الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6978
الحديث رقم 6978 من كتاب «كتاب الحيل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب في الهبة والشفعة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٩٧٨ - حَدَّثَنَا
⦗٢٨⦘
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ :
أفاد الحديث أن رجلًا رمى ابنه بسيف فأصابه فنزف حتى مات؛ فقال له أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه : لولا أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إنه لا يقتص من الوالد بسبب قتله لولده لقتلتك قبل أن تغادر مكانك، مما يدل على أن القصاص بين الوالد وولده مستثنى من عموم النصوص التي فيها القصاص بين كل اثنين قتل أحدهما الأخر عمدًا عدوانًا، لأن الوالد سبب وجود الولد وهو جزؤه فلا يقتل به، وهذا قول جمهور أهل العلم.
لكن عليه الدية كما ورد في رواية لهذا الحديث أن عمر أخذ منه الدية، وحسنه الألباني.
درجة الحديث: صحيح بطرقه وشواهده
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٩٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) الطَّائفيِّ، نزل مكَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثَّقفيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) أسلمَ مَولى رسولِ الله ﷺ (أَنَّ سَعْدًا) هو: ابنُ أبي وقَّاص (سَاوَمَهُ بَيْتًا بِأَرْبَعِ مِئَةِ مِثْقَالٍ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) بالصاد المهملة (لَمَا) بفتح اللام وتخفيف الميم، ولأبي ذرٍّ: «بسقبه -بالسين بدل الصاد- ما» بإسقاط اللام (أَعْطَيْتُكَ) بحذف ضمير المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أعطيتُكَه».
(وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) الإمامُ أبو حنيفة ﵀: (إِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ) ما اشتراه (لاِبْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ) في تحقُّق (١) الهبةِ، ولا في جَريان شروطها، وقيِّد بالصَّغير؛ لأنَّ الهبةَ لو كانت للكبيرِ وجب عليه اليمين، فتحيَّل (٢) في إسقاطها بجعلِها للصَّغير، ولو وهب لأجنبيٍّ فللشَّفيع أن يحلِّفَ الأجنبيَّ أنَّ الهبةَ حقيقةٌ، وأنَّها جرَتْ بشروطِها، والصَّغير لا يحلَّفُ.
(١٥) (باب) كراهيةِ (احْتِيَالِ العَامِلِ) الَّذي يتولَّى في مالهِ وغيره (لِيُهْدَى لَهُ) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بالشَّأْمِ، فأخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ أنَّ رسولَ الله قَالَ: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بأرْض فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وقَعَ بأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْه فَرَجعَ عُمَرُ مِنْ سَرْغَ
وعنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بن عَبْدِ الله: أنَّ عُمَرَ إنّما انْصَرَفَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمانِ.
انْظُر الحَدِيث ٥٧٢٩ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَإِذا وَقع بِأَرْض الخ.
وَعبد الله بن مسلمة القعْنبِي يروي عَن مَالك بن أنس عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة الْعَنزي حَيّ من الْيمن، ولد على عهد رَسُول الله وروى عَنهُ وَقبض النَّبِي وَهُوَ ابْن أَربع أَو خمس سِنِين، وَمَات فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ، وَقيل: خمس وَثَمَانِينَ، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي الصَّحَابَة وَقَالَ ولد سنة سِتّ من الْهِجْرَة روى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَغَيره، وَقد وعى عَن النَّبِي
والْحَدِيث مضى فِي الطِّبّ عَن عبد الله بن يُوسُف وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: خرج إِلَى الشَّام كَانَ خُرُوج عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى الشَّام فِي ربيع الثَّانِي سنة ثَمَانِي عشرَة. قَوْله: يسرغ بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة منصرف وَغير منصرف وَهِي قَرْيَة فِي طرف الشَّام مِمَّا يَلِي الْحجاز وَقَالَ الْبكْرِيّ: سرغ مَدِينَة بِالشَّام افتتحها أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هِيَ واليرموك والجابية والرمادة مُتَّصِلَة. قَوْله: أَن الوباء بِالْمدِّ وَالْقصر وَجمع الْمَقْصُور: أوباء، وَجمع الْمَمْدُود: أوبئة، وَهُوَ الْمَرَض الْعَام. قَوْله: فَلَا تقدمُوا بِفَتْح الدَّال، قيل: لَا يَمُوت أحد إلَاّ بأجله ولايتقدم وَلَا يتَأَخَّر، فَمَا وَجه النَّهْي عَن الدُّخُول وَالْخُرُوج؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم ينْه عَن ذَلِك حذرا عَلَيْهِ إِذْ لَا يُصِيبهُ إلَاّ مَا كتب عَلَيْهِ، بل حذرا من الْفِتْنَة فِي أَن يظنّ أَن هَلَاكه كَانَ من أجل قدومه عَلَيْهِ وَأَن سَلَامَته كَانَت من أجل خُرُوجه. وَفِي التَّوْضِيح وَلَا يتحيل فِي الْخُرُوج فِي تِجَارَة أَو زِيَارَة أَو شبههما نَاوِيا بذلك الْفِرَار مِنْهُ، وَيبين هَذَا الْمَعْنى قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ قَالَ: وَالْمعْنَى فِي النَّهْي عَن الْفِرَار مِنْهُ كَأَنَّهُ يفر من قدر الله وقضائه، وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ لأحد لِأَن قدره لَا يغلب.
قَوْله: وَعَن ابْن شهَاب مَوْصُول بِمَا قبله. قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله يَعْنِي: ابْن عمر بن الْخطاب، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن انصراف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من سرغ كَانَ من حَدِيث عبد الرحمان بن عَوْف، وَرُوِيَ أَن انْصِرَافه كَانَ من أبي عُبَيْدَة بن الْجراح، وَذَلِكَ أَنه لما اسْتقْبل عمر فَقَالَ: جِئْت بأصحاب رَسُول الله تدخلهم أَرضًا فِيهَا الطَّاعُون الَّذين هم أَئِمَّة يقْتَدى بهم؟ فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَة أشككت؟ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَأَنِّي يَعْقُوب إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ {لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد} فَقَالَ عمر: وَالله لأدخلنها. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَالله لَا تدْخلهَا، فَرده.
وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد، وَفِيه: أَنه يُوجد عِنْد بعض الْعلمَاء مَا لَيْسَ عِنْد أكبر مِنْهُ قيل. وَفِيه: دَلِيل على تقدم خبر الْوَاحِد على الْقيَاس وموضعه فِي كتب الْأُصُول.
حدّثنا أبُو اليَمانِ، حَدثنَا شُعَيْبٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، حَدثنَا عامِرُ بنُ سَعْدِ بنِ أبي وِقّاصٍ أنّهُ سَمعَ أُسامةَ بنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً أنَّ رسُولَ الله ذَكرَ الوَجَعَ فَقَالَ: رِجْزٌ أوْ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيّةٌ، فَيَذْهَبُ المَرَّةَ وَيَأْتِي الأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بأرْضٍ فَلا يَقْدَمَنَّ عَليْهِ، ومَنْ كانَ بأرْضٍ وقَعَ بهَا فَلَا يَخْرُجْ فِراراً مِنْهُ
انْظُر الحَدِيث ٣٤٧٣ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع.
والْحَدِيث مضى فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن مَالك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: ذكر الوجع أَي: الطَّاعُون. قَوْله: رجز بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا الْعَذَاب. قَوْله: أَو عَذَاب شكّ من الرَّاوِي قَوْله: فَيذْهب الْمرة أَي: لَا يكون دَائِما بل فِي بعض الْأَوْقَات. قَوْله: فَلَا يقدمن بِفَتْح الدَّال وبالنون الْمُؤَكّدَة الثَّقِيلَة.
١٤ - (بابٌ فِي الهِبَةِ والشُّفْعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيمَا يكره من الاحتيال فِي الرُّجُوع عَن الْهِبَة والاحتيال فِي إِسْقَاط الشُّفْعَة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ وَهَبَ هِبَةً ألْفَ دِرْهَمٍ أوْ أكْثَرَ حتَّى مَكُثَ عِنْدَهُ سِنينَ، واحْتال فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ الواهبُ فِيها فَلَا زَكاة على واحِدٍ مِنْهُما، فَخَالَف الرَّسولَ فِي الهبةِ وأسْقَطَ الزَّكاةَ.
