الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٨١
الحديث رقم ٦٤٨١ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الخوف من الله.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٤٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِي : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ابن حبان» من طريق ربعيِّ بن (١) حِرَاش: «أنَّه كان نبَّاشًا للقبورِ يسرقُ أكفانَ الموتى». وعند أبي عَوَانة من حديثِ حذيفة (٢)، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق: «أنَّه آخر أهل الجنَّة دخولًا فيكون آخر من يخرجُ من النَّار» وفي «المصابيح»: أنَّه كان يقول: أجرني من النَّار، مقتصرًا على ذلك (فَقَالَ لأَهْلِهِ) وفي الآتية: «بَنِيْه» [خ¦٦٤٨١] (إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي (٣) فَذَرُّونِي) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، ثلاثيٌّ مضاعف، من التَّذرية، ولأبي ذرٍّ (٤) بضمِّها من الذَّرِّ (٥) وهو التَّفريق (فِي البَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ) حارٍّ، بحاء مهملة فألف فراء مشددة (فَفَعَلُوا بِهِ) ذلك (فَجَمَعَهُ اللهُ) ﷿ (ثُمَّ قَالَ) تعالى له (٦): (مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي) عليهِ (إِلَّا مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ).
والحديثُ سبق في ذكر «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٢].
٦٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضم الميم وسكون العين المهملة بعدها فوقية مفتوحة فميم مكسورة فراء، قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمانَ التَّيميَّ
يقول: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ) الأزديِّ العَوْذِيِّ، أبي نهارٍ (١) البصريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «الخدريِّ» (﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (ذَكَرَ رَجُلًا) فلم يُسمَّ (فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ) أي: من بني إسرائيل (أَوْ) قال: فيمن (٢) كان (قَبْلَكُمْ) بالشَّكِّ من الرَّاوي عن قتادة (آتَاهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا) بمدِّ آتاه (يَعْنِي: أَعْطَاهُ) الله، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «مالًا». قال في «الفتح»: ولا معنى لإعادةِ «مالًا» بمفردها (قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ) بضم الحاء المهملة، أي: حضرهُ أوان الموت (قَالَ لِبَنِيهِ (٣): أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟) بنصب «أيَّ» خبر كان تقدَّم وجوبًا للاستفهام، وسقط لفظ «لكم» لغير أبي ذرٍّ (قَالُوا): كنت (خَيْرَ أَبٍ) ويجوز الرفعُ، أي: أنت خيرُ أبٍ (قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ) بفتح التحتية وسكون الموحدة بعدها فوقية مفتوحة فهمزة مكسورة فراء (عِنْدَ اللهِ خَيْرًا (٤). فَسَّرَهَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، أي: (لَمْ يَدَّخِرْ) عند الله خيرًا (وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللهِ) بفتح التَّحتية وسكون القاف وفتح المهملة مجزومٌ على الشَّرطيَّة (يُعَذِّبْهُ) بالجزم أيضًا، جزاءَهُ (فَانْظُرُوا فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي) بهمزة قطع (حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا، فَاسْحَقُونِي) بالحاء المهملة والقاف (-أَوْ قَالَ: فَاسْهَكُونِي-) بالهاء والكاف بدلهما بالشَّكِّ من الرَّاوي، قيل: والسَّحق: الدَّقُّ ناعمًا، والسَّهك دونه (ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «حتَّى» (إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِي) بقطع الهمزة المفتوحة في الفرعِ كأصله من الثُّلاثي المزيد، أي: طيِّروني (فِيهَا، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ) عهودَهم (عَلَى) أن يفعلوا به (ذَلِكَ) أي: الَّذي قال لهم (وَرَبِّي) أي: قال لمن أوصاهُ: قل ورَبِّي لأفْعَلَنَّ (٥) ذلك، أو هو قَسَمٌ من المُخبر بذلك عنهم ليصحَّ خبره، وفي مسلم: «ففعلوا به ذلك ورَبِّي» فتعيَّن أنَّه قَسَمٌ من المخبر (فَفَعَلُوا) به ما قال لهم (فَقَالَ اللهُ) تعالى له: (كُنْ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ) مبتدأٌ وخبرٌ، وجاز وقوع المبتدأ نكرةً
محضةً بعد «إذا» المفاجأة؛ لأنَّها من القرائنِ الَّتي تتحصَّل بها الفائدةُ، كقولك: انطلقتُ فإذا سَبُعٌ في الطَّريق، قاله ابن مالك (ثُمَّ قَالَ) الله تعالى له: (أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ) من أمركَ بَنِيْكَ بإحراقكَ (١) وتذريتك (قَالَ): حملَني عليه (مَخَافَتُكَ -أَوْ: فَرَقٌ) بفتح الراء، خوفٌ (مِنْكَ-) شكَّ الرَّاوي (٢) أيَّ اللَّفظين قال (فَمَا تَلَافَاهُ) بالفاء، أي: تداركه (أَنْ ﵀ سقطتِ الجلالة لأبي ذرٍّ.
واستُشْكل إعرابُه (٣)؛ إذ مفهومُه عكس المقصود. وأُجيب بأنَّ «ما» موصولةٌ، أي: الذي تلافاهُ هو الرَّحمة، أو نافية، وأداة الاستثناء محذوفةٌ لقيام القرينة، كما هو رأيُ السُّهيليِّ، أي: فما تداركه إلَّا بأنْ رحمه.
قال سليمان التَّيميُّ أو قتادة: (فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديَّ (فَقَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ) الفارسيَّ، أي: يُحدِّث عن النَّبيِّ ﷺ بمثل هذا الحديث (غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: فَأَذْرُونِي فِي البَحْرِ) بهمزة قطع مفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «فاذروني» بهمزة وصل. يقال: ذرتِ الرِّيحُ التُّرابَ وغيرَه ذَرْوًا وأَذْرَتْهُ (٤) وذَرَّتْهُ (٥) أطارتْه وأذهبتْهُ. وقال في «المشارق»: يقال: ذريْتَ الشَّيء وذروتهُ ذريًا وذروًا، وأذريْتُ أيضًا رباعيٌّ، وذرَّيت -بالتَّشديد- إذا بدَّدته وفرَّقته، وقيل: إذا طرحتَه مقابل الرِّيح كذلك (أَوْ كَمَا حَدَّثَ) شكَّ الرَّاوي، يريد أنَّه بمعنى حديثِ أبي سعيدٍ لا بلفظه كلِّه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمَسَاجِد، ووردت أَحَادِيث فِي الْبكاء. مِنْهَا: حَدِيث أَسد بن مُوسَى عَن عمرَان بن يزِيد عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك مَرْفُوعا: (أَيهَا النَّاس ابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا، فَإِن أهل النَّار يَبْكُونَ فِي النَّار حَتَّى تسيل دموعهم فِي وُجُوههم كَأَنَّهَا جداول ثمَّ تقطع الدُّمُوع وتسيل الدِّمَاء فتقرح الْعُيُون، فَلَو أَن السفن أجريت فِيهَا لجرت) .
٥٢ - (بابُ الخَوْفِ مِنَ الله تَعَالَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شدَّة الاعتناء بالخوف من الله عز وَجل، وَالْخَوْف من لَوَازِم الْإِيمَان قَالَ الله تَعَالَى: {وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين} (آل عمرَان: ٥٧١) .
٠٨٤٦ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ ربْعِيٍّ عنْ حُذَيْفَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (كانَ رَجُلٌ ممَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِىءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأهْلِهِ: إِذا أَنا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي البَحْرِ فِي يَوْمٍ صائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ الله، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلنِي إلاّ مَخافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٢٥٤٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالراء المخففة والشين الْمُعْجَمَة، وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان. وَرِجَال السَّنَد كلهم كوفيون.
والْحَدِيث مُضِيّ فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز وَفِي الرَّقَائِق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير.
قَوْله: (مِمَّن كَانَ قبلكُمْ) يَعْنِي: من بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (يسيء الظَّن بِعَمَلِهِ) يَعْنِي بِعَمَلِهِ الَّذِي كَانَ مَعْصِيّة، وَكَانَ نباشاً. قَوْله: (فذروني فِي الْبَحْر) بِضَم الذَّال من الذَّر وَهُوَ التَّفْرِيق، يُقَال: ذررت الْملح أذره، ويروى بِفَتْح الذَّال من التذرية، يُقَال: ذرت الرّيح الشَّيْء وأذرته وذرته أَي: أطارته وأذهبته، ويروى: أذروني بِهَمْزَة قطع وَسُكُون الذَّال من: أذرت الْعين دمعها، وَمِنْه: تَذْرُوهُ الرِّيَاح. قَوْله: (فِي يَوْم صَائِف) أَي: حَار بتَشْديد الرَّاء من الْحَرَارَة، وَرُوِيَ للمروزي والأصيلي: فِي يَوْم حَاز، بالزاي الثَّقِيلَة بِمَعْنى أَنه يحز الْبدن لشدَّة حره، وَرُوِيَ لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: فِي يَوْم حَار، بالراء كَمَا ذكرنَا أَولا، وَكَذَا رُوِيَ لكريمة عَن الْكشميهني وَذكر بَعضهم رِوَايَة الْمروزِي بنُون بدل الزَّاي، وَقَالَ ابْن فَارس: الحون ريح يحن كحنين الْإِبِل.
