الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٣٥
الحديث رقم ٧٠٣٥ من كتاب «كتاب التعبير» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا رأى بقرا تنحر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ
٧٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي سَنَدِهِ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أُسْقِطَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ مِنَ السَّنَدِ؛ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَانِ ثِقَتَانِ رَوَيَاهُ هَكَذَا.
قُلْتُ: لَكِنْ سَعِيدٌ ثِقَةٌ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي وَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَإِنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذُكِرَ لِي عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ يُبَيَّنُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَةِ هُنَاكَ أَنَّ الْمُبْهَمَ الْمَذْكُورَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذِهِ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ ضَرْبِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا أَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ لِأَنَّ الْكَذِبَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَمَّا رَأَى فِي ذِرَاعَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَلَيْسَا مِنْ لُبْسِهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ مَنْ يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَيْضًا فَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالذَّهَبُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْكَذِبِ، وَأَيْضًا فَالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهَابِ فَعُلِمَ أَنَّهُ شَيْءٌ يَذْهَبُ عَنْهُ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي نَفْخِهِمَا فَطَارَا فَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمَا أَمْرٌ وَأَنَّ كَلَامَهُ بِالْوَحْيِ الَّذِي جَاءَ بِهِ يُزِيلُهُمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا وَالنَّفْخُ يَدُلُّ عَلَى الْكَلَامِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدُ اللَّهِ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ خَبَرَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ هُنَاكَ، وَذَكَرْتُ خَبَرَ مُسَيْلِمَةَ وَقَتْلِهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَشَيْئًا مِنْ خَبَرِهِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي أَيْضًا.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: كَانَ يُقَالُ لِلْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ ذُو الْحِمَارِ لِأَنَّهُ عَلَّمَ حِمَارًا إِذَا قَالَ لَهُ اسْجُدْ يَخْفِضُ رَأْسَهُ.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِلَفْظِ الثَّوْبِ الَّذِي يُخْتَمَرُ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَقَّعُ بُطْلَانَ أَمْرِ مُسَيْلِمَةَ، وَالْعَنْسِيِّ فَأَوَّلَ الرُّؤْيَا عَلَيْهِمَا لِيَكُونَ ذَلِكَ إِخْرَاجًا لِلْمَنَامِ عَلَيْهِمَا وَدَفْعًا لِحَالِهِمَا، فَإِنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ خَرَجَتْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، كَذَا قَالَ.
٣٩ - بَاب إِذَا رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ
٧٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرٌ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ به مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بِهِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ) كَذَا تَرْجَمَ بِقَيْدِ النَّحْرِ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَوْرَدَهُ بِهَذَا السَّنَدِ بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَفَرَّقَ مِنْهُ فِي الْمَغَازِي بِهَذَا السَّنَدِ أَيْضًا، وَعَلَّقَ فِيهَا مِنْهُ قِطْعَةً فِي الْهِجْرَةِ فَقَالَ: وَقَالَ
أَبُو مُوسَى وَذَكَرَ بَعْضَهُ هُنَا وَبَعْضَهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ شَرْحُ مَا أَوْرَدَهُ مِنْهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أُرَاهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ أَظُنُّهُ وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْقَائِلَ أُرَاهُ هُوَ الْبُخَارِيُّ وَأَنَّ مُسْلِمًا وَغَيْرَهُ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ بِدُونِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بَلْ جَزَمُوا بِرَفْعِهِ.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ وَهْلِي) قَالَ ابْنُ التِّينِ: رُوِّينَاهُ وَهَلِي بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ بِسُكُونِهَا، تَقُولُ: وَهَلْتُ بِالْفَتْحِ أَهَلُ وهلا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ مِثْلَ وَهِمْتُ، وَوَهِلَ يَوْهَلُ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ إِذَا فَزِعَ، قَالَ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى مِثْلِ مَا قَالُوهُ فِي الْبَحْرِ بَحَرٌ بِالتَّحْرِيكِ وَكَذَا النَّهْرُ وَالنَّهَرُ وَالشَّعْرُ وَالشَّعَرُ انْتَهَى.