أَرَادَ بِهِ التشنيع أَيْضا على أبي حنيفَة من غير وَجه لِأَن أَبَا حنيفَة فِي أَي مَوضِع قَالَ هَذِه الْمَسْأَلَة على هَذِه الصُّورَة بل الَّذِي قَالَه أَبُو حنيفَة هُوَ أَن الْوَاهِب لَهُ أَن يرجع فِي هِبته، وَلَكِن لصِحَّة الرُّجُوع قيود. الأول: أَن يكون أَجْنَبِيّا. وَالثَّانِي: أَن يكون قد سلمهَا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قبل التَّسْلِيم يجوز مُطلقًا. وَالثَّالِث: أَن لَا يقْتَرن بِشَيْء من الْمَوَانِع، وَهِي مَذْكُورَة فِي موضعهَا، وَاسْتدلَّ فِي جَوَاز الرُّجُوع بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا. أَي: مَا لم يعوض، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن أبي هُرَيْرَة. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَطاء عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ الْحَاكِم من حَدِيث سَالم بن عبد الله يحدث عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي قَالَ: من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهَا مَا لم يثب مِنْهَا. وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، فَكيف يحل أَن يُقَال فِي حق هَذَا الإِمَام الَّذِي علمه وزهده لَا يُحِيط بهما الواصفون أَنه خَالف الرَّسُول؟ وَكَيف خَالفه وَقد احْتج فِيمَا قَالَه بِأَحَادِيث هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من الصَّحَابَة الْكِبَار؟ وَأما الحَدِيث الَّذِي احْتج بِهِ مخالفوه وَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ الَّذِي يَأْتِي الْآن، وَرَوَاهُ أَيْضا الْجَمَاعَة غير التِّرْمِذِيّ: عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي قَالَ: الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه، فَلم يُنكره أَبُو حنيفَة بل عمل بِالْحَدِيثين مَعًا فَعمل بِالْحَدِيثِ الأول فِي جَوَاز الرُّجُوع وَبِالثَّانِي فِي كَرَاهَة الرُّجُوع، لَا فِي حرمه الرُّجُوع كَمَا زَعَمُوا، وَقد شبه النَّبِي رُجُوعه بِعُود الْكَلْب فِي قيئه، وَفعل الْكَلْب يُوصف بالقبح لَا بِالْحُرْمَةِ وَهُوَ يَقُول بِهِ لِأَنَّهُ مستقبح، وَلقَائِل أَن يَقُول: للقائل الَّذِي قَالَ: إِن أَبَا حنيفَة خَالف الرَّسُول: أَنْت خَالَفت الرَّسُول فِي الحَدِيث الَّذِي يحْتَج بِهِ على عدم الرُّجُوع لِأَن هَذَا الحَدِيث يعم منع الرُّجُوع مُطلقًا سَوَاء كَانَ الَّذِي يرجع مِنْهُ أَجْنَبِيّا أَو والداً لَهُ. فَإِن قلت: روى أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن طَاوس عَن ابْن عَمْرو بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي قَالَ: لَا يحل لرجل أَن يُعْطي عَطِيَّة أَو يهب هبة فَيرجع فِيهَا إلَاّ الْوَالِد فِيمَا يُعْطي وَلَده. قلت: هَذَا بِنَاء على أصلهم أَن للْأَب حق التَّمَلُّك فِي مَال الابْن لِأَنَّهُ جزؤه، فالتمليك مِنْهُ كالتمليك من نَفسه من وَجه قَوْله، واحتال فِي ذَلِك، فسره بَعضهم بقوله بِأَن تواطأ مَعَ الْمَوْهُوب لَهُ على ذَلِك. قلت: لم يقل أحد من أَصْحَاب أبي حنيفَة: إِن أَبَا حنيفَة أَو أحدا من أَصْحَابه قَالَ ذَلِك، وَإِنَّمَا هَذَا اخْتِلَاق لتمشية التشنيع عَلَيْهِم.
٦٩٧٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ أيُّوبَ السَّختِيانيِّ، عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النبيُّ العائِدُ فِي هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة.
قَوْله: وَلَيْسَ لنا مثل السوء أَي: الصّفة الرَّديئَة.
٦٩٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عَن أبي سَلَمَةَ، عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: إنّما جَعَلَ النبيُّ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذا وَقَعَت الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شفْعَةَ.
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي.
والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب وَعَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق وَفِيه وَفِي الشُّفْعَة وَفِي الشّركَة عَن مُسَدّد.
قَوْله: فِي كل مَا لم يقسم أَي: ملكا مُشْتَركا مشَاعا
بَين الشُّرَكَاء. قَوْله: وصرفت بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد أَي: منعت، وَقَالَ ابْن مَالك: أَي خلصت وَثبتت من الصّرْف وَهُوَ الْخَالِص، قَالَ: وَلَا شُفْعَة، لِأَنَّهُ صَار مقسوماً وَصَارَ فِي حكم الْجوَار وَخرج عَن الشّركَة، وَقد ذكرنَا فِيهِ من الْخلاف وَغَيره غير مرّة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ للْجِوارِ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فأبْطَلَهُ، وَقَالَ: إنِ اشْتَرَى دَارا فَخافَ أنْ يَأْخذَها الجارُ بِالشُّفْعَةِ فاشْتَرَى سَهْماً مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ ثُم اشْتَرَى الباقيَ وَكَانَ لِلْجارِ الشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأوَّلِ وَلَا شُفْعَةَ لهُ فِي باقِي الدَّارِ، ولهُ أنْ يَحْتالَ فِي ذالِكَ.
هَذَا تشنيع آخر على أبي حنيفَة. وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا خلاف بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد، فَأَبُو يُوسُف هُوَ الَّذِي يرى ذَلِك، وَقَالَ مُحَمَّد: يكره ذَلِك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. قَوْله: للجوار بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا وَهُوَ الْمُجَاورَة. قَوْله: ثمَّ عمد إِلَى مَا شدده بالشين الْمُعْجَمَة ويروى بِالْمُهْمَلَةِ وَأَرَادَ بِهِ إِثْبَات الشُّفْعَة للْجَار. قَوْله: فأبطله يَعْنِي أبطل مَا شدده وَيُرِيد بِهِ إِثْبَات التَّنَاقُض وَهُوَ أَنه قَالَ: الشُّفْعَة للْجَار ثمَّ أبْطلهُ حَيْثُ قَالَ فِي هَذِه الصُّورَة: لَا شُفْعَة للْجَار فِي بَاقِي الدَّار، وناقض كَلَامه. قلت: لَا تنَاقض هُنَا أصلا لِأَنَّهُ لما اشْترى سَهْما من مائَة سهم كَانَ شَرِيكا لمَالِكهَا، ثمَّ إِذا اشْترى مِنْهُ الْبَاقِي يصير هُوَ أَحَق بِالشُّفْعَة من الْجَار لِأَن اسْتِحْقَاق الْجَار الشُّفْعَة إِنَّمَا يكون بعد الشَّرِيك فِي نفس الدَّار وَبعد الشَّرِيك فِي حَقّهَا. قَوْله: إِن اشْترى دَارا أَي: إِذا أَرَادَ اشتراءها.
٦٩٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ الشَّرِيدِ قَالَ: جاءَ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى مَنْكِبي، فانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى سَعْدٍ فَقَالَ أبُو رافِعٍ لِلْمِسْوَر: أَلا تَأْمُرُ هاذا أنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي فِي دَاري؟ فَقَالَ: لَا أزِيدُهُ عَلى أرْبَعمِائَةٍ إمَّا مُقَطَّعَةٍ وإمَّا مُنَجَّمَةٍ. قَالَ: أُعْطِيتُ خمْسَمِائةٍ نَقْداً، فَمَنَعْتُهُ، ولوْلا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ يَقُولُ الجَارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا بِعْتُكَهُ. أوْ قَالَ: مَا أعْطَيْتُكَهُ.
قُلْتُ لِسُفْيانَ: إنَّ مَعْمَراً لَمْ يَقُلْ هاكذا، قَالَ: لاكِنَّهُ قَالَ لي هاكذا.