١٨٤٦ - حدّثنا مُوسى احدثنا: مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أبي حَدثنَا قَتادَةُ عنْ عُقْبَةَ بنِ عَبْدِ الغافِرِ عنْ أبي سَعِيدٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ أَو قَبْلكُمْ (آتاهُ الله مَالا وَوَلَداً يَعْنِي: أعْطاهُ مَالا وَوَلداً {قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أيَّ أبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قالُوا: خَيْرَ أَب قَالَ: فإنَّهُ لَمْ يَبْتَئرْ عِنْدَ الله خَيْراً فَسَرَّهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ وإنْ يَقْدَمْ على الله يُعَذِّبْهُ فانْظُرُوا فَإِذا مُتُّ فأحْرِقُونِي حتَّى إِذا صِرْتُ فَحْماً فاسْحَقُونِي أَو قَالَ: فاسْهَكُونِي ثُمَّ إِذا كانَ رِيحٌ عاصِفٌ فأذْرُونِي فِيهَا، فأخذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلى ذالِكَ ورَبِّي، فَفَعَلُوا فَقَالَ الله: كُنْ، فَإِذا رَجُلٌ قائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أيْ عَبْدِي} مَا حَمَلَكَ عَلى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ أوْ فَرَقٌ مِنْكَ فَمَا تَلافاهُ أنْ رَحِمَهُ الله.
فَحَدَّثْتُ أَبَا عثْمانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ سلْمانَ غَيْرَ أنَّهُ زادَ: فأذْرُونِي فِي البَحْرِ، أَو كَمَا حَدَّثَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧٤٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مخافتك) ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، ومعتمر يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن عبد الغافر أَبُو نَهَار الْأَزْدِيّ العوذي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مر فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن أبي الْوَلِيد وَيحيى فِي التَّوْحِيد عَن عبد الله بن أبي الْأسود. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عبيد الله بن معَاذ وَغَيره.
قَوْله: (أَو قبلكُمْ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (يَعْنِي: أعطَاهُ مَالا) ، هَذَا تَفْسِير لقَوْله: (آتَاهُ الله) وَهُوَ بِالْمدِّ بِمَعْنى: أعطَاهُ وبالقصر بِمَعْنى الْمَجِيء. قَوْله: (مَالا) بعد قَوْله: (أعطَاهُ) رِوَايَة الْكشميهني، وَلَا معنى لإعادة لفظ: مَالا، وَفِي رِوَايَة غَيره: أعطَاهُ، بِلَا ذكر مَالا. (فَلَمَّا حضر) بِضَم الْحَاء وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: فَلَمَّا حَضَره أَوَان الْمَوْت. قَوْله: (خير أَب) بِالنّصب أَي: كنت خير أَب، وبالرفع أَي: أَنْت خير أَب. قَوْله: (لم يبتئر) من الابتئار افتعال من الْبَار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَمَعْنَاهُ لم يدّخر وَلم يخبأ، هَكَذَا فسره قَتَادَة، وَأَصله من البئيرة بِمَعْنى الذَّخِيرَة والخبيئة، قَالَ أهل اللُّغَة: بارت الشَّيْء وابتأرته إبارة وابتئره إِذا خبأته، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: لم يأبتر، بِتَقْدِيم الْهمزَة على الْبَاء الْمُوَحدَة حَكَاهُ عِيَاض وَمَعْنَاهُ: لم يقدم خيرا يُقَال: بأرته وابتارته، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَوَقع فِي التَّوْحِيد فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: لم يبتئر أَو لم يبتئر بِالشَّكِّ فِي الزَّاي أَو الرَّاء، وَفِي رِوَايَة الْجِرْجَانِيّ بنُون بدل الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالزَّاي، قيل: كِلَاهُمَا غير صَحِيح، ويروى فِي غير البُخَارِيّ: يبتهر، بِالْهَاءِ بدل الْهمزَة وبالراء ويمتئر بِالْمِيم بدل الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء. قَوْله: (وَإِن يقدم على الله يعذبه) كَذَا هُنَا بِسُكُون الْقَاف وَفتح الدَّال من الْقدوم وَهُوَ بِالْجَزْمِ على الشّرطِيَّة، وَكَذَا يعذبه بِالْجَزْمِ لِأَنَّهُ جَزَاء، وَالْمعْنَى أَنه إِن بعث يَوْم الْقِيَامَة على هَيئته يعرفهُ كل أحد، فَإِذا صَار رَمَادا مبثوثاً فِي المَاء أَو الرّيح لَعَلَّه يخفى. وَوَقع فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي خَيْثَمَة عَن جرير بِسَنَد حَدِيث الْبَاب: فَإِنَّهُ إِن يقدر عَليّ رَبِّي لَا يغْفر لي، وَكَذَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: لَئِن قدر الله عَليّ، قيل: كَيفَ غفر لهَذَا الَّذِي أوصى بِهَذِهِ الْوَصِيَّة وَقد جهل قدرَة الله على إحيائه؟ . وَأجِيب: بِأَن النَّاس اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقيل: أما عَفْو الله عَمَّا كَانَ مِنْهُ فِي أَيَّام صِحَّته من الْمعاصِي فلندمه عَلَيْهَا وتوبته مِنْهَا عِنْد مَوته، وَلذَلِك أَمر وَلَده بإحراقه وتذريته فِي الْبر وَالْبَحْر خشيَة من عَذَاب ربه والندم تَوْبَة.
قلت: فِيهِ نظر، لِأَن كَون النَّدَم تَوْبَة إِنَّمَا هُوَ لهَذِهِ الْأمة، أَلا يُرى مَا حكى الله عَن قابيل بقوله: {فاصبح من النادمين} (الْمَائِدَة: ١٣) فَلم يكن ندمه تَوْبَة، وَقيل: إِن معنى قَوْله: إِن قدر الله على الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ الْعَجز وَإنَّهُ كَانَ عِنْده أَنه إِذا أحرق وذري أعجز ربه عَن إحيائه، فَهُوَ على أَنه غفر لَهُ لجهله بِالْقُدْرَةِ لِأَنَّهُ لم يكن تقدم فِي ذَلِك الزَّمَان أَنه لَا يغفرالشرك بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل على أَن ذَلِك غير جَائِز فِي حِكْمَة الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا نقُول: لَا يجوز أَن يغْفر الشّرك بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: ٨٤ و ٦١١) . وَأما جَوَاز غفران الله ذَلِك فلفضله الْأَعَمّ وغنائه الأتم لِأَنَّهُ لَا يضرّهُ كفر كَافِر وَلَا يَنْفَعهُ إِيمَان مُؤمن. وَقيل: معنى أَن قدر الله عَليّ أَن ضيق على كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه} (الطَّلَاق: ٧) أَي: ضيق وَلم يرد بذلك وصف خالقه بِالْعَجزِ عَن إِعَادَته، وَقيل: إِنَّمَا غفر لَهُ لِأَنَّهُ غلب على فهمه من الْجزع الَّذِي كَانَ لحقه من خوف الله وعذابه فيعذر، وَمثل هَذَا إِنَّمَا يكون كفرا مِمَّن يقْصد بِهِ الْكفْر وَهُوَ يعقل مَا يَقُول، وَقيل: غفر لَهُ بِأَصْل توحيده الَّذِي لَا تضر مَعَه مَعْصِيّة، وعزى ذَلِك إِلَى المرجئة. قَوْله: (فأحرقوني) وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ فِي بني إِسْرَائِيل فاجمعوا لي حطباً كثيرا ثمَّ أوروا نَارا حَتَّى إِذا أكلت لحمي وخلصت إِلَى عظمي فخذوها واطحنوها. قَوْله: (فاستحقوني) من السحق وَهُوَ دق الشَّيْء نَاعِمًا، أَو قَالَ: (فاسهكوني) ، شكّ من الرَّاوِي من السهك. قَالُوا: السحق والسهك بِمَعْنى وَاحِد. وَقيل السهك ونه وَهُوَ أَن يفت الشَّيْء أَو يدق قطعا صغَارًا. قَوْله: (فاذروني) يَصح أَن يقْرَأ مَوْصُول الْألف من ذرأت الشَّيْء فرقته، وَيصِح أَن يكون أَصله من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ فَيقطع الْهمزَة من قَوْلهم: أذرت الْعين دمعها، وأذريت الرجل عَن فرسه أَي: رميته. وَقَالَ ابْن التِّين: قرأناه بِقطع الْهمزَة. قَوْله: (فَأَخذه مواثيقهم) جمع مِيثَاق وَهُوَ الْعَهْد. قَوْله: (وربي) هُوَ على الْقسم عَن الْمخبر بذلك عَنْهُم لتصحيح خَبره، وَيحْتَمل أَن يكون حِكَايَة الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه، أَي: قَالَ لمن أوصاه: قل: وربي لافعلن ذَلِك، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : فَأخذ مِنْهُم ميثاقاً فَفَعَلُوا ذَلِك، وربي قَالَ القَاضِي عِيَاض. وَفِي بعض نسخه. فَفَعَلُوا ذَلِك وذرى، قَالَ: فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة فَهِيَ وَجه الْكَلَام وَلَعَلَّ الذَّال سَقَطت لبَعض النساخ وَتَابعه الْبَاقُونَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ البُخَارِيّ يحْتَمل أَن يكون بِصِيغَة الْمَاضِي من التربية. أَي: رَبِّي أَخذ المواثيق والمبايعات لكنه مَوْقُوف على الرِّوَايَة، وَقَالَ بَعضهم: وَأبْعد الْكرْمَانِي ثمَّ نقل ذَلِك عَنهُ.