وَبِهَذَا جَزَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ؛ ابْنُ فَارِسٍ، وَالْفَارَابِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ، وَالْقَالِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّاعِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْمِائَةِ سَنَةٍ فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ غَلِطُوا، يُقَالُ: وَهَلَ بِفَتْحِ الْهَاءِ يَهِلُ بِكَسْرِهَا وَهْلًا بِسُكُونِهَا مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا أَيْ غَلِطَ وَذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَى خِلَافِ الصَّوَابِ، وَأَمَّا وَهِلْتُ بِكَسْرِهَا أَوْهَلُ بِالْفَتْحِ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا كَحَذِرْتُ أَحْذَرُ حَذَرًا فَمَعْنَاهُ فَزِعْتُ، وَالْوَهَلُ بِالْفَتْحِ الْفَزَعُ وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِالتَّحْرِيكِ وَقَالَ: الْوَهَلُ بِالتَّحْرِيكِ مَعْنَاهُ الْوَهْمُ وَالِاعْتِقَادُ، وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَجَزَمَ أَنَّهُ بِالسُّكُونِ.
قَوْلُهُ: (أَوِ الْهَجَرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَوَافَقَهُ الْأَصِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: أَوْ هَجَرُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَهِيَ بَلَدٌ قَدَّمْتُ بَيَانَهَا فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهِ خَيْرٌ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارِمِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ، فَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةَ وَأَنَّ الْبَقَرَ بَقْرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ بَقْرٌ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ مَصْدَرُ بَقَرَهُ يَبْقُرُهُ بَقْرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهَا بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ.
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ جَاءَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ وَإِشَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِيثَارُهُمُ الْخُرُوجَ لِطَلَبِ الشَّهَادَةِ، وَلُبْسُهُ اللَّأْمَةَ وَنَدَامَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷺ: لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ، وَفِيهِ إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَتَمَّ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا لَهُ مِنْ شَاهِدٍ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ قَوْلُ السُّهَيْلِيِّ إِنَّ الْبَقَرَ تَعْبُرُ بِرِجَالٍ مُتَسَلِّحِينَ يَتَنَاطَحُونَ فِي الْقِتَالِ وَالْبَحْثُ مَعَهُ فِيهِ وَهُوَ إِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ إِنِّي رَأَيْتُ وَاللَّهِ خَيْرًا، رَأَيْتُ بَقَرًا وَلَكِنَّ تَقْيِيدَهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْبَقَرَ بِكَوْنِهَا تُنْحَرُ هُوَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُمْ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِسُكُونِ الْقَافِ أَوْ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَلَيْسَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَقَرِ الْمُتَنَاطِحَةِ فِي شَيْءٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ لِلْبَقَرِ فِي النَّوْمِ وُجُوهًا أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ الْبَقَرَةَ الْوَاحِدَةَ تُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ وَالْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ وَالْأَرْضِ، وَالثَّوْرَ يُفَسَّرُ بِالثَّائِرِ لِكَوْنِهِ يُثِيرُ الْأَرْضَ فَيَتَحَرَّكُ عَالِيهَا وَسَافِلَهَا فَكَذَلِكَ مَنْ يَثُورُ فِي نَاحِيَةٍ لِطَلَبِ مُلْكٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْبَقَرَ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى بَلَدٍ فَإِنْ كَانَتْ بَحْرِيَّةً فُسِّرَتْ بِالسُّفُنِ وَإِلَّا فَبِعَسْكَرٍ أَوْ بِأَهْلِ بَادِيَةٍ أَوْ يُبْسٍ يَقَعُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ) الْمُرَادُ بِمَا بَعْدَ بَدْرٍ فَتْحُ خَيْبَرَ ثُمَّ مَكَّةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَعْدُ بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ أُحُدٍ وَنَصْبِ يَوْمِ أَيْ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ بَدْرٍ الثَّانِيَةِ مِنْ تَثْبِيتِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَيْرِ الْغَنِيمَةُ، وَبَعْدُ أَيْ بَعْدَ الْخَيْرِ، وَالثَّوَابُ وَالْخَيْرُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وأجاب في «الفتح»: بأنَّ الإشارة إنَّما هي للحقارةِ المعنويَّة لا الحسيَّة، وفي طيرانهما إشارةٌ إلى اضمحلالِ أمرهمَا، ومناسبةِ هذا التَّأويل لهذه الرُّؤيا أنَّ اليدين بمنزلةِ البلدين، والسِّوارين بمنزلة الكذَّابين، وكونهما من ذهبٍ إشارةٌ إلى ما زخرفا (١)، والزُّخرف من أسماءِ الذَّهب، وقد قال المعبِّرون (٢): مَن رأى أنَّه يطير إلى جهةِ السَّماء بغير تعريجٍ فإنَّه ضررٌ، فإن غابَ في السَّماء ولم يرجعْ مات، فإن رجعَ أفاقَ من مرضهِ، فإنْ (٣) طارَ عرضًا سافر ونالَ رفعةً بقدر طيرانهِ.
والحديث سبقَ في «قصَّة العنسيِّ»، في «أواخر المغازي» [خ¦٤٣٧٩].
(٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا رَأَى) شخصٌ في منامه (بَقَرًا تُنْحَرُ).
٧٠٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيب الهمدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، ابن عبد الله (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ. قال البخاريُّ أو الرَّاوي عن أبي موسى: (أُرَاهُ) بضم الهمزة، أظنُّه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وقد رواه مسلمٌ وغيره عن أبي كُرَيب محمَّد بن العلاء بالسَّند المذكور بدون قولهِ: «أُراه»، بل جزموا برفعهِ إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ) بضم الهمزة (مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَْلِي) بفتح الواو والهاء أو بسكون الهاء، وَهمي (٤) (إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ) بفتح التحتية وتخفيف الميم، بلاد الجوِّ (٥)
بين مكة واليمن، سُمِّيت (١) بجاريةٍ زرقاءَ كانت تبصرُ الرَّاكب من مسيرةِ ثلاثة أيامٍ، فقيل: أبصرُ من زرقاءِ اليمامةِ (أَوْ هَجَرٌ) بفتح الهاء والجيم، غير مصروفٍ، قاعدةُ أرضِ البحرين، أو بلد باليمن، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «الهجر» بزيادة «أل» (فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ) الشَّريفة الَّتي هي اسمها في الجاهليَّة (يَثْرِبُ) بالمثلَّثة (وَرَأَيْتُ فِيهَا) في الرُّؤيا (بَقَرًا) بفتح القاف، زاد أحمدُ من حديث جابر: «تُنحرُ»، وبهذه الزِّيادة تقع (٢) المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، ويتمُّ تأويل الرُّؤيا (وَاللهُ خَيْرٌ) مبتدأ وخبر، أي: ثواب الله للمقتولين خيرٌ لهم من مَقامهم في الدُّنيا، أو صنيعُ الله خيرٌ لهم، قيل: والأولى أن يُقال: إنَّه من جملة الرُّؤيا، وإنَّها كلمةٌ سمعها عند رؤياه (٣) البقر (فَإِذَا هُمُ) أي: البقر (المُؤْمِنُونَ) الَّذين قُتِلوا (يَوْمَ) غزوة (أُحُدٍ) بضم الهمزة والحاء المهملة (وَإِذَا الخَيْرُ مَا) أي: الَّذي (جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ) بمدِّ همزة «آتانا» أي: أعطانا الله (بَعْدَ يَوْمِ) غزوة (بَدْرٍ) من تثبيتِ قلوب المؤمنين؛ لأنَّ النَّاس جمعوا لهم، فزادهُم إيمانًا وتفرَّق العدوُّ منهم هيبةً، أو المراد بالخيرِ: الغنيمة، وبعدُ، أي: بعد الخير، فالثَّوابُ والخيرُ حصلا في يوم بدرٍ، قاله الكِرْمانيُّ.
