«أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٦

الحديث رقم ٨٦ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أتيت عائشة وهي تصلي فقلت: ما شأن الناس؟…

«أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ ﷿ النَّبِيُّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبً لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ، ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ».

سند حديث: ٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ…

٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أتيت عائشة وهي تصلي فقلت: ما شأن الناس؟…

خَسَفَتِ الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما كان الخسوف أمرًا غير معهود صلى بهم صلاة غير معهودة في هيئتها ومقدارها، فقام فصلى بالناس فأطال القيام الذي بعد تكبيرة الإحرام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فقرأ قراءة طويلة دون القراءة الأولى، ثم ركع فأطال الركوع، وهو أخف من الركوع الأول ثم رفع من الركوع وسمع وحمد ولم يقرأ، ثم سجد وأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل الأولى في هيئتها وإن كانت دونها ، فكل ركن أقل من الركن الذي قبله، حتى استكمل أربع ركوعات وأربع سجدات، في ركعتين، ثم انصرف من الصلاة، وقد انْجَلت الشمس، فخطب الناس كعادته في المناسبات، فحمد الله وأثنى عليه ووعظهم، وحدث أن صادف ذلك اليوم الذي حصل فيه الخسوف موت ابنه إبراهيم رضي الله عنه فقال بعضهم: كَسَفت لموت إبراهيم، جرياً على عادتهم في الجاهلية من أنها لا تكسف إلا لموت عظيم أو لولادة عظيم، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم من نصحه وإخلاصه في أداء رسالته، ونفع الخلق أن يزيل ما علق بأذهانهم من هذه الخرافات، التي لا تستند لا إلى نقل صحيح، ولا عقل سليم، ويبين الحكمة من خسوف الشمس والقمر فقال في خطبته: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنَّما يجريهما الله تعالى بقدرته لِيُخَوِّفَ بهما عباده، ويُذَكِّرَهم نِعَمَه.
فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى تائبين منيبين، وادْعُواَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا؛ لما في ذلك من دفع البلاء المتوقع ورفع العقوبة النازلة.
ثم أخذ صلى الله عليه وسلم يُفَصِّل لهم شيئاً من معاصي الله الكبار كالزنا التي تُوجِب فساد المجتمعات والأخلاق، والتي توجب غضبه وعقابه، ويقسم في هذه الموعظة -وهو الصادق المصدوق- قائلا: يا أمة محمد، والله، ما من أحد أغير من الله سبحانه أن يزني عبده، أو تزني أمته، ثم بيَّن أنَّهم لا يعلمون عن عذاب الله إلا قليلاً، ولو علموا ما علمه صلى الله عليه وسلم لأخذهم الخوف ولضَحِكوا سروراً قليلا، ولبكوا واغتموا كثيراً، لكن الله بحكمته حجب عنهم ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حصول خسوف الشمس على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
  • مشروعية صلاة الكسوف عند وجوده في أي ساعة.
  • مشروعية الإتيان بالصلاة على الوصف المذكور في هذا الحديث.
  • مشروعية التطويل بقيامها، وركوعها، وسجودها.
  • أن يكون ابتداء وقت الصلاة من الكسوف، وانتهاؤها بالتجلي.
  • مشروعية الخطبة والموعظة والتخويف في صلاة الكسوف.
  • ابتداء الخطبة بحمد الله، والثناء عليه؛ لأنه من الأدب.
  • بيان أن الشمس والقمر من آيات الله الكونية، الدالة على قدرته وحكمته.
  • كون الكسوف يحدث لتخويف العباد، وتحذيرهم عقاب الله -تعالى-، وهذا لا ينافي الأسباب الفلكية العلمية للكسوف، فالأول سبب شرعي والثاني سبب حسي.
  • إزالة ما علق بأذهان أهل الجاهلية من أن الكسوف والخسوف، أو انقضاض الكواكب، إنما هو لموت العظماء أو لحياتهم.
  • الأمر بالدعاء، والصلاة، والصدقة، عند حدوث الكسوف أو الخسوف.
  • أن فعل هذه العبادات يقي من عذاب الله وعقابه.
  • تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- من الزنا، وأنه من الكبائر، التي يغار الله -تعالى- عند ارتكابها.
  • إثبات صفة الغيرة لله -تعالى-، إثباتًا يليق بجلاله- بلا تعطيل ولا تأويل ولا تشبيه.
  • شدة ما أعده الله من العذاب لأهل المعاصي، مما لا يعلمه الناس، ولو علموه لاشتد خوفهم وقلقهم.
  • أن الله -سبحانه وتعالى- يطلع نبيه -صلى الله عليه وسلم- على علوم من الغيب، لا تحتمل الأمة علمها.
  • سعة علمه -صلى الله عليه وسلم- بربه وقوة قلبه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أتيت عائشة وهي تصلي فقلت: ما شأن الناس؟…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) أي: ابن خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابن عروة بن الزُّبَيْر بن العوَّام (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبَيْر بن العوَّام؛ وهي زوجة هشامٍ هذا وبنت عمِّه (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، ذات النِّطاقين، زوج الزُّبَيْر، المُتوفَّاة بمكَّة سنة ثلاثٍ وسبعين، وقد بلغت المئة، ولم يسقط لها سنٌّ، ولم يتغير لها عقل، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين (وَهِيَ تُصَلِّي) أي: حال كون عائشة تصلِّي (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ) قائمين مضطربين فزعين؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة (إِلَى السَّمَاءِ) تعني: انكسفت الشَّمس (فَإِذَا النَّاسُ) أي: بعضهم (قِيَامٌ) لصلاة الكسوف (فَقَالَتْ) أي: ذكرت عائشة : (سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس كأنَّها (١) مقدِّمةٌ له، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] أو علامةٌ لقرب زمان (٢) قيام السَّاعة (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا، أي: نَعَمْ) قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ) في الصَّلاة (حَتَّى عَلَانِي) بالعين المُهمَلَة، من: عَلَوْتُ الرَّجل: غلبته، ولكريمة وابن عساكر: «تَجَلَّاني» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم وتشديد اللَّام، وضُبِّب عليه في الفرع أي: علاني (الغَشْيُ) بفتح الغين وسكون