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَإِبْرَاهِيم بن ميسرَة ضد الميمنة الطَّائِفِي، وَعَمْرو بن الشريد بالشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة الثَّقَفِيّ، والمسور بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالواو ثمَّ بالراء ابْن مخرمَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ابْن نَوْفَل الْقرشِي ولد بِمَكَّة بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَقدم بِهِ الْمَدِينَة فِي عقب ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَقبض النَّبِي وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَسمع من النَّبِي وَحفظ عَنهُ، وَفِي حِصَار الْحصين بن نمير مَكَّة لقِتَال ابْن الزبير أَصَابَهُ حجر من حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر فَقتله، وَذَلِكَ فِي مستهل ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير بالحجون وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَأَبوهُ مخرمَة من مسلمة الْفَتْح وَهُوَ أحد الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَمِمَّنْ حسن إِسْلَامه مِنْهُم، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وخمسن وَقد بلغ مائَة سنة وَخمْس عشرَة سنة، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص وَهُوَ خَال الْمسور الْمَذْكُور، وَأَبُو رَافع مولى رَسُول الله واسْمه أسلم القبطي.
قَوْله: أَلا تَأمر هَذَا يَعْنِي: سعد بن أبي وَقاص، وَالْمرَاد أَنه يسْأَله أَو يُشِير عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه أَن الْأَمر لَا يشْتَرط فِيهِ الْعُلُوّ وَلَا الاستعلاء. قَوْله: بَيْتِي الَّذِي فِي دَاري كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَيْتِي اللَّذين، بالتثنية. قَوْله: إِمَّا مقطعَة
وَإِمَّا منجمة ويروى: مقطعَة أَو منجمة، بِالشَّكِّ من الرَّاوِي وَالْمرَاد أَنَّهَا مُؤَجّلَة على نقدات مفرقة، والنجم الْوَقْت الْمعِين الْمَضْرُوب. قَوْله: أَعْطَيْت على صِيغَة الْمَجْهُول وَالْقَائِل هُوَ أَبُو رَافع. قَوْله: بسقبه ويروى: بصقبه، بالصَّاد وبفتح الْقَاف وسكونها وَهُوَ الْقرب، يُقَال: سقبت دَاره بِالْكَسْرِ والمنزل سقب والساقب الْقَرِيب وَيُقَال للبعيد أَيْضا، جَعَلُوهُ من الأضداد. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي كتاب غَرِيب الحَدِيث الصقب بالصَّاد مَا قرب من الدَّار وَيجوز أَن يُقَال: سقب، بِالسِّين وَاسْتدلَّ بِهِ أَصْحَابنَا أَن للْجَار الشُّفْعَة بعد الخليط فِي نفس الْمَبِيع، وَهُوَ الشَّرِيك ثمَّ للخليط فِي حق الْمَبِيع كالشرب بِالْكَسْرِ وَالطَّرِيق، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي حَيْثُ لم يثبت الشُّفْعَة للْجَار. قَوْله: مَا بعتكه أَي: الشَّيْء، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: مَا بِعْتُك بِحَذْف الْمَفْعُول. قَوْله: أَو قَالَ: مَا أعطيتكه شكّ من الرَّاوِي، قيل: هُوَ سُفْيَان ويروى: مَا أَعطيتك، بِحَذْف الضَّمِير.
قَوْله: قلت لِسُفْيَان الْقَائِل هُوَ عَليّ بن عبد الله شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: أَن معمراً لم يقل هَكَذَا يُشِير بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه بِالْحَدِيثِ دون الْقِصَّة.
أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول أرضي لَيْسَ فِيهَا لأحد شرك وَلَا قسم إِلَّا الْجوَار، فَقَالَ: إِنَّمَا الْجَار أَحَق بسقبه مَا كَانَ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَهَذَا صَرِيح بِوُجُوب الشُّفْعَة لجوار لَا شركَة فِيهِ. انْتهى. قلت: الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ عداده فِي أهل الطَّائِف لَهُ صُحْبَة النَّبِي وَيُقَال: إِنَّه من حَضرمَوْت، وَيُقَال: إِنَّه من هَمدَان حَلِيف لثقيف، روى عَنهُ عَمْرو، وَالْمرَاد على هَذَا بالمخالفة إِبْدَال الصَّحَابِيّ بصحابي آخر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يُرِيد أَن معمراً لم يقل هَكَذَا أَي: إِن الْجَار أَحَق بِالشُّفْعَة، بِزِيَادَة لفظ: الشُّفْعَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن الَّذِي قَالَه لَا أصل لَهُ وَلم يعلم مُسْتَنده فِيهِ مَا هُوَ، بل لفظ معمر: الْجَار أَحَق بصقبه، كَرِوَايَة أبي رَافع سَوَاء. قَوْله: لكنه أَي: قَالَ سُفْيَان: لَكِن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة قَالَ لي هَكَذَا وَحكى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ: إِن الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ، وَالله أعلم.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاس: إِذا أرادَ أنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أنْ يَحْتَالَ حتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبُ البائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ ويَحُدُّها ويَدْفَعُها إلَيْهِ ويُعوِّضُهُ المُشْتري ألْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا يَكُون لِلشَّفِيعِ فِيها شُفْعَةٌ.
هَذَا تشنيع على الْحَنَفِيَّة بِلَا وَجه على مَا نذكرهُ. قَوْله: أَن يَبِيع الشُّفْعَة من البيع قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ الشُّفْعَة، من النَّاسِخ أَو المُرَاد لَازم البيع وَهُوَ الْإِزَالَة. قلت: فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر عَن غير الْكشميهني: إِذا أَرَادَ أَن يقطع الشُّفْعَة، ويروى: إِذا أَرَادَ أَن يمْنَع الشُّفْعَة. قَوْله: ويحدها أَي: يصف حُدُودهَا الَّتِي تميزها، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى فِي بعض النّسخ: وَنَحْوهَا، وَهُوَ أظهر، وَإِنَّمَا سَقَطت الشُّفْعَة فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن الْهِبَة لَيست مُعَاوضَة مَحْضَة فَأَشْبَهت الْإِرْث.
٦٩٧٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسفَ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّرِيدِ، عنْ أبي رافِعٍ أنَّ سَعْداً ساوَمَهُ بَيْتاً بأرْبَعِمِائَةِ مِثْقالٍ، فَقَالَ: لوْلا أنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله يَقُولُ الجارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ لمَا أعْطَيْتُكَ.
أَي: هَذَا حَدِيث أبي رَافع الْمَذْكُور ذكره مُخْتَصرا من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة، وَأوردهُ فِي آخر كتاب الْحِيَل بأتم مِنْهُ.
سعد هُوَ ابْن أبي وَقاص، قيل: ذكر البُخَارِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَدِيث أبي رَافع ليعرفك إِنَّمَا جعله النَّبِي حَقًا للشَّفِيع لقَوْله: الْجَار أَحَق بصقبه لَا يحل إِبْطَاله انْتهى. قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على أَن البيع وَقع وَالشَّفِيع لَا يسْتَحق إلَاّ بعد صُدُور البيع، فحينئذٍ لَا يَصح أَن، يُقَال: لَا يحل إِبْطَاله، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يلْزم أَبَا حنيفَة التَّنَاقُض لِأَنَّهُ يُوجب الشُّفْعَة للْجَار وَيَأْخُذ فِي ذَلِك بِحَدِيث: الْجَار أَحَق بصقبه، فَمن اعْتقد هَذَا وَثَبت ذَلِك عِنْده من قَضَائِهِ وتحيل بِمثل هَذِه الْحِيلَة فِي إبِْطَال شُفْعَة الْجَار فقد أبطل السّنة الَّتِي اعتقدها. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه كَلَام
من غير إِدْرَاك وَلَا فهم، لِأَنَّهُ لَا جَار فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن الَّذِي فِيهَا الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع وَالْجَار لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَلَا يسْتَحق الْجَار الشُّفْعَة إِلَّا بعده بل وَبعد الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع أَيْضا فَكيف يحل لهَذَا الْقَائِل أَن يفتري على هَذَا الإِمَام الَّذِي سبق إِمَامه وَإِمَام غَيره وينسب إِلَيْهِ أبطال السّنة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنِ اشْتَراى نَصِيبَ دارٍ فأرادَ أنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وهَبَ لابْنِهِ الصغيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
هَذَا أَيْضا تشنيع على الْحَنَفِيَّة. قَوْله: وهب أَي: مَا اشْتَرَاهُ لِابْنِهِ الصَّغِير وَلَا يكون عَلَيْهِ يَمِين فِي تحقق الْهِبَة، وَلَا فِي جَرَيَان شُرُوطهَا. وَقيد بالصغير لِأَن الْهِبَة لَو كَانَت للكبير وَجب عَلَيْهِ الْيَمين فتحيل إِلَى إِسْقَاطهَا بجعلها للصَّغِير، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ أَيْضا إِلَى أَن لَو وهب لأَجْنَبِيّ فَإِن للشَّفِيع أَن يحلف الْأَجْنَبِيّ أَن الْهِبَة حَقِيقِيَّة وَأَنَّهَا جرت بشروطها: وَالصَّغِير لَا يحلف لَكِن عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَن أَبَاهُ الَّذِي يقبل لَهُ يحلف، وَعَن مَالك: لَا تدخل الشُّفْعَة فِي الْمَوْهُوب مُطلقًا، كَذَا ذكره فِي الْمُدَوَّنَة
١٥ - (بابُ احْتيالِ العامِلِ لِيُهْدَى لهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة حِيلَة الْعَامِل لأجل أَن يهدى لَهُ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْعَامِل هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى أُمُور الرجل فِي مَاله وَملكه وَعَمله وَمِنْه قيل للَّذي يسْتَخْرج الزَّكَاة: عَامل.
٦٩٧٩ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أَبُو أسامةَ عنْ هِشامِ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رسولُ الله رَجُلاً عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعاى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلمَّا جاءَ حاسَبَهُ قَالَ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رسولُ الله فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ حتَّى تَأْتِيكَ هَدِيَّتُكَ، إنْ كُنْتَ صادِقاً ثُمَّ خَطَبَنا فَحَمِدَ الله وأثْناى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ فإنِّي أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلى العَمَلِ مِمَّا ولَاّني الله، فَيَأتِي فَيَقُولُ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، أُهْدِيَتْ لِي، أفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ حتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟ وَالله لَا يأخُذُ أحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ إلَاّ لَقِيَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَا أعْرفَنَّ أحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ الله يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، أوْ شَاة تَيْعَرُ ثُم رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رُئِيَ بَياضُ إبِطَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بصْرَ عَيْنِي وسَمْعَ أُذُنِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَهَذَا هَدِيَّة قَالَ الْمُهلب حِيلَة الْعَامِل ليهدى لَهُ تقع بِأَن يسامح بعض من عَلَيْهِ الْحق فَلذَلِك قَالَ: هلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه لينْظر هَل يهدى لَهُ؟ وَيُقَال: احتيال الْعَامِل هُوَ بِأَن مَا أهدي لَهُ فِي عمالته يستأثر بِهِ وَلَا يَضَعهُ فِي بَيت المَال، وهدايا الْعمَّال والأمراء هِيَ من جملَة حُقُوق الْمُسلمين.
وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أبي حميد بِضَم الْحَاء عبد الرحمان، وَقيل: الْمُنْذر السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْهِبَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي النذور عَن أبي الْيَمَان وَفِي الزَّكَاة عَن يُوسُف بن مُوسَى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الزَّكَاة.
قَوْله: ابْن اللتبيه بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة وياء النِّسْبَة، وَقيل: بفح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: بِالْهَمْزَةِ المضمومة بدل اللَّام واسْمه عبد الله. قَوْله: فَلَا أَعرفن نهي للمتكلم صُورَة وَفِي الْمَعْنى نهي لقَوْله: أحدا ويروى فلأعرفن أَي: وَالله لأعرفن. قَوْله: رُغَاء هُوَ صَوت ذَات الْخُف. قَوْله: تَيْعر بِالْكَسْرِ وَقيل بِالْفَتْح من اليعار بِضَم الْيَاء آخر
الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ صَوت الشَّاة. قَوْله: بَيَاض إبطَيْهِ ويروى بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: بصر عَيْني بِلَفْظ الْمَاضِي وَكَذَلِكَ لفظ: سمع أَي: أَبْصرت عَيْنَايَ رَسُول الله ناطقاً ورافعاً يَدَيْهِ وَسمعت كَلَامه، وَهُوَ قَول أبي حميد الرَّاوِي لَهُ. وَقَالَ عِيَاض: ضبط أَكْثَرهم بِسُكُون الصَّاد وبسكون الْمِيم وَفتح الرَّاء وَالْعين مصدرين مضافين وَهُوَ مفعول: بلغت، وَهُوَ مقول رَسُول الله
٦٩٨٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّريدِ، عنْ أبي رافِعِ قَالَ: قَالَ النبيُّ الجَارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ.
هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي يَأْتِي فِي آخر الْبَاب يتعلقان بِبَاب الْهِبَة وَالشُّفْعَة، فَلَا وَجه لذكرهما فِي هَذَا الْبَاب. وَمن هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ موضعهما الْمُنَاسب قيل: بَاب احتيال الْعَامِل، لِأَنَّهُ من بَقِيَّة مسَائِل الشُّفْعَة، وتوسيط هَذَا الْبَاب بَينهمَا أَجْنَبِي، ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّه من جملَة تَصَرُّفَات النقلَة عَن الأَصْل. وَلَعَلَّه كَانَ فِي الْحَاشِيَة وَنَحْوهَا فنقلوه إِلَى غير مَكَانَهُ، وَرِجَاله قد ذكرُوا عَن قريب، وَكَذَلِكَ شَرحه.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِن اشْتَرَى دَارا بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا بَأسَ أنْ يَحْتالَ حتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ويَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ وتِسْعَمِائَةِ درْهَمٍ، وتِسْعَةً وتِسْعِينَ ويَنْقُدَهُ دِيناراً بِمَا بَقِيَ مِنَ العِشْرينَ الألْفَ، فإنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أخْذَها بِعِشْرينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وإلاّ فَلا سَبِيلَ لهُ عَلى الدَّارِ، فإنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ المُشْتَرِي عَلى البائِعِ بِما دَفَعَ إلَيْه، وهْو تِسْعَةُ آلافِ دِرْهَمِ وتِسْعُمِائَةٍ وتسْعَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَماً ودِينارٌ، لِأَن البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينارِ، فإنْ وَجَدَ بِهاذِهِ الدِّارِ عَيْباً ولمْ تُسْتَحَقَّ فإنَّهُ يَرُدُّها عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ: فأجازَ هَذا الخِداعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَقَالَ: قَالَ النَّبيُّ لَا داءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غائِلَةَ
هَذَا أَيْضا تشنيع بعد تشنيع بِلَا وَجه. قَوْله: إِن اشْترى دَارا أَي: أَرَادَ اشْتِرَاء دَار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: فَلَا بَأْس أَن يحتال أَي: على إِسْقَاط الشُّفْعَة حَتَّى يَشْتَرِي الدَّار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: وينقده أَي: ينْقد البَائِع تِسْعَة آلَاف دِرْهَم وَتِسْعمِائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين وينقده دِينَارا بِمَا بَقِي أَي: بِمُقَابلَة مَا بَقِي من الْعشْرين الْألف، ويروى: من الْعشْرين ألفا يَعْنِي: مصارفه عَنْهَا. قَوْله: فَإِن طلب الشَّفِيع أَي: أَخذهَا بِالشُّفْعَة. قَوْله: أَخذهَا بِصِيغَة الْمَاضِي، أَي: أَخذهَا بِعشْرين ألف دِرْهَم يَعْنِي: بِثمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: وإلَاّ فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار يَعْنِي: وَإِن لم يرض أَخذهَا بِعشْرين ألفا فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار لسُقُوط الشُّفْعَة لكَونه امْتنع من بدل الثّمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: فَإِن اسْتحقَّت على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي: إِذا ظَهرت الدَّار مُسْتَحقَّة لغير البَائِع. قَوْله: لِأَن البيع أَي: لِأَن الْمَبِيع. قَوْله: حِين اسْتحق أَي: للْغَيْر. قَوْله: انْتقض الصّرْف أَي: الَّذِي وَقع بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّار الْمَذْكُورَة بالدينار، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني أَعنِي فِي الدِّينَار، وَفِي رِوَايَة غَيره فِي الدَّار وَالْأول أوجه. قَوْله: فَإِن وجد بِهَذِهِ الدَّار أَي: الدَّار الْمَذْكُورَة عَيْبا. قَوْله: وَلم تسْتَحقّ الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وَالْحَال أَنَّهَا لم تخرج مُسْتَحقَّة فَإِنَّهُ يردهَا، أَي: الدَّار عَلَيْهِ أَي: على البَائِع بِعشْرين ألفا. قَالَ: وَهَذَا تنَاقض بيّن لِأَن الْأمة مجمعة وَأَبُو حنيفَة مَعَهم على أَن البَائِع لَا يرد فِي الِاسْتِحْقَاق وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ إلَاّ مَا قبض، فَكَذَلِك الشَّفِيع لَا يشفع إلَاّ بِمَا نقد المُشْتَرِي وَمَا قَبضه من البَائِع لَا بِمَا عقد، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله: قَالَ: فَأجَاز هَذَا الخداع بَين الْمُسلمين أَي: أجَاز الْحِيلَة فِي إِيقَاع الشَّرِيك فِي الْعين إِن أَخذ الشُّفْعَة وَإِبْطَال حَقه بِسَبَب الزِّيَادَة فِي الثّمن بِاعْتِبَار العقد لَو تَركهَا، وَالضَّمِير فِي: قَالَ، يرجع إِلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٩٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) الطَّائفيِّ، نزل مكَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثَّقفيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) أسلمَ مَولى رسولِ الله ﷺ (أَنَّ سَعْدًا) هو: ابنُ أبي وقَّاص (سَاوَمَهُ بَيْتًا بِأَرْبَعِ مِئَةِ مِثْقَالٍ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) بالصاد المهملة (لَمَا) بفتح اللام وتخفيف الميم، ولأبي ذرٍّ: «بسقبه -بالسين بدل الصاد- ما» بإسقاط اللام (أَعْطَيْتُكَ) بحذف ضمير المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أعطيتُكَه».
(وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) الإمامُ أبو حنيفة ﵀: (إِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ) ما اشتراه (لاِبْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ) في تحقُّق (١) الهبةِ، ولا في جَريان شروطها، وقيِّد بالصَّغير؛ لأنَّ الهبةَ لو كانت للكبيرِ وجب عليه اليمين، فتحيَّل (٢) في إسقاطها بجعلِها للصَّغير، ولو وهب لأجنبيٍّ فللشَّفيع أن يحلِّفَ الأجنبيَّ أنَّ الهبةَ حقيقةٌ، وأنَّها جرَتْ بشروطِها، والصَّغير لا يحلَّفُ.
(١٥) (باب) كراهيةِ (احْتِيَالِ العَامِلِ) الَّذي يتولَّى في مالهِ وغيره (لِيُهْدَى لَهُ) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بالشَّأْمِ، فأخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ أنَّ رسولَ الله قَالَ: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بأرْض فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وقَعَ بأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْه فَرَجعَ عُمَرُ مِنْ سَرْغَ
وعنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بن عَبْدِ الله: أنَّ عُمَرَ إنّما انْصَرَفَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمانِ.
انْظُر الحَدِيث ٥٧٢٩ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَإِذا وَقع بِأَرْض الخ.
وَعبد الله بن مسلمة القعْنبِي يروي عَن مَالك بن أنس عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة الْعَنزي حَيّ من الْيمن، ولد على عهد رَسُول الله وروى عَنهُ وَقبض النَّبِي وَهُوَ ابْن أَربع أَو خمس سِنِين، وَمَات فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ، وَقيل: خمس وَثَمَانِينَ، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي الصَّحَابَة وَقَالَ ولد سنة سِتّ من الْهِجْرَة روى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَغَيره، وَقد وعى عَن النَّبِي
والْحَدِيث مضى فِي الطِّبّ عَن عبد الله بن يُوسُف وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: خرج إِلَى الشَّام كَانَ خُرُوج عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى الشَّام فِي ربيع الثَّانِي سنة ثَمَانِي عشرَة. قَوْله: يسرغ بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة منصرف وَغير منصرف وَهِي قَرْيَة فِي طرف الشَّام مِمَّا يَلِي الْحجاز وَقَالَ الْبكْرِيّ: سرغ مَدِينَة بِالشَّام افتتحها أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هِيَ واليرموك والجابية والرمادة مُتَّصِلَة. قَوْله: أَن الوباء بِالْمدِّ وَالْقصر وَجمع الْمَقْصُور: أوباء، وَجمع الْمَمْدُود: أوبئة، وَهُوَ الْمَرَض الْعَام. قَوْله: فَلَا تقدمُوا بِفَتْح الدَّال، قيل: لَا يَمُوت أحد إلَاّ بأجله ولايتقدم وَلَا يتَأَخَّر، فَمَا وَجه النَّهْي عَن الدُّخُول وَالْخُرُوج؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم ينْه عَن ذَلِك حذرا عَلَيْهِ إِذْ لَا يُصِيبهُ إلَاّ مَا كتب عَلَيْهِ، بل حذرا من الْفِتْنَة فِي أَن يظنّ أَن هَلَاكه كَانَ من أجل قدومه عَلَيْهِ وَأَن سَلَامَته كَانَت من أجل خُرُوجه. وَفِي التَّوْضِيح وَلَا يتحيل فِي الْخُرُوج فِي تِجَارَة أَو زِيَارَة أَو شبههما نَاوِيا بذلك الْفِرَار مِنْهُ، وَيبين هَذَا الْمَعْنى قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ قَالَ: وَالْمعْنَى فِي النَّهْي عَن الْفِرَار مِنْهُ كَأَنَّهُ يفر من قدر الله وقضائه، وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ لأحد لِأَن قدره لَا يغلب.
قَوْله: وَعَن ابْن شهَاب مَوْصُول بِمَا قبله. قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله يَعْنِي: ابْن عمر بن الْخطاب، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن انصراف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من سرغ كَانَ من حَدِيث عبد الرحمان بن عَوْف، وَرُوِيَ أَن انْصِرَافه كَانَ من أبي عُبَيْدَة بن الْجراح، وَذَلِكَ أَنه لما اسْتقْبل عمر فَقَالَ: جِئْت بأصحاب رَسُول الله تدخلهم أَرضًا فِيهَا الطَّاعُون الَّذين هم أَئِمَّة يقْتَدى بهم؟ فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَة أشككت؟ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَأَنِّي يَعْقُوب إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ {لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد} فَقَالَ عمر: وَالله لأدخلنها. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَالله لَا تدْخلهَا، فَرده.
وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد، وَفِيه: أَنه يُوجد عِنْد بعض الْعلمَاء مَا لَيْسَ عِنْد أكبر مِنْهُ قيل. وَفِيه: دَلِيل على تقدم خبر الْوَاحِد على الْقيَاس وموضعه فِي كتب الْأُصُول.
حدّثنا أبُو اليَمانِ، حَدثنَا شُعَيْبٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، حَدثنَا عامِرُ بنُ سَعْدِ بنِ أبي وِقّاصٍ أنّهُ سَمعَ أُسامةَ بنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً أنَّ رسُولَ الله ذَكرَ الوَجَعَ فَقَالَ: رِجْزٌ أوْ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيّةٌ، فَيَذْهَبُ المَرَّةَ وَيَأْتِي الأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بأرْضٍ فَلا يَقْدَمَنَّ عَليْهِ، ومَنْ كانَ بأرْضٍ وقَعَ بهَا فَلَا يَخْرُجْ فِراراً مِنْهُ
انْظُر الحَدِيث ٣٤٧٣ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع.
والْحَدِيث مضى فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن مَالك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: ذكر الوجع أَي: الطَّاعُون. قَوْله: رجز بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا الْعَذَاب. قَوْله: أَو عَذَاب شكّ من الرَّاوِي قَوْله: فَيذْهب الْمرة أَي: لَا يكون دَائِما بل فِي بعض الْأَوْقَات. قَوْله: فَلَا يقدمن بِفَتْح الدَّال وبالنون الْمُؤَكّدَة الثَّقِيلَة.
١٤ - (بابٌ فِي الهِبَةِ والشُّفْعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيمَا يكره من الاحتيال فِي الرُّجُوع عَن الْهِبَة والاحتيال فِي إِسْقَاط الشُّفْعَة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ وَهَبَ هِبَةً ألْفَ دِرْهَمٍ أوْ أكْثَرَ حتَّى مَكُثَ عِنْدَهُ سِنينَ، واحْتال فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ الواهبُ فِيها فَلَا زَكاة على واحِدٍ مِنْهُما، فَخَالَف الرَّسولَ فِي الهبةِ وأسْقَطَ الزَّكاةَ.