قلت: مَا جزم بذلك حَتَّى يُقَال فِيهِ: وَأبْعد، وَإِنَّمَا قيد بِصِحَّة الرِّوَايَة
مَعَ الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره. قَوْله: (فَإِذا رجل قَائِم) وَقع الْمُبْتَدَأ هُنَا نكرَة لِأَن وُقُوعه هُنَا بعد إِذا، المفاجأة من المخصصات كَمَا فِي قَوْلك: خرجت فَإِذا سبع. قَوْله: (أَي عَبدِي) يَعْنِي: يَا عَبدِي. قَوْله: (أَو فرق) هُوَ شكّ من الرَّاوِي وَهُوَ بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وبالقاف الْخَوْف. قَوْله: (فَمَا تلافاه أَن رَحمَه) كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: الَّذِي تلافاه أَي: تَدَارُكه بِأَن رَحمَه، أَي: بِالرَّحْمَةِ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي تلافاه يرجع إِلَى عمل الرجل وَيجوز أَن يكون: مَا، نَافِيَة، وَكلمَة الِاسْتِثْنَاء محذوفة على مَذْهَب من يجوز حذفهَا، أَي: مَا تلافاه إلَاّ أَن رَحمَه.
قَوْله: (فَحدثت أَبَا عُثْمَان) قَالَ الْكرْمَانِي: الْقَائِل: بحدثت، قَتَادَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سُلَيْمَان وَالِد الْمُعْتَمِر.
قلت: الَّذِي يظْهر أَن قَول الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب فَلْينْظر فِيهِ، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو عُثْمَان: قَوْله: (سَمِعت هَذَا من سلمَان) أَي: الْفَارِسِي، وَحذف المسموع مِنْهُ الَّذِي اسْتثْنى مِنْهُ مَا ذكر، وَالتَّقْدِير: سَمِعت سلمَان يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمثل هَذَا الحَدِيث، غير أَنه زَاد قَوْله: (أَو كَمَا حدث) شكّ من الرَّاوِي يُشِير بِهِ إِلَى أَنه معنى حَدِيث أبي سعيد لَا بِلَفْظِهِ كُله.
وَقَالَ مُعاذٌ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتادَةَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ سَمعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
أَي: قَالَ معَاذ بن التَّمِيمِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم: حَدثنِي عبيد الله بن معَاذ الْعَنْبَري حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة سمع عقبَة بن عبد الغافر يَقُول، سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن رجلا فِيمَن كَانَ قبلكُمْ راشه الله مَالا وَولدا، فَقَالَ لوَلَده: لتفعلن مَا آمركُم بِهِ أَو لأولين ميراثي غَيْركُمْ، إِذا أَنا مت فأحرقوني، وأكبر علمي أَنه قَالَ: ثمَّ اسحقوني فاذروني فِي الرّيح، فَإِنِّي لم ابتهر عِنْد الله خيرا، وَأَن الله يقدر على أَن يُعَذِّبنِي. قَالَ: فَأخذ مِنْهُم ميثاقاً فَفَعَلُوا ذَلِك بِهِ وربي، فَقَالَ الله: مَا حملك على مَا فعلت؟ قَالَ: مخافتك، فَمَا تلافاه غَيرهَا. انْتهى. أَي: مَا تَدَارُكه غير المخافة.
٦٢ - (بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي أَي: تَركهَا أصلا. والإعراض عَنْهَا بعد الْوُقُوع فِيهَا.
حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَثَلِي ومَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فَقَالَ: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أَنا النذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِنْذَار عَن الْوُقُوع فِي الْمعاصِي والانتهاء عَنْهَا.
وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب أَبُو كريب الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وبريد هَذَا يرْوى عَن جده أبي بردة بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَوْله: (مثلي) الْمثل بِفتْحَتَيْنِ الصّفة العجيبة الشَّأْن يوردها البليغ على سَبِيل الشّبَه لإِرَادَة التَّقْرِيب والتفهيم.
قَوْله: (وَمثل مَا بَعَثَنِي الله) الْعَائِد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إِلَيْكُم. قَوْله: (قوما) التنكير فِيهِ للشيوع. قَوْله: (الْجَيْش) اللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (بعيني) بالتثنية وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (وَأَنا النذير الْعُرْيَان) أَي: الْمُنْذر الَّذِي تجرد عَن ثَوْبه وَأَخذه يرفعهُ ويديره حول رَأسه، علاماً لِقَوْمِهِ بالغارة. وَقَالَ ابْن بطال: النذير الْعُرْيَان رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ رجل يَوْم ذِي الخلصة فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته فَانْصَرف إِلَى قومه فَحَذَّرَهُمْ فَضرب بِهِ الْمثل فِي تحقق الْخبز. وَقَالَ ابْن السّكيت: اسْم الرجل الَّذِي حمل عَلَيْهِ عَوْف بن عَامر الْيَشْكُرِي، وَالْمَرْأَة كَانَت من بني كنَانَة، وتنزيل هَذِه الْقِصَّة على لفظ الحَدِيث بعيد لِأَنَّهُ لَيْسَ
فِيهَا أَنه كَانَ عُريَانا. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا مثل قديم، وَذَلِكَ أَن رجلا لَقِي جَيْشًا فجردوه وعروه، فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني وَإِنِّي أَنا النذير لكم وتروني عُريَانا جردني الْجَيْش فالنجاء النَّجَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: ضرب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل لأمته لِأَنَّهُ تجرد لإنذارهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن خَالِد: العربان، بباء مُوَحدَة فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه صَحِيح وَهُوَ الفصيح بالإنذار لَا يكنى وَلَا يورى، يُقَال: رجل عربان أَي: فصيح اللِّسَان، من: أعرب الرجل عَن حَاجته إِذا أفْصح عَنْهَا. قَوْله: (فالنجاء) بِالنّصب مفعول مُطلق فِيهِ إغراء أَي: اطْلُبُوا النَّجَاء بِأَن تسرعوا الْهَرَب لأنكم لَا تطيقون مقاومة ذَلِك الْجَيْش، (والنجاء) الثَّانِي تَأْكِيد وَكِلَاهُمَا ممدودان، وَجَاء الْقصر فيهمَا تَخْفِيفًا وَجَاء مد الأول وَقصر الثَّانِي. قَوْله: (فأدلجوا) من الإدلاج من بَاب الإفعال وَهُوَ السّير أول اللَّيْل، أَو كل اللَّيْل على الِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ، وهمزته همزَة قطع، وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْله: (فأدلجوا) بتَشْديد الدَّال قلت لَا يَسْتَقِيم هَذَا هُنَا لِأَن الادلاج بِالتَّشْدِيدِ هُوَ السّير آخر اللَّيْل فَلَا يُنَاسب هَذَا الْمقَام وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (على مهلهم) بِفتْحَتَيْنِ أَي: على السكينَة والتأني، وَأما الْمهل بِسُكُون الْهَاء فَمَعْنَاه الْإِمْهَال فَلَا يُنَاسب هُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مهلتهم، قَوْله: (فنجوا) لأَنهم أطاعوا النذير وَسَارُوا من أول اللَّيْل فنجوا. قَوْله: (فصبحهم الْجَيْش) أَي: أتوهم صباحاً، هَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِيمَن يطْرق بَغْتَة فِي أَي وَقت كَانَ. قَوْله: (فاجتاحهم) بجيم ثمَّ بحاء مُهْملَة أَي: استأصلهم، من جحت الشَّيْء أجوحه إِذا استأصلته، وَمِنْه الْجَائِحَة وَهِي الْهَلَاك.