قال في «الفتح»: وفي هذا السِّياق إشعارٌ بأنَّ قولهُ في الخبر: «والله خيرٌ»، من جملة الرُّؤيا، والَّذي يظهر أنَّ لفظه لم يتحرَّر إيراده، وأنَّ رواية ابن إسحاق هي المحرَّرة، وأنَّه رأى بقرًا ورأى خيرًا، فأوَّل البقرَ على من قُتِل من الصَّحابة يوم أُحد، وأوَّل الخيرَ على ما حصلَ لهم من ثوابِ الصِّدق في القتالِ، والصَّبر على الجهادِ يوم بدرٍ، وما بعده إلى فتح مكَّة، والمراد بالبعديَّة (٤) على هذا لا تختصُّ بما بين بدرٍ وأُحد، نبَّه عليه ابن بطَّال، ويحتملُ أن يريد ببدرٍ: بدر الموعد، لا الوقعة المشهورة السَّابقة على أُحد، فإنَّ بدر الموعد كانت بعد أحدٍ ولم يقع فيها قتالٌ، وكان المشركون لمَّا رجعوا من أحدٍ قالوا: موعدُكم العام المقبل بدر، فخرج النَّبيُّ ﷺ ومن انتُدبَ معه إلى بدرٍ ولم يحضرِ المشركون، فسُمِّيت بدر الموعد، فأشارَ بالصِّدق إلى أنَّهم صَدَقوا الموعد (٥) ولم يُخلفوه، فأثابهُم الله على ذلكَ بما فتحَ عليهم بعد ذلكَ من قُرَيظة وخيبرَ وما بعدهما. انتهى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي سَنَدِهِ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أُسْقِطَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ مِنَ السَّنَدِ؛ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَانِ ثِقَتَانِ رَوَيَاهُ هَكَذَا.
قُلْتُ: لَكِنْ سَعِيدٌ ثِقَةٌ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي وَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَإِنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذُكِرَ لِي عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ يُبَيَّنُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَةِ هُنَاكَ أَنَّ الْمُبْهَمَ الْمَذْكُورَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذِهِ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ ضَرْبِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا أَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ لِأَنَّ الْكَذِبَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَمَّا رَأَى فِي ذِرَاعَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَلَيْسَا مِنْ لُبْسِهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ مَنْ يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَيْضًا فَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالذَّهَبُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْكَذِبِ، وَأَيْضًا فَالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهَابِ فَعُلِمَ أَنَّهُ شَيْءٌ يَذْهَبُ عَنْهُ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي نَفْخِهِمَا فَطَارَا فَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمَا أَمْرٌ وَأَنَّ كَلَامَهُ بِالْوَحْيِ الَّذِي جَاءَ بِهِ يُزِيلُهُمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا وَالنَّفْخُ يَدُلُّ عَلَى الْكَلَامِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدُ اللَّهِ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ خَبَرَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ هُنَاكَ، وَذَكَرْتُ خَبَرَ مُسَيْلِمَةَ وَقَتْلِهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَشَيْئًا مِنْ خَبَرِهِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي أَيْضًا.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: كَانَ يُقَالُ لِلْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ ذُو الْحِمَارِ لِأَنَّهُ عَلَّمَ حِمَارًا إِذَا قَالَ لَهُ اسْجُدْ يَخْفِضُ رَأْسَهُ.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِلَفْظِ الثَّوْبِ الَّذِي يُخْتَمَرُ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَقَّعُ بُطْلَانَ أَمْرِ مُسَيْلِمَةَ، وَالْعَنْسِيِّ فَأَوَّلَ الرُّؤْيَا عَلَيْهِمَا لِيَكُونَ ذَلِكَ إِخْرَاجًا لِلْمَنَامِ عَلَيْهِمَا وَدَفْعًا لِحَالِهِمَا، فَإِنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ خَرَجَتْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، كَذَا قَالَ.