أَرَادَ بِهِ التشنيع أَيْضا على أبي حنيفَة من غير وَجه لِأَن أَبَا حنيفَة فِي أَي مَوضِع قَالَ هَذِه الْمَسْأَلَة على هَذِه الصُّورَة بل الَّذِي قَالَه أَبُو حنيفَة هُوَ أَن الْوَاهِب لَهُ أَن يرجع فِي هِبته، وَلَكِن لصِحَّة الرُّجُوع قيود. الأول: أَن يكون أَجْنَبِيّا. وَالثَّانِي: أَن يكون قد سلمهَا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قبل التَّسْلِيم يجوز مُطلقًا. وَالثَّالِث: أَن لَا يقْتَرن بِشَيْء من الْمَوَانِع، وَهِي مَذْكُورَة فِي موضعهَا، وَاسْتدلَّ فِي جَوَاز الرُّجُوع بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا. أَي: مَا لم يعوض، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن أبي هُرَيْرَة. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَطاء عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ الْحَاكِم من حَدِيث سَالم بن عبد الله يحدث عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي قَالَ: من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهَا مَا لم يثب مِنْهَا. وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، فَكيف يحل أَن يُقَال فِي حق هَذَا الإِمَام الَّذِي علمه وزهده لَا يُحِيط بهما الواصفون أَنه خَالف الرَّسُول؟ وَكَيف خَالفه وَقد احْتج فِيمَا قَالَه بِأَحَادِيث هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من الصَّحَابَة الْكِبَار؟ وَأما الحَدِيث الَّذِي احْتج بِهِ مخالفوه وَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ الَّذِي يَأْتِي الْآن، وَرَوَاهُ أَيْضا الْجَمَاعَة غير التِّرْمِذِيّ: عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي قَالَ: الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه، فَلم يُنكره أَبُو حنيفَة بل عمل بِالْحَدِيثين مَعًا فَعمل بِالْحَدِيثِ الأول فِي جَوَاز الرُّجُوع وَبِالثَّانِي فِي كَرَاهَة الرُّجُوع، لَا فِي حرمه الرُّجُوع كَمَا زَعَمُوا، وَقد شبه النَّبِي رُجُوعه بِعُود الْكَلْب فِي قيئه، وَفعل الْكَلْب يُوصف بالقبح لَا بِالْحُرْمَةِ وَهُوَ يَقُول بِهِ لِأَنَّهُ مستقبح، وَلقَائِل أَن يَقُول: للقائل الَّذِي قَالَ: إِن أَبَا حنيفَة خَالف الرَّسُول: أَنْت خَالَفت الرَّسُول فِي الحَدِيث الَّذِي يحْتَج بِهِ على عدم الرُّجُوع لِأَن هَذَا الحَدِيث يعم منع الرُّجُوع مُطلقًا سَوَاء كَانَ الَّذِي يرجع مِنْهُ أَجْنَبِيّا أَو والداً لَهُ. فَإِن قلت: روى أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن طَاوس عَن ابْن عَمْرو بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي قَالَ: لَا يحل لرجل أَن يُعْطي عَطِيَّة أَو يهب هبة فَيرجع فِيهَا إلَاّ الْوَالِد فِيمَا يُعْطي وَلَده. قلت: هَذَا بِنَاء على أصلهم أَن للْأَب حق التَّمَلُّك فِي مَال الابْن لِأَنَّهُ جزؤه، فالتمليك مِنْهُ كالتمليك من نَفسه من وَجه قَوْله، واحتال فِي ذَلِك، فسره بَعضهم بقوله بِأَن تواطأ مَعَ الْمَوْهُوب لَهُ على ذَلِك. قلت: لم يقل أحد من أَصْحَاب أبي حنيفَة: إِن أَبَا حنيفَة أَو أحدا من أَصْحَابه قَالَ ذَلِك، وَإِنَّمَا هَذَا اخْتِلَاق لتمشية التشنيع عَلَيْهِم.
٦٩٧٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ أيُّوبَ السَّختِيانيِّ، عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النبيُّ العائِدُ فِي هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة.
قَوْله: وَلَيْسَ لنا مثل السوء أَي: الصّفة الرَّديئَة.
٦٩٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عَن أبي سَلَمَةَ، عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: إنّما جَعَلَ النبيُّ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذا وَقَعَت الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شفْعَةَ.
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي.
والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب وَعَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق وَفِيه وَفِي الشُّفْعَة وَفِي الشّركَة عَن مُسَدّد.
قَوْله: فِي كل مَا لم يقسم أَي: ملكا مُشْتَركا مشَاعا
بَين الشُّرَكَاء. قَوْله: وصرفت بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد أَي: منعت، وَقَالَ ابْن مَالك: أَي خلصت وَثبتت من الصّرْف وَهُوَ الْخَالِص، قَالَ: وَلَا شُفْعَة، لِأَنَّهُ صَار مقسوماً وَصَارَ فِي حكم الْجوَار وَخرج عَن الشّركَة، وَقد ذكرنَا فِيهِ من الْخلاف وَغَيره غير مرّة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ للْجِوارِ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فأبْطَلَهُ، وَقَالَ: إنِ اشْتَرَى دَارا فَخافَ أنْ يَأْخذَها الجارُ بِالشُّفْعَةِ فاشْتَرَى سَهْماً مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ ثُم اشْتَرَى الباقيَ وَكَانَ لِلْجارِ الشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأوَّلِ وَلَا شُفْعَةَ لهُ فِي باقِي الدَّارِ، ولهُ أنْ يَحْتالَ فِي ذالِكَ.
هَذَا تشنيع آخر على أبي حنيفَة. وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا خلاف بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد، فَأَبُو يُوسُف هُوَ الَّذِي يرى ذَلِك، وَقَالَ مُحَمَّد: يكره ذَلِك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. قَوْله: للجوار بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا وَهُوَ الْمُجَاورَة. قَوْله: ثمَّ عمد إِلَى مَا شدده بالشين الْمُعْجَمَة ويروى بِالْمُهْمَلَةِ وَأَرَادَ بِهِ إِثْبَات الشُّفْعَة للْجَار. قَوْله: فأبطله يَعْنِي أبطل مَا شدده وَيُرِيد بِهِ إِثْبَات التَّنَاقُض وَهُوَ أَنه قَالَ: الشُّفْعَة للْجَار ثمَّ أبْطلهُ حَيْثُ قَالَ فِي هَذِه الصُّورَة: لَا شُفْعَة للْجَار فِي بَاقِي الدَّار، وناقض كَلَامه. قلت: لَا تنَاقض هُنَا أصلا لِأَنَّهُ لما اشْترى سَهْما من مائَة سهم كَانَ شَرِيكا لمَالِكهَا، ثمَّ إِذا اشْترى مِنْهُ الْبَاقِي يصير هُوَ أَحَق بِالشُّفْعَة من الْجَار لِأَن اسْتِحْقَاق الْجَار الشُّفْعَة إِنَّمَا يكون بعد الشَّرِيك فِي نفس الدَّار وَبعد الشَّرِيك فِي حَقّهَا. قَوْله: إِن اشْترى دَارا أَي: إِذا أَرَادَ اشتراءها.
٦٩٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ الشَّرِيدِ قَالَ: جاءَ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى مَنْكِبي، فانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى سَعْدٍ فَقَالَ أبُو رافِعٍ لِلْمِسْوَر: أَلا تَأْمُرُ هاذا أنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي فِي دَاري؟ فَقَالَ: لَا أزِيدُهُ عَلى أرْبَعمِائَةٍ إمَّا مُقَطَّعَةٍ وإمَّا مُنَجَّمَةٍ. قَالَ: أُعْطِيتُ خمْسَمِائةٍ نَقْداً، فَمَنَعْتُهُ، ولوْلا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ يَقُولُ الجَارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا بِعْتُكَهُ. أوْ قَالَ: مَا أعْطَيْتُكَهُ.
قُلْتُ لِسُفْيانَ: إنَّ مَعْمَراً لَمْ يَقُلْ هاكذا، قَالَ: لاكِنَّهُ قَالَ لي هاكذا.
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَإِبْرَاهِيم بن ميسرَة ضد الميمنة الطَّائِفِي، وَعَمْرو بن الشريد بالشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة الثَّقَفِيّ، والمسور بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالواو ثمَّ بالراء ابْن مخرمَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ابْن نَوْفَل الْقرشِي ولد بِمَكَّة بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَقدم بِهِ الْمَدِينَة فِي عقب ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَقبض النَّبِي وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَسمع من النَّبِي وَحفظ عَنهُ، وَفِي حِصَار الْحصين بن نمير مَكَّة لقِتَال ابْن الزبير أَصَابَهُ حجر من حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر فَقتله، وَذَلِكَ فِي مستهل ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير بالحجون وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَأَبوهُ مخرمَة من مسلمة الْفَتْح وَهُوَ أحد الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَمِمَّنْ حسن إِسْلَامه مِنْهُم، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وخمسن وَقد بلغ مائَة سنة وَخمْس عشرَة سنة، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص وَهُوَ خَال الْمسور الْمَذْكُور، وَأَبُو رَافع مولى رَسُول الله واسْمه أسلم القبطي.
