلب منه زيادةً على ما قدَّم له، فرهنَ مِطْهرتهُ بسببِ ذلك، ثمَّ قال الرَّجل لمَّا فرغ: الحمد لله الَّذي قنَّعنا بما رزقنَا، فقال له سلمان: لو قنعتَ ما كانتْ مِطْهَرتي مَرْهونة. انتهى.

وقد كان (٣) سلمانُ إذا دخلَ عليه رجلٌ دعا بما حضرَ خُبزًا ومِلْحًا، وقال: لولا أنَّا نُهينا أن يتكلَّف بعضُنا لتكلَّفتُ لك.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِطُولِ مَقَامِهِ أَوْ يَعْرِضُ لَهُ بِمَا يُؤْذِيهِ أَوْ يَظُنُّ بِهِ ظَنًّا سَيِّئًا، وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْإِقَامَةُ بِاخْتِيَارِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ بِأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الزِّيَادَةَ فِي الْإِقَامَةِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى يُحْرِجَهُ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ إِذَا ارْتَفَعَ الْحَرَجُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ قِيلَ: يَا رَسُولَ، وَمَا يُؤَثِّمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ لَا يَجِدُ شَيْئًا يُقَدِّمُهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَفِيهِ قِصَّةٍ لِسَلْمَانَ مَعَ ضَيْفِهِ حَيْثُ طَلَبَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا قَدَّمَ لَهُ فَرَهَنَ مَطْهَرَتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْمَقَامُ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِئَلَّا يُؤْذِيَهُ فَتَصِيرَ الصَّدَقَةُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَنِّ وَالْأَذَى. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الَّذِي فِي الثَّلَاثِ لَا يُسَمَّى صَدَقَةً، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِئَلَّا يُؤْذِيَهُ فَيُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَأْجُورًا.

٨٦ - بَاب صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ

٦١٣٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ فقَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ؛ فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ، قَالَ: فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ.

أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ الشوَائِيُّ يُقَالُ: وَهْبُ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.

قَوْلُهُ: (أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ) يَعْنِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ (وَهْبُ الْخَيْرِ) أَيْ كَانَ يُقَالُ لَهُ وَهْبُ الْخَيْرِ، وَهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ. وَوَقَعَ فِي التَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ حَدِيثُ سَلْمَانَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَتَكَلَّفَ لِلضَّيْفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، فِيهِ قِصَّةُ سَلْمَانَ مَعَ ضَيْفِهِ حَيْثُ طَلَبَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا قَدَّمَ لَهُ، فَرَهَنَ مَطْهَرَتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ لَمَّا فَرَغَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَنَعْنَا بِمَا رَزَقَنَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: لَوْ قَنَعْتَ مَا كَانَتْ مَطْهَرَتِي مَرْهُونَةٌ.

٨٧ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْغَضَبِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ

٦١٤٠ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ: اطْعَمُوا فَقَالُوا: أَيْنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، ابن (١) جعفر بنِ عَمرو بن حُريثٍ المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضم العين المهملة وفتح الميم آخره مهملة مصغَّرًا، عتبة بن عبد الله المسعوديُّ الكوفيُّ (عَنْ عَوْنِ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بالجيم المضمومة ثمَّ الحاء المهملة والفاء مصغَّرًا، وهب (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ) الفارسيِّ (وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ) زوجة أبي الدَّرداء، واسمها خَيْرة -بفتح الخاء وسكون التحتية- بنت أبي حدردٍ الأسلميَّة صحابيَّة بنت صحابيٍّ، وليستْ هي زوجتُه أمَّ الدَّرداء هُجَيمةَ التَّابعيَّة (مُتَبَذِّلَةً) بفتح الفوقية والموحدة وكسر المعجمة المشددة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- المهنة وزنًا ومعنًى، أي: أنَّها تاركة للباسِ الزِّينة (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟) متبذِّلةً يا أمَّ الدَّرداء (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي) نساءِ (الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكلَ (فَقَالَ (٢)) أبو الدَّرداء لسلمان: (كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ) سلمانُ لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامكَ شيئًا (حَتَّى تَأْكُلَ مِنْهُ) وغرضُه بذلك صرفُ أبي الدَّرداء عمَّا (٣) يصنعُه من الجهدِ في العبادةِ وغير ذلك ممَّا تضرَّرت منه أمُّ الدَّرداء زوجته (فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: في أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ) يتهجَّدُ (٤) (فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ) أبو الدَّرداء (يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ) وعند

التِّرمذيِّ فلما كان عند الصُّبح. وللدارقطنيِّ فلمَّا كان في وجهِ الصُّبح. ولأبي ذرٍّ: «من آخرِ اللَّيل» (قَالَ سَلْمَانُ) له: (قُمِ الآنَ. قَالَ) وللطَّبرانيِّ: فقاما فتوضَّآ: (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وإنَّ لنفسك» (عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (١)، فَأَعْطِ) بهمزةِ قطعٍ (كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الَّذي قالهُ سلمان (لَهُ) (فَقَالَ) له (٢) (النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ) وعندَ الدَّارقطنيِّ ثمَّ خرجا إلى المصلَّى فدنا أبو الدَّرداء ليخبرَ النَّبيَّ بالَّذي قال له سلمانُ فقال له: «يا أبا الدَّرداء إنَّ لجسدِكَ عليكَ حقًّا» مثل ما قال سلمانُ، ففي هذه الرِّواية: أنَّ النَّبيَّ أشارَ إليهما بأنَّه علمَ بطريقِ الوحي ما دارَ بينهما وليسَ ذلك في روايةِ محمَّد بن بشَّار، فيحتملُ أنَّه كاشفهما بذلك أوَّلًا، ثمَّ أطلعه أبو الدَّرداء على صورةِ الحال فقال له: «صدقَ سلمان». وعند الطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر، عن محمَّد بن سيرين مرسلًا قال: كان أبو الدَّرداء يُحيي ليلةَ الجمعة، ويصومُ يومها، فأتاهُ سلمان … فذكرَ القصَّة مختصرةً، فقال النَّبيُّ : «عُويمر سلمانُ أفقَه منكَ»، وفيه تعيينُ اللَّيلة الَّتي باتَ سلمان فيها عند أبي الدَّرداء.

(أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ) بضم السين المهملة وتخفيف الواو والمد (يُقَالُ) له (وَهْبُ الخَيْرِ) وقوله: «أبو جُحَيفة … » إلى آخره سقط لأبي ذرٍّ. قال في «فتح الباري»: ووقع في التَّكلُّف للضَّيف حديث سلمان نهانا رسولُ الله أن نتكلَّف للضَّيف. أخرجه أحمدُ والحاكم، وفيه قصَّة سلمان مع ضيفهِ حيثُ طلب منه زيادةً على ما قدَّم له، فرهنَ مِطْهرتهُ بسببِ ذلك، ثمَّ قال الرَّجل لمَّا فرغ: الحمد لله الَّذي قنَّعنا بما رزقنَا، فقال له سلمان: لو قنعتَ ما كانتْ مِطْهَرتي مَرْهونة. انتهى.

وقد كان (٣) سلمانُ إذا دخلَ عليه رجلٌ دعا بما حضرَ خُبزًا ومِلْحًا، وقال: لولا أنَّا نُهينا أن يتكلَّف بعضُنا لتكلَّفتُ لك.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله