قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من كَانَ مَعَهُ هَدْي�…

الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ١٢١١

الحديث رقم ١٢١١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح مسلم، تحت باب: (١٧) باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحل القارن من نسكه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة. ثم لا…

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ. ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا". قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ. لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. فَقَالَ:

"انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي. وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ" قَالَتْ فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَاعْتَمَرْتُ. فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ" فَطَافَ، الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ حَلُّوا. ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا.

١١٢ - (١٢١١) وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ

⦗٨٧١⦘

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ. حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيَحْلِلْ. وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَأَهْدَى، فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ. وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ" قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَحِضْتُ. فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ. فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ العمرة. ققالت: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ. حَتَّى إِذَا قَضَيْتُ حَجَّتِي، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ. وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ. مَكَانَ عُمْرَتِي، الَّتِي أَدْرَكَنِي الحج ولم أحلل منها.

١١٣ - (١٢١١) وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا". قَالَتْ فَحِضْتُ. فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي؟ قَالَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ. وَامْتَشِطِي. وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ. وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ " قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَيْتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ. مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَمْسَكْتُ عَنْهَا.

١١٤ - (١٢١١) حدثنا ابن أبي عمر. حدثنا سفيان عن الزُّهْرِيِّ. عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُهِلَّ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ" قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجٍّ. وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ. وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ. وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ.

١١٥ - (١٢١١) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ. فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ " قَالَتْ: فَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ. فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي. فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: "دَعِي عُمْرَتَكِ. وَانْقُضِي رَأْسَكِ. وَامْتَشِطِي. وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ" قَالَتْ: فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّنَا، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي وَخَرَجَ بِي إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا. وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هدي ولا صدقة ولا صوم.

١١٦ - (١٢١١) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هشام عن أبيه، عن عائشة رضي الله عَنْهَا. قَالَتْ:

خَرَجْنَا مُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عليه وسلم لهلال ذى الحجة. لانرى إِلَّا الْحَجَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ" وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عبدة.

١١٧ - (١٢١١) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ. مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ. وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ. فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا. وقَالَ فِيهِ: قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ قَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ.

١١٨ - (١٢١١) حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. أَنَّهَا قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ. وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ. فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ. وأما من أهل بحج أوجمع الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النحر.

١١٩ - (١٢١١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، حِضْتُ. فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي. فَقَالَ "أَنَفِسْتِ" (يَعْنِي الْحَيْضَةَ قَالَتْ) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:

"إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدم. فافضي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ. غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي".

قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.

١٢٠ - (١٢١١) حدثني سليمان بن عبد اللَّهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ. حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ. فَدَخَلَ عَلَيَّ

⦗٨٧٤⦘

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وأنا أَبْكِي. فَقَالَ "مَا يُبْكِيكِ؟ " فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لَوَدِدْتُ أني لم أكن خرجت العام. قال "مالك؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "هَذَا شَيْءٌ كتبه عَلَى بَنَاتِ آدَمَ. افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ "اجْعَلُوهَا عُمْرَةً" فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ. قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَوِي الْيَسَارَةِ. ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ. فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفَضْتُ. قَالَتْ: فَأُتِيَنَا بِلَحْمِ بَقَرٍ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ بِحَجَّةٍ؟ قَالَتْ: فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي عَلَى جَمَلِهِ. قَالَتْ: فَإِنِّي لَأَذْكُرُ، وأنا جارية حديثة السن، أنعس فتيصيب وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ. حَتَّى جِئْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ. جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعتمروا.

١٢١ - (١٢١١) وحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ:

لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ. فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وأنا أَبْكِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمَاجِشُونِ. غَيْرَ أَنَّ حَمَّادًا لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَوِي الْيَسَارَةِ ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا. وَلَا قَوْلُهَا: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أنعس فتصيب وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ.

١٢٢ - (١٢١١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. حَدَّثَنِي خَالِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ.

١٢٣ - (١٢١١) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ. فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ. وَلَيَالِي الْحَجِّ. حَتَّى نَزَلْنَا بِسَرِفَ. فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَفْعَلْ. وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَا" فَمِنْهُمُ الْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا. مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ. وَمَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ قُوَّةٌ. فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَأَنَا أَبْكِي. فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ " قُلْتُ: سَمِعْتُ كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة (فمنعت العمرة) قال "ومالك؟ " قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: "فَلَا يَضُرُّكِ فَكُونِي فِي حَجِّكِ. فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا. وَإِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ. كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ" قَالَتْ: فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْتُ. ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ. وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَصَّبَ. فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: "اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ. ثم لتطف بالبيت. فإني أنتظركما ههنا" قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فَأَهْلَلْتُ. ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

⦗٨٧٦⦘

وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. فَقَالَ "هَلْ فَرَغْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. فَآذَنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ. فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

١٢٤ - (١٢١١) حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا. وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ. وَمِنَّا من تمتع.

(١٢١١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. قَالَ: جاءت عائشة حاجة.

١٢٥ - (١٢١١) وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ) عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) عَنْ عَمْرَةَ. قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ. وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَنْ يَحِلَّ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: أَتَتْكَ، وَاللَّهِ! بِالْحَدِيثِ على وجهه.

(١٢١١) - وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. ح وحَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.

١٢٦ - (١٢١١) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،

⦗٨٧٧⦘

عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. ح وَعَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: قُلْتُ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ. قَالَ: "انْتَظِرِي. فَإِذَا طَهَرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَهِلِّي مِنْهُ. ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وَكَذَا (قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ غَدًا) وَلَكِنَّهَا عَلَى قدر نصبك أو (قال) نفقتك".

١٢٧ - (١٢١١) وحدثنا ابن المثنى. حدثنا ابن أبي عدي عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ وَإِبْرَاهِيمَ. قَالَ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ؛ أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

١٢٨ - (١٢١١) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قال زهير: حَدَّثَنَا. وقَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ. قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ. وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ. فَأَحْلَلْنَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ. فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ قَالَ: "أَوْ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: "فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا".

⦗٨٧٨⦘

قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ. قَالَ: "عقرى حلقى. أو ماكنت طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "لَا بَأْسَ. انْفِرِي".

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا. أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا. وَقَالَ إِسْحَاق: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهَبِّطٌ.

١٢٩ - (١٢١١) وحَدَّثَنَاه سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُلَبِّي. لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَنْصُورٍ.

١٣٠ - (١٢١١) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّهَا قَالَتْ:

قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ. فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ. فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ، يَا رَسُولَ الله! أدخله الله النار. قال "أو ماشعرت أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ؟ " (قَالَ الْحَكَمُ: كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ) وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حلوا".

١٣١ - (١٢١١) وحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ. سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ:

قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ. وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ من الحكم في قوله: يترددون.

١٣٢ - (١٢١١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ. فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ. فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا. وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ النَّفْرِ:

"يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ" فَأَبَتْ. فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فاعتمرت بعد الحج.

١٣٣ - (١٢١١) وحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ. حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ. فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ".

١٣٤ - (١٢١١) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا قُرَّةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ. حَدَّثَتْنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ. قَالَتْ:

قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَيْنِ وَأَرْجِعُ بِأَجْرٍ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَنْطَلِقَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ. قَالَتْ: فَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ. قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي. فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ. قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بالحصبة.

سند حديث: (١٧) بَاب بَيَانِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ…

(١٧) بَاب بَيَانِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُ الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَجَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَمَتَى يَحِلُّ الْقَارِنُ مِنْ نُسُكِهِ

١١١ - (١٢١١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ:

قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة. ثم لا…

معنى حديث عائشة رضي الله عنها : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نَذْكُرُ إلا الحج".
أي: من المدينة وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم السَبت لخمس ليالٍ بَقَيْنَ من ذي القِعدة بعد أن صلى بها الظهر أربع ركعات، ثم سَار إلى ذي الحليفة فَصَلى بها العصر ركعتين.
"لا نَذْكُرُ إلا الحج".
وفي رواية :"لا نَرَى إلا الحج". لكن جاء عنها في حديث آخر صحيح: "فمنَّا من أهَلَّ بِعمرة، ومنَّا من أهَلَّ بحج، وكنت ممن أَهَلَّ بِعمرة"، وعلى هذا يكون قولها رضي الله عنها : "لا نَذْكر إلا الحج"، وقولها: "لا نَرى إلا الحج" لا يخلو من الأحوال التالية:
الحال الأولى: تريد بذلك فريضة الحج من حيث الأصل، لا بيان نوع النُّسك الذي أحرموا به.
الحال الثانية: تريد بذلك عند خروجهم وقبل وصولهم إلى الميقات، والدخول في الإحرام.
الحال الثالثة : تريد بذلك حال غيرها من الصحابة، ولم تقصد نفسها.
"حتى جِئْنَا سَرِف".
يعني: حتى وصلوا موضِعا يُقال له: "سَرِفُ"، وهو مَوضع قريب من مكة.
"فَطَمِثْتُ" يعني: حاضت رضي الله عنها .
"فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبْكِي، فقال: «ما يُبْكِيك؟» فقلت: والله، لوَدِدْتُ أنَّي لم أكُن خرجت العَام".
لما حصل معها ما حصل بَكَت رضي الله عنها وتَمَنَّت أنها لم تحج معهم هذه السَّنة؛ ظنا منها أنها لما حاضت قد تنقطع عن أعمال الحج، ويفوتها بذلك الخير.
" قال: «ما لك؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»".
أي: حِضْت .
" قلت: نعم، قال: «هذا شيء كَتَبه الله على بَنَات آدم»".
أي: أن الحيض أمْر مُقَدَّر ومكتوب على بنات آدم، فليس خاصًا بك وليس بيدك؛ فلا داعي للبكاء.
"افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري".
فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحيض لا يمنعها من المضي في نسكها، ولا يُخِلُّ بإحرامها، وأنها تفعل ما يفعله الحاج: من الوقوف بعرفة ومنى ومزدلفة ورمي الجماروسائر أفعال الحج غير الطواف، فإنها تمتنع منه حتى تَطْهر من حيضها وتغتسل.
"قالت: فلمَّا قَدمت مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «اجْعَلُوها عُمرة»".
تعني لما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمَر من لم يسوقوا الهدي أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فمن أحرم بالحج ولم يكن ساق الهدي فإنه يَقْلب إحرامه بالحج عمرة، فيطوف ويسعى ويقصر، ثم هو قد حَلَّ من إحرامه، وفي رواية أخرى لمسلم: "فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَحِلَّ منَّا من لم يكن معه هدى، قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه".
"قالت: فأحَلَّ الناس إلا من كان معه الهَدْي، قالت: فكان الهَدْي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذَوِي اليَسَارَة".
تعني أن من لم يكن معه الهدي حلُّوا من إحرامهم بعد أن طافوا وسعوا وقصروا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن ساق الهدي ممن وسَّعَ الله عليهم بقوا على إحرامهم؛ لأنهم ساقوا الهدي ومن ساق الهدي لم يَجز له فسخ إحرامه إلى عمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "لولا أني سُقْتُ الهَدْي، لفعلت مثل الذي أمَرْتُكم به".
"قالت: ثم أهَلُّوا حين راحُوا".
تعني أن الذين طافوا وسعوا وقصروا، أهلوا بالحج حين راحُوا إلى منى وذلك يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحِجة.
"قالت: فلمَّا كان يوم النَّحر طَهَرْت".
أي: أنها طَهَرت من حيضها يوم النحر، وهو يوم العاشر من ذِي الحِجَّة، سُمي بذلك؛ لنَحر الأضاحي فيه.
"فأمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَفَضْتُ".
أي: بعد أن طَهَرت من حيضها رضي الله عنها يوم النَّحر أمَرَها النبي صلى الله عليه وسلم بأداء طواف الإفاضة فَفَعَلت.
"قالت: فَأُتِيَنَا بِلَحم بَقَر، فقلت: ما هذا؟".
يعني: أُرسل لها ولمن معها من النساء لحم بقر، ثم إنها سَألت عنه.
"فقالوا: أَهْدَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نِسَائه البَقر".
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَحَر عن كل واحدة من نسائه بقرة.
"فلمَّا كانت ليلة الحَصْبَةِ".
يعني لمَّا كانت ليلة النزول من منى، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك؛ لأنهم نَفَروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به، وفي البخاري : "أن النبي صلى الله عليه وسلم رقَد رقْدَةً في المُحصَّب، ثم ركِبَ إلى البيت فطاف به".
"قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بِحَجَّة وعُمرة وأرجع بِحَجَّة؟".
أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة؛ لأنهم كانوا متمتعين، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة؛ لأنها كانت قارنة، والعمرة في القران داخلة في الحج بالنية، وفي رواية لمسلم "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟"، فهي أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي: وقد تما وحسبا لك جميعا، فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس.
"قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فَأَرْدَفَنِي على جَمَلِه".
أي : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما بأن يخرج بها إلى التَّنْعِيم؛ لتأتي منه بعمرة، حتى تكون مثل بقية الناس، فأردفَها رضي الله عنه خَلفه كما في رواية مسلم الأخرى.
"قالت: فإني لأذْكُر، وأنا جَارية حَدِيثَةُ السِّن، أَنْعَسُ فيُصِيب وجْهِي مُؤْخِرَة الرَّحْل".
أي: عندما أردفها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه خلفه، وسار بها إلى التنعيم كانت تَنْعَس حتى أنها رأسها يسقط من شِدَّة النُّعاس، فيضرب في مؤخرة الرَّحْل.
"حتى جِئْنَا إلى التَّنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ منها بِعُمْرة؛ جزاء بِعُمْرَة الناس التي اعْتَمَرُوا".
أي لما وصلا إلى التنعيم، أهلت رضي الله عنها بعمرة مستقلة بأعمالها مقام عمرة الناس التي اعتمروها أولا.
وفي رواية في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها بعد أن أدَّت العمرة : "هذه مكان عمرتك" أي: هذه العمرة مكان العمرة التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة مع الحج، فمنعك الحيض من القيام بها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية خروج النساء للحج متى ما توفرت شروطه، ومنها المحرم.
  • جواز السفر يوم السبت، وكانت أكثر أسفاره -صلى الله عليه وسلم- يوم الخميس.
  • جواز استعمال: "لو" إذا لم يترتب عليها محذور شرعي، ويؤكده قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث.
  • حرص عائشة -رضي الله عنها- على إكمال الطاعة على أفضل وجه، ولهذا تمنت أنها لم تحج معهم تلك السَّنة، ظنًّا منها أنها لن تكمل نسكها؛ بسبب حيضها.
  • تسمية الحيض نفاساً.
  • أنه ينبغي تَسْلِية المُصَاب بذكر ما كان مثل مُصيبته أو أشد.
  • أن دم الحيض دم طبيعة بخلاف من قال أنه دَم عقوبة عُوقبت به نساء بني إسرائيل، والحديث يرده؛ لأنه قال: "كتبه الله على بنات آدم".
  • أن ما قُدِّر على بَني آدم رجالهم ونِسَائهم لا يمكن تخلُّفه بحال من الأحوال.
  • صحة جميع أعمال الحج من الحائض والنفساء: من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة.
  • إدخال الحج على العمرة؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- أحرمت بعمرة وعندما حاضَت مُنعت من الطواف لأداء العمرة؛ فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة.
  • أن جميع أعمال الحج لا تُشترط لها الطهارة من الحَدَث الأكبر عدا الطواف بالبيت.
  • اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر للطواف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) فدل ذلك على أن الطهارة شرط لصحة الطواف.
  • لا تشترط الطهارة للإحرام، فيصح أن يحرم الإنسان وهو على غير طهارة، والأفضل أن يكون على طهارة إن أمكن ذلك.
  • أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد.
  • قَلْب الإحرام بالحج إلى عمرة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اجْعَلُوها عُمرة) وكان ذلك واجبًا على الصحابة -رضي الله عنهم- في ذلك العام.
  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنا في حَجَّته.
  • أن أبا بَكر وعمر وجمع من الصحابة -رضي الله عنهم- المَيْسُوِرين منهم قَرَنوا بين الحج والعُمرة.
  • أن الأفضل في حق من كان بمكة أن يُحرم بالحج يوم التروية ولا يُقَدِّمه عليه؛ لقولها -رضي الله عنها-: "أحرموا حين راحُوا"، ورواحهم كان يوم الثامن، وهو يوم التروية.
  • استحباب المُبادرة بطواف الإفاضة يوم النَّحَر.
  • لا حرج في السؤال عمَّا خَفِي أمره؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- سألت عن اللحم الذي أرسل لها؛ لجهلها بحاله.
  • جواز إهداء البقر.
  • وجوب الهَدي على القَارن؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- حَجَّت قارنة وأهدى عنها -عليه الصلاة والسلام-.
  • لا يلزم الزوج أن يهدي زوجته، وما فعله -صلى الله عليه وسلم- مع نسائه، فهذا من كريم خلقه، وحسن عشرته.
  • نزوله -صلى الله عليه وسلم- المُحَصَّب؛ لكونه أسمح لخروجه، ولا علاقة له بالمناسك إلا من جهة التخفيف على الحجيج.
  • دليل على جواز الإرْدَاف إذا كانت الدَّابة مُطيقة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك .
  • جواز إردَاف الرجل المرأة إذا كانت من محارمه والخلوة بها.
  • وجوب خروج المكي ومن أخذ حكمه من مكة، إذا أراد أن يحرم بعمرة، فيخرج إلى أدنى الحِل، سواء كان التنعيم أو غيره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة. ثم لا…

📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي

وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي إِلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَالٍ يُظَنُّ فَوَاتُهُ لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَآخَرُونَ هُوَ عَلَى الفور والله أعلم

(باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة لبسه ومالا يباح (وبيان تحريم الطيب عَلَيْهِ)

[١١٧٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ (لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ الا أحد لايجد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولاالورس) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزِلِهِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا فَحَصَلَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْمَذْكُورَاتِ وَيَلْبَسُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَكَانَ التَّصْرِيحُ بِمَا لَا يَلْبَسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ لِلْمُحْرِمِ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَضُبِطَ الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ على أنه لا يجوز للمحرم لبس شئ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ مَا كَانَ مُحِيطًا أَوْ مَخِيطًا مَعْمُولًا عَلَى)

قَدْرِ الْبَدَنِ أَوْ قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ كَالْجَوْشَنِ وَالتُّبَّانِ وَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهَا وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرَّأْسِ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى الْعِصَابَةُ فَإِنَّهَا حَرَامٌ فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا لِشَجَّةٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا شَدَّهَا وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرِّجْلِ مِنْ مَدَاسٍ وَجُمْجُمٍ وَجَوْرَبٍ وَغَيْرِهَا وَهَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الرِّجَالِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُبَاحُ لَهَا سَتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهَا بِكُلِّ سَاتِرٍ مِنْ مَخِيطٍ وَغَيْرِهِ إِلَّا سَتْرَ وَجْهِهَا فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِكُلِّ سَاتِرٍ وَفِي سَتْرِ يَدَيْهَا بِالْقُفَّازَيْنِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ وَنَبَّهَ صَلَّى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على مافي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ الطِّيبُ فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا فِي الْإِحْرَامِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَالْمُرَادُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَأَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرَارِي كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلِبَاسِهِ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَيَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ الذَّلِيلِ وَلِيَتَذَكَّرَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى كَثْرَةِ أَذْكَارِهِ وَأَبْلَغَ فِي مُرَاقَبَتِهِ وَصِيَانَتِهِ لِعِبَادَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَلِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْمَوْتَ وَلِبَاسَ الْأَكْفَانِ وَيَتَذَكَّرَ الْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالنَّاسُ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا وَيَجْتَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَطْعَهُمَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هذين

الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ أَحْمَدُ يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا ولا يجب قطعهما لحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ نَسْخَ حَدِيثِ بن عُمَرَ الْمُصَرِّحِ بِقَطْعِهِمَا وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعَهُمَا إِضَاعَةُ مَالٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُمَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا أسفل من الكعبين لحديث بن عمر قالوا وحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مُطْلَقَانِ فَيَجِبُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ لحديث بن عُمَرَ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ بَلْ حَقٍّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لا فقال مالك والشافعي ومن وافقهما لاشيء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِدْيَةٌ لَبَيَّنَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ يَحْلِقُهُ وَيَفْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[١١٧٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِهِمَا لِكَوْنِهِمَا طِيبًا وَأَلْحَقُوا بِهِمَا جَمِيعَ أَنْوَاعِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَسَبَبُ تَحْرِيمِ الطِّيبِ أَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّلَ الْحَاجِّ فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ وَسَوَاءٌ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَكَذَا جَمِيعُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ سِوَى اللِّبَاسِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ سَبْعَةٌ اللِّبَاسُ بِتَفْصِيلِهِ السَّابِقِ وَالطِّيبُ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ وَسَائِرُ الِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى الِاسْتِمْنَاءُ وَالسَّابِعُ إِتْلَافُ الصَّيْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَا نُهِيَ عَنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إِنْ كَانَ عَامِدًا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا فِدْيَةَ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَلَا يَحْرُمُ الْمُعَصْفَرُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَحَرَّمَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَعَلَاهُ طِيبًا وَأَوْجَبَا فِيهِ الْفِدْيَةَ وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ طِيبٍ وَلَا يَحْرُمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) يَعْنِي الْمُحْرِمُ هَذَا صَرِيحٌ في الدلالة

لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا وَمَنَعَهُ مَالِكٌ لِكَوْنِهِ لم يذكر وفي حديث بن عمر السابق والصواب اباحته بحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا مَعَ حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَهُ أَمَّا حديث بن عُمَرَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حالة وجود الازار وذكر في حديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ حَالَةَ الْعَدَمِ فَلَا مُنَافَاةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ) فِيهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا إِسْكَانُ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفُ الرَّاءِ وَالثَّانِيَةُ كَسْرُ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ وَالْأُولَى أَفْصَحُ وَبِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهَكَذَا اللُّغَتَانِ فِي تَخْفِيفِ الْحُدَيْبِيَةِ وَتَشْدِيدِهَا وَالْأَفْصَحُ التَّخْفِيفُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ

[١١٨٠] قَوْلُهُ (عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يعمل

فِيهِ زَعْفَرَانٌ قَوْلُهُ (لَهُ غَطِيطٌ) هُوَ كَصَوْتِ النَّائِمِ الَّذِي يُرَدِّدُهُ مَعَ نَفَسِهِ قَوْلُهُ (كَغَطِيطِ الْبَكْرِ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ قَوْلُهُ (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ) هُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ أُزِيلَ مَا بِهِ وَكُشِفَ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّائِلِ عَنِ الْعُمْرَةِ (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ) فِيهِ تَحْرِيمُ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لِأَنَّهُ إِذَا حَرُمَ دَوَامًا فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَفِيهِ إِنَّ الْعُمْرَةَ يَحْرُمُ فِيهَا مِنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ السَّبْعَةِ السَّابِقَةِ مَا يَحْرُمُ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِزَالَتِهِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ فِي إِحْرَامِهِ طِيبٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنَّمَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُتَطَيِّبِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا إِذَا طَالَ لُبْثُهُ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ) دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا صَارَ عَلَيْهِ مَخِيطٌ يَنْزِعُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَقُّهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ لَا يَجُوزُ نَزْعُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُغَطِّيًا رَأْسَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ شَقُّهُ وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ) مَعْنَاهُ مِنَ اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أَرَادَ مَعَ ذَلِكَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحَلْقَ بِصِفَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا وَإِظْهَارَ التَّلْبِيَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَيَخُصُّ مِنْ عُمُومِهِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا السَّائِلَ كَانَ عَالِمًا بِصِفَةِ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ فَلِهَذَا قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ أَمْسَكَ عَنْ جَوَابِهَا حَتَّى يَعْلَمَهُ أَوْ يَظُنَّهُ بِشَرْطِهِ وَفِيهِ أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ بِوَحْيٍ لَا يُتْلَى وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِوَحْيٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمُ ذَلِكَ أَوْ أَنَّ الْوَحْيَ بَدَرَهُ قَبْلَ تَمَامِ الِاجْتِهَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَقَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَقَالَ أَيَسُرُّكَ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْقَائِلُ مَنْ هُوَ وَلَا سَبَقَ لَهُ ذِكْرٌ وَهَذَا الْقَائِلُ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قوله (وعليه مقطعات) هي بفتح الطاء المشددة وهي الثياب المخيطة وأوضحه بقوله يعنى جبة قَوْلُهُ (مُتَضَمِّخٌ) هُوَ بِالضَّادِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ مُتَلَوِّثٌ بِهِ مُكْثِرٌ مِنْهُ

قَوْلُهُ (مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ) هُوَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وسبب ذلك شدة الوحى وهو له قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثقيلا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) إِنَّمَا أَمَرَ بِالثَّلَاثِ مُبَالَغَةً فِي إِزَالَةِ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ وَالْوَاجِبُ الْإِزَالَةُ فَإِنْ حَصَلَتْ بِمَرَّةٍ كَفَتْ وَلَمْ تَجِبِ الزِّيَادَةُ وَلَعَلَّ الطِّيبَ الَّذِي كَانَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ كَثِيرٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مُتَضَمِّخٌ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اغْسِلْهُ فَكَرَّرَ الْقَوْلَ ثَلَاثًا وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ (صَفْوَانَ

بن يعلى بن أمية) وفي بعضها بن مُنْيَةَ وَهُمَا صَحِيحَانِ فَأُمَيَّةُ أَبُو يَعْلَى وَمُنْيَةُ أُمُّ يَعْلَى وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى أَبِيهِ وَتَارَةً إِلَى أُمِّهِ وَهِيَ مُنْيَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا رَبَاحُ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ (فَسَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ) أَيْ لَمْ يَرُدَّ جَوَابَهُ قَوْلُهُ (خَمَّرَهُ عُمَرُ بِالثَّوْبِ) أَيْ غَطَّاهُ وَأَمَّا إِدْخَالُ يَعْلَى رَأْسَهُ وَرُؤْيَتُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَإِذْنُ عُمَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَتِلْكَ الْحَالِ لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَةُ الْإِيمَانِ بِمُشَاهَدَةِ حَالَةِ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

فَالشَّجَرَةُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَمَّا الْبَيْدَاءُ فَهِيَ بِطَرَفِ ذي الحليفة قال القاضي يحمل أَنَّهَا نَزَلَتْ بِطَرَفِ الْبَيْدَاءِ لِتَبْعُدَ عَنِ النَّاسِ وَكَانَ مَنْزِلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَقِيقَةً وَهُنَاكَ بَاتَ وَأَحْرَمَ فَسُمِّيَ مَنْزِلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ بِاسْمِ مَنْزِلِ إِمَامِهِمْ

(بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُ الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ)

(وَالْقِرَانِ وَجَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ ومتى يحل للقارن مِنْ نُسُكِهِ) قَوْلُهُمْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَهَا وَكَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ اعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ إِفْرَادِ الْحَجِّ عَنِ الْعُمْرَةِ وَجَوَازِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَسَنُوَضِّحُ مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهُ ثُمَّ يَعْتَمِرَ وَالتَّمَتُّعُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَفْرُغَ مِنْهُ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ طَوَافِهَا صَحَّ وَصَارَ قَارِنًا فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيَصِيرُ قَارِنًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ مِنَ الْحَجِّ وَقِيلَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَقِيلَ قَبْلَ فِعْلِ فَرْضٍ وَقِيلَ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ غَيْرِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَيُّهَا أَفْضَلُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَكَثِيرُونَ أَفْضَلُهَا الْإِفْرَادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ وَقَالَ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ أَفْضَلُهَا

التَّمَتُّعُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ أَفْضَلُهَا الْقِرَانُ وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ قَوْلَانِ آخَرَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ تَفْضِيلُ الْإِفْرَادِ ثُمَّ التَّمَتُّعِ ثُمَّ الْقِرَانِ وَأَمَّا حَجَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا هَلْ كَانَ مُفْرِدًا أَمْ مُتَمَتِّعًا أَمْ قَارِنًا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ مَذَاهِبهِمُ السَّابِقَةِ وَكُلُّ طَائِفَةٌ رَجَّحَتْ نَوْعًا وَادَّعَتْ أَنَّ حَجَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ كَذَلِكَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجِّ فَصَارَ قَارِنًا وَقَدِ اخْتَلَفَتْ رِوَايَاتُ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ هَلْ كَانَ قَارِنًا أَمْ مُفْرِدًا أَمْ مُتَمَتِّعًا وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رِوَايَاتِهِمْ كَذَلِكَ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا مَا ذَكَرْتُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ صَارَ قَارِنًا فَمَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ هُوَ الْأَصْلُ وَمَنْ رَوَى الْقِرَانَ اعْتَمَدَ آخِرَ الْأَمْرِ وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَالِارْتِفَاقُ وَقَدِ ارْتَفَقَ بِالْقِرَانِ كَارْتِفَاقِ الْمُتَمَتِّعِ وَزِيَادَةٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ وَبِهَذَا الْجَمْعِ تَنْتَظِمُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي كِتَابٍ صَنَّفَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَاصَّةً وَادَّعَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا وَتَأَوَّلَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَدِلَّتِهِ وَجَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَعَلَّقِ بِهَا وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ فِي تَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ بِأَنَّهُ صَحَّ ذَلِكَ مِنْ رواية جابر وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ مَزِيَّةٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى غَيْرِهِمْ فَأَمَّا جَابِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ الصَّحَابَةِ سِيَاقَةً لِرِوَايَةِ حَدِيثِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا مِنْ حِينِ خُرُوجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى آخِرِهَا فَهُوَ أضبط لها من غيره وأما بن عُمَرَ فَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ رَجَّحَ قَوْلَ أَنَسٍ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ كَانَ أَنَسٌ يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ وَهُنَّ مُكْشِفَاتٌ الرُّءُوسَ وَإِنِّي كُنْتُ تَحْتَ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّنِي لُعَابُهَا أَسْمَعُهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَأَمَّا عَائِشَةُ فَقُرْبُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرُوفٌ وَكَذَلِكَ اطِّلَاعُهَا عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِ وَظَاهِرِهِ وَفِعْلِهِ فِي خَلْوَتِهِ وَعَلَانِيَتِهِ مَعَ كَثْرَةِ فقهها وعظم فطنتها وأما بن عَبَّاسٍ فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْفَهْمِ الثَّاقِبِ مَعْرُوفٌ مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِهِ وَتَحَفُّظِهِ أَحْوَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَمْ يَحْفَظْهَا غَيْرُهُ وَأَخْذُهُ إِيَّاهَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ دَلَائِلِ تَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَوَاظَبُوا

عَلَى إِفْرَادِهِ كَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَاخْتَلَفَ فِعْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ وَعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ مُفْرِدًا لَمْ يُوَاظِبُوا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ وَقَادَةُ الْإِسْلَامِ وَيُقْتَدَى بِهِمْ فِي عَصْرِهِمْ وَبَعْدَهُمْ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا الْخِلَافُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا فَعَلُوهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ بِالْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ لِكَمَالِهِ وَيَجِبُ الدَّمُ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَهُوَ دَمُ جُبْرَانٍ لِفَوَاتِ الْمِيقَاتِ وَغَيْرِهِ فكان مالا يَحْتَاجُ إِلَى جَبْرٍ أَفْضَلَ وَمِنْهَا أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِ الْإِفْرَادِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَكَرِهَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَغَيْرُهُمَا التَّمَتُّعَ وَبَعْضُهُمُ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ فَكَانَ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي صِفَةِ حَجَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ عَنْ مُشَاهَدَةٍ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَمِنْ مُجِيدٍ مُنْصِفٍ وَمِنْ مُقَصِّرٍ مُتَكَلِّفٍ وَمِنْ مُطِيلٍ مُكْثِرٍ وَمِنْ مُقْتَصِرٍ مُخْتَصِرٍ قَالَ وَأَوْسَعُهُمْ فِي ذَلِكَ نَفَسًا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ الْحَنَفِيُّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَلْفِ وَرَقَةٍ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ثُمَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ ثُمَّ الْمُهَلَّبُ وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ الْبَغْدَادِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَوْلَى مَا يُقَالُ فِي هَذَا عَلَى مَا فَحَصْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَاخْتَرْنَاهُ مِنَ اخْتِيَارَاتِهِمْ مِمَّا هُوَ أَجْمَعُ لِلرِّوَايَاتِ وَأَشْبَهُ بِمَسَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ لِلنَّاسِ فِعْلَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِيَدُلَّ عَلَى جَوَازِ جَمِيعِهَا وَلَوْ أَمَرَ بِوَاحِدٍ لَكَانَ غَيْرُهُ يظن انه لا يجزئ فَأُضِيفَ الْجَمِيعُ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَأَبَاحَهُ لَهُ وَنَسَبَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا لِأَمْرِهِ بِهِ وَإِمَّا لِتَأْوِيلِهِ عَلَيْهِ وَأَمَّا إِحْرَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ فَأَخْذَ بِالْأَفْضَلِ فَأَحْرَمَ مُفْرِدًا لِلْحَجِّ وَبِهِ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهَا أَمَرَ بِهِ وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ بِأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا فَإِخْبَارٌ عَنْ حَالَتِهِ الثَّانِيَةِ لَا عَنِ ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ بَلْ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ حِينَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ حَجِّهِمْ وَقَلَبَهُ إِلَى عُمْرَةٍ لِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ فِي آخِرِ إِحْرَامِهِمْ قَارِنِينَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ وَفَعَلَ ذَلِكَ مُوَاسَاةً لِأَصْحَابِهِ وَتَأْنِيسًا لَهُمْ فِي فِعْلِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُنْكَرَةً عِنْدَهُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يمكنه

التَّحَلُّلُ مَعَهُمْ بِسَبَبِ الْهَدْيِ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي تَرْكِ مُوَاسَاتِهِمْ فَصَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِنًا فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَمَنَعَهُ وَقَالَ لَا يَدْخُلُ إِحْرَامٌ عَلَى إِحْرَامٍ كَمَا لَا تَدْخُلُ صَلَاةٌ عَلَى صَلَاةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ على الحج فجوزه أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَجَعَلُوا هَذَا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِضَرُورَةِ الِاعْتِمَارِ حِينَئِذٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَالَ وَكَذَلِكَ يُتَأَوَّلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَيْ تَمَتَّعَ بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفَعَلَهَا مَعَ الْحَجِّ لِأَنَّ لَفْظَ التَّمَتُّعِ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ فَانْتَظَمَتِ الْأَحَادِيثُ وَاتَّفَقَتْ قَالَ وَلَا يَبْعُدُ رَدُّ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِ هَذَا مَعَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا فَيَكُونُ الْإِفْرَادُ إِخْبَارًا عَنْ فِعْلِهِمْ أَوَّلًا وَالْقِرَانُ إِخْبَارًا عَنْ إِحْرَامِ الَّذِينَ مَعَهُمْ هَدْيٌ بِالْعُمْرَةِ ثَانِيًا وَالتَّمَتُّعُ لِفَسْخِهِمُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ ثُمَّ إِهْلَالِهِمْ بِالْحَجِّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا كَمَا فَعَلَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِنَّهُ أَحْرَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا مُنْتَظِرًا مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ إِفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ ثُمَّ أُمِرَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أُمِرَ بِالْعُمْرَةِ مَعَهُ فِي وَادِي الْعَقِيقِ بِقَوْلِهِ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ قَالَ الْقَاضِي وَالَّذِي سَبَقَ أَبْيَنُ وَأَحْسَنُ فِي التَّأْوِيلِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَهُ لَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ أَحْرَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا مُبْهَمًا لِأَنَّ رِوَايَةَ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ أَنْعَمَ الشَّافِعِيُّ بِبَيَانِ هَذَا فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ وَجودُ الْكَلَامِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِي اقْتِصَاصِ كُلِّ مَا قَالَهُ تَطْوِيلٌ وَلَكِنَّ الْوَجِيهَ وَالْمُخْتَصَرَ مِنْ جَوَامِعِ مَا قَالَ أَنَّ مَعْلُومًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَوَازُ إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْأَمْرِ كَجَوَازِ إِضَافَتِهِ إِلَى الْفَاعِلِ كَقَوْلِكَ بَنَى فُلَانٌ دَارًا إِذَا أَمَرَ بِبِنَائِهَا وَضَرَبَ الْأَمِيرُ فُلَانًا إِذَا أَمَرَ بِضَرْبِهِ وَرَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا وَقَطَعَ سَارِقَ رداء صَفْوَانَ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمُ الْمُفْرِدُ وَالْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ كُلٌّ مِنْهُمْ يَأْخُذُ عَنْهُ أَمْرَ نُسُكِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ فَجَازَ أَنْ تُضَافَ كُلُّهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا وَأَذِنَ فِيهَا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمِعَهُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ فَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ أَفْرَدَ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ فَلَمْ يَحْكِ إِلَّا مَا سَمِعَ وَسَمِعَ أَنَسٌ وَغَيْرُهُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَلَا يُنْكَرُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا

يَحْصُلُ التَّنَاقُضُ لَوْ كَانَ الزَّائِدُ نَافِيًا لِقَوْلِ صَاحِبِهِ فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُثْبِتًا لَهُ وَزَائِدًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِي سَمِعَهُ يَقُولُ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ فَيَقُولُ لَهُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّلْقِينِ فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ ظَاهِرًا لَيْسَ فِيهَا تَنَاقُضٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا سَهْلٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) يُقَالُ هَدْيٌ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وتخفيف الياء وهدي بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْأُولَى أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى الحرم من الأنعام وسوق الهدي سنة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ قَوْلُهُ (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ قَالَتْ وَلَمْ أُهِلَّ إِلَّا بِعُمْرَةٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا أَحْرَمَتْ بِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَذَكَرَ مُسْلِمٌ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْهَا خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْهَا خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ وَفِي رِوَايَةٍ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا نُلَبِّي لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَنَا قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَرَجَّحُ أَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ لِأَنَّهَا رِوَايَةُ عَمْرَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالْقَاسِمِ وَغَلَّطُوا عُرْوَةَ فِي الْعُمْرَةِ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ وَرَجَّحُوا رِوَايَةَ غَيْرِ عُرْوَةَ عَلَى رِوَايَتِهِ لِأَنَّ عُرْوَةَ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زيد عن هاشم عَنْهُ حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا دَعِي عُمْرَتَكِ فَقَدْ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَيْسَ هَذَا بِوَاضِحٍ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مِمَّنْ حَدَّثَهُ ذَلِكَ قَالُوا أَيْضًا وَلِأَنَّ رِوَايَةَ عَمْرَةَ

وَالْقَاسِمِ نَسَّقَتْ عَمَلَ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَلِهَذَا قَالَ الْقَاسِمُ عَنْ رِوَايَةِ عَمْرَةَ أَنْبَأَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ قَالُوا وَلِأَنَّ رِوَايَةَ عُرْوَةَ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ إِحْرَامِ عَائِشَةَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ مُمْكِنٌ فَأَحْرَمَتْ أَوَّلًا بِالْحَجِّ كَمَا صَحَّ عَنْهَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَكَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَهَكَذَا فسره الْقَاسِمُ فِي حَدِيثِهِ فَأَخْبَرَ عُرْوَةُ عَنْهَا بِاعْتِمَارِهَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ أَمْرِهَا قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ تَعَارَضَ هَذَا بِمَا صَحَّ عَنْهَا فِي إِخْبَارِهَا عَنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْإِحْرَامِ وَأَنَّهَا أَحْرَمَتْ هِيَ بِعُمْرَةٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ ثُمَّ فَسَخَتْهُ إِلَى عُمْرَةٍ حِينَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْفَسْخِ فَلَمَّا حَاضَتْ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا إِتْمَامُ الْعُمْرَةِ وَالتَّحَلُّلُ مِنْهَا وَإِدْرَاكُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَتْ فَصَارَتْ مُدْخِلَةً لِلْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَقَارِنَةً وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ لَيْسَ مَعْنَاهُ إِبْطَالُهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالتَّحَلُّلِ بَعْدَ فَرَاغِهَا بَلْ مَعْنَاهُ ارْفُضِي الْعَمَلَ فِيهَا وَإِتْمَامَ أَفْعَالِهَا الَّتِي هِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَتَقْصِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ فَأَمَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَأَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَتَصِيرَ قَارِنَةً وَتَقِفَ بِعَرَفَاتٍ وَتَفْعَلَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ فَتُؤَخِّرَهُ حَتَّى تَطْهُرَ وَكَذَلِكَ فَعَلَتْ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بَعْدَ هَذَا فِي آخِرِ رِوَايَاتِ عَائِشَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ بَهْزٍ عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّفْرِ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ فَأَبَتْ فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ هَذَا لَفْظُهُ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ عُمْرَتَهَا بَاقِيَةٌ صَحِيحَةٌ مُجْزِئَةٌ وَأَنَّهَا لَمْ تُلْغِهَا

وَتَخْرُجْ مِنْهَا فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَدَعِي عُمْرَتَكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رَفْضِ الْعَمَلِ فِيهَا وَإِتْمَامِ أَفْعَالِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَمَّا مَضَتْ مَعَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ (هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَكُونَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ عَنِ الْحَجِّ كَمَا حَصَلَ لِسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فَسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَأَتَمُّوا الْعُمْرَةَ وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ثُمَّ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَحَصَلَ لَهُمْ عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَحَجَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَأَمَّا عَائِشَةُ فَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْدَرِجَةٌ فِي حَجَّةٍ بِالْقِرَانِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّفْرِ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ أَيْ وَقَدْ تَمَّا وَحُسِبَا لَكِ جَمِيعًا فَأَبَتْ وَأَرَادَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً كَمَا حَصَلَ لِبَاقِي النَّاسِ فَلَمَّا اعْتَمَرَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ أَيِ الَّتِي كُنْتِ تُرِيدِينَ حُصُولَهَا مُنْفَرِدَةً غَيْرَ مُنْدَرِجَةٍ فَمَنَعَكِ الْحَيْضُ مِنْ ذَلِكَ وَهَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهَا يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ أَيْ يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِدٍ وَعُمْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا وَلَيْسَ لِي عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَإِنَّمَا حَرَصَتْ عَلَى ذَلِكَ لِتُكْثِرَ أَفْعَالَهَا وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْقِرَانُ أَفْضَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[١٢١١] وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي) فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ نَقْضَ الرَّأْسِ وَالِامْتِشَاطَ جَائِزَانِ عِنْدَنَا فِي الْإِحْرَامِ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا وَلَكِنْ يُكْرَهُ الِامْتِشَاطُ إِلَّا لِعُذْرٍ وَتَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ فِعْلَ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْذُورَةً بِأَنْ كَانَ فِي رَأْسِهَا أَذًى فَأَبَاحَ لَهَا الِامْتِشَاطَ كَمَا أَبَاحَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْحَلْقَ لِلْأَذَى وَقِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِامْتِشَاطِ هُنَا حَقِيقَةَ الِامْتِشَاطِ بِالْمُشْطِ بَلْ تَسْرِيحَ الشَّعْرِ بِالْأَصَابِعِ للغسل لاحرامها بالحج لاسيما إِنْ كَانَتْ لَبَّدَتْ رَأْسَهَا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ وَكَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَصِحُّ غُسْلُهَا إِلَّا بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ شَعْرِهَا وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا نَقْضُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا

جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَنْ طَوَافِ الرُّكْنِ وَأَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ وَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ كُلُّهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عن بن عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ وَهُوَ محكي عن علي بن أبي طالب وبن مسعود والشعبي والنخعي والله أعلم قولهن (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْأَحَادِيثِ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ إِحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِمْ وَدُنُوِّهِمْ مِنْ مَكَّةَ بِسَرِفَ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَوْ بَعْدَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَسَعْيِهِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ ويحتمل تكرارا الْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَنَّ الْعَزِيمَةَ كَانَتْ آخِرًا حِينَ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ قَوْلُهَا (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَتَحَلَّلْ وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَمُوَافِقِهِمَا فِي أَنَّ الْمُعْتَمِرَ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِمَا أَنَّهُ إِذَا طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْحَالِ سَوَاءٌ كَانَ سَاقَ هَدْيًا أَمْ لَا وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَبِأَنَّهُ تَحَلَّلَ مِنْ نُسُكِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ كَمَا لَوْ تَحَلَّلَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَأَجَابُوا عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا مُخْتَصَرَةٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَهَا وَالَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلَهَا عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْمَحْذُوفِ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَتَقْدِيرُهَا وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ وَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ وَاحِدَةٌ وَالرَّاوِي وَاحِدٌ فَيَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ) فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا وَإِنَّمَا أَمْسَكَتْ عَنْ أَعْمَالِهَا وَأَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ فَأَدْرَجَتْ أَعْمَالَهَا بِالْحَجِّ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَدَعِي عُمْرَتَكِ أَنَّ الْمُرَادَ رَفْضُ إِتْمَامِ أَعْمَالِهَا لَا إِبْطَالُ أَصْلِ الْعُمْرَةِ قَوْلُهَا (فَأَرْدَفَنِي) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِرْدَافِ إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مُطِيقَةً وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ وَفِيهِ جَوَازُ إِرْدَافِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ مِنْ مَحَارِمِهِ وَالْخَلْوَةِ بِهَا وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فليهل وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ) فِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ

عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِهَا كَمَا سَبَقَ قَوْلُهَا (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ نَفَرُوا مِنْ مِنًى فَنَزَلُوا فِي الْمُحَصَّبِ وَبَاتُوا بِهِ قَوْلُهَا (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ مُقَارِنِينَ لِاسْتِهْلَالِهِ وَكَانَ خُرُوجُهُمْ قَبْلَهُ لِخَمْسٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ التَّمَتُّعِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ هَذَا مِنْ أَجْلِ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ الَّذِي هُوَ خَاصٌّ لَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ خَاصَّةً لِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ التَّمَتُّعَ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ وَقَالَ هَذَا تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَصْحَابِهِ وَكَانَتْ نُفُوسُهُمْ لَا تَسْمَحُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا فَقَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْكَلَامَ وَمَعْنَاهُ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ مُوَافَقَتِكُمْ فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ إِلَّا سَوْقِي الْهَدْيَ وَلَوْلَاهُ لَوَافَقْتُكُمْ وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ هَذَا الرَّأْيَ وَهُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِي لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا قَوْلُهَا (فَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى إِخْبَارِهَا عَنْ نَفْسِهَا أَيْ لَمْ يَكُنْ

عَلَيَّ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ ثُمَّ إِنَّهُ مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَالْقَارِنُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ وَكَذَلِكَ الْمُتَمَتِّعُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَأَوَّلَ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ دَمُ ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَالطِّيبِ وَسَتْرِ الْوَجْهِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَإِزَالَةِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ لَمْ أَرْتَكِبْ مَحْظُورًا فَيَجِبُ بِسَبَبِهِ هَدْيٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ صَوْمٌ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي تَأْوِيلِهِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي حَجٍّ مُفْرَدٍ لَا تَمَتُّعٍ وَلَا قِرَانٍ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى وُجُوبِ الدَّمِ فِيهِمَا إِلَّا دَاوُدَ الظَّاهِرِيَّ فَقَالَ لَا دَمَ عَلَى الْقَارِنِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهَذَا اللَّفْظُ وهو قوله وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ ظَاهِرُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ وَلَكِنْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَى الْمُدْرَجِ قَوْلُهَا (خَرَجْنَا مُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ مَعْنَاهُ لَا نَعْتَقِدُ أَنَّا نُحْرِمُ إِلَّا بِالْحَجِّ لِأَنَّا كُنَّا نَظُنُّ امْتِنَاعَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ

قَوْلُهَا (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ بِقُرْبِ مَكَّةَ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا قِيلَ سِتَّةٌ وَقِيلَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ تِسْعَةٌ وَقِيلَ عَشَرَةٌ وَقِيلَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَفِسْتِ) مَعْنَاهُ أَحِضْتِ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَالْفَاءُ مَكْسُورَةٌ فِيهِمَا وَأَمَّا النِّفَاسُ الَّذِي هُوَ الْوِلَادَةُ فَيُقَالُ فِيهِ نُفِسَتْ بِالضَّمِّ لَا غَيْرَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَيْضِ (هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) هذا تسلية لها وتخفيف لهما وَمَعْنَاهُ أَنَّكِ لَسْتِ مُخْتَصَّةً بِهِ بَلْ كُلُّ بَنَاتِ آدَمَ يَكُونُ مِنْهُنَّ هَذَا كَمَا يَكُونُ مِنْهُنَّ وَمِنَ الرِّجَالِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَغَيْرُهُمَا وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ كَانَ فِي جَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ وَأَنْكَرَ بِهِ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَيْضَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ وَوَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي) مَعْنَى اقْضِي افْعَلِي كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَاصْنَعِي وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ وَالْمُحْدِثَ وَالْجُنُبَ يَصِحُّ مِنْهُمْ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ وأقواله وهيأته إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ فَيَصِحُّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ وَغَيْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْأَغْسَالُ

الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحَجِّ تُشْرَعُ لِلْحَائِضِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ مِنَ الْحَائِضِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ هِيَ شَرْطٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ فَمَنْ شَرَطَ الطَّهَارَةَ قَالَ الْعِلَّةُ فِي بُطْلَانِ طَوَافِ الْحَائِضِ عَدَمُ الطَّهَارَةِ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا قَالَ الْعِلَّةُ فِيهِ كَوْنُهَا مَمْنُوعَةً مِنَ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ قَوْلُهَا (وَضَحَّى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ تَضْحِيَةَ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ فِي أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالْبَقَرِ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَفْضِيلِ الْبَقَرِ وَلَا عُمُومُ لَفْظٍ إِنَّمَا هِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ مُحْتَمِلَةٌ لِأُمُورٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَا قَالَهُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالْبَدَنَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً إِلَى آخِرِهِ قَوْلُهَا (فَطَمِثْتُ) هُوَ

بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ حِضْتُ يُقَالُ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَتَحَيَّضَتْ وَطَمِثَتْ وَعَرَكَتْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَنَفِسَتْ وَضَحِكَتْ وَأَعْصَرَتْ وَأَكْبَرَتْ كُلُّهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَالِاسْمُ مِنْهُ الْحَيْضُ وَالطَّمْسُ وَالْعَرَاكُ وَالضَّحِكُ وَالْإِكْبَارُ وَالْإِعْصَارُ وَهِيَ حَائِضٌ وَحَائِضَةٌ فِي لُغَةِ غَرِيبَةٍ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ وَطَامِثٌ وَعَارِكٌ وَمُكْبِرٌ وَمُعْصِرٌ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ حَجِّ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا اسْتَطَاعَتْهُ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلَ الْمَحْرَمُ لَهَا مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِطَاعَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ وَأَمَّا حَجُّ الْفَرْضِ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ له منعها منه وللشافعي فيه قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَأَصَحُّهُمَا لَهُ مَنْعُهَا لِأَنَّ حَقُّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِزَوْجَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ قَوْلُهَا (ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا) يَعْنِي الَّذِينَ تَحَلَّلُوا بِعُمْرَةٍ وَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ حِينَ رَاحُوا إِلَى مِنًى وَذَلِكَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيمَنْ هُوَ بِمَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَلَا يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ قَوْلُهَا (أَنْعُسُ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ قولها (فاهللت منها بعمرة جزاء لعمرة النَّاسِ) أَيْ تَقُومُ مَقَامَ عُمْرَةِ النَّاسِ وَتَكْفِينِي عَنْهَا قَوْلُهَا (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ) قَوْلُهَا

حُرُمِ الْحَجِّ هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ كَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنِ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ قَالَ وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَالَ فَعَلَى الضَّمِّ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْأَوْقَاتَ وَالْمَوَاضِعَ وَالْأَشْيَاءَ وَالْحَالَاتِ أَمَّا بِالْفَتْحِ فَجَمْعُ حُرْمَةٍ أَيْ مَمْنُوعَاتِ الشَّرْعِ وَمُحَرَّمَاتِهِ وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِنَسَبٍ حُرْمَةٌ وَجَمْعُهَا حُرُمٌ وَأَمَّا قَوْلُهَا في اشهر الحج فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ فِي قول الله تعالى الحج أشهر معلومات فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ تَمْتَدُّ إِلَى الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بكماله وهو مروي أيضا عن بن عباس وبن عُمَرَ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْجُمْهُورِ قَوْلُهَا (فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَنْ لَمْ يكن

مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا فَمِنْهُمُ الْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَعْدَ هَذَا أنه صلى الله عليه وسلم قال أو ما شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ يَعْنِي بِعُمْرَةٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ فَحِلُّوا قَالَ فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا وَأَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بِهَا مُتْعَةً قَالُوا كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سمينا الحج قَالَ افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ صَحِيحَةٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ وَتَحَتُّمٍ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ خَيَّرَهُمْ أَوَّلًا بَيْنَ الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ مُلَاطَفَةً لَهُمْ وَإِينَاسًا بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهَا مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَسْخَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ وَأَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ وَكَرِهَ تَرَدُّدَهُمْ فِي قَبُولِ ذَلِكَ ثُمَّ قَبِلُوهُ وَفَعَلُوهُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ) كَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ قَالَ الْقَاضِي كَذَا رَوَاهُ جُمْهُورُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ وهو الصواب قولها (قال ومالك قلت

لَا أُصَلِّي) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْكِنَايَةِ عَنِ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُسْتَحَى مِنْهُ وَيُسْتَشْنَعُ لَفْظُهُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ حَاجَةً كَإِزَالَةِ وَهْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِيقَاتُهُ لَهَا أَدْنَى الْحِلِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ فَإِنْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ وَخَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ يَصِحُّ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَمَا أَنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَهِيَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ الْخُرُوجُ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَخْرُجْ لَزِمَهُ دَمٌ وَقَالَ عَطَاءٌ لاشيء عَلَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُجْزِئُهُ

حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ مَالِكٌ لَا بُدَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ خَاصَّةً قَالُوا وَهُوَ مِيقَاتُ الْمُعْتَمِرِينَ مِنْ مَكَّةَ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ أَنَّ جَمِيعَ جِهَاتِ الْحِلِّ سَوَاءٌ وَلَا تَخْتَصُّ بِالتَّنْعِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ أَوْ قَالَ نَفَقَتِكِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الثَّوَابَ وَالْفَضْلَ فِي الْعِبَادَةِ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ

النَّصَبِ وَالنَّفَقَةِ وَالْمُرَادُ النَّصَبُ الَّذِي لَا يَذُمُّهُ الشَّرْعُ وَكَذَا النَّفَقَةُ قَوْلُهَا (قَالَتْ صَفِيَّةُ مَا أرانى إلا حابستكم قال عقرى حلقى أو ما كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ بَلَى قَالَ لَا بَأْسَ انْفِرِي) مَعْنَاهُ أَنَّ صَفِيَّةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْوَدَاعِ فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّجُوعَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَتْ مَا أَظُنُّنِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ لِانْتِظَارِ طُهْرِي وَطَوَافِي لِلْوَدَاعِ فَإِنِّي لَمْ أَطُفْ لِلْوَدَاعِ وَقَدْ حِضْتُ وَلَا يُمْكِنُنِي الطَّوَافُ الْآنَ وَظَنَّتْ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَسْقُطُ عَنِ الْحَائِضِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا كُنْتِ طُفْتِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ بَلَى قَالَ يَكْفِيكِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الطَّوَافُ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُ وَأَمَّا طَوَافُ الْوَدَاعِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَقْرَى حَلْقَى) فَهَكَذَا يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُونَ بِالْأَلِفِ الَّتِي هِيَ أَلِفُ التَّأْنِيثِ وَيَكْتُبُونَهُ بِالْيَاءِ وَلَا يُنَوِّنُونَهُ وَهَكَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُحْصَوْنَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ عَنْ رِوَايَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ صَحِيحٌ فَصِيحٌ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَى عَقْرَى

عقرها الله تعالى وحلقى حَلَقَهَا اللَّهُ قَالَ يَعْنِي عَقَرَ اللَّهُ جَسَدَهَا وَأَصَابَهَا بِوَجَعٍ فِي حَلْقِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ عَقْرَى حَلْقَى وَإِنَّمَا هُوَ عَقْرًا حَلْقًا قَالَ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ وُقُوعُهُ قَالَ شَمِرٌ قُلْتُ لِأَبِي عُبَيْدٍ لِمَ لَا تُجِيزُ عَقْرَى فَقَالَ لِأَنَّ فَعْلَى تَجِيءُ نَعْتًا وَلَمْ تَجِئْ فِي الدُّعَاءِ فَقُلْتُ رَوَى بن شُمَيْلٍ عَنِ الْعَرَبِ مَطْبَرَى وَعَقْرَى أَخَفُّ مِنْهَا فَلَمْ يُنْكِرْهُ هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ عَقْرَى حَلْقَى مَعْنَاهُ عَقَرَهَا اللَّهُ وَحَلَقَهَا أَيْ حَلَقَ شَعْرَهَا أَوْ أَصَابَهَا بِوَجَعٍ فِي حَلْقِهَا قَالَ فَعَقْرَى ها هنا مَصْدَرٌ كَدَعْوَى وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَعْقِرُ قَوْمَهَا وَتَحْلِقُهُمْ بِشُؤْمِهَا وَقِيلَ الْعَقْرَى الْحَائِضُ وَقِيلَ عَقْرَى حَلْقَى أَيْ عَقَرَهَا اللَّهُ وَحَلَقَهَا هَذَا آخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ جَعَلَهَا اللَّهُ عَاقِرًا لا تلد وحلقى مشؤمة عَلَى أَهْلِهَا وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَهِيَ كَلِمَةٌ كَانَ أَصْلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ اتَّسَعَتِ الْعَرَبُ فِيهَا فَصَارَتْ تُطْلِقُهَا وَلَا تُرِيدُ حَقِيقَةَ مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَنَظِيرُهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ وَقَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ وَمَا أَشْعَرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَلَا يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ إِلَى طُهْرِهَا لِتَأْتِيَ بِهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهَا فِي تَرْكِهِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَقَوْلُهَا

(فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ فَقُلْتُ مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ قَالَ أو ما شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ) أَمَّا غَضَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّرْعِ وَتَرَدُّدِهِمْ فِي قَبُولِ حُكْمِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ويسلموا تسليما فَغَضِبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ انْتَهَاكِ حُرْمَةِ الشَّرْعِ وَالْحُزْنِ عَلَيْهِمْ فِي نَقْصِ إِيمَانِهِمْ بِتَوَقُّفِهِمْ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِحْبَابِ الْغَضَبِ عِنْدَ انْتَهَاكِ حُرْمَةِ الدِّينِ وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُخَالِفِ لِحُكْمِ الشَّرْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ قَالَ الْحَكَمُ كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ) قَالَ الْقَاضِي كَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِشْكَالٌ قَالَ وَزَادَ إِشْكَالَهُ تَغْيِيرٌ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ قَالَ الْحَكَمُ كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ وَكَذَا رواه بن أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَكَمَ شَكَّ فِي لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مَعَ ضَبْطِهِ لِمَعْنَاهُ فَشَكَّ هَلْ قَالَ يَتَرَدَّدُونَ أَوْ نَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ أَحْسِبُ أَيْ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا لَفْظُهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ مُسْلِمٍ بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ مِنَ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِ يَتَرَدَّدُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ لَوْ فِي التَّأَسُّفِ عَلَى فوات أمور

الدِّينِ وَمَصَالِحِ الشَّرْعِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي أَنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّأَسُّفِ عَلَى حُظُوظِ الدُّنْيَا وَنَحْوِهَا وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي اسْتِعْمَالِ لَوْ فِي غَيْرِ حُظُوظِ الدُّنْيَا وَنَحْوِهَا فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يجزى عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ) فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَلَمْ تَرْفُضِ الْعُمْرَةَ رَفْضَ إِبْطَالٍ بَلْ تَرَكَتْ الِاسْتِمْرَارَ فِي أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ بِانْفِرَادِهَا وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ وَسَبَقَ هُنَاكَ الِاسْتِدْلَالُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ (عَنْ عَائِشَةَ فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي أَحْسِرُهُ عَنْ عُنُقِي فَيَضْرِبُ

رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ قُلْتُ لَهُ وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) أَمَّا قَوْلُهَا أَحْسِرُهُ فَبِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ أَيْ أَكْشِفُهُ وَأُزِيلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهَا بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ فَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَتَيْنِ ثُمَّ لَامٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ هَاءٍ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ نَعْلَةِ يَعْنِي بِالنُّونِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ قَالَ وَهُوَ كَلَامٌ مُخْتَلٌّ قَالَ قَالَ بعضهم صوابه ثغنة الرَّاحِلَةِ أَيْ فَخِذَهَا يُرِيدُ مَا خَشُنَ مِنْ مَوَاضِعِ مَبَارِكِهَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ كُلُّ مَا وَلِيَ الْأَرْضَ مِنْ كُلِّ ذِي أَرْبَعٍ إِذَا برك فهو ثغنة قَالَ الْقَاضِي وَمَعَ هَذَا فَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْكَلَامُ وَلَا جَوَابُهَا لِأَخِيهَا بِقَوْلِهَا وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ وَلِأَنَّ رِجْلَ الرَّاكِبِ قَلَّ مَا تبلغ ثغنة الرَّاحِلَةِ قَالَ وَكُلُّ هَذَا وَهَمٌ قَالَ وَالصَّوَابُ فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِنَعْلَةِ السَّيْفِ يَعْنِي أَنَّهَا لَمَّا حَسَرَتْ خِمَارَهَا ضَرَبَ أَخُوهَا رِجْلَهَا بِنَعْلَةِ السَّيْفِ فَقَالَتْ وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قُلْتُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِسَبَبِ الرَّاحِلَةِ أَيْ يَضْرِبُ رِجْلِي عَامِدًا لَهَا فِي صُورَةِ مَنْ يَضْرِبُ الرَّاحِلَةَ وَيَكُونُ قَوْلُهَا بِعِلَّةِ مَعْنَاهُ بِسَبَبِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَضْرِبُ رِجْلَهَا بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ حِينَ تَكْشِفُ خِمَارَهَا عَنْ عُنُقِهَا غَيْرَةً عَلَيْهَا فَتَقُولُ لَهُ هِيَ وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ أَيْ نَحْنُ فِي خَلَاءٍ لَيْسَ هُنَا أَجْنَبِيٌّ أَسْتَتِرُ مِنْهُ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ أَوْ كَالْمُتَعَيِّنِ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلَفْظِ الَّذِي صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ وَلِلْمَعْنَى وَلِسِيَاقِ الْكَلَامِ فَتَعَيَّنَ اعْتِمَادُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ بِالْمُحَصَّبِ قَوْلُهَا (فَلَقِيَنِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا) وَقَالَتْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (فَجِئْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ هَلْ فَرَغْتِ فَقُلْتُ نَعَمْ فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ وَطَافَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (فَأَقْبَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ) وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَائِشَةَ مَعَ أَخِيهَا بَعْدَ نُزُولِهِ الْمُحَصَّبَ وَوَاعَدَهَا أَنْ تَلْحَقَهُ بَعْدَ اعْتِمَارِهَا ثُمَّ خَرَجَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَهَابِهَا فَقَصَدَ الْبَيْتَ لِيَطُوفَ طواف الوداع

ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَكُلُّ هَذَا فِي اللَّيْلِ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَلَقِيَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَادِرٌ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَهِيَ دَاخِلَةٌ لِطَوَافِ عُمْرَتِهَا ثُمَّ فَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا وَلَحِقَتْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَعْدُ فِي مَنْزِلِهِ بِالْمُحَصَّبِ وَأَمَّا قَوْلُهَا فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ وَطَافَ فَيُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَأَنَّ طَوَافَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهَا إِلَى الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ رُجُوعِهَا وَأَنَّهُ فَرِغَ قَبْلَ طَوَافِهَا لِلْعُمْرَةِ

[١٢١٣] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (أَنَّ عَائِشَةَ عَرَكَتْ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَمَعْنَاهُ حَاضَتْ يُقَالُ عَرَكَتْ تَعْرُكُ عُرُوكًا كَقَعَدَتْ تَقْعُدُ قُعُودًا قَوْلُهُ (أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) وَهُوَ الْيَوْمُ الثامن من ذي الحجة وسبق بَيَانُهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ اسْتُحِبَّ

لَهُ أَنْ يُحْرِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَلَا يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ) هَذَا الْغُسْلُ هُوَ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَوَاءٌ الْحَائِضُ وَغَيْرُهَا قَوْلُهُ (حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ قَوْلُهُ (حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ عُمْرَتَهَا لَمْ تَبْطُلْ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا وَأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَدَعِي عُمْرَتَكِ مُتَأَوَّلٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَائِلِ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ (حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا) يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ ثَلَاثُ مَسَائِلَ حَسَنَةٍ إِحْدَاهَا أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَلَمْ تَبْطُلْ عُمْرَتُهَا وَأَنَّ الرَّفْضَ الْمَذْكُورَ مُتَأَوَّلٌ كَمَا سَبَقَ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ وَالثَّالِثَةُ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُشْتَرَطُ وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ تَسْعَ كَمَا لَمْ تَطُفْ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ السَّعْيُ مُتَوَقِّفًا عَلَى تَقَدُّمِ الطَّوَافِ عَلَيْهِ لَمَا أَخَّرَتْهُ وَاعْلَمْ أَنَّ طُهْرَ عَائِشَةَ

هَذَا الْمَذْكُورَ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَيْضِهَا هَذَا يَوْمَ السَّبْتِ أَيْضًا لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذي الحجة سنة عشر ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَوْلُهُ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا سَهْلًا حَتَّى إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ إِذَا هَوِيَتْ شيئا لانقص فِيهِ فِي الدِّينِ مِثْلَ طَلَبِهَا الِاعْتِمَارَ وَغَيْرَهُ أَجَابَهَا إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ سَهْلًا أَيْ سَهْلَ الْخُلُقِ كَرِيمَ الشَّمَائِلِ لَطِيفًا مُيَسَّرًا فِي الْخُلُقِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَفِيهِ حُسْنُ مُعَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وعاشروهن بالمعروف لَا سِيَّمَا فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الطَّاعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ) الْوِلْدَانُ هُمُ الصِّبْيَانُ فَفِيهِ صِحَّةُ حَجِّ الصَّبِيِّ وَالْحَجِّ بِهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُ يَصِحُّ حَجُّ الصَّبِيِّ وَيُثَابُ عليه ويترتب عليه أحكام حَجُّ الْبَالِغِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا بَلَغَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتَطَاعَ لزمه فرض

الْإِسْلَامِ وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجُمْهُورَ فَقَالَ لَا يَصِحُّ لَهُ إِحْرَامٌ وَلَا حَجٌّ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الحج قال وإنما يحج به ليتمرن ويتعلم ويتجنب محظوراته للتعلم قال وكذلك لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَالصَّوَابُ مَذْهَبُ الجمهور لحديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَمَسِسْنَا الطِّيبَ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى هَذِهِ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ وَفِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ بِفَتْحِهَا حَكَاهَا أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجَوْهَرِيُّ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُقَالُ مَسِسْتُ الشَّيْءَ بِكَسْرِ السِّينِ أَمَسُّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَسًّا فَهَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ قَالَ وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ مَسَسْتُ الشَّيْءَ بِالْفَتْحِ أَمُسُّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ قَالَ وَرُبَّمَا قَالُوا مست الشيء يحذفون منه السِّينَ الْأُولَى وَيُحَوِّلُونَ كَسْرَتَهَا إِلَى الْمِيمِ قَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُحَوِّلُ وَيَتْرُكُ الْمِيمَ عَلَى حَالِهَا مَفْتُوحَةً قَوْلُهُ (وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) يَعْنِي الْقَارِنَ مِنَّا وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَبَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ قَوْلُهُ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ) الْبَدَنَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ لَكِنَّ غالب استعمالها في البعير والمراد بها ها هنا الْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَهَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ تَجْزِي الْبَدَنَةُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِإِجْزَاءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةِ أَنْفُسٍ وَقِيَامِهَا مَقَامَ سَبْعِ شِيَاهٍ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِجَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ فَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ اشْتَرَاكُ السَّبْعَةِ فِي بَدَنَةٍ سَوَاءٌ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ وَسَوَاءٌ كَانُوا مُفْتَرِضِينَ أَوْ مُتَطَوِّعِينَ وَسَوَاءٌ كَانُوا مُتَقَرِّبِينَ كُلَّهُمْ أَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُتَقَرِّبًا وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ رُوِيَ هذا عن

بن عُمَرَ وَأَنَسٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ إِنْ كَانُوا مُتَطَوِّعِينَ وَلَا يَجُوزُ إِنْ كَانُوا مُفْتَرِضِينَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ كَانُوا مُتَقَرِّبِينَ جَازَ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ قُرْبَتُهُمْ أَوِ اخْتَلَفَتْ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُتَقَرِّبًا وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ لَمْ يَصِحَّ لِلِاشْتِرَاكِ

[١٢١٤] قَوْلُهُ (أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى قَالَ فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ) الْأَبْطَحُ هُوَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْمُحَصَّبِ وَقَوْلُهُ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى يَعْنِي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْمُتَمَتِّعِ وَكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِهِ إِلَّا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَآخَرُونَ يُحْرِمُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ بِأَدِلَّتِهَا أَمَّا قَوْلُهُ فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ فَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ لِلْمَكِّيِّ وَالْمُقِيمِ بِهَا الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مِنَ الْحَرَمِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا مِنْ دَاخِلِ مَكَّةَ وَأَفْضَلُهُ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَقِيلَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالثَّانِي يَجُوزُ مِنْ مَكَّةَ وَمِنْ سَائِرِ الْحَرَمِ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ فَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي احْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا لِأَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مِنَ الْأَبْطَحِ وَهُوَ خَارِجُ مَكَّةَ لَكِنَّهُ مِنَ الْحَرَمِ وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ إِنَّمَا أَحْرَمُوا مِنَ الْأَبْطَحِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا نَازِلِينَ بِهِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ الْمَحْدُودِ فَمِيقَاتُهُ مَنْزِلُهُ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[١٢١٥] قَوْلُهُ (لَمْ يَطُفْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَهُوَ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) يَعْنِي النَّبِيَّ

📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي

وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي إِلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَالٍ يُظَنُّ فَوَاتُهُ لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَآخَرُونَ هُوَ عَلَى الفور والله أعلم

(باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة لبسه ومالا يباح (وبيان تحريم الطيب عَلَيْهِ)