الشِّين المُعجمَتَين آخره مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ مُخفَّفَةٌ، وبكسر الشِّين وتشديد الياء أيضًا؛ بمعنى: الغِشاوة؛ وهي الغطاء، وأصله: مرضٌ معروفٌ يحصل بطول القيام في الحرِّ ونحوه؛ وهو طرفٌ من الإغماء، والمُرَاد به هنا: الحالة القريبة (١) منه، فأطلقته مجازًا ولهذا قالت: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ) أي: في تلك الحالة ليذهب (فَحَمِدَ اللهَ ﷿ النَّبِيُّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عُطِفَ على «حَمِدَ» من باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّناء أعمُّ من الحمد والشُّكر والمدح (٢) أيضًا (ثُمَّ قَالَ) : (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ) بضمِّ الهمزة، أي: ممَّا يصحُّ رؤيته عقلًا كرؤية الباري تعالى، ويليق عرفًا ممَّا يتعلَّق بأمر الدِّين وغيره (إِلَّا رَأَيْتُهُ) رؤيةَ عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي) بفتح الميم الأولى وكسر الثَّانية، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي: «هذا» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو هذا، ويُؤوَّل بالمُشَار إليه، والاستثناء مُفرَّغٌ متَّصِلٌ، فتُلْغَى فيه «إلَّا» من حيث العمل، لا من حيث المعنى كسائر الحروف نحو: ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيدٍ (حَتَّى الجَنَّةَِ ُوَالنَّارَُِ) بالرَّفع فيهما على أنَّ «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و «الجنَّةُ»: مبتدأٌ محذوفُ الخبر، أي: حتَّى الجنَّة مَرْئِيَّةٌ، و «النَّار» عُطِفَ (٣) عليه، والنَّصب: على أنَّها عاطفةٌ عطفت (٤) «الجنَّة» على الضَّمير المنصوب في

«رأيته» (١)، والجرُّ: على أنَّها جارَّةٌ، كذا قرَّروه بالثَّلاثة، وهي ثابتةٌ في فرع «اليونينيَّة» كهي (٢). وقال الحافظ ابن حجرٍ: رُوِّينَاه بالحركات الثَّلاث فيهما، لكن استشكل البدر الدَّمامينيُّ الجرَّ: بأنَّه لا وجه له إلَّا العطف على المجرور المتقدِّم، وهو مُمتنعٌ لما يلزم عليه من زيادة «مِن» مع المعرفة، والصَّحيح: منعه (فَأُوحِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الحاء (إِلَيَّ أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة مفعول «أُوحِي» ناب عن الفاعل (تُفْتَنُونَ) تُمتَحَنون وتُختَبَرون (فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ -أَوْ قَرِيبًا) بحذف التَّنوين في «مثل» وإثباته في تاليه (لَا أَدْرِي أَيَُّ ذَلِكَ) لفظ «مثل» أو «قريبًا» (قَالَتْ أَسْمَاءُ-) (مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ) بالحاء المهملة لمسحه الأرض، أو لأنَّه ممسوح العين (الدَّجَّالِ) الكذَّاب، والتَّقدير: مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها، فحذف ما كان «مثل» مُضَافًا إليه لدلالة ما بعده، وترك هو على هيئته قبل الحذف، كذا وجَّهه ابن مالكٍ، وقال: إنَّه الرِّواية المشهورة، وقال عياضٌ: الأحسن تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل (٣)، وفي روايةٍ في الفرع وأصله (٤): «مثلَ أو قريبَ» بالنَّصب من غير ألفٍ (٥) بغير تنوينٍ فيهما، قال الزَّركشيُّ: في المشهور في «البخاريِّ» أي: تُفتَنون مثل فتنة الدَّجال، أو قريبَ الشَّبه من فتنة الدَّجَّال، فكلاهما مضافٌ، وجملة: «لا أدري … » إلى آخرها اعتراضٌ بين المُضَاف والمُضَاف إليه، مُؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المُستفَاد من كلمة «أو»، لا يُقَال: كيف فُصِلَ بين المُضَافين وبين ما أُضِيفا إليه (٦)؛ لأنَّ الجملة المُؤكِّدة للشَّيء لا تكون أجنبيَّةً منه، وإثبات «من» -كما في بعض النُّسخ، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» - بين المُضَاف والمُضَاف إليه لا يمتنع عند جماعةٍ من النُّحاة، ولا يخرج بذلك عن الإضافة، وفي روايةٍ: «مِثْلًا أو قريبًا» بإثبات التَّنوين فيهما، أي: تُفتَنون في قبوركم فتنةً مثلًا من فتنة المسيح، أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح، وحينئذٍ فالأوَّل: صفةٌ

لمصدرٍ محذوفٍ، والثَّاني: عطفٌ عليه، و «أيُّ» مرفوعٌ على الأشهر بالابتداء، والخبر: «قالت أسماء»، وضميرُ المفعول محذوفٌ، أي: قالته، وفِعلُ الدِّراية (١) مُعلَّقٌ بالاستفهام لأنَّه من أفعال القلوب، وبالنَّصب: مفعول «أدري» إن جُعلِت موصولةً أو «قالت» إن جُعِلَت استفهاميَّةً أو موصولةً (يُقَالُ) للمفتون: (مَا عِلْمُكَ) مبتدأٌ، وخبره: (بِهَذَا الرَّجُلِ؟)

ولم يُعبِّر بضمير المتكلِّم لأنَّه حكاية قول المَلَكَين، ولم يَقُل: رسول الله لأنَّه يصير تلقينًا لحُجَّته، وعدل عن خطاب الجمع في «أنَّكم تُفتَنون» إلى المُفرَد في قوله: «ما عِلْمُك» لأنَّه تفصيلٌ، أي: كلُّ واحدٍ يُقَال له ذلك؛ لأنَّ السُّؤال عن العلم يكون لكلِّ واحدٍ، وكذا الجواب بخلاف الفتنة (فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ المُوقِنُ) أي: المصدِّق بنبوَّته (لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا) وفي رواية الأربعة: «أيُّهما المؤمن أو الموقن» (قَالَتْ أَسْمَاءُ-) والشَّكُّ من فاطمة بنت المنذر (فَيَقُولُ) الفاء جواب «أمَّا» لِما في «أمَّا» من معنى الشَّرط: (هُوَ مُحَمَّدٌ) هو (رَسُولُ اللهِ) هو (جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) بالمعجزات الدَّالَّة على نبوَّته (وَالهُدَى) أي: الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية (١) (فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فأجبناه واتَّبعناه» بالهاء فيهما، فحُذِف ضمير المفعول في الرِّواية الأولى للعلم به، أي: قَبِلنا نبوَّته معتقدين مصدِّقين، واتَّبعناه فيما جاء به إلينا، أوِ الإجابة تتعلَّق بالعلم والاتِّباع بالعمل، يقول المؤمن: (هُوَ مُحَمَّدٌ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر عن الحَمُّويي (٢): «وهو محمَّدٌ » قولًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاثَ مرَّاتٍ (فَيُقَالُ) له: (نَمْ) حال كونك (صَالِحًا) مُنتفعًا بأعمالك؛ إذِ الصَّلاح: كونُ الشَّيء في حدِّ الانتفاع (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ) بكسر الهمزة، أي: الشَّأن كنت (لَمُوقِنًا بِهِ) أي: إنَّك موقنٌ كقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم، أو

تبقى على بابها، قال القاضي: وهو الأَظْهَر، واللَّام في قوله: «لمُوقنًا» عند البصريِّين للفرق بين «إن» المُخفَّفة و «إن» (١) النَّافية، وأمَّا الكوفيُّون فإنَّها (٢) عندهم بمعنى: «ما»، واللَّام بمعنى: «إلَّا» كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ، والتَّقدير: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السَّفاقسيُّ فَتحُ همزة «أنْ» على جعلها مصدريَّةً، أي: عَلِمنا كونَك موقنًا به، وردَّه بدخول اللَّام. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: إنَّما تكون «اللَّام» مانعةً إذا جُعِلَت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأمَّا على رأي الفارسيِّ وابن جنِّيٍّ وجماعة أنَّها لامٌ غير لامِ الابتداء اجتُلِبت للفرق فيسوغ الفتح، بل يتعيَّن حينئذٍ لوجود المقتضي وانتفاء المانع (وَأَمَّا المُنَافِقُ) أي: غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته (-أَوِ المُرْتَابُ) أي: الشَّاكُّ قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَُّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) أي: قلت ما كان النَّاس يقولونه، وفي روايةٍ: «وذكر الحديث» أي: إلى آخره، الآتي إن شاء الله تعالى، وفي هذا الحديث: إثباتُ عذابِ القبر وسؤال الملكين، وأنَّ مَنِ ارتاب في صدق الرَّسول وصحَّةِ رسالته فهو كافرٌ، وأنَّ الغشيَ لا ينقضُ الوضوء ما دام العقل باقيًا، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى.

(٢٥) هذا (بابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ) أي: حثِّه (وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ) القبيلة المشهورة (عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ) من باب عطف الخاصِّ على العامِّ (٣) (وَيُخْبِرُوا) به (مَنْ وَرَاءَهُمْ) و «تحريض»: بالضَّاد المُعجَمَة، وقِيلَ: وبالمُهمَلَة أيضًا، وهما بمعنًى كما قاله الكِرمانيُّ، وعُورِضَ: بأنَّه تصحيفٌ، ودُفِعَ: بأنَّه إذا كان كلاهما يُستعمَل في معنًى واحدٍ لا يكون

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢٥ - (بَاب تحْرِيضِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أنْ يَحْفَظُوا الإِيمانَ والعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تحريض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. والتحريض، بالضاد الْمُعْجَمَة، على الشَّيْء: الْحَث عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: والتحريص، بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَاهُ أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: من قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ فقد صحف. قلت: إِذا كَانَ كِلَاهُمَا يسْتَعْمل فِي معنى وَاحِد لَا يكون تصحيفاً، فَإِن أنكر هَذَا الْقَائِل اسْتِعْمَال الْمُهْملَة بِمَعْنى الْمُعْجَمَة فَعَلَيهِ الْبَيَان. والوفد: هم الَّذين يقدمُونَ أَمَام النَّاس، جمع: وَافد، وَعبد الْقَيْس قَبيلَة. وَقد مر تَفْسِير أَكثر مَا فِي هَذَا الْبَاب فِي: بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ السُّؤَال وَالْجَوَاب، وهما غَالِبا لَا يخلوان عَن التحريض لِأَنَّهُمَا تَعْلِيم وَتعلم، وَمن شَأْنهمَا التحريض.

وَقَالَ مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لنا النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ارْجِعُوا إِلَى أهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ) .

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث مَشْهُور أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالْأَدب وَخبر الْوَاحِد كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. الثَّانِي: أَن مَالك بن الْحُوَيْرِث، مصغر الْحَارِث، بِالْمُثَلثَةِ: ابْن حشيش، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة المكررة، وَقيل: بِضَم الْحَاء، وَقيل: بِالْجِيم: ابْن عَوْف بن جندع اللَّيْثِيّ، يكنى أَبَا سُلَيْمَان، قدم على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتَّة من قومه فَأسلم وَأقَام عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ أذن لَهُ فِي الرُّجُوع إِلَى أَهله، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسَة عشر حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث. وَهَذَا أحد الْحَدِيثين الْمُتَّفق عَلَيْهِ، وَالْآخر فِي: الرّفْع وَالتَّكْبِير. نزل الْبَصْرَة وَتُوفِّي بهَا سنة أَربع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: قَوْله: (إِلَى أهليكم) جمع الْأَهْل، وَهُوَ يجمع مكسراً نَحْو: الأهال والأهالي، ومصححا بِالْوَاو وَالنُّون. نَحْو: الأهلون، وبالألف وَالتَّاء نَحْو: الأهلات. الرَّابِع: فعلموهم، وَفِي بعض النّسخ: فعظوهم.

٨٧ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بشَّارٍ قَالَ: حدّثنا عُنْدَرٌ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أتَرْجِمُ بَيْنَ ابنِ عَبَّاسٍ وبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتُوا النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (مَنِ الوَفْدُ؟ أوْ: مَنِ القَوْمُ قالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: (مَرْحَباً بالْقوْمِ) أوْ: بِالوَفْدِ (غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى) . قالُوا: إِنَّا نَأتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ وبَيْننَا وَبيْنَك هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ وَلَا نَسْتَطِيعُ أنْ نَأْتِيَكَ إلَاّ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنا بأمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنا نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فأمَرَهُمْ بأرْبَعٍ ونَهاهُمْ عَنْ أرْبَعٍ، أمَرَهُمْ باْلإِيمان بِاللَّه عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ. قَالَ: (هَلْ تَدرُونَ مَا الإِيمانُ بِاللَّه وحْدَهُ؟) قالُوا: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: (شَهادَةُ أنْ لَا إِلاهَ إِلَاّ الله وأنّ مُحمَّداً رسولُ الله، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ، وَصَوْمُ رَمَضانَ، وتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المغْنَم) ونَهَاهُمْ عنِ الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والمُزَفَّتِ قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّما قَالَ: النَّقِيرِ، وَرُبَّما قالَ: المُقَيَّرِ. قَالَ: (احْفَظُوهُ وأخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ) ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا جَمِيعًا، وغندر اسْمه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم اسْمه نصر بن عمرَان، وَهَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي تِسْعَة مَوَاضِع قد ذَكرنَاهَا فِي بَاب: أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة، وَهَذَا ثَانِي الْمَوَاضِع عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة، فلنتكلم هَهُنَا على الْأَلْفَاظ الَّتِي لَيست هُنَاكَ.

فَقَوله: (كنت أترجم) أَي: اعبر للنَّاس مَا أسمع من ابْن عَبَّاس، وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (قَالُوا: ربيعَة) إِنَّمَا قَالُوا: نَحن ربيعَة، لِأَن عبد الْقَيْس من أَوْلَاده، وَمَا قَالَ التَّيْمِيّ من قَوْله، لِأَن ربيعَة بطن من عبد الْقَيْس، فَهُوَ سَهْو مِنْهُ. قَوْله: (من شقة بعيدَة) ، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ السّفر الْبعيد، وَرُبمَا قَالُوهُ بِكَسْرِهَا. وَفِي (الْعباب) : الشق، بِالضَّمِّ: الْبعد. قَالَ تَعَالَى: {بَعدت عَلَيْهِم الشقة} (التَّوْبَة: ٤٢) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي النَّاحِيَة الَّتِي تَدْنُو إِلَيْهَا. قَالَ الْفراء: وَجَمعهَا شقق، وَحكي عَن بعض قيس: شقق. وَقَالَ البرندي: إِن فلَانا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) أي: ابن خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابن عروة بن الزُّبَيْر بن العوَّام (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبَيْر بن العوَّام؛ وهي زوجة هشامٍ هذا وبنت عمِّه (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، ذات النِّطاقين، زوج الزُّبَيْر، المُتوفَّاة بمكَّة سنة ثلاثٍ وسبعين، وقد بلغت المئة، ولم يسقط لها سنٌّ، ولم يتغير لها عقل، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين (وَهِيَ تُصَلِّي) أي: حال كون عائشة تصلِّي (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ) قائمين مضطربين فزعين؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة (إِلَى السَّمَاءِ) تعني: انكسفت الشَّمس (فَإِذَا النَّاسُ) أي: بعضهم (قِيَامٌ) لصلاة الكسوف (فَقَالَتْ) أي: ذكرت عائشة : (سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس كأنَّها (١) مقدِّمةٌ له، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] أو علامةٌ لقرب زمان (٢) قيام السَّاعة (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا، أي: نَعَمْ) قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ) في الصَّلاة (حَتَّى عَلَانِي) بالعين المُهمَلَة، من: عَلَوْتُ الرَّجل: غلبته، ولكريمة وابن عساكر: «تَجَلَّاني» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم وتشديد اللَّام، وضُبِّب عليه في الفرع أي: علاني (الغَشْيُ) بفتح الغين وسكون

الشِّين المُعجمَتَين آخره مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ مُخفَّفَةٌ، وبكسر الشِّين وتشديد الياء أيضًا؛ بمعنى: الغِشاوة؛ وهي الغطاء، وأصله: مرضٌ معروفٌ يحصل بطول القيام في الحرِّ ونحوه؛ وهو طرفٌ من الإغماء، والمُرَاد به هنا: الحالة القريبة (١) منه، فأطلقته مجازًا ولهذا قالت: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ) أي: في تلك الحالة ليذهب (فَحَمِدَ اللهَ ﷿ النَّبِيُّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عُطِفَ على «حَمِدَ» من باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّناء أعمُّ من الحمد والشُّكر والمدح (٢) أيضًا (ثُمَّ قَالَ) : (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ) بضمِّ الهمزة، أي: ممَّا يصحُّ رؤيته عقلًا كرؤية الباري تعالى، ويليق عرفًا ممَّا يتعلَّق بأمر الدِّين وغيره (إِلَّا رَأَيْتُهُ) رؤيةَ عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي) بفتح الميم الأولى وكسر الثَّانية، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي: «هذا» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو هذا، ويُؤوَّل بالمُشَار إليه، والاستثناء مُفرَّغٌ متَّصِلٌ، فتُلْغَى فيه «إلَّا» من حيث العمل، لا من حيث المعنى كسائر الحروف نحو: ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيدٍ (حَتَّى الجَنَّةَِ ُوَالنَّارَُِ) بالرَّفع فيهما على أنَّ «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و «الجنَّةُ»: مبتدأٌ محذوفُ الخبر، أي: حتَّى الجنَّة مَرْئِيَّةٌ، و «النَّار» عُطِفَ (٣) عليه، والنَّصب: على أنَّها عاطفةٌ عطفت (٤) «الجنَّة» على الضَّمير المنصوب في

«رأيته» (١)، والجرُّ: على أنَّها جارَّةٌ، كذا قرَّروه بالثَّلاثة، وهي ثابتةٌ في فرع «اليونينيَّة» كهي (٢). وقال الحافظ ابن حجرٍ: رُوِّينَاه بالحركات الثَّلاث فيهما، لكن استشكل البدر الدَّمامينيُّ الجرَّ: بأنَّه لا وجه له إلَّا العطف على المجرور المتقدِّم، وهو مُمتنعٌ لما يلزم عليه من زيادة «مِن» مع المعرفة، والصَّحيح: منعه (فَأُوحِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الحاء (إِلَيَّ أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة مفعول «أُوحِي» ناب عن الفاعل (تُفْتَنُونَ) تُمتَحَنون وتُختَبَرون (فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ -أَوْ قَرِيبًا) بحذف التَّنوين في «مثل» وإثباته في تاليه (لَا أَدْرِي أَيَُّ ذَلِكَ) لفظ «مثل» أو «قريبًا» (قَالَتْ أَسْمَاءُ-) (مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ) بالحاء المهملة لمسحه الأرض، أو لأنَّه ممسوح العين (الدَّجَّالِ) الكذَّاب، والتَّقدير: مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها، فحذف ما كان «مثل» مُضَافًا إليه لدلالة ما بعده، وترك هو على هيئته قبل الحذف، كذا وجَّهه ابن مالكٍ، وقال: إنَّه الرِّواية المشهورة، وقال عياضٌ: الأحسن تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل (٣)، وفي روايةٍ في الفرع وأصله (٤): «مثلَ أو قريبَ» بالنَّصب من غير ألفٍ (٥) بغير تنوينٍ فيهما، قال الزَّركشيُّ: في المشهور في «البخاريِّ» أي: تُفتَنون مثل فتنة الدَّجال، أو قريبَ الشَّبه من فتنة الدَّجَّال، فكلاهما مضافٌ، وجملة: «لا أدري … » إلى آخرها اعتراضٌ بين المُضَاف والمُضَاف إليه، مُؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المُستفَاد من كلمة «أو»، لا يُقَال: كيف فُصِلَ بين المُضَافين وبين ما أُضِيفا إليه (٦)؛ لأنَّ الجملة المُؤكِّدة للشَّيء لا تكون أجنبيَّةً منه، وإثبات «من» -كما في بعض النُّسخ، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» - بين المُضَاف والمُضَاف إليه لا يمتنع عند جماعةٍ من النُّحاة، ولا يخرج بذلك عن الإضافة، وفي روايةٍ: «مِثْلًا أو قريبًا» بإثبات التَّنوين فيهما، أي: تُفتَنون في قبوركم فتنةً مثلًا من فتنة المسيح، أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح، وحينئذٍ فالأوَّل: صفةٌ

لمصدرٍ محذوفٍ، والثَّاني: عطفٌ عليه، و «أيُّ» مرفوعٌ على الأشهر بالابتداء، والخبر: «قالت أسماء»، وضميرُ المفعول محذوفٌ، أي: قالته، وفِعلُ الدِّراية (١) مُعلَّقٌ بالاستفهام لأنَّه من أفعال القلوب، وبالنَّصب: مفعول «أدري» إن جُعلِت موصولةً أو «قالت» إن جُعِلَت استفهاميَّةً أو موصولةً (يُقَالُ) للمفتون: (مَا عِلْمُكَ) مبتدأٌ، وخبره: (بِهَذَا الرَّجُلِ؟)

ولم يُعبِّر بضمير المتكلِّم لأنَّه حكاية قول المَلَكَين، ولم يَقُل: رسول الله لأنَّه يصير تلقينًا لحُجَّته، وعدل عن خطاب الجمع في «أنَّكم تُفتَنون» إلى المُفرَد في قوله: «ما عِلْمُك» لأنَّه تفصيلٌ، أي: كلُّ واحدٍ يُقَال له ذلك؛ لأنَّ السُّؤال عن العلم يكون لكلِّ واحدٍ، وكذا الجواب بخلاف الفتنة (فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ المُوقِنُ) أي: المصدِّق بنبوَّته (لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا) وفي رواية الأربعة: «أيُّهما المؤمن أو الموقن» (قَالَتْ أَسْمَاءُ-) والشَّكُّ من فاطمة بنت المنذر (فَيَقُولُ) الفاء جواب «أمَّا» لِما في «أمَّا» من معنى الشَّرط: (هُوَ مُحَمَّدٌ) هو (رَسُولُ اللهِ) هو (جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) بالمعجزات الدَّالَّة على نبوَّته (وَالهُدَى) أي: الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية (١) (فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فأجبناه واتَّبعناه» بالهاء فيهما، فحُذِف ضمير المفعول في الرِّواية الأولى للعلم به، أي: قَبِلنا نبوَّته معتقدين مصدِّقين، واتَّبعناه فيما جاء به إلينا، أوِ الإجابة تتعلَّق بالعلم والاتِّباع بالعمل، يقول المؤمن: (هُوَ مُحَمَّدٌ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر عن الحَمُّويي (٢): «وهو محمَّدٌ » قولًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاثَ مرَّاتٍ (فَيُقَالُ) له: (نَمْ) حال كونك (صَالِحًا) مُنتفعًا بأعمالك؛ إذِ الصَّلاح: كونُ الشَّيء في حدِّ الانتفاع (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ) بكسر الهمزة، أي: الشَّأن كنت (لَمُوقِنًا بِهِ) أي: إنَّك موقنٌ كقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم، أو

تبقى على بابها، قال القاضي: وهو الأَظْهَر، واللَّام في قوله: «لمُوقنًا» عند البصريِّين للفرق بين «إن» المُخفَّفة و «إن» (١) النَّافية، وأمَّا الكوفيُّون فإنَّها (٢) عندهم بمعنى: «ما»، واللَّام بمعنى: «إلَّا» كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ، والتَّقدير: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السَّفاقسيُّ فَتحُ همزة «أنْ» على جعلها مصدريَّةً، أي: عَلِمنا كونَك موقنًا به، وردَّه بدخول اللَّام. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: إنَّما تكون «اللَّام» مانعةً إذا جُعِلَت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأمَّا على رأي الفارسيِّ وابن جنِّيٍّ وجماعة أنَّها لامٌ غير لامِ الابتداء اجتُلِبت للفرق فيسوغ الفتح، بل يتعيَّن حينئذٍ لوجود المقتضي وانتفاء المانع (وَأَمَّا المُنَافِقُ) أي: غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته (-أَوِ المُرْتَابُ) أي: الشَّاكُّ قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَُّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) أي: قلت ما كان النَّاس يقولونه، وفي روايةٍ: «وذكر الحديث» أي: إلى آخره، الآتي إن شاء الله تعالى، وفي هذا الحديث: إثباتُ عذابِ القبر وسؤال الملكين، وأنَّ مَنِ ارتاب في صدق الرَّسول وصحَّةِ رسالته فهو كافرٌ، وأنَّ الغشيَ لا ينقضُ الوضوء ما دام العقل باقيًا، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى.

(٢٥) هذا (بابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ) أي: حثِّه (وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ) القبيلة المشهورة (عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ) من باب عطف الخاصِّ على العامِّ (٣) (وَيُخْبِرُوا) به (مَنْ وَرَاءَهُمْ) و «تحريض»: بالضَّاد المُعجَمَة، وقِيلَ: وبالمُهمَلَة أيضًا، وهما بمعنًى كما قاله الكِرمانيُّ، وعُورِضَ: بأنَّه تصحيفٌ، ودُفِعَ: بأنَّه إذا كان كلاهما يُستعمَل في معنًى واحدٍ لا يكون

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢٥ - (بَاب تحْرِيضِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أنْ يَحْفَظُوا الإِيمانَ والعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تحريض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. والتحريض، بالضاد الْمُعْجَمَة، على الشَّيْء: الْحَث عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: والتحريص، بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَاهُ أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: من قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ فقد صحف. قلت: إِذا كَانَ كِلَاهُمَا يسْتَعْمل فِي معنى وَاحِد لَا يكون تصحيفاً، فَإِن أنكر هَذَا الْقَائِل اسْتِعْمَال الْمُهْملَة بِمَعْنى الْمُعْجَمَة فَعَلَيهِ الْبَيَان. والوفد: هم الَّذين يقدمُونَ أَمَام النَّاس، جمع: وَافد، وَعبد الْقَيْس قَبيلَة. وَقد مر تَفْسِير أَكثر مَا فِي هَذَا الْبَاب فِي: بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ السُّؤَال وَالْجَوَاب، وهما غَالِبا لَا يخلوان عَن التحريض لِأَنَّهُمَا تَعْلِيم وَتعلم، وَمن شَأْنهمَا التحريض.

وَقَالَ مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لنا النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ارْجِعُوا إِلَى أهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ) .

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث مَشْهُور أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالْأَدب وَخبر الْوَاحِد كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. الثَّانِي: أَن مَالك بن الْحُوَيْرِث، مصغر الْحَارِث، بِالْمُثَلثَةِ: ابْن حشيش، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة المكررة، وَقيل: بِضَم الْحَاء، وَقيل: بِالْجِيم: ابْن عَوْف بن جندع اللَّيْثِيّ، يكنى أَبَا سُلَيْمَان، قدم على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتَّة من قومه فَأسلم وَأقَام عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ أذن لَهُ فِي الرُّجُوع إِلَى أَهله، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسَة عشر حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث. وَهَذَا أحد الْحَدِيثين الْمُتَّفق عَلَيْهِ، وَالْآخر فِي: الرّفْع وَالتَّكْبِير. نزل الْبَصْرَة وَتُوفِّي بهَا سنة أَربع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: قَوْله: (إِلَى أهليكم) جمع الْأَهْل، وَهُوَ يجمع مكسراً نَحْو: الأهال والأهالي، ومصححا بِالْوَاو وَالنُّون. نَحْو: الأهلون، وبالألف وَالتَّاء نَحْو: الأهلات. الرَّابِع: فعلموهم، وَفِي بعض النّسخ: فعظوهم.

٨٧ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بشَّارٍ قَالَ: حدّثنا عُنْدَرٌ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أتَرْجِمُ بَيْنَ ابنِ عَبَّاسٍ وبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتُوا النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (مَنِ الوَفْدُ؟ أوْ: مَنِ القَوْمُ قالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: (مَرْحَباً بالْقوْمِ) أوْ: بِالوَفْدِ (غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى) . قالُوا: إِنَّا نَأتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ وبَيْننَا وَبيْنَك هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ وَلَا نَسْتَطِيعُ أنْ نَأْتِيَكَ إلَاّ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنا بأمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنا نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فأمَرَهُمْ بأرْبَعٍ ونَهاهُمْ عَنْ أرْبَعٍ، أمَرَهُمْ باْلإِيمان بِاللَّه عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ. قَالَ: (هَلْ تَدرُونَ مَا الإِيمانُ بِاللَّه وحْدَهُ؟) قالُوا: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: (شَهادَةُ أنْ لَا إِلاهَ إِلَاّ الله وأنّ مُحمَّداً رسولُ الله، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ، وَصَوْمُ رَمَضانَ، وتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المغْنَم) ونَهَاهُمْ عنِ الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والمُزَفَّتِ قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّما قَالَ: النَّقِيرِ، وَرُبَّما قالَ: المُقَيَّرِ. قَالَ: (احْفَظُوهُ وأخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ) ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا جَمِيعًا، وغندر اسْمه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم اسْمه نصر بن عمرَان، وَهَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي تِسْعَة مَوَاضِع قد ذَكرنَاهَا فِي بَاب: أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة، وَهَذَا ثَانِي الْمَوَاضِع عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة، فلنتكلم هَهُنَا على الْأَلْفَاظ الَّتِي لَيست هُنَاكَ.

فَقَوله: (كنت أترجم) أَي: اعبر للنَّاس مَا أسمع من ابْن عَبَّاس، وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (قَالُوا: ربيعَة) إِنَّمَا قَالُوا: نَحن ربيعَة، لِأَن عبد الْقَيْس من أَوْلَاده، وَمَا قَالَ التَّيْمِيّ من قَوْله، لِأَن ربيعَة بطن من عبد الْقَيْس، فَهُوَ سَهْو مِنْهُ. قَوْله: (من شقة بعيدَة) ، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ السّفر الْبعيد، وَرُبمَا قَالُوهُ بِكَسْرِهَا. وَفِي (الْعباب) : الشق، بِالضَّمِّ: الْبعد. قَالَ تَعَالَى: {بَعدت عَلَيْهِم الشقة} (التَّوْبَة: ٤٢) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي النَّاحِيَة الَّتِي تَدْنُو إِلَيْهَا. قَالَ الْفراء: وَجَمعهَا شقق، وَحكي عَن بعض قيس: شقق. وَقَالَ البرندي: إِن فلَانا

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله