الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ١٠٣٦
الحديث رقم ١٠٣٦ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح مسلم، تحت باب: (٣٢) باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن السفلى هي الآخذة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
(٣٣) بَاب النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ
٩٧ - (١٠٣٦) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا شَدَّادٌ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ:
سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم من متاع الدنيا فأعطاه، ثم سأله أخرى فأعطاه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
يا حكيم، إن هذا المال مُشتهى مرغوب فيه، فمن جاءه بغير مسألة وأخذه بغير شَرَهِ نَفْسٍ وإلحاح، بورك له فيه، ومن أخذه بتطلع نفس وطمع لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا المنفقة خير عند الله من اليد السفلى السائلة، قال حكيم:
فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أنقص مال أحدٍ بالطلب منه بعدك حتى أفارق الدنيا.
فكان خليفة رسول الله أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه، فيأبى أن يقبله، فقال عمر:
يا معشر المسلمين، إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من مال الفيء الذي حصل للمسلمين من الكفار من غير حرب ولا جهاد، فيأبى أن يأخذه، فلم ينقص حكيم مال أحدٍ بالطلب منه بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رضي الله عنه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
لِلْمُوصَى لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ تَصَرُّفِهِ وَكَمَالِ مِلْكِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ التَّصَرُّفِ فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّتِهِ كَبِيرُ ثَوَابٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَةِ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ) قَدْ يُقَالُ حَلَفَ بِأَبِيهِ وَقَدْ نَهَى عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَعَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ لِمَنْ تَعَمَّدَهُ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْحَدِيثِ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلَا تَكُونُ يَمِينًا وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهَا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ
(باب بَيَانِ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا)
(هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ الْآخِذَةُ)
[١٠٣٣] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ) هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ
عَنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ قَالَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ عن ايوب عن نافع عن بن عُمَرَ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الْعِفَّةِ وَرَجَّحَ الْخَطَّابِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَالَ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْهَا وَالصَّحِيحُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ الرِّوَايَتَيْنِ فَالْمُنْفِقَةُ أَعْلَى مِنَ السَّائِلَةِ وَالْمُتَعَفِّفَةُ أَعْلَى مِنَ السَّائِلَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الطَّاعَاتِ وَفِيهِ دليل لمذهب الجمهور أن اليد العليا هي الْمُنْفِقَةُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُتَعَفِّفَةُ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ غَيْرُهُ الْعُلْيَا الْآخِذَةُ وَالسُّفْلَى الْمَانِعَةُ حَكَاهُ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْمُرَادُ بِالْعُلُوِّ عُلُوُّ الْفَضْلِ وَالْمَجْدِ وَنَيْلُ الثَّوَابِ
[١٠٣٤] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) مَعْنَاهُ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا بَقِيَ صَاحِبُهَا بَعْدَهَا مُسْتَغْنِيًا بِمَا بَقِيَ مَعَهُ وَتَقْدِيرُهُ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ بَعْدَهَا غِنًى يَعْتَمِدُهُ صَاحِبُهَا وَيَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ وَحَوَائِجِهِ وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِالْجَمِيعِ يَنْدَمُ غَالِبًا أَوْ قَدْ يَنْدَمُ إِذَا احْتَاجَ وَيَوَدُّ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِخِلَافِ مَنْ بَقِيَ بَعْدَهَا مُسْتَغْنِيًا فَإِنَّهُ لَا يَنْدَمُ عَلَيْهَا بَلْ يُسَرُّ بِهَا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يصبر على الاضاقة وَالْفَقْرِ فَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ قَالَ الْقَاضِي جَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَقِيلَ يَرُدُّ جَمِيعَهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقِيلَ يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ وَقِيلَ إِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ رُدَّتِ الزِّيَادَةُ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالطَّبَرِيُّ وَمَعَ جَوَازِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الثُّلُثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) فِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ وَفِيهِ الِابْتِدَاءُ بالأهم فالأهم
فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ
[١٠٣٥] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) شَبَّهَهُ فِي الرَّغْبَةِ فِيهِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِ وَحِرْصِ النُّفُوسِ عَلَيْهِ بِالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ الْمُسْتَلَذَّةِ فَإِنَّ الْأَخْضَرَ مَرْغُوبُ فِيهِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَالْحُلْوَ كَذَلِكَ عَلَى انْفِرَادِهِ فَاجْتِمَاعُهُمَا أَشَدُّ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ بقائه لأن الخضروات لَا تَبْقَى وَلَا تُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ إِشْرَافُ النَّفْسِ تَطَلُّعُهَا إِلَيْهِ وَتَعَرُّضُهَا لَهُ وَطَمَعُهَا فِيهِ وَأَمَّا طِيبُ النَّفْسِ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ أَظْهَرَهُمَا أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْآخِذِ وَمَعْنَاهُ مَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا إِشْرَافٍ وَتَطَلُّعٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الدَّافِعِ وَمَعْنَاهُ مَنْ أَخَذَهُ مِمَّنْ يَدْفَعُ مُنْشَرِحًا بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ طَيِّبَ النَّفْسِ لَا بِسُؤَالٍ اضْطَرَّهُ إِلَيْهِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا تَطِيبُ مَعَهُ نَفْسُ الدَّافِعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ فَقِيلَ هُوَ الَّذِي بِهِ دَاءٌ لَا يَشْبَعُ بِسَبَبِهِ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّشْبِيهُ بِالْبَهِيمَةِ الرَّاعِيَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ الْحَثُّ عَلَى التَّعَفُّفِ وَالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِمَا تَيَسَّرَ فِي عَفَافٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَالْإِجْمَالِ فِي الْكَسْبِ وَأَنَّهُ لَا يَغْتَرُّ الْإِنْسَانُ بِكَثْرَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِإِشْرَافٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَمْحَقُ الله الربا ويربى الصدقات
[١٠٣٦] قوله صلى الله عليه وسلم (يا بن آدم
إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ) هُوَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنْ وَمَعْنَاهُ إِنْ بَذَلْتَ الْفَاضِلَ عَنْ حَاجَتِكَ وَحَاجَةِ عِيَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ لِبَقَاءِ ثَوَابِهِ وَإِنْ أَمْسَكْتَهُ فَهُوَ شَرٌّ لَكَ لِأَنَّهُ إِنْ أَمْسَكَ عَنِ الْوَاجِبِ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَمْسَكَ عَنِ الْمَنْدُوبِ فَقَدْ نَقَصَ ثَوَابَهُ وَفَوَّتَ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ فِي آخِرَتِهِ وَهَذَا كُلُّهُ شَرٌّ وَمَعْنَى لَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ أَنَّ قَدْرَ الْحَاجَةِ لَا لَوْمَ عَلَى صَاحِبِهِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ فِي الْكَفَافِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ كَمَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ زَكَوِيٌّ وَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ بِشُرُوطِهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ النِّصَابِ لِكَفَافِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَيُحَصِّلُ كِفَايَتَهُ مِنْ جِهَةٍ مُبَاحَةٍ وَمَعْنَى ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أَنَّ الْعِيَالَ وَالْقَرَابَةَ أَحَقُّ مِنَ الْأَجَانِبِ وَقَدْ سَبَقَ
(باب النَّهْيِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ)
مَقْصُودُ الْبَابِ وَأَحَادِيثِهِ النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالثَّانِي حَلَالٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِثَلَاثِ شُرُوطٍ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا يُؤْذِيَ المسؤول فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهِيَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٠٣٧] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيِّ) هُوَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ وَهُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِهَا مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي يَحْصُبَ قَوْلُهُ (سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَأَحَادِيثَ وَفِي بَعْضِهَا وَالْأَحَادِيثَ وَهُمَا صَحِيحَانِ وَمُرَادُ مُعَاوِيَةَ النَّهْيُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ لِمَا شَاعَ فِي زَمَنِهِ مِنَ التَّحَدُّثِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا وُجِدَ فِي كُتُبِهِمْ حِينَ
فُتِحَتْ بُلْدَانُهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ فِي الْأَحَادِيثِ إِلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِضَبْطِهِ الْأَمْرَ وَشِدَّتِهِ فِيهِ وَخَوْفِ النَّاسِ مِنْ سَطْوَتِهِ وَمَنْعِهِ النَّاسَ مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْأَحَادِيثِ وَطَلَبِهِ الشَّهَادَةَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى اسْتَقَرَّتِ الْأَحَادِيثُ وَاشْتُهِرَتِ السُّنَنُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) فِيهِ فَضِيلَةُ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَسَبَبُهُ أَنَّهُ قَائِدٌ إِلَى تَقْوَى اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ
مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْطِي حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَسْتُ أَنَا مُعْطِيًا وَإِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ عَلَى مَا عِنْدِي ثُمَّ أَقْسِمُ مَا أُمِرْتُ بِقِسْمَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا أُمِرْتُ بِهِ فَالْأُمُورُ كُلُّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ وَالْإِنْسَانُ مُصَرَّفٌ مَرْبُوبٌ
[١٠٣٨] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْفَاءِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْإِلْحَافُ الْإِلْحَاحُ
[١٠٣٩] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (ليس المسكين هذا الطَّوَّافِ) إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمِسْكَيْنِ (الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ) إِلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ الْمِسْكِينُ الْكَامِلُ الْمَسْكَنَةِ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ بِالصَّدَقَةِ وَأَحْوَجُ إِلَيْهَا لَيْسَ هُوَ هَذَا الطَّوَّافُ بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيَ أَصْلِ الْمَسْكَنَةِ عَنِ الطَّوَافِ بَلْ مَعْنَاهُ نَفْيُ كَمَالِ الْمَسْكَنَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليوم الآخر إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَوْلُهُ (قَالُوا فَمَا الْمِسْكِينُ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا فَمَا الْمِسْكِينُ وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ مَا تَأْتِي كَثِيرًا
لِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ
[١٠٤٠] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ أَيْ قِطْعَةُ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ مَعْنَاهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَلِيلًا سَاقِطًا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُحْشَرُ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَا لَحْمَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ وَعَلَامَةً لَهُ بِذَنْبِهِ حِينَ طَلَبَ وَسَأَلَ بِوَجْهِهِ كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الْأُخَرُ بِالْعُقُوبَاتِ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي كَانَتْ بِهَا الْمَعَاصِي وَهَذَا فِيمَنْ سَأَلَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ سُؤَالًا مَنْهِيًّا عَنْهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٠٤١] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) قَالَ الْقَاضِي
مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِالنَّارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ يَصِيرُ جَمْرًا يُكْوَى بِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ
[١٠٤٢] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْأَكْلِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَالِاكْتِسَابِ بِالْمُبَاحَاتِ كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ النَّابِتَيْنِ فِي مَوَاتٍ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ فَيَحْطِبَ بِغَيْرِ تَاءٍ بَيْنَ الْحَاءِ وَالطَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهَكَذَا أَيْضًا فِي النُّسَخِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ بِالْمِيمِ وَفِي نَادِرٍ مِنْهَا عَنِ النَّاسِ بِالْعَيْنِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ على الثاني
[١٠٤٣] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ) اسْمُ أَبِي إِدْرِيسَ عَابدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاسْمُ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُوَبٍ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وبعدها موحدة ويقال بن ثواب بفتح الثاء وتخفيف الواو ويقال بن أثوب ويقال بن عبد الله ويقال بن عوف ويقال بن مُسْلِمٍ وَيُقَالُ اسْمُهُ يَعْقُوبُ بْنُ عَوْفٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالزُّهْدِ وَالْكَرَامَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَحَاسِنِ الْبَاهِرَةِ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَلْقَاهُ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ فِي النَّارِ فَلَمْ يَحْتَرِقْ فَتَرَكَهُ فَجَاءَ مُهَاجِرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ فَجَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا قَوْلُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْأَنْسَابِ إِنَّهُ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَغَلَطٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ التَّوَارِيخِ وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ وغيرهم والله أعلم قوله (فلقد رأيت أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ) فِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُمْ نُهُوا عَنِ السُّؤَالِ فَحَمَلُوهُ عَلَى عُمُومِهِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّنْزِيهِ عَنْ جَمِيعِ مَا يُسَمَّى سُؤَالًا وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
لِلْمُوصَى لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ تَصَرُّفِهِ وَكَمَالِ مِلْكِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ التَّصَرُّفِ فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّتِهِ كَبِيرُ ثَوَابٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَةِ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ) قَدْ يُقَالُ حَلَفَ بِأَبِيهِ وَقَدْ نَهَى عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَعَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ لِمَنْ تَعَمَّدَهُ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْحَدِيثِ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلَا تَكُونُ يَمِينًا وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهَا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ
(باب بَيَانِ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا)
(هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ الْآخِذَةُ)
[١٠٣٣] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ) هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ
عَنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ قَالَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ عن ايوب عن نافع عن بن عُمَرَ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الْعِفَّةِ وَرَجَّحَ الْخَطَّابِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَالَ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْهَا وَالصَّحِيحُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ الرِّوَايَتَيْنِ فَالْمُنْفِقَةُ أَعْلَى مِنَ السَّائِلَةِ وَالْمُتَعَفِّفَةُ أَعْلَى مِنَ السَّائِلَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الطَّاعَاتِ وَفِيهِ دليل لمذهب الجمهور أن اليد العليا هي الْمُنْفِقَةُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُتَعَفِّفَةُ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ غَيْرُهُ الْعُلْيَا الْآخِذَةُ وَالسُّفْلَى الْمَانِعَةُ حَكَاهُ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْمُرَادُ بِالْعُلُوِّ عُلُوُّ الْفَضْلِ وَالْمَجْدِ وَنَيْلُ الثَّوَابِ
[١٠٣٤] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) مَعْنَاهُ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا بَقِيَ صَاحِبُهَا بَعْدَهَا مُسْتَغْنِيًا بِمَا بَقِيَ مَعَهُ وَتَقْدِيرُهُ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ بَعْدَهَا غِنًى يَعْتَمِدُهُ صَاحِبُهَا وَيَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ وَحَوَائِجِهِ وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِالْجَمِيعِ يَنْدَمُ غَالِبًا أَوْ قَدْ يَنْدَمُ إِذَا احْتَاجَ وَيَوَدُّ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِخِلَافِ مَنْ بَقِيَ بَعْدَهَا مُسْتَغْنِيًا فَإِنَّهُ لَا يَنْدَمُ عَلَيْهَا بَلْ يُسَرُّ بِهَا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يصبر على الاضاقة وَالْفَقْرِ فَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ قَالَ الْقَاضِي جَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَقِيلَ يَرُدُّ جَمِيعَهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقِيلَ يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ وَقِيلَ إِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ رُدَّتِ الزِّيَادَةُ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالطَّبَرِيُّ وَمَعَ جَوَازِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الثُّلُثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) فِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ وَفِيهِ الِابْتِدَاءُ بالأهم فالأهم
فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ
[١٠٣٥] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) شَبَّهَهُ فِي الرَّغْبَةِ فِيهِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِ وَحِرْصِ النُّفُوسِ عَلَيْهِ بِالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ الْمُسْتَلَذَّةِ فَإِنَّ الْأَخْضَرَ مَرْغُوبُ فِيهِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَالْحُلْوَ كَذَلِكَ عَلَى انْفِرَادِهِ فَاجْتِمَاعُهُمَا أَشَدُّ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ بقائه لأن الخضروات لَا تَبْقَى وَلَا تُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ إِشْرَافُ النَّفْسِ تَطَلُّعُهَا إِلَيْهِ وَتَعَرُّضُهَا لَهُ وَطَمَعُهَا فِيهِ وَأَمَّا طِيبُ النَّفْسِ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ أَظْهَرَهُمَا أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْآخِذِ وَمَعْنَاهُ مَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا إِشْرَافٍ وَتَطَلُّعٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الدَّافِعِ وَمَعْنَاهُ مَنْ أَخَذَهُ مِمَّنْ يَدْفَعُ مُنْشَرِحًا بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ طَيِّبَ النَّفْسِ لَا بِسُؤَالٍ اضْطَرَّهُ إِلَيْهِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا تَطِيبُ مَعَهُ نَفْسُ الدَّافِعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ فَقِيلَ هُوَ الَّذِي بِهِ دَاءٌ لَا يَشْبَعُ بِسَبَبِهِ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّشْبِيهُ بِالْبَهِيمَةِ الرَّاعِيَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ الْحَثُّ عَلَى التَّعَفُّفِ وَالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِمَا تَيَسَّرَ فِي عَفَافٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَالْإِجْمَالِ فِي الْكَسْبِ وَأَنَّهُ لَا يَغْتَرُّ الْإِنْسَانُ بِكَثْرَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِإِشْرَافٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَمْحَقُ الله الربا ويربى الصدقات
[١٠٣٦] قوله صلى الله عليه وسلم (يا بن آدم
إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ) هُوَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنْ وَمَعْنَاهُ إِنْ بَذَلْتَ الْفَاضِلَ عَنْ حَاجَتِكَ وَحَاجَةِ عِيَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ لِبَقَاءِ ثَوَابِهِ وَإِنْ أَمْسَكْتَهُ فَهُوَ شَرٌّ لَكَ لِأَنَّهُ إِنْ أَمْسَكَ عَنِ الْوَاجِبِ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَمْسَكَ عَنِ الْمَنْدُوبِ فَقَدْ نَقَصَ ثَوَابَهُ وَفَوَّتَ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ فِي آخِرَتِهِ وَهَذَا كُلُّهُ شَرٌّ وَمَعْنَى لَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ أَنَّ قَدْرَ الْحَاجَةِ لَا لَوْمَ عَلَى صَاحِبِهِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ فِي الْكَفَافِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ كَمَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ زَكَوِيٌّ وَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ بِشُرُوطِهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ النِّصَابِ لِكَفَافِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَيُحَصِّلُ كِفَايَتَهُ مِنْ جِهَةٍ مُبَاحَةٍ وَمَعْنَى ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أَنَّ الْعِيَالَ وَالْقَرَابَةَ أَحَقُّ مِنَ الْأَجَانِبِ وَقَدْ سَبَقَ
(باب النَّهْيِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ)
مَقْصُودُ الْبَابِ وَأَحَادِيثِهِ النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالثَّانِي حَلَالٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِثَلَاثِ شُرُوطٍ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا يُؤْذِيَ المسؤول فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهِيَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٠٣٧] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيِّ) هُوَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ وَهُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِهَا مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي يَحْصُبَ قَوْلُهُ (سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَأَحَادِيثَ وَفِي بَعْضِهَا وَالْأَحَادِيثَ وَهُمَا صَحِيحَانِ وَمُرَادُ مُعَاوِيَةَ النَّهْيُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ لِمَا شَاعَ فِي زَمَنِهِ مِنَ التَّحَدُّثِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا وُجِدَ فِي كُتُبِهِمْ حِينَ
فُتِحَتْ بُلْدَانُهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ فِي الْأَحَادِيثِ إِلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِضَبْطِهِ الْأَمْرَ وَشِدَّتِهِ فِيهِ وَخَوْفِ النَّاسِ مِنْ سَطْوَتِهِ وَمَنْعِهِ النَّاسَ مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْأَحَادِيثِ وَطَلَبِهِ الشَّهَادَةَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى اسْتَقَرَّتِ الْأَحَادِيثُ وَاشْتُهِرَتِ السُّنَنُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) فِيهِ فَضِيلَةُ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَسَبَبُهُ أَنَّهُ قَائِدٌ إِلَى تَقْوَى اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ
مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْطِي حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَسْتُ أَنَا مُعْطِيًا وَإِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ عَلَى مَا عِنْدِي ثُمَّ أَقْسِمُ مَا أُمِرْتُ بِقِسْمَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا أُمِرْتُ بِهِ فَالْأُمُورُ كُلُّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ وَالْإِنْسَانُ مُصَرَّفٌ مَرْبُوبٌ
[١٠٣٨] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْفَاءِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْإِلْحَافُ الْإِلْحَاحُ
[١٠٣٩] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (ليس المسكين هذا الطَّوَّافِ) إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمِسْكَيْنِ (الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ) إِلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ الْمِسْكِينُ الْكَامِلُ الْمَسْكَنَةِ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ بِالصَّدَقَةِ وَأَحْوَجُ إِلَيْهَا لَيْسَ هُوَ هَذَا الطَّوَّافُ بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيَ أَصْلِ الْمَسْكَنَةِ عَنِ الطَّوَافِ بَلْ مَعْنَاهُ نَفْيُ كَمَالِ الْمَسْكَنَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليوم الآخر إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَوْلُهُ (قَالُوا فَمَا الْمِسْكِينُ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا فَمَا الْمِسْكِينُ وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ مَا تَأْتِي كَثِيرًا
لِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ
[١٠٤٠] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ أَيْ قِطْعَةُ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ مَعْنَاهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَلِيلًا سَاقِطًا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُحْشَرُ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَا لَحْمَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ وَعَلَامَةً لَهُ بِذَنْبِهِ حِينَ طَلَبَ وَسَأَلَ بِوَجْهِهِ كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الْأُخَرُ بِالْعُقُوبَاتِ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي كَانَتْ بِهَا الْمَعَاصِي وَهَذَا فِيمَنْ سَأَلَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ سُؤَالًا مَنْهِيًّا عَنْهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٠٤١] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) قَالَ الْقَاضِي
مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِالنَّارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ يَصِيرُ جَمْرًا يُكْوَى بِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ
[١٠٤٢] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْأَكْلِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَالِاكْتِسَابِ بِالْمُبَاحَاتِ كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ النَّابِتَيْنِ فِي مَوَاتٍ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ فَيَحْطِبَ بِغَيْرِ تَاءٍ بَيْنَ الْحَاءِ وَالطَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهَكَذَا أَيْضًا فِي النُّسَخِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ بِالْمِيمِ وَفِي نَادِرٍ مِنْهَا عَنِ النَّاسِ بِالْعَيْنِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ على الثاني
[١٠٤٣] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ) اسْمُ أَبِي إِدْرِيسَ عَابدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاسْمُ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُوَبٍ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وبعدها موحدة ويقال بن ثواب بفتح الثاء وتخفيف الواو ويقال بن أثوب ويقال بن عبد الله ويقال بن عوف ويقال بن مُسْلِمٍ وَيُقَالُ اسْمُهُ يَعْقُوبُ بْنُ عَوْفٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالزُّهْدِ وَالْكَرَامَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَحَاسِنِ الْبَاهِرَةِ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَلْقَاهُ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ فِي النَّارِ فَلَمْ يَحْتَرِقْ فَتَرَكَهُ فَجَاءَ مُهَاجِرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ فَجَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا قَوْلُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْأَنْسَابِ إِنَّهُ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَغَلَطٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ التَّوَارِيخِ وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ وغيرهم والله أعلم قوله (فلقد رأيت أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ) فِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُمْ نُهُوا عَنِ السُّؤَالِ فَحَمَلُوهُ عَلَى عُمُومِهِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّنْزِيهِ عَنْ جَمِيعِ مَا يُسَمَّى سُؤَالًا وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