قَوْله: أَلا تَأمر هَذَا يَعْنِي: سعد بن أبي وَقاص، وَالْمرَاد أَنه يسْأَله أَو يُشِير عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه أَن الْأَمر لَا يشْتَرط فِيهِ الْعُلُوّ وَلَا الاستعلاء. قَوْله: بَيْتِي الَّذِي فِي دَاري كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَيْتِي اللَّذين، بالتثنية. قَوْله: إِمَّا مقطعَة
وَإِمَّا منجمة ويروى: مقطعَة أَو منجمة، بِالشَّكِّ من الرَّاوِي وَالْمرَاد أَنَّهَا مُؤَجّلَة على نقدات مفرقة، والنجم الْوَقْت الْمعِين الْمَضْرُوب. قَوْله: أَعْطَيْت على صِيغَة الْمَجْهُول وَالْقَائِل هُوَ أَبُو رَافع. قَوْله: بسقبه ويروى: بصقبه، بالصَّاد وبفتح الْقَاف وسكونها وَهُوَ الْقرب، يُقَال: سقبت دَاره بِالْكَسْرِ والمنزل سقب والساقب الْقَرِيب وَيُقَال للبعيد أَيْضا، جَعَلُوهُ من الأضداد. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي كتاب غَرِيب الحَدِيث الصقب بالصَّاد مَا قرب من الدَّار وَيجوز أَن يُقَال: سقب، بِالسِّين وَاسْتدلَّ بِهِ أَصْحَابنَا أَن للْجَار الشُّفْعَة بعد الخليط فِي نفس الْمَبِيع، وَهُوَ الشَّرِيك ثمَّ للخليط فِي حق الْمَبِيع كالشرب بِالْكَسْرِ وَالطَّرِيق، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي حَيْثُ لم يثبت الشُّفْعَة للْجَار. قَوْله: مَا بعتكه أَي: الشَّيْء، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: مَا بِعْتُك بِحَذْف الْمَفْعُول. قَوْله: أَو قَالَ: مَا أعطيتكه شكّ من الرَّاوِي، قيل: هُوَ سُفْيَان ويروى: مَا أَعطيتك، بِحَذْف الضَّمِير.
قَوْله: قلت لِسُفْيَان الْقَائِل هُوَ عَليّ بن عبد الله شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: أَن معمراً لم يقل هَكَذَا يُشِير بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه بِالْحَدِيثِ دون الْقِصَّة.
أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول أرضي لَيْسَ فِيهَا لأحد شرك وَلَا قسم إِلَّا الْجوَار، فَقَالَ: إِنَّمَا الْجَار أَحَق بسقبه مَا كَانَ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَهَذَا صَرِيح بِوُجُوب الشُّفْعَة لجوار لَا شركَة فِيهِ. انْتهى. قلت: الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ عداده فِي أهل الطَّائِف لَهُ صُحْبَة النَّبِي وَيُقَال: إِنَّه من حَضرمَوْت، وَيُقَال: إِنَّه من هَمدَان حَلِيف لثقيف، روى عَنهُ عَمْرو، وَالْمرَاد على هَذَا بالمخالفة إِبْدَال الصَّحَابِيّ بصحابي آخر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يُرِيد أَن معمراً لم يقل هَكَذَا أَي: إِن الْجَار أَحَق بِالشُّفْعَة، بِزِيَادَة لفظ: الشُّفْعَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن الَّذِي قَالَه لَا أصل لَهُ وَلم يعلم مُسْتَنده فِيهِ مَا هُوَ، بل لفظ معمر: الْجَار أَحَق بصقبه، كَرِوَايَة أبي رَافع سَوَاء. قَوْله: لكنه أَي: قَالَ سُفْيَان: لَكِن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة قَالَ لي هَكَذَا وَحكى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ: إِن الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ، وَالله أعلم.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاس: إِذا أرادَ أنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أنْ يَحْتَالَ حتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبُ البائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ ويَحُدُّها ويَدْفَعُها إلَيْهِ ويُعوِّضُهُ المُشْتري ألْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا يَكُون لِلشَّفِيعِ فِيها شُفْعَةٌ.
هَذَا تشنيع على الْحَنَفِيَّة بِلَا وَجه على مَا نذكرهُ. قَوْله: أَن يَبِيع الشُّفْعَة من البيع قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ الشُّفْعَة، من النَّاسِخ أَو المُرَاد لَازم البيع وَهُوَ الْإِزَالَة. قلت: فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر عَن غير الْكشميهني: إِذا أَرَادَ أَن يقطع الشُّفْعَة، ويروى: إِذا أَرَادَ أَن يمْنَع الشُّفْعَة. قَوْله: ويحدها أَي: يصف حُدُودهَا الَّتِي تميزها، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى فِي بعض النّسخ: وَنَحْوهَا، وَهُوَ أظهر، وَإِنَّمَا سَقَطت الشُّفْعَة فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن الْهِبَة لَيست مُعَاوضَة مَحْضَة فَأَشْبَهت الْإِرْث.
٦٩٧٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسفَ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّرِيدِ، عنْ أبي رافِعٍ أنَّ سَعْداً ساوَمَهُ بَيْتاً بأرْبَعِمِائَةِ مِثْقالٍ، فَقَالَ: لوْلا أنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله يَقُولُ الجارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ لمَا أعْطَيْتُكَ.
أَي: هَذَا حَدِيث أبي رَافع الْمَذْكُور ذكره مُخْتَصرا من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة، وَأوردهُ فِي آخر كتاب الْحِيَل بأتم مِنْهُ.
سعد هُوَ ابْن أبي وَقاص، قيل: ذكر البُخَارِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَدِيث أبي رَافع ليعرفك إِنَّمَا جعله النَّبِي حَقًا للشَّفِيع لقَوْله: الْجَار أَحَق بصقبه لَا يحل إِبْطَاله انْتهى. قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على أَن البيع وَقع وَالشَّفِيع لَا يسْتَحق إلَاّ بعد صُدُور البيع، فحينئذٍ لَا يَصح أَن، يُقَال: لَا يحل إِبْطَاله، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يلْزم أَبَا حنيفَة التَّنَاقُض لِأَنَّهُ يُوجب الشُّفْعَة للْجَار وَيَأْخُذ فِي ذَلِك بِحَدِيث: الْجَار أَحَق بصقبه، فَمن اعْتقد هَذَا وَثَبت ذَلِك عِنْده من قَضَائِهِ وتحيل بِمثل هَذِه الْحِيلَة فِي إبِْطَال شُفْعَة الْجَار فقد أبطل السّنة الَّتِي اعتقدها. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه كَلَام
من غير إِدْرَاك وَلَا فهم، لِأَنَّهُ لَا جَار فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن الَّذِي فِيهَا الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع وَالْجَار لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَلَا يسْتَحق الْجَار الشُّفْعَة إِلَّا بعده بل وَبعد الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع أَيْضا فَكيف يحل لهَذَا الْقَائِل أَن يفتري على هَذَا الإِمَام الَّذِي سبق إِمَامه وَإِمَام غَيره وينسب إِلَيْهِ أبطال السّنة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنِ اشْتَراى نَصِيبَ دارٍ فأرادَ أنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وهَبَ لابْنِهِ الصغيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
هَذَا أَيْضا تشنيع على الْحَنَفِيَّة. قَوْله: وهب أَي: مَا اشْتَرَاهُ لِابْنِهِ الصَّغِير وَلَا يكون عَلَيْهِ يَمِين فِي تحقق الْهِبَة، وَلَا فِي جَرَيَان شُرُوطهَا. وَقيد بالصغير لِأَن الْهِبَة لَو كَانَت للكبير وَجب عَلَيْهِ الْيَمين فتحيل إِلَى إِسْقَاطهَا بجعلها للصَّغِير، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ أَيْضا إِلَى أَن لَو وهب لأَجْنَبِيّ فَإِن للشَّفِيع أَن يحلف الْأَجْنَبِيّ أَن الْهِبَة حَقِيقِيَّة وَأَنَّهَا جرت بشروطها: وَالصَّغِير لَا يحلف لَكِن عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَن أَبَاهُ الَّذِي يقبل لَهُ يحلف، وَعَن مَالك: لَا تدخل الشُّفْعَة فِي الْمَوْهُوب مُطلقًا، كَذَا ذكره فِي الْمُدَوَّنَة
١٥ - (بابُ احْتيالِ العامِلِ لِيُهْدَى لهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة حِيلَة الْعَامِل لأجل أَن يهدى لَهُ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْعَامِل هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى أُمُور الرجل فِي مَاله وَملكه وَعَمله وَمِنْه قيل للَّذي يسْتَخْرج الزَّكَاة: عَامل.