٦٢ - (بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي أَي: تَركهَا أصلا. والإعراض عَنْهَا بعد الْوُقُوع فِيهَا.
حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَثَلِي ومَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فَقَالَ: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أَنا النذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِنْذَار عَن الْوُقُوع فِي الْمعاصِي والانتهاء عَنْهَا.
وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب أَبُو كريب الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وبريد هَذَا يرْوى عَن جده أبي بردة بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَوْله: (مثلي) الْمثل بِفتْحَتَيْنِ الصّفة العجيبة الشَّأْن يوردها البليغ على سَبِيل الشّبَه لإِرَادَة التَّقْرِيب والتفهيم.
قَوْله: (وَمثل مَا بَعَثَنِي الله) الْعَائِد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إِلَيْكُم. قَوْله: (قوما) التنكير فِيهِ للشيوع. قَوْله: (الْجَيْش) اللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (بعيني) بالتثنية وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (وَأَنا النذير الْعُرْيَان) أَي: الْمُنْذر الَّذِي تجرد عَن ثَوْبه وَأَخذه يرفعهُ ويديره حول رَأسه، علاماً لِقَوْمِهِ بالغارة. وَقَالَ ابْن بطال: النذير الْعُرْيَان رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ رجل يَوْم ذِي الخلصة فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته فَانْصَرف إِلَى قومه فَحَذَّرَهُمْ فَضرب بِهِ الْمثل فِي تحقق الْخبز. وَقَالَ ابْن السّكيت: اسْم الرجل الَّذِي حمل عَلَيْهِ عَوْف بن عَامر الْيَشْكُرِي، وَالْمَرْأَة كَانَت من بني كنَانَة، وتنزيل هَذِه الْقِصَّة على لفظ الحَدِيث بعيد لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنه كَانَ عُريَانا. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا مثل قديم، وَذَلِكَ أَن رجلا لَقِي جَيْشًا فجردوه وعروه، فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني وَإِنِّي أَنا النذير لكم وتروني عُريَانا جردني الْجَيْش فالنجاء النَّجَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: ضرب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل لأمته لِأَنَّهُ تجرد لإنذارهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن خَالِد: العربان، بباء مُوَحدَة فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه صَحِيح وَهُوَ الفصيح بالإنذار لَا يكنى وَلَا يورى، يُقَال: رجل عربان أَي: فصيح اللِّسَان، من: أعرب الرجل عَن حَاجته إِذا أفْصح عَنْهَا. قَوْله: (فالنجاء) بِالنّصب مفعول مُطلق فِيهِ إغراء أَي: اطْلُبُوا النَّجَاء بِأَن تسرعوا الْهَرَب لأنكم لَا تطيقون مقاومة ذَلِك الْجَيْش، (والنجاء) الثَّانِي تَأْكِيد وَكِلَاهُمَا ممدودان، وَجَاء الْقصر فيهمَا تَخْفِيفًا وَجَاء مد الأول وَقصر الثَّانِي. قَوْله: (فأدلجوا) من الإدلاج من بَاب الإفعال وَهُوَ السّير أول اللَّيْل، أَو كل اللَّيْل على الِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ، وهمزته همزَة قطع، وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْله: (فأدلجوا) بتَشْديد الدَّال قلت لَا يَسْتَقِيم هَذَا هُنَا لِأَن الادلاج بِالتَّشْدِيدِ هُوَ السّير آخر اللَّيْل فَلَا يُنَاسب هَذَا الْمقَام وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (على مهلهم) بِفتْحَتَيْنِ أَي: على السكينَة والتأني، وَأما الْمهل بِسُكُون الْهَاء فَمَعْنَاه الْإِمْهَال فَلَا يُنَاسب هُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مهلتهم، قَوْله: (فنجوا) لأَنهم أطاعوا النذير وَسَارُوا من أول اللَّيْل فنجوا. قَوْله: (فصبحهم الْجَيْش) أَي: أتوهم صباحاً، هَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِيمَن يطْرق بَغْتَة فِي أَي وَقت كَانَ. قَوْله: (فاجتاحهم) بجيم ثمَّ بحاء مُهْملَة أَي: استأصلهم، من جحت الشَّيْء أجوحه إِذا استأصلته، وَمِنْه الْجَائِحَة وَهِي الْهَلَاك.
٣٨٤٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ حَدَّثَه أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقولُ: (إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُل اسْتَوْقَدَ نارَاً، فَلمَّا أضاءَتْ مَا حَوْلهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهاذِهِ الدَّوابُّ الَّتي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيها، فَجَعَلَ يَنْزعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحمْنَ فِيها، فَأَنا آخذ بِحُجَزكمْ عنِ النَّارِ وهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيها) (انْظُر الحَدِيث ٦٢٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ منع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاهُم عَن الْإِتْيَان بِالْمَعَاصِي الَّتِي تؤديهم إِلَى الدُّخُول فِي النَّار.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم ب نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ الْأَعْرَج.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب قَول الله {وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان} (ص: ٠٣) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا السَّنَد عَن أبي الْيَمَان إِلَى قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ تقع فِي النَّار) ثمَّ اخْتَصَرَهُ وَذكر حَدِيثا آخر. قَوْله: (استوقد) بِمَعْنى: أوقد، وَلَكِن استوقد أبلغ. قَوْله: (أَضَاءَت) من الإضاءة وَهِي فرط الإنارة. قَوْله: (الْفراش) بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالشين الْمُعْجَمَة جمع الفراشة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ صغَار البق، وَقيل: هِيَ مَا يتهافت فِي النَّار من الطيارات.
قلت: هَذَا أصح من الأول، وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيرهَا: إِنَّهَا كغوغاء الْجَرَاد يركب بعضه بَعْضًا. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ دَوَاب مثل البعوض واحدتها فراشة، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هِيَ ببعوض وَلَا ذُبَاب، وَقَالَ أَبُو نصر: هِيَ الَّتِي تطير وتتهافت فِي السراج، وَفِي (مجمع الغرائب) : هِيَ مَا تتهافت فِي النَّار من الطيارات، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ طَائِر فَوق البعوض. قَوْله: (يقعن) خبر قَوْله: (جعل الْفرش) قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ الَّتِي تقع فِي النَّار) جملَة مُعْتَرضَة وَأَشَارَ بهَا إِلَى تَفْسِير الْفراش. قَوْله: (فَجعل) بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الرجل. قَوْله: (ينزعهن) بِفَتْح الْيَاء وَالزَّاي وَضم الْعين الْمُهْملَة أَي: يدفعهن، ويروى: يزعهن، بِلَا نون من وزعه يزعه وزعاً، فَهُوَ وازع إِذا كَفه وَمنعه. قَوْله: (فيقتحمن) من الاقتحام وَهُوَ الهجوم على الشَّيْء، يُقَال: قحم فِي الْأَمر أَي: رمى بِنَفسِهِ فِيهِ فَجْأَة، واقحمته فاقتحم، وَيُقَال: اقتحم الْمنزل إِذا هجم. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي النَّار. قَوْله: (فَأَنا آخذ) قَالَ النَّوَوِيّ: رُوِيَ باسم الْفَاعِل، ويروى بِصِيغَة الْمُضَارع من الْمُتَكَلّم، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْفَاء فِيهِ فصيحة كَأَنَّهُ لما قَالَ: (مثلي وَمثل النَّاس)
إِلَى آخِره، أَتَى بِمَا هُوَ أهم، وَهُوَ قَوْله: (فَأَنا آخذ بِحُجزِكُمْ) وَمن هَذِه الدقيقة الْتفت من الْغَيْبَة فِي قَوْله: (مثل النَّاس) إِلَى الْخطاب فِي قَوْله: (بِحُجزِكُمْ) قَوْله: (بِحُجزِكُمْ) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم وبالزاي جمع حجزة وَهِي معقد الْإِزَار، وَمن السَّرَاوِيل مَوضِع التكة، وَيجوز ضم الْجِيم فِي الْجمع. قَوْله: (وهم يقتحمون
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ابن حبان» من طريق ربعيِّ بن (١) حِرَاش: «أنَّه كان نبَّاشًا للقبورِ يسرقُ أكفانَ الموتى». وعند أبي عَوَانة من حديثِ حذيفة (٢)، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق: «أنَّه آخر أهل الجنَّة دخولًا فيكون آخر من يخرجُ من النَّار» وفي «المصابيح»: أنَّه كان يقول: أجرني من النَّار، مقتصرًا على ذلك (فَقَالَ لأَهْلِهِ) وفي الآتية: «بَنِيْه» [خ¦٦٤٨١] (إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي (٣) فَذَرُّونِي) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، ثلاثيٌّ مضاعف، من التَّذرية، ولأبي ذرٍّ (٤) بضمِّها من الذَّرِّ (٥) وهو التَّفريق (فِي البَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ) حارٍّ، بحاء مهملة فألف فراء مشددة (فَفَعَلُوا بِهِ) ذلك (فَجَمَعَهُ اللهُ) ﷿ (ثُمَّ قَالَ) تعالى له (٦): (مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي) عليهِ (إِلَّا مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ).
والحديثُ سبق في ذكر «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٢].
٦٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضم الميم وسكون العين المهملة بعدها فوقية مفتوحة فميم مكسورة فراء، قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمانَ التَّيميَّ
يقول: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ) الأزديِّ العَوْذِيِّ، أبي نهارٍ (١) البصريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «الخدريِّ» (﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (ذَكَرَ رَجُلًا) فلم يُسمَّ (فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ) أي: من بني إسرائيل (أَوْ) قال: فيمن (٢) كان (قَبْلَكُمْ) بالشَّكِّ من الرَّاوي عن قتادة (آتَاهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا) بمدِّ آتاه (يَعْنِي: أَعْطَاهُ) الله، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «مالًا». قال في «الفتح»: ولا معنى لإعادةِ «مالًا» بمفردها (قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ) بضم الحاء المهملة، أي: حضرهُ أوان الموت (قَالَ لِبَنِيهِ (٣): أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟) بنصب «أيَّ» خبر كان تقدَّم وجوبًا للاستفهام، وسقط لفظ «لكم» لغير أبي ذرٍّ (قَالُوا): كنت (خَيْرَ أَبٍ) ويجوز الرفعُ، أي: أنت خيرُ أبٍ (قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ) بفتح التحتية وسكون الموحدة بعدها فوقية مفتوحة فهمزة مكسورة فراء (عِنْدَ اللهِ خَيْرًا (٤). فَسَّرَهَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، أي: (لَمْ يَدَّخِرْ) عند الله خيرًا (وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللهِ) بفتح التَّحتية وسكون القاف وفتح المهملة مجزومٌ على الشَّرطيَّة (يُعَذِّبْهُ) بالجزم أيضًا، جزاءَهُ (فَانْظُرُوا فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي) بهمزة قطع (حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا، فَاسْحَقُونِي) بالحاء المهملة والقاف (-أَوْ قَالَ: فَاسْهَكُونِي-) بالهاء والكاف بدلهما بالشَّكِّ من الرَّاوي، قيل: والسَّحق: الدَّقُّ ناعمًا، والسَّهك دونه (ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «حتَّى» (إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِي) بقطع الهمزة المفتوحة في الفرعِ كأصله من الثُّلاثي المزيد، أي: طيِّروني (فِيهَا، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ) عهودَهم (عَلَى) أن يفعلوا به (ذَلِكَ) أي: الَّذي قال لهم (وَرَبِّي) أي: قال لمن أوصاهُ: قل ورَبِّي لأفْعَلَنَّ (٥) ذلك، أو هو قَسَمٌ من المُخبر بذلك عنهم ليصحَّ خبره، وفي مسلم: «ففعلوا به ذلك ورَبِّي» فتعيَّن أنَّه قَسَمٌ من المخبر (فَفَعَلُوا) به ما قال لهم (فَقَالَ اللهُ) تعالى له: (كُنْ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ) مبتدأٌ وخبرٌ، وجاز وقوع المبتدأ نكرةً
محضةً بعد «إذا» المفاجأة؛ لأنَّها من القرائنِ الَّتي تتحصَّل بها الفائدةُ، كقولك: انطلقتُ فإذا سَبُعٌ في الطَّريق، قاله ابن مالك (ثُمَّ قَالَ) الله تعالى له: (أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ) من أمركَ بَنِيْكَ بإحراقكَ (١) وتذريتك (قَالَ): حملَني عليه (مَخَافَتُكَ -أَوْ: فَرَقٌ) بفتح الراء، خوفٌ (مِنْكَ-) شكَّ الرَّاوي (٢) أيَّ اللَّفظين قال (فَمَا تَلَافَاهُ) بالفاء، أي: تداركه (أَنْ ﵀ سقطتِ الجلالة لأبي ذرٍّ.
واستُشْكل إعرابُه (٣)؛ إذ مفهومُه عكس المقصود. وأُجيب بأنَّ «ما» موصولةٌ، أي: الذي تلافاهُ هو الرَّحمة، أو نافية، وأداة الاستثناء محذوفةٌ لقيام القرينة، كما هو رأيُ السُّهيليِّ، أي: فما تداركه إلَّا بأنْ رحمه.
قال سليمان التَّيميُّ أو قتادة: (فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديَّ (فَقَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ) الفارسيَّ، أي: يُحدِّث عن النَّبيِّ ﷺ بمثل هذا الحديث (غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: فَأَذْرُونِي فِي البَحْرِ) بهمزة قطع مفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «فاذروني» بهمزة وصل. يقال: ذرتِ الرِّيحُ التُّرابَ وغيرَه ذَرْوًا وأَذْرَتْهُ (٤) وذَرَّتْهُ (٥) أطارتْه وأذهبتْهُ. وقال في «المشارق»: يقال: ذريْتَ الشَّيء وذروتهُ ذريًا وذروًا، وأذريْتُ أيضًا رباعيٌّ، وذرَّيت -بالتَّشديد- إذا بدَّدته وفرَّقته، وقيل: إذا طرحتَه مقابل الرِّيح كذلك (أَوْ كَمَا حَدَّثَ) شكَّ الرَّاوي، يريد أنَّه بمعنى حديثِ أبي سعيدٍ لا بلفظه كلِّه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمَسَاجِد، ووردت أَحَادِيث فِي الْبكاء. مِنْهَا: حَدِيث أَسد بن مُوسَى عَن عمرَان بن يزِيد عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك مَرْفُوعا: (أَيهَا النَّاس ابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا، فَإِن أهل النَّار يَبْكُونَ فِي النَّار حَتَّى تسيل دموعهم فِي وُجُوههم كَأَنَّهَا جداول ثمَّ تقطع الدُّمُوع وتسيل الدِّمَاء فتقرح الْعُيُون، فَلَو أَن السفن أجريت فِيهَا لجرت) .
٥٢ - (بابُ الخَوْفِ مِنَ الله تَعَالَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شدَّة الاعتناء بالخوف من الله عز وَجل، وَالْخَوْف من لَوَازِم الْإِيمَان قَالَ الله تَعَالَى: {وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين} (آل عمرَان: ٥٧١) .
٠٨٤٦ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ ربْعِيٍّ عنْ حُذَيْفَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (كانَ رَجُلٌ ممَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِىءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأهْلِهِ: إِذا أَنا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي البَحْرِ فِي يَوْمٍ صائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ الله، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلنِي إلاّ مَخافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٢٥٤٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالراء المخففة والشين الْمُعْجَمَة، وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان. وَرِجَال السَّنَد كلهم كوفيون.
والْحَدِيث مُضِيّ فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز وَفِي الرَّقَائِق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير.
قَوْله: (مِمَّن كَانَ قبلكُمْ) يَعْنِي: من بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (يسيء الظَّن بِعَمَلِهِ) يَعْنِي بِعَمَلِهِ الَّذِي كَانَ مَعْصِيّة، وَكَانَ نباشاً. قَوْله: (فذروني فِي الْبَحْر) بِضَم الذَّال من الذَّر وَهُوَ التَّفْرِيق، يُقَال: ذررت الْملح أذره، ويروى بِفَتْح الذَّال من التذرية، يُقَال: ذرت الرّيح الشَّيْء وأذرته وذرته أَي: أطارته وأذهبته، ويروى: أذروني بِهَمْزَة قطع وَسُكُون الذَّال من: أذرت الْعين دمعها، وَمِنْه: تَذْرُوهُ الرِّيَاح. قَوْله: (فِي يَوْم صَائِف) أَي: حَار بتَشْديد الرَّاء من الْحَرَارَة، وَرُوِيَ للمروزي والأصيلي: فِي يَوْم حَاز، بالزاي الثَّقِيلَة بِمَعْنى أَنه يحز الْبدن لشدَّة حره، وَرُوِيَ لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: فِي يَوْم حَار، بالراء كَمَا ذكرنَا أَولا، وَكَذَا رُوِيَ لكريمة عَن الْكشميهني وَذكر بَعضهم رِوَايَة الْمروزِي بنُون بدل الزَّاي، وَقَالَ ابْن فَارس: الحون ريح يحن كحنين الْإِبِل.
١٨٤٦ - حدّثنا مُوسى احدثنا: مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أبي حَدثنَا قَتادَةُ عنْ عُقْبَةَ بنِ عَبْدِ الغافِرِ عنْ أبي سَعِيدٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ أَو قَبْلكُمْ (آتاهُ الله مَالا وَوَلَداً يَعْنِي: أعْطاهُ مَالا وَوَلداً {قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أيَّ أبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قالُوا: خَيْرَ أَب قَالَ: فإنَّهُ لَمْ يَبْتَئرْ عِنْدَ الله خَيْراً فَسَرَّهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ وإنْ يَقْدَمْ على الله يُعَذِّبْهُ فانْظُرُوا فَإِذا مُتُّ فأحْرِقُونِي حتَّى إِذا صِرْتُ فَحْماً فاسْحَقُونِي أَو قَالَ: فاسْهَكُونِي ثُمَّ إِذا كانَ رِيحٌ عاصِفٌ فأذْرُونِي فِيهَا، فأخذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلى ذالِكَ ورَبِّي، فَفَعَلُوا فَقَالَ الله: كُنْ، فَإِذا رَجُلٌ قائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أيْ عَبْدِي} مَا حَمَلَكَ عَلى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ أوْ فَرَقٌ مِنْكَ فَمَا تَلافاهُ أنْ رَحِمَهُ الله.
فَحَدَّثْتُ أَبَا عثْمانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ سلْمانَ غَيْرَ أنَّهُ زادَ: فأذْرُونِي فِي البَحْرِ، أَو كَمَا حَدَّثَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧٤٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مخافتك) ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، ومعتمر يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن عبد الغافر أَبُو نَهَار الْأَزْدِيّ العوذي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مر فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن أبي الْوَلِيد وَيحيى فِي التَّوْحِيد عَن عبد الله بن أبي الْأسود. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عبيد الله بن معَاذ وَغَيره.
قَوْله: (أَو قبلكُمْ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (يَعْنِي: أعطَاهُ مَالا) ، هَذَا تَفْسِير لقَوْله: (آتَاهُ الله) وَهُوَ بِالْمدِّ بِمَعْنى: أعطَاهُ وبالقصر بِمَعْنى الْمَجِيء. قَوْله: (مَالا) بعد قَوْله: (أعطَاهُ) رِوَايَة الْكشميهني، وَلَا معنى لإعادة لفظ: مَالا، وَفِي رِوَايَة غَيره: أعطَاهُ، بِلَا ذكر مَالا. (فَلَمَّا حضر) بِضَم الْحَاء وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: فَلَمَّا حَضَره أَوَان الْمَوْت. قَوْله: (خير أَب) بِالنّصب أَي: كنت خير أَب، وبالرفع أَي: أَنْت خير أَب. قَوْله: (لم يبتئر) من الابتئار افتعال من الْبَار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَمَعْنَاهُ لم يدّخر وَلم يخبأ، هَكَذَا فسره قَتَادَة، وَأَصله من البئيرة بِمَعْنى الذَّخِيرَة والخبيئة، قَالَ أهل اللُّغَة: بارت الشَّيْء وابتأرته إبارة وابتئره إِذا خبأته، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: لم يأبتر، بِتَقْدِيم الْهمزَة على الْبَاء الْمُوَحدَة حَكَاهُ عِيَاض وَمَعْنَاهُ: لم يقدم خيرا يُقَال: بأرته وابتارته، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَوَقع فِي التَّوْحِيد فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: لم يبتئر أَو لم يبتئر بِالشَّكِّ فِي الزَّاي أَو الرَّاء، وَفِي رِوَايَة الْجِرْجَانِيّ بنُون بدل الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالزَّاي، قيل: كِلَاهُمَا غير صَحِيح، ويروى فِي غير البُخَارِيّ: يبتهر، بِالْهَاءِ بدل الْهمزَة وبالراء ويمتئر بِالْمِيم بدل الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء. قَوْله: (وَإِن يقدم على الله يعذبه) كَذَا هُنَا بِسُكُون الْقَاف وَفتح الدَّال من الْقدوم وَهُوَ بِالْجَزْمِ على الشّرطِيَّة، وَكَذَا يعذبه بِالْجَزْمِ لِأَنَّهُ جَزَاء، وَالْمعْنَى أَنه إِن بعث يَوْم الْقِيَامَة على هَيئته يعرفهُ كل أحد، فَإِذا صَار رَمَادا مبثوثاً فِي المَاء أَو الرّيح لَعَلَّه يخفى. وَوَقع فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي خَيْثَمَة عَن جرير بِسَنَد حَدِيث الْبَاب: فَإِنَّهُ إِن يقدر عَليّ رَبِّي لَا يغْفر لي، وَكَذَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: لَئِن قدر الله عَليّ، قيل: كَيفَ غفر لهَذَا الَّذِي أوصى بِهَذِهِ الْوَصِيَّة وَقد جهل قدرَة الله على إحيائه؟ . وَأجِيب: بِأَن النَّاس اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقيل: أما عَفْو الله عَمَّا كَانَ مِنْهُ فِي أَيَّام صِحَّته من الْمعاصِي فلندمه عَلَيْهَا وتوبته مِنْهَا عِنْد مَوته، وَلذَلِك أَمر وَلَده بإحراقه وتذريته فِي الْبر وَالْبَحْر خشيَة من عَذَاب ربه والندم تَوْبَة.
قلت: فِيهِ نظر، لِأَن كَون النَّدَم تَوْبَة إِنَّمَا هُوَ لهَذِهِ الْأمة، أَلا يُرى مَا حكى الله عَن قابيل بقوله: {فاصبح من النادمين} (الْمَائِدَة: ١٣) فَلم يكن ندمه تَوْبَة، وَقيل: إِن معنى قَوْله: إِن قدر الله على الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ الْعَجز وَإنَّهُ كَانَ عِنْده أَنه إِذا أحرق وذري أعجز ربه عَن إحيائه، فَهُوَ على أَنه غفر لَهُ لجهله بِالْقُدْرَةِ لِأَنَّهُ لم يكن تقدم فِي ذَلِك الزَّمَان أَنه لَا يغفرالشرك بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل على أَن ذَلِك غير جَائِز فِي حِكْمَة الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا نقُول: لَا يجوز أَن يغْفر الشّرك بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: ٨٤ و ٦١١) . وَأما جَوَاز غفران الله ذَلِك فلفضله الْأَعَمّ وغنائه الأتم لِأَنَّهُ لَا يضرّهُ كفر كَافِر وَلَا يَنْفَعهُ إِيمَان مُؤمن. وَقيل: معنى أَن قدر الله عَليّ أَن ضيق على كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه} (الطَّلَاق: ٧) أَي: ضيق وَلم يرد بذلك وصف خالقه بِالْعَجزِ عَن إِعَادَته، وَقيل: إِنَّمَا غفر لَهُ لِأَنَّهُ غلب على فهمه من الْجزع الَّذِي كَانَ لحقه من خوف الله وعذابه فيعذر، وَمثل هَذَا إِنَّمَا يكون كفرا مِمَّن يقْصد بِهِ الْكفْر وَهُوَ يعقل مَا يَقُول، وَقيل: غفر لَهُ بِأَصْل توحيده الَّذِي لَا تضر مَعَه مَعْصِيّة، وعزى ذَلِك إِلَى المرجئة. قَوْله: (فأحرقوني) وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ فِي بني إِسْرَائِيل فاجمعوا لي حطباً كثيرا ثمَّ أوروا نَارا حَتَّى إِذا أكلت لحمي وخلصت إِلَى عظمي فخذوها واطحنوها. قَوْله: (فاستحقوني) من السحق وَهُوَ دق الشَّيْء نَاعِمًا، أَو قَالَ: (فاسهكوني) ، شكّ من الرَّاوِي من السهك. قَالُوا: السحق والسهك بِمَعْنى وَاحِد. وَقيل السهك ونه وَهُوَ أَن يفت الشَّيْء أَو يدق قطعا صغَارًا. قَوْله: (فاذروني) يَصح أَن يقْرَأ مَوْصُول الْألف من ذرأت الشَّيْء فرقته، وَيصِح أَن يكون أَصله من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ فَيقطع الْهمزَة من قَوْلهم: أذرت الْعين دمعها، وأذريت الرجل عَن فرسه أَي: رميته. وَقَالَ ابْن التِّين: قرأناه بِقطع الْهمزَة. قَوْله: (فَأَخذه مواثيقهم) جمع مِيثَاق وَهُوَ الْعَهْد. قَوْله: (وربي) هُوَ على الْقسم عَن الْمخبر بذلك عَنْهُم لتصحيح خَبره، وَيحْتَمل أَن يكون حِكَايَة الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه، أَي: قَالَ لمن أوصاه: قل: وربي لافعلن ذَلِك، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : فَأخذ مِنْهُم ميثاقاً فَفَعَلُوا ذَلِك، وربي قَالَ القَاضِي عِيَاض. وَفِي بعض نسخه. فَفَعَلُوا ذَلِك وذرى، قَالَ: فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة فَهِيَ وَجه الْكَلَام وَلَعَلَّ الذَّال سَقَطت لبَعض النساخ وَتَابعه الْبَاقُونَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ البُخَارِيّ يحْتَمل أَن يكون بِصِيغَة الْمَاضِي من التربية. أَي: رَبِّي أَخذ المواثيق والمبايعات لكنه مَوْقُوف على الرِّوَايَة، وَقَالَ بَعضهم: وَأبْعد الْكرْمَانِي ثمَّ نقل ذَلِك عَنهُ.