٣٩ - بَاب إِذَا رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ
٧٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرٌ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ به مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بِهِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ) كَذَا تَرْجَمَ بِقَيْدِ النَّحْرِ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَوْرَدَهُ بِهَذَا السَّنَدِ بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَفَرَّقَ مِنْهُ فِي الْمَغَازِي بِهَذَا السَّنَدِ أَيْضًا، وَعَلَّقَ فِيهَا مِنْهُ قِطْعَةً فِي الْهِجْرَةِ فَقَالَ: وَقَالَ
أَبُو مُوسَى وَذَكَرَ بَعْضَهُ هُنَا وَبَعْضَهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ شَرْحُ مَا أَوْرَدَهُ مِنْهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أُرَاهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ أَظُنُّهُ وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْقَائِلَ أُرَاهُ هُوَ الْبُخَارِيُّ وَأَنَّ مُسْلِمًا وَغَيْرَهُ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ بِدُونِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بَلْ جَزَمُوا بِرَفْعِهِ.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ وَهْلِي) قَالَ ابْنُ التِّينِ: رُوِّينَاهُ وَهَلِي بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ بِسُكُونِهَا، تَقُولُ: وَهَلْتُ بِالْفَتْحِ أَهَلُ وهلا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ مِثْلَ وَهِمْتُ، وَوَهِلَ يَوْهَلُ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ إِذَا فَزِعَ، قَالَ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى مِثْلِ مَا قَالُوهُ فِي الْبَحْرِ بَحَرٌ بِالتَّحْرِيكِ وَكَذَا النَّهْرُ وَالنَّهَرُ وَالشَّعْرُ وَالشَّعَرُ انْتَهَى.
وَبِهَذَا جَزَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ؛ ابْنُ فَارِسٍ، وَالْفَارَابِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ، وَالْقَالِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّاعِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْمِائَةِ سَنَةٍ فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ غَلِطُوا، يُقَالُ: وَهَلَ بِفَتْحِ الْهَاءِ يَهِلُ بِكَسْرِهَا وَهْلًا بِسُكُونِهَا مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا أَيْ غَلِطَ وَذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَى خِلَافِ الصَّوَابِ، وَأَمَّا وَهِلْتُ بِكَسْرِهَا أَوْهَلُ بِالْفَتْحِ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا كَحَذِرْتُ أَحْذَرُ حَذَرًا فَمَعْنَاهُ فَزِعْتُ، وَالْوَهَلُ بِالْفَتْحِ الْفَزَعُ وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِالتَّحْرِيكِ وَقَالَ: الْوَهَلُ بِالتَّحْرِيكِ مَعْنَاهُ الْوَهْمُ وَالِاعْتِقَادُ، وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَجَزَمَ أَنَّهُ بِالسُّكُونِ.
قَوْلُهُ: (أَوِ الْهَجَرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَوَافَقَهُ الْأَصِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: أَوْ هَجَرُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَهِيَ بَلَدٌ قَدَّمْتُ بَيَانَهَا فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهِ خَيْرٌ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارِمِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ، فَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةَ وَأَنَّ الْبَقَرَ بَقْرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ بَقْرٌ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ مَصْدَرُ بَقَرَهُ يَبْقُرُهُ بَقْرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهَا بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ.