٦٩٧٩ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أَبُو أسامةَ عنْ هِشامِ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رسولُ الله رَجُلاً عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعاى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلمَّا جاءَ حاسَبَهُ قَالَ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رسولُ الله فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ حتَّى تَأْتِيكَ هَدِيَّتُكَ، إنْ كُنْتَ صادِقاً ثُمَّ خَطَبَنا فَحَمِدَ الله وأثْناى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ فإنِّي أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلى العَمَلِ مِمَّا ولَاّني الله، فَيَأتِي فَيَقُولُ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، أُهْدِيَتْ لِي، أفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ حتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟ وَالله لَا يأخُذُ أحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ إلَاّ لَقِيَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَا أعْرفَنَّ أحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ الله يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، أوْ شَاة تَيْعَرُ ثُم رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رُئِيَ بَياضُ إبِطَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بصْرَ عَيْنِي وسَمْعَ أُذُنِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَهَذَا هَدِيَّة قَالَ الْمُهلب حِيلَة الْعَامِل ليهدى لَهُ تقع بِأَن يسامح بعض من عَلَيْهِ الْحق فَلذَلِك قَالَ: هلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه لينْظر هَل يهدى لَهُ؟ وَيُقَال: احتيال الْعَامِل هُوَ بِأَن مَا أهدي لَهُ فِي عمالته يستأثر بِهِ وَلَا يَضَعهُ فِي بَيت المَال، وهدايا الْعمَّال والأمراء هِيَ من جملَة حُقُوق الْمُسلمين.
وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أبي حميد بِضَم الْحَاء عبد الرحمان، وَقيل: الْمُنْذر السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْهِبَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي النذور عَن أبي الْيَمَان وَفِي الزَّكَاة عَن يُوسُف بن مُوسَى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الزَّكَاة.
قَوْله: ابْن اللتبيه بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة وياء النِّسْبَة، وَقيل: بفح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: بِالْهَمْزَةِ المضمومة بدل اللَّام واسْمه عبد الله. قَوْله: فَلَا أَعرفن نهي للمتكلم صُورَة وَفِي الْمَعْنى نهي لقَوْله: أحدا ويروى فلأعرفن أَي: وَالله لأعرفن. قَوْله: رُغَاء هُوَ صَوت ذَات الْخُف. قَوْله: تَيْعر بِالْكَسْرِ وَقيل بِالْفَتْح من اليعار بِضَم الْيَاء آخر
الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ صَوت الشَّاة. قَوْله: بَيَاض إبطَيْهِ ويروى بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: بصر عَيْني بِلَفْظ الْمَاضِي وَكَذَلِكَ لفظ: سمع أَي: أَبْصرت عَيْنَايَ رَسُول الله ناطقاً ورافعاً يَدَيْهِ وَسمعت كَلَامه، وَهُوَ قَول أبي حميد الرَّاوِي لَهُ. وَقَالَ عِيَاض: ضبط أَكْثَرهم بِسُكُون الصَّاد وبسكون الْمِيم وَفتح الرَّاء وَالْعين مصدرين مضافين وَهُوَ مفعول: بلغت، وَهُوَ مقول رَسُول الله
٦٩٨٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّريدِ، عنْ أبي رافِعِ قَالَ: قَالَ النبيُّ الجَارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ.
هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي يَأْتِي فِي آخر الْبَاب يتعلقان بِبَاب الْهِبَة وَالشُّفْعَة، فَلَا وَجه لذكرهما فِي هَذَا الْبَاب. وَمن هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ موضعهما الْمُنَاسب قيل: بَاب احتيال الْعَامِل، لِأَنَّهُ من بَقِيَّة مسَائِل الشُّفْعَة، وتوسيط هَذَا الْبَاب بَينهمَا أَجْنَبِي، ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّه من جملَة تَصَرُّفَات النقلَة عَن الأَصْل. وَلَعَلَّه كَانَ فِي الْحَاشِيَة وَنَحْوهَا فنقلوه إِلَى غير مَكَانَهُ، وَرِجَاله قد ذكرُوا عَن قريب، وَكَذَلِكَ شَرحه.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِن اشْتَرَى دَارا بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا بَأسَ أنْ يَحْتالَ حتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ويَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ وتِسْعَمِائَةِ درْهَمٍ، وتِسْعَةً وتِسْعِينَ ويَنْقُدَهُ دِيناراً بِمَا بَقِيَ مِنَ العِشْرينَ الألْفَ، فإنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أخْذَها بِعِشْرينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وإلاّ فَلا سَبِيلَ لهُ عَلى الدَّارِ، فإنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ المُشْتَرِي عَلى البائِعِ بِما دَفَعَ إلَيْه، وهْو تِسْعَةُ آلافِ دِرْهَمِ وتِسْعُمِائَةٍ وتسْعَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَماً ودِينارٌ، لِأَن البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينارِ، فإنْ وَجَدَ بِهاذِهِ الدِّارِ عَيْباً ولمْ تُسْتَحَقَّ فإنَّهُ يَرُدُّها عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ: فأجازَ هَذا الخِداعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَقَالَ: قَالَ النَّبيُّ لَا داءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غائِلَةَ
هَذَا أَيْضا تشنيع بعد تشنيع بِلَا وَجه. قَوْله: إِن اشْترى دَارا أَي: أَرَادَ اشْتِرَاء دَار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: فَلَا بَأْس أَن يحتال أَي: على إِسْقَاط الشُّفْعَة حَتَّى يَشْتَرِي الدَّار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: وينقده أَي: ينْقد البَائِع تِسْعَة آلَاف دِرْهَم وَتِسْعمِائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين وينقده دِينَارا بِمَا بَقِي أَي: بِمُقَابلَة مَا بَقِي من الْعشْرين الْألف، ويروى: من الْعشْرين ألفا يَعْنِي: مصارفه عَنْهَا. قَوْله: فَإِن طلب الشَّفِيع أَي: أَخذهَا بِالشُّفْعَة. قَوْله: أَخذهَا بِصِيغَة الْمَاضِي، أَي: أَخذهَا بِعشْرين ألف دِرْهَم يَعْنِي: بِثمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: وإلَاّ فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار يَعْنِي: وَإِن لم يرض أَخذهَا بِعشْرين ألفا فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار لسُقُوط الشُّفْعَة لكَونه امْتنع من بدل الثّمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: فَإِن اسْتحقَّت على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي: إِذا ظَهرت الدَّار مُسْتَحقَّة لغير البَائِع. قَوْله: لِأَن البيع أَي: لِأَن الْمَبِيع. قَوْله: حِين اسْتحق أَي: للْغَيْر. قَوْله: انْتقض الصّرْف أَي: الَّذِي وَقع بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّار الْمَذْكُورَة بالدينار، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني أَعنِي فِي الدِّينَار، وَفِي رِوَايَة غَيره فِي الدَّار وَالْأول أوجه. قَوْله: فَإِن وجد بِهَذِهِ الدَّار أَي: الدَّار الْمَذْكُورَة عَيْبا. قَوْله: وَلم تسْتَحقّ الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وَالْحَال أَنَّهَا لم تخرج مُسْتَحقَّة فَإِنَّهُ يردهَا، أَي: الدَّار عَلَيْهِ أَي: على البَائِع بِعشْرين ألفا. قَالَ: وَهَذَا تنَاقض بيّن لِأَن الْأمة مجمعة وَأَبُو حنيفَة مَعَهم على أَن البَائِع لَا يرد فِي الِاسْتِحْقَاق وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ إلَاّ مَا قبض، فَكَذَلِك الشَّفِيع لَا يشفع إلَاّ بِمَا نقد المُشْتَرِي وَمَا قَبضه من البَائِع لَا بِمَا عقد، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله: قَالَ: فَأجَاز هَذَا الخداع بَين الْمُسلمين أَي: أجَاز الْحِيلَة فِي إِيقَاع الشَّرِيك فِي الْعين إِن أَخذ الشُّفْعَة وَإِبْطَال حَقه بِسَبَب الزِّيَادَة فِي الثّمن بِاعْتِبَار العقد لَو تَركهَا، وَالضَّمِير فِي: قَالَ، يرجع إِلَى
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56