قلت: مَا جزم بذلك حَتَّى يُقَال فِيهِ: وَأبْعد، وَإِنَّمَا قيد بِصِحَّة الرِّوَايَة
مَعَ الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره. قَوْله: (فَإِذا رجل قَائِم) وَقع الْمُبْتَدَأ هُنَا نكرَة لِأَن وُقُوعه هُنَا بعد إِذا، المفاجأة من المخصصات كَمَا فِي قَوْلك: خرجت فَإِذا سبع. قَوْله: (أَي عَبدِي) يَعْنِي: يَا عَبدِي. قَوْله: (أَو فرق) هُوَ شكّ من الرَّاوِي وَهُوَ بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وبالقاف الْخَوْف. قَوْله: (فَمَا تلافاه أَن رَحمَه) كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: الَّذِي تلافاه أَي: تَدَارُكه بِأَن رَحمَه، أَي: بِالرَّحْمَةِ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي تلافاه يرجع إِلَى عمل الرجل وَيجوز أَن يكون: مَا، نَافِيَة، وَكلمَة الِاسْتِثْنَاء محذوفة على مَذْهَب من يجوز حذفهَا، أَي: مَا تلافاه إلَاّ أَن رَحمَه.
قَوْله: (فَحدثت أَبَا عُثْمَان) قَالَ الْكرْمَانِي: الْقَائِل: بحدثت، قَتَادَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سُلَيْمَان وَالِد الْمُعْتَمِر.
قلت: الَّذِي يظْهر أَن قَول الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب فَلْينْظر فِيهِ، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو عُثْمَان: قَوْله: (سَمِعت هَذَا من سلمَان) أَي: الْفَارِسِي، وَحذف المسموع مِنْهُ الَّذِي اسْتثْنى مِنْهُ مَا ذكر، وَالتَّقْدِير: سَمِعت سلمَان يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمثل هَذَا الحَدِيث، غير أَنه زَاد قَوْله: (أَو كَمَا حدث) شكّ من الرَّاوِي يُشِير بِهِ إِلَى أَنه معنى حَدِيث أبي سعيد لَا بِلَفْظِهِ كُله.
وَقَالَ مُعاذٌ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتادَةَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ سَمعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
أَي: قَالَ معَاذ بن التَّمِيمِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم: حَدثنِي عبيد الله بن معَاذ الْعَنْبَري حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة سمع عقبَة بن عبد الغافر يَقُول، سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن رجلا فِيمَن كَانَ قبلكُمْ راشه الله مَالا وَولدا، فَقَالَ لوَلَده: لتفعلن مَا آمركُم بِهِ أَو لأولين ميراثي غَيْركُمْ، إِذا أَنا مت فأحرقوني، وأكبر علمي أَنه قَالَ: ثمَّ اسحقوني فاذروني فِي الرّيح، فَإِنِّي لم ابتهر عِنْد الله خيرا، وَأَن الله يقدر على أَن يُعَذِّبنِي. قَالَ: فَأخذ مِنْهُم ميثاقاً فَفَعَلُوا ذَلِك بِهِ وربي، فَقَالَ الله: مَا حملك على مَا فعلت؟ قَالَ: مخافتك، فَمَا تلافاه غَيرهَا. انْتهى. أَي: مَا تَدَارُكه غير المخافة.
٦٢ - (بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي أَي: تَركهَا أصلا. والإعراض عَنْهَا بعد الْوُقُوع فِيهَا.
حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَثَلِي ومَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فَقَالَ: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أَنا النذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِنْذَار عَن الْوُقُوع فِي الْمعاصِي والانتهاء عَنْهَا.
وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب أَبُو كريب الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وبريد هَذَا يرْوى عَن جده أبي بردة بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَوْله: (مثلي) الْمثل بِفتْحَتَيْنِ الصّفة العجيبة الشَّأْن يوردها البليغ على سَبِيل الشّبَه لإِرَادَة التَّقْرِيب والتفهيم.
قَوْله: (وَمثل مَا بَعَثَنِي الله) الْعَائِد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إِلَيْكُم. قَوْله: (قوما) التنكير فِيهِ للشيوع. قَوْله: (الْجَيْش) اللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (بعيني) بالتثنية وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (وَأَنا النذير الْعُرْيَان) أَي: الْمُنْذر الَّذِي تجرد عَن ثَوْبه وَأَخذه يرفعهُ ويديره حول رَأسه، علاماً لِقَوْمِهِ بالغارة. وَقَالَ ابْن بطال: النذير الْعُرْيَان رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ رجل يَوْم ذِي الخلصة فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته فَانْصَرف إِلَى قومه فَحَذَّرَهُمْ فَضرب بِهِ الْمثل فِي تحقق الْخبز. وَقَالَ ابْن السّكيت: اسْم الرجل الَّذِي حمل عَلَيْهِ عَوْف بن عَامر الْيَشْكُرِي، وَالْمَرْأَة كَانَت من بني كنَانَة، وتنزيل هَذِه الْقِصَّة على لفظ الحَدِيث بعيد لِأَنَّهُ لَيْسَ
فِيهَا أَنه كَانَ عُريَانا. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا مثل قديم، وَذَلِكَ أَن رجلا لَقِي جَيْشًا فجردوه وعروه، فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني وَإِنِّي أَنا النذير لكم وتروني عُريَانا جردني الْجَيْش فالنجاء النَّجَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: ضرب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل لأمته لِأَنَّهُ تجرد لإنذارهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن خَالِد: العربان، بباء مُوَحدَة فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه صَحِيح وَهُوَ الفصيح بالإنذار لَا يكنى وَلَا يورى، يُقَال: رجل عربان أَي: فصيح اللِّسَان، من: أعرب الرجل عَن حَاجته إِذا أفْصح عَنْهَا. قَوْله: (فالنجاء) بِالنّصب مفعول مُطلق فِيهِ إغراء أَي: اطْلُبُوا النَّجَاء بِأَن تسرعوا الْهَرَب لأنكم لَا تطيقون مقاومة ذَلِك الْجَيْش، (والنجاء) الثَّانِي تَأْكِيد وَكِلَاهُمَا ممدودان، وَجَاء الْقصر فيهمَا تَخْفِيفًا وَجَاء مد الأول وَقصر الثَّانِي. قَوْله: (فأدلجوا) من الإدلاج من بَاب الإفعال وَهُوَ السّير أول اللَّيْل، أَو كل اللَّيْل على الِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ، وهمزته همزَة قطع، وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْله: (فأدلجوا) بتَشْديد الدَّال قلت لَا يَسْتَقِيم هَذَا هُنَا لِأَن الادلاج بِالتَّشْدِيدِ هُوَ السّير آخر اللَّيْل فَلَا يُنَاسب هَذَا الْمقَام وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (على مهلهم) بِفتْحَتَيْنِ أَي: على السكينَة والتأني، وَأما الْمهل بِسُكُون الْهَاء فَمَعْنَاه الْإِمْهَال فَلَا يُنَاسب هُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مهلتهم، قَوْله: (فنجوا) لأَنهم أطاعوا النذير وَسَارُوا من أول اللَّيْل فنجوا. قَوْله: (فصبحهم الْجَيْش) أَي: أتوهم صباحاً، هَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِيمَن يطْرق بَغْتَة فِي أَي وَقت كَانَ. قَوْله: (فاجتاحهم) بجيم ثمَّ بحاء مُهْملَة أَي: استأصلهم، من جحت الشَّيْء أجوحه إِذا استأصلته، وَمِنْه الْجَائِحَة وَهِي الْهَلَاك.
٦٢ - (بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي أَي: تَركهَا أصلا. والإعراض عَنْهَا بعد الْوُقُوع فِيهَا.
حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَثَلِي ومَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فَقَالَ: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أَنا النذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِنْذَار عَن الْوُقُوع فِي الْمعاصِي والانتهاء عَنْهَا.
وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب أَبُو كريب الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وبريد هَذَا يرْوى عَن جده أبي بردة بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَوْله: (مثلي) الْمثل بِفتْحَتَيْنِ الصّفة العجيبة الشَّأْن يوردها البليغ على سَبِيل الشّبَه لإِرَادَة التَّقْرِيب والتفهيم.
قَوْله: (وَمثل مَا بَعَثَنِي الله) الْعَائِد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إِلَيْكُم. قَوْله: (قوما) التنكير فِيهِ للشيوع. قَوْله: (الْجَيْش) اللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (بعيني) بالتثنية وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (وَأَنا النذير الْعُرْيَان) أَي: الْمُنْذر الَّذِي تجرد عَن ثَوْبه وَأَخذه يرفعهُ ويديره حول رَأسه، علاماً لِقَوْمِهِ بالغارة. وَقَالَ ابْن بطال: النذير الْعُرْيَان رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ رجل يَوْم ذِي الخلصة فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته فَانْصَرف إِلَى قومه فَحَذَّرَهُمْ فَضرب بِهِ الْمثل فِي تحقق الْخبز. وَقَالَ ابْن السّكيت: اسْم الرجل الَّذِي حمل عَلَيْهِ عَوْف بن عَامر الْيَشْكُرِي، وَالْمَرْأَة كَانَت من بني كنَانَة، وتنزيل هَذِه الْقِصَّة على لفظ الحَدِيث بعيد لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنه كَانَ عُريَانا. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا مثل قديم، وَذَلِكَ أَن رجلا لَقِي جَيْشًا فجردوه وعروه، فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني وَإِنِّي أَنا النذير لكم وتروني عُريَانا جردني الْجَيْش فالنجاء النَّجَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: ضرب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل لأمته لِأَنَّهُ تجرد لإنذارهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن خَالِد: العربان، بباء مُوَحدَة فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه صَحِيح وَهُوَ الفصيح بالإنذار لَا يكنى وَلَا يورى، يُقَال: رجل عربان أَي: فصيح اللِّسَان، من: أعرب الرجل عَن حَاجته إِذا أفْصح عَنْهَا. قَوْله: (فالنجاء) بِالنّصب مفعول مُطلق فِيهِ إغراء أَي: اطْلُبُوا النَّجَاء بِأَن تسرعوا الْهَرَب لأنكم لَا تطيقون مقاومة ذَلِك الْجَيْش، (والنجاء) الثَّانِي تَأْكِيد وَكِلَاهُمَا ممدودان، وَجَاء الْقصر فيهمَا تَخْفِيفًا وَجَاء مد الأول وَقصر الثَّانِي. قَوْله: (فأدلجوا) من الإدلاج من بَاب الإفعال وَهُوَ السّير أول اللَّيْل، أَو كل اللَّيْل على الِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ، وهمزته همزَة قطع، وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْله: (فأدلجوا) بتَشْديد الدَّال قلت لَا يَسْتَقِيم هَذَا هُنَا لِأَن الادلاج بِالتَّشْدِيدِ هُوَ السّير آخر اللَّيْل فَلَا يُنَاسب هَذَا الْمقَام وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (على مهلهم) بِفتْحَتَيْنِ أَي: على السكينَة والتأني، وَأما الْمهل بِسُكُون الْهَاء فَمَعْنَاه الْإِمْهَال فَلَا يُنَاسب هُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مهلتهم، قَوْله: (فنجوا) لأَنهم أطاعوا النذير وَسَارُوا من أول اللَّيْل فنجوا. قَوْله: (فصبحهم الْجَيْش) أَي: أتوهم صباحاً، هَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِيمَن يطْرق بَغْتَة فِي أَي وَقت كَانَ. قَوْله: (فاجتاحهم) بجيم ثمَّ بحاء مُهْملَة أَي: استأصلهم، من جحت الشَّيْء أجوحه إِذا استأصلته، وَمِنْه الْجَائِحَة وَهِي الْهَلَاك.
٣٨٤٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ حَدَّثَه أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقولُ: (إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُل اسْتَوْقَدَ نارَاً، فَلمَّا أضاءَتْ مَا حَوْلهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهاذِهِ الدَّوابُّ الَّتي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيها، فَجَعَلَ يَنْزعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحمْنَ فِيها، فَأَنا آخذ بِحُجَزكمْ عنِ النَّارِ وهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيها) (انْظُر الحَدِيث ٦٢٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ منع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاهُم عَن الْإِتْيَان بِالْمَعَاصِي الَّتِي تؤديهم إِلَى الدُّخُول فِي النَّار.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم ب نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ الْأَعْرَج.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب قَول الله {وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان} (ص: ٠٣) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا السَّنَد عَن أبي الْيَمَان إِلَى قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ تقع فِي النَّار) ثمَّ اخْتَصَرَهُ وَذكر حَدِيثا آخر. قَوْله: (استوقد) بِمَعْنى: أوقد، وَلَكِن استوقد أبلغ. قَوْله: (أَضَاءَت) من الإضاءة وَهِي فرط الإنارة. قَوْله: (الْفراش) بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالشين الْمُعْجَمَة جمع الفراشة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ صغَار البق، وَقيل: هِيَ مَا يتهافت فِي النَّار من الطيارات.
قلت: هَذَا أصح من الأول، وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيرهَا: إِنَّهَا كغوغاء الْجَرَاد يركب بعضه بَعْضًا. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ دَوَاب مثل البعوض واحدتها فراشة، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هِيَ ببعوض وَلَا ذُبَاب، وَقَالَ أَبُو نصر: هِيَ الَّتِي تطير وتتهافت فِي السراج، وَفِي (مجمع الغرائب) : هِيَ مَا تتهافت فِي النَّار من الطيارات، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ طَائِر فَوق البعوض. قَوْله: (يقعن) خبر قَوْله: (جعل الْفرش) قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ الَّتِي تقع فِي النَّار) جملَة مُعْتَرضَة وَأَشَارَ بهَا إِلَى تَفْسِير الْفراش. قَوْله: (فَجعل) بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الرجل. قَوْله: (ينزعهن) بِفَتْح الْيَاء وَالزَّاي وَضم الْعين الْمُهْملَة أَي: يدفعهن، ويروى: يزعهن، بِلَا نون من وزعه يزعه وزعاً، فَهُوَ وازع إِذا كَفه وَمنعه. قَوْله: (فيقتحمن) من الاقتحام وَهُوَ الهجوم على الشَّيْء، يُقَال: قحم فِي الْأَمر أَي: رمى بِنَفسِهِ فِيهِ فَجْأَة، واقحمته فاقتحم، وَيُقَال: اقتحم الْمنزل إِذا هجم. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي النَّار. قَوْله: (فَأَنا آخذ) قَالَ النَّوَوِيّ: رُوِيَ باسم الْفَاعِل، ويروى بِصِيغَة الْمُضَارع من الْمُتَكَلّم، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْفَاء فِيهِ فصيحة كَأَنَّهُ لما قَالَ: (مثلي وَمثل النَّاس)
إِلَى آخِره، أَتَى بِمَا هُوَ أهم، وَهُوَ قَوْله: (فَأَنا آخذ بِحُجزِكُمْ) وَمن هَذِه الدقيقة الْتفت من الْغَيْبَة فِي قَوْله: (مثل النَّاس) إِلَى الْخطاب فِي قَوْله: (بِحُجزِكُمْ) قَوْله: (بِحُجزِكُمْ) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم وبالزاي جمع حجزة وَهِي معقد الْإِزَار، وَمن السَّرَاوِيل مَوضِع التكة، وَيجوز ضم الْجِيم فِي الْجمع. قَوْله: (وهم يقتحمون