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ جَاءَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ وَإِشَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِيثَارُهُمُ الْخُرُوجَ لِطَلَبِ الشَّهَادَةِ، وَلُبْسُهُ اللَّأْمَةَ وَنَدَامَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷺ: لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ، وَفِيهِ إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَتَمَّ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا لَهُ مِنْ شَاهِدٍ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ قَوْلُ السُّهَيْلِيِّ إِنَّ الْبَقَرَ تَعْبُرُ بِرِجَالٍ مُتَسَلِّحِينَ يَتَنَاطَحُونَ فِي الْقِتَالِ وَالْبَحْثُ مَعَهُ فِيهِ وَهُوَ إِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ إِنِّي رَأَيْتُ وَاللَّهِ خَيْرًا، رَأَيْتُ بَقَرًا وَلَكِنَّ تَقْيِيدَهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْبَقَرَ بِكَوْنِهَا تُنْحَرُ هُوَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُمْ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِسُكُونِ الْقَافِ أَوْ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَلَيْسَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَقَرِ الْمُتَنَاطِحَةِ فِي شَيْءٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ لِلْبَقَرِ فِي النَّوْمِ وُجُوهًا أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ الْبَقَرَةَ الْوَاحِدَةَ تُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ وَالْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ وَالْأَرْضِ، وَالثَّوْرَ يُفَسَّرُ بِالثَّائِرِ لِكَوْنِهِ يُثِيرُ الْأَرْضَ فَيَتَحَرَّكُ عَالِيهَا وَسَافِلَهَا فَكَذَلِكَ مَنْ يَثُورُ فِي نَاحِيَةٍ لِطَلَبِ مُلْكٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْبَقَرَ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى بَلَدٍ فَإِنْ كَانَتْ بَحْرِيَّةً فُسِّرَتْ بِالسُّفُنِ وَإِلَّا فَبِعَسْكَرٍ أَوْ بِأَهْلِ بَادِيَةٍ أَوْ يُبْسٍ يَقَعُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ) الْمُرَادُ بِمَا بَعْدَ بَدْرٍ فَتْحُ خَيْبَرَ ثُمَّ مَكَّةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَعْدُ بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ أُحُدٍ وَنَصْبِ يَوْمِ أَيْ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ بَدْرٍ الثَّانِيَةِ مِنْ تَثْبِيتِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَيْرِ الْغَنِيمَةُ، وَبَعْدُ أَيْ بَعْدَ الْخَيْرِ، وَالثَّوَابُ وَالْخَيْرُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وأجاب في «الفتح»: بأنَّ الإشارة إنَّما هي للحقارةِ المعنويَّة لا الحسيَّة، وفي طيرانهما إشارةٌ إلى اضمحلالِ أمرهمَا، ومناسبةِ هذا التَّأويل لهذه الرُّؤيا أنَّ اليدين بمنزلةِ البلدين، والسِّوارين بمنزلة الكذَّابين، وكونهما من ذهبٍ إشارةٌ إلى ما زخرفا (١)، والزُّخرف من أسماءِ الذَّهب، وقد قال المعبِّرون (٢): مَن رأى أنَّه يطير إلى جهةِ السَّماء بغير تعريجٍ فإنَّه ضررٌ، فإن غابَ في السَّماء ولم يرجعْ مات، فإن رجعَ أفاقَ من مرضهِ، فإنْ (٣) طارَ عرضًا سافر ونالَ رفعةً بقدر طيرانهِ.
والحديث سبقَ في «قصَّة العنسيِّ»، في «أواخر المغازي» [خ¦٤٣٧٩].
(٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا رَأَى) شخصٌ في منامه (بَقَرًا تُنْحَرُ).
٧٠٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيب الهمدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، ابن عبد الله (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ. قال البخاريُّ أو الرَّاوي عن أبي موسى: (أُرَاهُ) بضم الهمزة، أظنُّه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وقد رواه مسلمٌ وغيره عن أبي كُرَيب محمَّد بن العلاء بالسَّند المذكور بدون قولهِ: «أُراه»، بل جزموا برفعهِ إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ) بضم الهمزة (مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَْلِي) بفتح الواو والهاء أو بسكون الهاء، وَهمي (٤) (إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ) بفتح التحتية وتخفيف الميم، بلاد الجوِّ (٥)
بين مكة واليمن، سُمِّيت (١) بجاريةٍ زرقاءَ كانت تبصرُ الرَّاكب من مسيرةِ ثلاثة أيامٍ، فقيل: أبصرُ من زرقاءِ اليمامةِ (أَوْ هَجَرٌ) بفتح الهاء والجيم، غير مصروفٍ، قاعدةُ أرضِ البحرين، أو بلد باليمن، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «الهجر» بزيادة «أل» (فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ) الشَّريفة الَّتي هي اسمها في الجاهليَّة (يَثْرِبُ) بالمثلَّثة (وَرَأَيْتُ فِيهَا) في الرُّؤيا (بَقَرًا) بفتح القاف، زاد أحمدُ من حديث جابر: «تُنحرُ»، وبهذه الزِّيادة تقع (٢) المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، ويتمُّ تأويل الرُّؤيا (وَاللهُ خَيْرٌ) مبتدأ وخبر، أي: ثواب الله للمقتولين خيرٌ لهم من مَقامهم في الدُّنيا، أو صنيعُ الله خيرٌ لهم، قيل: والأولى أن يُقال: إنَّه من جملة الرُّؤيا، وإنَّها كلمةٌ سمعها عند رؤياه (٣) البقر (فَإِذَا هُمُ) أي: البقر (المُؤْمِنُونَ) الَّذين قُتِلوا (يَوْمَ) غزوة (أُحُدٍ) بضم الهمزة والحاء المهملة (وَإِذَا الخَيْرُ مَا) أي: الَّذي (جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ) بمدِّ همزة «آتانا» أي: أعطانا الله (بَعْدَ يَوْمِ) غزوة (بَدْرٍ) من تثبيتِ قلوب المؤمنين؛ لأنَّ النَّاس جمعوا لهم، فزادهُم إيمانًا وتفرَّق العدوُّ منهم هيبةً، أو المراد بالخيرِ: الغنيمة، وبعدُ، أي: بعد الخير، فالثَّوابُ والخيرُ حصلا في يوم بدرٍ، قاله الكِرْمانيُّ.
قال في «الفتح»: وفي هذا السِّياق إشعارٌ بأنَّ قولهُ في الخبر: «والله خيرٌ»، من جملة الرُّؤيا، والَّذي يظهر أنَّ لفظه لم يتحرَّر إيراده، وأنَّ رواية ابن إسحاق هي المحرَّرة، وأنَّه رأى بقرًا ورأى خيرًا، فأوَّل البقرَ على من قُتِل من الصَّحابة يوم أُحد، وأوَّل الخيرَ على ما حصلَ لهم من ثوابِ الصِّدق في القتالِ، والصَّبر على الجهادِ يوم بدرٍ، وما بعده إلى فتح مكَّة، والمراد بالبعديَّة (٤) على هذا لا تختصُّ بما بين بدرٍ وأُحد، نبَّه عليه ابن بطَّال، ويحتملُ أن يريد ببدرٍ: بدر الموعد، لا الوقعة المشهورة السَّابقة على أُحد، فإنَّ بدر الموعد كانت بعد أحدٍ ولم يقع فيها قتالٌ، وكان المشركون لمَّا رجعوا من أحدٍ قالوا: موعدُكم العام المقبل بدر، فخرج النَّبيُّ ﷺ ومن انتُدبَ معه إلى بدرٍ ولم يحضرِ المشركون، فسُمِّيت بدر الموعد، فأشارَ بالصِّدق إلى أنَّهم صَدَقوا الموعد (٥) ولم يُخلفوه، فأثابهُم الله على ذلكَ بما فتحَ عليهم بعد ذلكَ من قُرَيظة وخيبرَ وما بعدهما. انتهى.