[١١٧٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ (لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ الا أحد لايجد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولاالورس) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزِلِهِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا فَحَصَلَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْمَذْكُورَاتِ وَيَلْبَسُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَكَانَ التَّصْرِيحُ بِمَا لَا يَلْبَسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ لِلْمُحْرِمِ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَضُبِطَ الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ على أنه لا يجوز للمحرم لبس شئ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ مَا كَانَ مُحِيطًا أَوْ مَخِيطًا مَعْمُولًا عَلَى)

قَدْرِ الْبَدَنِ أَوْ قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ كَالْجَوْشَنِ وَالتُّبَّانِ وَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهَا وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرَّأْسِ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى الْعِصَابَةُ فَإِنَّهَا حَرَامٌ فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا لِشَجَّةٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا شَدَّهَا وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرِّجْلِ مِنْ مَدَاسٍ وَجُمْجُمٍ وَجَوْرَبٍ وَغَيْرِهَا وَهَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الرِّجَالِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُبَاحُ لَهَا سَتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهَا بِكُلِّ سَاتِرٍ مِنْ مَخِيطٍ وَغَيْرِهِ إِلَّا سَتْرَ وَجْهِهَا فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِكُلِّ سَاتِرٍ وَفِي سَتْرِ يَدَيْهَا بِالْقُفَّازَيْنِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ وَنَبَّهَ صَلَّى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على مافي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ الطِّيبُ فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا فِي الْإِحْرَامِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَالْمُرَادُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَأَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرَارِي كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلِبَاسِهِ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَيَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ الذَّلِيلِ وَلِيَتَذَكَّرَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى كَثْرَةِ أَذْكَارِهِ وَأَبْلَغَ فِي مُرَاقَبَتِهِ وَصِيَانَتِهِ لِعِبَادَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَلِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْمَوْتَ وَلِبَاسَ الْأَكْفَانِ وَيَتَذَكَّرَ الْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالنَّاسُ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا وَيَجْتَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَطْعَهُمَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هذين

الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ أَحْمَدُ يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا ولا يجب قطعهما لحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ نَسْخَ حَدِيثِ بن عُمَرَ الْمُصَرِّحِ بِقَطْعِهِمَا وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعَهُمَا إِضَاعَةُ مَالٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُمَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا أسفل من الكعبين لحديث بن عمر قالوا وحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مُطْلَقَانِ فَيَجِبُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ لحديث بن عُمَرَ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ بَلْ حَقٍّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لا فقال مالك والشافعي ومن وافقهما لاشيء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِدْيَةٌ لَبَيَّنَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ يَحْلِقُهُ وَيَفْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[١١٧٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِهِمَا لِكَوْنِهِمَا طِيبًا وَأَلْحَقُوا بِهِمَا جَمِيعَ أَنْوَاعِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَسَبَبُ تَحْرِيمِ الطِّيبِ أَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّلَ الْحَاجِّ فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ وَسَوَاءٌ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَكَذَا جَمِيعُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ سِوَى اللِّبَاسِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ سَبْعَةٌ اللِّبَاسُ بِتَفْصِيلِهِ السَّابِقِ وَالطِّيبُ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ وَسَائِرُ الِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى الِاسْتِمْنَاءُ وَالسَّابِعُ إِتْلَافُ الصَّيْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَا نُهِيَ عَنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إِنْ كَانَ عَامِدًا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا فِدْيَةَ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَلَا يَحْرُمُ الْمُعَصْفَرُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَحَرَّمَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَعَلَاهُ طِيبًا وَأَوْجَبَا فِيهِ الْفِدْيَةَ وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ طِيبٍ وَلَا يَحْرُمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) يَعْنِي الْمُحْرِمُ هَذَا صَرِيحٌ في الدلالة

لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا وَمَنَعَهُ مَالِكٌ لِكَوْنِهِ لم يذكر وفي حديث بن عمر السابق والصواب اباحته بحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا مَعَ حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَهُ أَمَّا حديث بن عُمَرَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حالة وجود الازار وذكر في حديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ حَالَةَ الْعَدَمِ فَلَا مُنَافَاةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ) فِيهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا إِسْكَانُ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفُ الرَّاءِ وَالثَّانِيَةُ كَسْرُ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ وَالْأُولَى أَفْصَحُ وَبِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهَكَذَا اللُّغَتَانِ فِي تَخْفِيفِ الْحُدَيْبِيَةِ وَتَشْدِيدِهَا وَالْأَفْصَحُ التَّخْفِيفُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ

[١١٨٠] قَوْلُهُ (عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يعمل

فِيهِ زَعْفَرَانٌ قَوْلُهُ (لَهُ غَطِيطٌ) هُوَ كَصَوْتِ النَّائِمِ الَّذِي يُرَدِّدُهُ مَعَ نَفَسِهِ قَوْلُهُ (كَغَطِيطِ الْبَكْرِ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ قَوْلُهُ (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ) هُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ أُزِيلَ مَا بِهِ وَكُشِفَ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّائِلِ عَنِ الْعُمْرَةِ (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ) فِيهِ تَحْرِيمُ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لِأَنَّهُ إِذَا حَرُمَ دَوَامًا فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَفِيهِ إِنَّ الْعُمْرَةَ يَحْرُمُ فِيهَا مِنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ السَّبْعَةِ السَّابِقَةِ مَا يَحْرُمُ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِزَالَتِهِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ فِي إِحْرَامِهِ طِيبٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنَّمَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُتَطَيِّبِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا إِذَا طَالَ لُبْثُهُ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ) دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا صَارَ عَلَيْهِ مَخِيطٌ يَنْزِعُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَقُّهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ لَا يَجُوزُ نَزْعُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُغَطِّيًا رَأْسَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ شَقُّهُ وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ) مَعْنَاهُ مِنَ اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أَرَادَ مَعَ ذَلِكَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحَلْقَ بِصِفَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا وَإِظْهَارَ التَّلْبِيَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَيَخُصُّ مِنْ عُمُومِهِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا السَّائِلَ كَانَ عَالِمًا بِصِفَةِ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ فَلِهَذَا قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ أَمْسَكَ عَنْ جَوَابِهَا حَتَّى يَعْلَمَهُ أَوْ يَظُنَّهُ بِشَرْطِهِ وَفِيهِ أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ بِوَحْيٍ لَا يُتْلَى وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِوَحْيٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمُ ذَلِكَ أَوْ أَنَّ الْوَحْيَ بَدَرَهُ قَبْلَ تَمَامِ الِاجْتِهَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَقَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَقَالَ أَيَسُرُّكَ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْقَائِلُ مَنْ هُوَ وَلَا سَبَقَ لَهُ ذِكْرٌ وَهَذَا الْقَائِلُ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قوله (وعليه مقطعات) هي بفتح الطاء المشددة وهي الثياب المخيطة وأوضحه بقوله يعنى جبة قَوْلُهُ (مُتَضَمِّخٌ) هُوَ بِالضَّادِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ مُتَلَوِّثٌ بِهِ مُكْثِرٌ مِنْهُ

قَوْلُهُ (مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ) هُوَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وسبب ذلك شدة الوحى وهو له قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثقيلا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) إِنَّمَا أَمَرَ بِالثَّلَاثِ مُبَالَغَةً فِي إِزَالَةِ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ وَالْوَاجِبُ الْإِزَالَةُ فَإِنْ حَصَلَتْ بِمَرَّةٍ كَفَتْ وَلَمْ تَجِبِ الزِّيَادَةُ وَلَعَلَّ الطِّيبَ الَّذِي كَانَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ كَثِيرٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مُتَضَمِّخٌ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اغْسِلْهُ فَكَرَّرَ الْقَوْلَ ثَلَاثًا وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ (صَفْوَانَ

بن يعلى بن أمية) وفي بعضها بن مُنْيَةَ وَهُمَا صَحِيحَانِ فَأُمَيَّةُ أَبُو يَعْلَى وَمُنْيَةُ أُمُّ يَعْلَى وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى أَبِيهِ وَتَارَةً إِلَى أُمِّهِ وَهِيَ مُنْيَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا رَبَاحُ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ (فَسَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ) أَيْ لَمْ يَرُدَّ جَوَابَهُ قَوْلُهُ (خَمَّرَهُ عُمَرُ بِالثَّوْبِ) أَيْ غَطَّاهُ وَأَمَّا إِدْخَالُ يَعْلَى رَأْسَهُ وَرُؤْيَتُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَإِذْنُ عُمَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَتِلْكَ الْحَالِ لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَةُ الْإِيمَانِ بِمُشَاهَدَةِ حَالَةِ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

فَالشَّجَرَةُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَمَّا الْبَيْدَاءُ فَهِيَ بِطَرَفِ ذي الحليفة قال القاضي يحمل أَنَّهَا نَزَلَتْ بِطَرَفِ الْبَيْدَاءِ لِتَبْعُدَ عَنِ النَّاسِ وَكَانَ مَنْزِلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَقِيقَةً وَهُنَاكَ بَاتَ وَأَحْرَمَ فَسُمِّيَ مَنْزِلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ بِاسْمِ مَنْزِلِ إِمَامِهِمْ

(بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُ الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ)

(وَالْقِرَانِ وَجَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ ومتى يحل للقارن مِنْ نُسُكِهِ) قَوْلُهُمْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَهَا وَكَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ اعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ إِفْرَادِ الْحَجِّ عَنِ الْعُمْرَةِ وَجَوَازِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَسَنُوَضِّحُ مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهُ ثُمَّ يَعْتَمِرَ وَالتَّمَتُّعُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَفْرُغَ مِنْهُ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ طَوَافِهَا صَحَّ وَصَارَ قَارِنًا فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيَصِيرُ قَارِنًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ مِنَ الْحَجِّ وَقِيلَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَقِيلَ قَبْلَ فِعْلِ فَرْضٍ وَقِيلَ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ غَيْرِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَيُّهَا أَفْضَلُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَكَثِيرُونَ أَفْضَلُهَا الْإِفْرَادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ وَقَالَ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ أَفْضَلُهَا

التَّمَتُّعُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ أَفْضَلُهَا الْقِرَانُ وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ قَوْلَانِ آخَرَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ تَفْضِيلُ الْإِفْرَادِ ثُمَّ التَّمَتُّعِ ثُمَّ الْقِرَانِ وَأَمَّا حَجَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا هَلْ كَانَ مُفْرِدًا أَمْ مُتَمَتِّعًا أَمْ قَارِنًا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ مَذَاهِبهِمُ السَّابِقَةِ وَكُلُّ طَائِفَةٌ رَجَّحَتْ نَوْعًا وَادَّعَتْ أَنَّ حَجَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ كَذَلِكَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجِّ فَصَارَ قَارِنًا وَقَدِ اخْتَلَفَتْ رِوَايَاتُ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ هَلْ كَانَ قَارِنًا أَمْ مُفْرِدًا أَمْ مُتَمَتِّعًا وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رِوَايَاتِهِمْ كَذَلِكَ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا مَا ذَكَرْتُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ صَارَ قَارِنًا فَمَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ هُوَ الْأَصْلُ وَمَنْ رَوَى الْقِرَانَ اعْتَمَدَ آخِرَ الْأَمْرِ وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَالِارْتِفَاقُ وَقَدِ ارْتَفَقَ بِالْقِرَانِ كَارْتِفَاقِ الْمُتَمَتِّعِ وَزِيَادَةٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ وَبِهَذَا الْجَمْعِ تَنْتَظِمُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي كِتَابٍ صَنَّفَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَاصَّةً وَادَّعَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا وَتَأَوَّلَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَدِلَّتِهِ وَجَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَعَلَّقِ بِهَا وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ فِي تَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ بِأَنَّهُ صَحَّ ذَلِكَ مِنْ رواية جابر وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ مَزِيَّةٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى غَيْرِهِمْ فَأَمَّا جَابِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ الصَّحَابَةِ سِيَاقَةً لِرِوَايَةِ حَدِيثِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا مِنْ حِينِ خُرُوجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى آخِرِهَا فَهُوَ أضبط لها من غيره وأما بن عُمَرَ فَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ رَجَّحَ قَوْلَ أَنَسٍ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ كَانَ أَنَسٌ يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ وَهُنَّ مُكْشِفَاتٌ الرُّءُوسَ وَإِنِّي كُنْتُ تَحْتَ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّنِي لُعَابُهَا أَسْمَعُهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَأَمَّا عَائِشَةُ فَقُرْبُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرُوفٌ وَكَذَلِكَ اطِّلَاعُهَا عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِ وَظَاهِرِهِ وَفِعْلِهِ فِي خَلْوَتِهِ وَعَلَانِيَتِهِ مَعَ كَثْرَةِ فقهها وعظم فطنتها وأما بن عَبَّاسٍ فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْفَهْمِ الثَّاقِبِ مَعْرُوفٌ مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِهِ وَتَحَفُّظِهِ أَحْوَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَمْ يَحْفَظْهَا غَيْرُهُ وَأَخْذُهُ إِيَّاهَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ دَلَائِلِ تَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَوَاظَبُوا

عَلَى إِفْرَادِهِ كَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَاخْتَلَفَ فِعْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ وَعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ مُفْرِدًا لَمْ يُوَاظِبُوا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ وَقَادَةُ الْإِسْلَامِ وَيُقْتَدَى بِهِمْ فِي عَصْرِهِمْ وَبَعْدَهُمْ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا الْخِلَافُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا فَعَلُوهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ بِالْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ لِكَمَالِهِ وَيَجِبُ الدَّمُ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَهُوَ دَمُ جُبْرَانٍ لِفَوَاتِ الْمِيقَاتِ وَغَيْرِهِ فكان مالا يَحْتَاجُ إِلَى جَبْرٍ أَفْضَلَ وَمِنْهَا أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِ الْإِفْرَادِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَكَرِهَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَغَيْرُهُمَا التَّمَتُّعَ وَبَعْضُهُمُ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ فَكَانَ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي صِفَةِ حَجَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ عَنْ مُشَاهَدَةٍ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَمِنْ مُجِيدٍ مُنْصِفٍ وَمِنْ مُقَصِّرٍ مُتَكَلِّفٍ وَمِنْ مُطِيلٍ مُكْثِرٍ وَمِنْ مُقْتَصِرٍ مُخْتَصِرٍ قَالَ وَأَوْسَعُهُمْ فِي ذَلِكَ نَفَسًا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ الْحَنَفِيُّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَلْفِ وَرَقَةٍ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ثُمَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ ثُمَّ الْمُهَلَّبُ وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ الْبَغْدَادِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَوْلَى مَا يُقَالُ فِي هَذَا عَلَى مَا فَحَصْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَاخْتَرْنَاهُ مِنَ اخْتِيَارَاتِهِمْ مِمَّا هُوَ أَجْمَعُ لِلرِّوَايَاتِ وَأَشْبَهُ بِمَسَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ لِلنَّاسِ فِعْلَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِيَدُلَّ عَلَى جَوَازِ جَمِيعِهَا وَلَوْ أَمَرَ بِوَاحِدٍ لَكَانَ غَيْرُهُ يظن انه لا يجزئ فَأُضِيفَ الْجَمِيعُ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَأَبَاحَهُ لَهُ وَنَسَبَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا لِأَمْرِهِ بِهِ وَإِمَّا لِتَأْوِيلِهِ عَلَيْهِ وَأَمَّا إِحْرَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ فَأَخْذَ بِالْأَفْضَلِ فَأَحْرَمَ مُفْرِدًا لِلْحَجِّ وَبِهِ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهَا أَمَرَ بِهِ وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ بِأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا فَإِخْبَارٌ عَنْ حَالَتِهِ الثَّانِيَةِ لَا عَنِ ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ بَلْ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ حِينَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ حَجِّهِمْ وَقَلَبَهُ إِلَى عُمْرَةٍ لِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ فِي آخِرِ إِحْرَامِهِمْ قَارِنِينَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ وَفَعَلَ ذَلِكَ مُوَاسَاةً لِأَصْحَابِهِ وَتَأْنِيسًا لَهُمْ فِي فِعْلِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُنْكَرَةً عِنْدَهُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يمكنه

التَّحَلُّلُ مَعَهُمْ بِسَبَبِ الْهَدْيِ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي تَرْكِ مُوَاسَاتِهِمْ فَصَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِنًا فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَمَنَعَهُ وَقَالَ لَا يَدْخُلُ إِحْرَامٌ عَلَى إِحْرَامٍ كَمَا لَا تَدْخُلُ صَلَاةٌ عَلَى صَلَاةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ على الحج فجوزه أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَجَعَلُوا هَذَا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِضَرُورَةِ الِاعْتِمَارِ حِينَئِذٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَالَ وَكَذَلِكَ يُتَأَوَّلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَيْ تَمَتَّعَ بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفَعَلَهَا مَعَ الْحَجِّ لِأَنَّ لَفْظَ التَّمَتُّعِ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ فَانْتَظَمَتِ الْأَحَادِيثُ وَاتَّفَقَتْ قَالَ وَلَا يَبْعُدُ رَدُّ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِ هَذَا مَعَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا فَيَكُونُ الْإِفْرَادُ إِخْبَارًا عَنْ فِعْلِهِمْ أَوَّلًا وَالْقِرَانُ إِخْبَارًا عَنْ إِحْرَامِ الَّذِينَ مَعَهُمْ هَدْيٌ بِالْعُمْرَةِ ثَانِيًا وَالتَّمَتُّعُ لِفَسْخِهِمُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ ثُمَّ إِهْلَالِهِمْ بِالْحَجِّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا كَمَا فَعَلَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِنَّهُ أَحْرَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا مُنْتَظِرًا مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ إِفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ ثُمَّ أُمِرَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أُمِرَ بِالْعُمْرَةِ مَعَهُ فِي وَادِي الْعَقِيقِ بِقَوْلِهِ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ قَالَ الْقَاضِي وَالَّذِي سَبَقَ أَبْيَنُ وَأَحْسَنُ فِي التَّأْوِيلِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَهُ لَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ أَحْرَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا مُبْهَمًا لِأَنَّ رِوَايَةَ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ أَنْعَمَ الشَّافِعِيُّ بِبَيَانِ هَذَا فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ وَجودُ الْكَلَامِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِي اقْتِصَاصِ كُلِّ مَا قَالَهُ تَطْوِيلٌ وَلَكِنَّ الْوَجِيهَ وَالْمُخْتَصَرَ مِنْ جَوَامِعِ مَا قَالَ أَنَّ مَعْلُومًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَوَازُ إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْأَمْرِ كَجَوَازِ إِضَافَتِهِ إِلَى الْفَاعِلِ كَقَوْلِكَ بَنَى فُلَانٌ دَارًا إِذَا أَمَرَ بِبِنَائِهَا وَضَرَبَ الْأَمِيرُ فُلَانًا إِذَا أَمَرَ بِضَرْبِهِ وَرَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا وَقَطَعَ سَارِقَ رداء صَفْوَانَ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمُ الْمُفْرِدُ وَالْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ كُلٌّ مِنْهُمْ يَأْخُذُ عَنْهُ أَمْرَ نُسُكِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ فَجَازَ أَنْ تُضَافَ كُلُّهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا وَأَذِنَ فِيهَا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمِعَهُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ فَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ أَفْرَدَ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ فَلَمْ يَحْكِ إِلَّا مَا سَمِعَ وَسَمِعَ أَنَسٌ وَغَيْرُهُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَلَا يُنْكَرُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا

يَحْصُلُ التَّنَاقُضُ لَوْ كَانَ الزَّائِدُ نَافِيًا لِقَوْلِ صَاحِبِهِ فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُثْبِتًا لَهُ وَزَائِدًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِي سَمِعَهُ يَقُولُ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ فَيَقُولُ لَهُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّلْقِينِ فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ ظَاهِرًا لَيْسَ فِيهَا تَنَاقُضٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا سَهْلٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) يُقَالُ هَدْيٌ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وتخفيف الياء وهدي بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْأُولَى أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى الحرم من الأنعام وسوق الهدي سنة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ قَوْلُهُ (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ قَالَتْ وَلَمْ أُهِلَّ إِلَّا بِعُمْرَةٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا أَحْرَمَتْ بِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَذَكَرَ مُسْلِمٌ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْهَا خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْهَا خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ وَفِي رِوَايَةٍ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا نُلَبِّي لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَنَا قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَرَجَّحُ أَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ لِأَنَّهَا رِوَايَةُ عَمْرَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالْقَاسِمِ وَغَلَّطُوا عُرْوَةَ فِي الْعُمْرَةِ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ وَرَجَّحُوا رِوَايَةَ غَيْرِ عُرْوَةَ عَلَى رِوَايَتِهِ لِأَنَّ عُرْوَةَ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زيد عن هاشم عَنْهُ حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا دَعِي عُمْرَتَكِ فَقَدْ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَيْسَ هَذَا بِوَاضِحٍ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مِمَّنْ حَدَّثَهُ ذَلِكَ قَالُوا أَيْضًا وَلِأَنَّ رِوَايَةَ عَمْرَةَ

وَالْقَاسِمِ نَسَّقَتْ عَمَلَ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَلِهَذَا قَالَ الْقَاسِمُ عَنْ رِوَايَةِ عَمْرَةَ أَنْبَأَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ قَالُوا وَلِأَنَّ رِوَايَةَ عُرْوَةَ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ إِحْرَامِ عَائِشَةَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ مُمْكِنٌ فَأَحْرَمَتْ أَوَّلًا بِالْحَجِّ كَمَا صَحَّ عَنْهَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَكَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَهَكَذَا فسره الْقَاسِمُ فِي حَدِيثِهِ فَأَخْبَرَ عُرْوَةُ عَنْهَا بِاعْتِمَارِهَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ أَمْرِهَا قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ تَعَارَضَ هَذَا بِمَا صَحَّ عَنْهَا فِي إِخْبَارِهَا عَنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْإِحْرَامِ وَأَنَّهَا أَحْرَمَتْ هِيَ بِعُمْرَةٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ ثُمَّ فَسَخَتْهُ إِلَى عُمْرَةٍ حِينَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْفَسْخِ فَلَمَّا حَاضَتْ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا إِتْمَامُ الْعُمْرَةِ وَالتَّحَلُّلُ مِنْهَا وَإِدْرَاكُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَتْ فَصَارَتْ مُدْخِلَةً لِلْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَقَارِنَةً وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ لَيْسَ مَعْنَاهُ إِبْطَالُهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالتَّحَلُّلِ بَعْدَ فَرَاغِهَا بَلْ مَعْنَاهُ ارْفُضِي الْعَمَلَ فِيهَا وَإِتْمَامَ أَفْعَالِهَا الَّتِي هِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَتَقْصِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ فَأَمَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَأَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَتَصِيرَ قَارِنَةً وَتَقِفَ بِعَرَفَاتٍ وَتَفْعَلَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ فَتُؤَخِّرَهُ حَتَّى تَطْهُرَ وَكَذَلِكَ فَعَلَتْ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بَعْدَ هَذَا فِي آخِرِ رِوَايَاتِ عَائِشَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ بَهْزٍ عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّفْرِ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ فَأَبَتْ فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ هَذَا لَفْظُهُ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ عُمْرَتَهَا بَاقِيَةٌ صَحِيحَةٌ مُجْزِئَةٌ وَأَنَّهَا لَمْ تُلْغِهَا

وَتَخْرُجْ مِنْهَا فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَدَعِي عُمْرَتَكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رَفْضِ الْعَمَلِ فِيهَا وَإِتْمَامِ أَفْعَالِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَمَّا مَضَتْ مَعَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ (هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَكُونَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ عَنِ الْحَجِّ كَمَا حَصَلَ لِسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فَسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَأَتَمُّوا الْعُمْرَةَ وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ثُمَّ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَحَصَلَ لَهُمْ عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَحَجَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَأَمَّا عَائِشَةُ فَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْدَرِجَةٌ فِي حَجَّةٍ بِالْقِرَانِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّفْرِ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ أَيْ وَقَدْ تَمَّا وَحُسِبَا لَكِ جَمِيعًا فَأَبَتْ وَأَرَادَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً كَمَا حَصَلَ لِبَاقِي النَّاسِ فَلَمَّا اعْتَمَرَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ أَيِ الَّتِي كُنْتِ تُرِيدِينَ حُصُولَهَا مُنْفَرِدَةً غَيْرَ مُنْدَرِجَةٍ فَمَنَعَكِ الْحَيْضُ مِنْ ذَلِكَ وَهَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهَا يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ أَيْ يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِدٍ وَعُمْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا وَلَيْسَ لِي عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَإِنَّمَا حَرَصَتْ عَلَى ذَلِكَ لِتُكْثِرَ أَفْعَالَهَا وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْقِرَانُ أَفْضَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[١٢١١] وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي) فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ نَقْضَ الرَّأْسِ وَالِامْتِشَاطَ جَائِزَانِ عِنْدَنَا فِي الْإِحْرَامِ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا وَلَكِنْ يُكْرَهُ الِامْتِشَاطُ إِلَّا لِعُذْرٍ وَتَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ فِعْلَ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْذُورَةً بِأَنْ كَانَ فِي رَأْسِهَا أَذًى فَأَبَاحَ لَهَا الِامْتِشَاطَ كَمَا أَبَاحَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْحَلْقَ لِلْأَذَى وَقِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِامْتِشَاطِ هُنَا حَقِيقَةَ الِامْتِشَاطِ بِالْمُشْطِ بَلْ تَسْرِيحَ الشَّعْرِ بِالْأَصَابِعِ للغسل لاحرامها بالحج لاسيما إِنْ كَانَتْ لَبَّدَتْ رَأْسَهَا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ وَكَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَصِحُّ غُسْلُهَا إِلَّا بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ شَعْرِهَا وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا نَقْضُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا

جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَنْ طَوَافِ الرُّكْنِ وَأَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ وَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ كُلُّهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عن بن عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ وَهُوَ محكي عن علي بن أبي طالب وبن مسعود والشعبي والنخعي والله أعلم قولهن (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْأَحَادِيثِ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ إِحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِمْ وَدُنُوِّهِمْ مِنْ مَكَّةَ بِسَرِفَ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَوْ بَعْدَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَسَعْيِهِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ ويحتمل تكرارا الْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَنَّ الْعَزِيمَةَ كَانَتْ آخِرًا حِينَ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ قَوْلُهَا (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَتَحَلَّلْ وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَمُوَافِقِهِمَا فِي أَنَّ الْمُعْتَمِرَ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِمَا أَنَّهُ إِذَا طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْحَالِ سَوَاءٌ كَانَ سَاقَ هَدْيًا أَمْ لَا وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَبِأَنَّهُ تَحَلَّلَ مِنْ نُسُكِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ كَمَا لَوْ تَحَلَّلَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَأَجَابُوا عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا مُخْتَصَرَةٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَهَا وَالَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلَهَا عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْمَحْذُوفِ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَتَقْدِيرُهَا وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ وَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ وَاحِدَةٌ وَالرَّاوِي وَاحِدٌ فَيَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ) فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا وَإِنَّمَا أَمْسَكَتْ عَنْ أَعْمَالِهَا وَأَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ فَأَدْرَجَتْ أَعْمَالَهَا بِالْحَجِّ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَدَعِي عُمْرَتَكِ أَنَّ الْمُرَادَ رَفْضُ إِتْمَامِ أَعْمَالِهَا لَا إِبْطَالُ أَصْلِ الْعُمْرَةِ قَوْلُهَا (فَأَرْدَفَنِي) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِرْدَافِ إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مُطِيقَةً وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ وَفِيهِ جَوَازُ إِرْدَافِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ مِنْ مَحَارِمِهِ وَالْخَلْوَةِ بِهَا وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فليهل وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ) فِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ

عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِهَا كَمَا سَبَقَ قَوْلُهَا (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ نَفَرُوا مِنْ مِنًى فَنَزَلُوا فِي الْمُحَصَّبِ وَبَاتُوا بِهِ قَوْلُهَا (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ مُقَارِنِينَ لِاسْتِهْلَالِهِ وَكَانَ خُرُوجُهُمْ قَبْلَهُ لِخَمْسٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ التَّمَتُّعِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ هَذَا مِنْ أَجْلِ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ الَّذِي هُوَ خَاصٌّ لَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ خَاصَّةً لِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ التَّمَتُّعَ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ وَقَالَ هَذَا تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَصْحَابِهِ وَكَانَتْ نُفُوسُهُمْ لَا تَسْمَحُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا فَقَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْكَلَامَ وَمَعْنَاهُ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ مُوَافَقَتِكُمْ فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ إِلَّا سَوْقِي الْهَدْيَ وَلَوْلَاهُ لَوَافَقْتُكُمْ وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ هَذَا الرَّأْيَ وَهُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِي لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا قَوْلُهَا (فَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى إِخْبَارِهَا عَنْ نَفْسِهَا أَيْ لَمْ يَكُنْ

عَلَيَّ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ ثُمَّ إِنَّهُ مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَالْقَارِنُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ وَكَذَلِكَ الْمُتَمَتِّعُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَأَوَّلَ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ دَمُ ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَالطِّيبِ وَسَتْرِ الْوَجْهِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَإِزَالَةِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ لَمْ أَرْتَكِبْ مَحْظُورًا فَيَجِبُ بِسَبَبِهِ هَدْيٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ صَوْمٌ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي تَأْوِيلِهِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي حَجٍّ مُفْرَدٍ لَا تَمَتُّعٍ وَلَا قِرَانٍ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى وُجُوبِ الدَّمِ فِيهِمَا إِلَّا دَاوُدَ الظَّاهِرِيَّ فَقَالَ لَا دَمَ عَلَى الْقَارِنِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهَذَا اللَّفْظُ وهو قوله وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ ظَاهِرُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ وَلَكِنْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَى الْمُدْرَجِ قَوْلُهَا (خَرَجْنَا مُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ مَعْنَاهُ لَا نَعْتَقِدُ أَنَّا نُحْرِمُ إِلَّا بِالْحَجِّ لِأَنَّا كُنَّا نَظُنُّ امْتِنَاعَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ

قَوْلُهَا (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ بِقُرْبِ مَكَّةَ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا قِيلَ سِتَّةٌ وَقِيلَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ تِسْعَةٌ وَقِيلَ عَشَرَةٌ وَقِيلَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَفِسْتِ) مَعْنَاهُ أَحِضْتِ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَالْفَاءُ مَكْسُورَةٌ فِيهِمَا وَأَمَّا النِّفَاسُ الَّذِي هُوَ الْوِلَادَةُ فَيُقَالُ فِيهِ نُفِسَتْ بِالضَّمِّ لَا غَيْرَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَيْضِ (هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) هذا تسلية لها وتخفيف لهما وَمَعْنَاهُ أَنَّكِ لَسْتِ مُخْتَصَّةً بِهِ بَلْ كُلُّ بَنَاتِ آدَمَ يَكُونُ مِنْهُنَّ هَذَا كَمَا يَكُونُ مِنْهُنَّ وَمِنَ الرِّجَالِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَغَيْرُهُمَا وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ كَانَ فِي جَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ وَأَنْكَرَ بِهِ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَيْضَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ وَوَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي) مَعْنَى اقْضِي افْعَلِي كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَاصْنَعِي وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ وَالْمُحْدِثَ وَالْجُنُبَ يَصِحُّ مِنْهُمْ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ وأقواله وهيأته إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ فَيَصِحُّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ وَغَيْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْأَغْسَالُ

الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحَجِّ تُشْرَعُ لِلْحَائِضِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ مِنَ الْحَائِضِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ هِيَ شَرْطٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ فَمَنْ شَرَطَ الطَّهَارَةَ قَالَ الْعِلَّةُ فِي بُطْلَانِ طَوَافِ الْحَائِضِ عَدَمُ الطَّهَارَةِ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا قَالَ الْعِلَّةُ فِيهِ كَوْنُهَا مَمْنُوعَةً مِنَ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ قَوْلُهَا (وَضَحَّى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ تَضْحِيَةَ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ فِي أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالْبَقَرِ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَفْضِيلِ الْبَقَرِ وَلَا عُمُومُ لَفْظٍ إِنَّمَا هِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ مُحْتَمِلَةٌ لِأُمُورٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَا قَالَهُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالْبَدَنَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً إِلَى آخِرِهِ قَوْلُهَا (فَطَمِثْتُ) هُوَ

بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ حِضْتُ يُقَالُ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَتَحَيَّضَتْ وَطَمِثَتْ وَعَرَكَتْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَنَفِسَتْ وَضَحِكَتْ وَأَعْصَرَتْ وَأَكْبَرَتْ كُلُّهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَالِاسْمُ مِنْهُ الْحَيْضُ وَالطَّمْسُ وَالْعَرَاكُ وَالضَّحِكُ وَالْإِكْبَارُ وَالْإِعْصَارُ وَهِيَ حَائِضٌ وَحَائِضَةٌ فِي لُغَةِ غَرِيبَةٍ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ وَطَامِثٌ وَعَارِكٌ وَمُكْبِرٌ وَمُعْصِرٌ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ حَجِّ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا اسْتَطَاعَتْهُ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلَ الْمَحْرَمُ لَهَا مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِطَاعَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ وَأَمَّا حَجُّ الْفَرْضِ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ له منعها منه وللشافعي فيه قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَأَصَحُّهُمَا لَهُ مَنْعُهَا لِأَنَّ حَقُّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِزَوْجَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ قَوْلُهَا (ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا) يَعْنِي الَّذِينَ تَحَلَّلُوا بِعُمْرَةٍ وَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ حِينَ رَاحُوا إِلَى مِنًى وَذَلِكَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيمَنْ هُوَ بِمَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَلَا يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ قَوْلُهَا (أَنْعُسُ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ قولها (فاهللت منها بعمرة جزاء لعمرة النَّاسِ) أَيْ تَقُومُ مَقَامَ عُمْرَةِ النَّاسِ وَتَكْفِينِي عَنْهَا قَوْلُهَا (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ) قَوْلُهَا

حُرُمِ الْحَجِّ هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ كَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنِ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ قَالَ وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَالَ فَعَلَى الضَّمِّ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْأَوْقَاتَ وَالْمَوَاضِعَ وَالْأَشْيَاءَ وَالْحَالَاتِ أَمَّا بِالْفَتْحِ فَجَمْعُ حُرْمَةٍ أَيْ مَمْنُوعَاتِ الشَّرْعِ وَمُحَرَّمَاتِهِ وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِنَسَبٍ حُرْمَةٌ وَجَمْعُهَا حُرُمٌ وَأَمَّا قَوْلُهَا في اشهر الحج فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ فِي قول الله تعالى الحج أشهر معلومات فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ تَمْتَدُّ إِلَى الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بكماله وهو مروي أيضا عن بن عباس وبن عُمَرَ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْجُمْهُورِ قَوْلُهَا (فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَنْ لَمْ يكن

مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا فَمِنْهُمُ الْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَعْدَ هَذَا أنه صلى الله عليه وسلم قال أو ما شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ يَعْنِي بِعُمْرَةٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ فَحِلُّوا قَالَ فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا وَأَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بِهَا مُتْعَةً قَالُوا كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سمينا الحج قَالَ افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ صَحِيحَةٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ وَتَحَتُّمٍ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ خَيَّرَهُمْ أَوَّلًا بَيْنَ الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ مُلَاطَفَةً لَهُمْ وَإِينَاسًا بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهَا مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَسْخَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ وَأَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ وَكَرِهَ تَرَدُّدَهُمْ فِي قَبُولِ ذَلِكَ ثُمَّ قَبِلُوهُ وَفَعَلُوهُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ) كَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ قَالَ الْقَاضِي كَذَا رَوَاهُ جُمْهُورُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ وهو الصواب قولها (قال ومالك قلت

لَا أُصَلِّي) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْكِنَايَةِ عَنِ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُسْتَحَى مِنْهُ وَيُسْتَشْنَعُ لَفْظُهُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ حَاجَةً كَإِزَالَةِ وَهْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِيقَاتُهُ لَهَا أَدْنَى الْحِلِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ فَإِنْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ وَخَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ يَصِحُّ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَمَا أَنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَهِيَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ الْخُرُوجُ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَخْرُجْ لَزِمَهُ دَمٌ وَقَالَ عَطَاءٌ لاشيء عَلَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُجْزِئُهُ

حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ مَالِكٌ لَا بُدَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ خَاصَّةً قَالُوا وَهُوَ مِيقَاتُ الْمُعْتَمِرِينَ مِنْ مَكَّةَ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ أَنَّ جَمِيعَ جِهَاتِ الْحِلِّ سَوَاءٌ وَلَا تَخْتَصُّ بِالتَّنْعِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ أَوْ قَالَ نَفَقَتِكِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الثَّوَابَ وَالْفَضْلَ فِي الْعِبَادَةِ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ

النَّصَبِ وَالنَّفَقَةِ وَالْمُرَادُ النَّصَبُ الَّذِي لَا يَذُمُّهُ الشَّرْعُ وَكَذَا النَّفَقَةُ قَوْلُهَا (قَالَتْ صَفِيَّةُ مَا أرانى إلا حابستكم قال عقرى حلقى أو ما كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ بَلَى قَالَ لَا بَأْسَ انْفِرِي) مَعْنَاهُ أَنَّ صَفِيَّةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْوَدَاعِ فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّجُوعَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَتْ مَا أَظُنُّنِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ لِانْتِظَارِ طُهْرِي وَطَوَافِي لِلْوَدَاعِ فَإِنِّي لَمْ أَطُفْ لِلْوَدَاعِ وَقَدْ حِضْتُ وَلَا يُمْكِنُنِي الطَّوَافُ الْآنَ وَظَنَّتْ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَسْقُطُ عَنِ الْحَائِضِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا كُنْتِ طُفْتِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ بَلَى قَالَ يَكْفِيكِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الطَّوَافُ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُ وَأَمَّا طَوَافُ الْوَدَاعِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَقْرَى حَلْقَى) فَهَكَذَا يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُونَ بِالْأَلِفِ الَّتِي هِيَ أَلِفُ التَّأْنِيثِ وَيَكْتُبُونَهُ بِالْيَاءِ وَلَا يُنَوِّنُونَهُ وَهَكَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُحْصَوْنَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ عَنْ رِوَايَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ صَحِيحٌ فَصِيحٌ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَى عَقْرَى

عقرها الله تعالى وحلقى حَلَقَهَا اللَّهُ قَالَ يَعْنِي عَقَرَ اللَّهُ جَسَدَهَا وَأَصَابَهَا بِوَجَعٍ فِي حَلْقِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ عَقْرَى حَلْقَى وَإِنَّمَا هُوَ عَقْرًا حَلْقًا قَالَ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ وُقُوعُهُ قَالَ شَمِرٌ قُلْتُ لِأَبِي عُبَيْدٍ لِمَ لَا تُجِيزُ عَقْرَى فَقَالَ لِأَنَّ فَعْلَى تَجِيءُ نَعْتًا وَلَمْ تَجِئْ فِي الدُّعَاءِ فَقُلْتُ رَوَى بن شُمَيْلٍ عَنِ الْعَرَبِ مَطْبَرَى وَعَقْرَى أَخَفُّ مِنْهَا فَلَمْ يُنْكِرْهُ هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ عَقْرَى حَلْقَى مَعْنَاهُ عَقَرَهَا اللَّهُ وَحَلَقَهَا أَيْ حَلَقَ شَعْرَهَا أَوْ أَصَابَهَا بِوَجَعٍ فِي حَلْقِهَا قَالَ فَعَقْرَى ها هنا مَصْدَرٌ كَدَعْوَى وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَعْقِرُ قَوْمَهَا وَتَحْلِقُهُمْ بِشُؤْمِهَا وَقِيلَ الْعَقْرَى الْحَائِضُ وَقِيلَ عَقْرَى حَلْقَى أَيْ عَقَرَهَا اللَّهُ وَحَلَقَهَا هَذَا آخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ جَعَلَهَا اللَّهُ عَاقِرًا لا تلد وحلقى مشؤمة عَلَى أَهْلِهَا وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَهِيَ كَلِمَةٌ كَانَ أَصْلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ اتَّسَعَتِ الْعَرَبُ فِيهَا فَصَارَتْ تُطْلِقُهَا وَلَا تُرِيدُ حَقِيقَةَ مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَنَظِيرُهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ وَقَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ وَمَا أَشْعَرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَلَا يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ إِلَى طُهْرِهَا لِتَأْتِيَ بِهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهَا فِي تَرْكِهِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَقَوْلُهَا

(فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ فَقُلْتُ مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ قَالَ أو ما شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ) أَمَّا غَضَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّرْعِ وَتَرَدُّدِهِمْ فِي قَبُولِ حُكْمِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ويسلموا تسليما فَغَضِبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ انْتَهَاكِ حُرْمَةِ الشَّرْعِ وَالْحُزْنِ عَلَيْهِمْ فِي نَقْصِ إِيمَانِهِمْ بِتَوَقُّفِهِمْ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِحْبَابِ الْغَضَبِ عِنْدَ انْتَهَاكِ حُرْمَةِ الدِّينِ وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُخَالِفِ لِحُكْمِ الشَّرْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ قَالَ الْحَكَمُ كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ) قَالَ الْقَاضِي كَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِشْكَالٌ قَالَ وَزَادَ إِشْكَالَهُ تَغْيِيرٌ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ قَالَ الْحَكَمُ كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ وَكَذَا رواه بن أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَكَمَ شَكَّ فِي لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مَعَ ضَبْطِهِ لِمَعْنَاهُ فَشَكَّ هَلْ قَالَ يَتَرَدَّدُونَ أَوْ نَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ أَحْسِبُ أَيْ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا لَفْظُهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ مُسْلِمٍ بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ مِنَ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِ يَتَرَدَّدُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ لَوْ فِي التَّأَسُّفِ عَلَى فوات أمور

الدِّينِ وَمَصَالِحِ الشَّرْعِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي أَنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّأَسُّفِ عَلَى حُظُوظِ الدُّنْيَا وَنَحْوِهَا وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي اسْتِعْمَالِ لَوْ فِي غَيْرِ حُظُوظِ الدُّنْيَا وَنَحْوِهَا فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يجزى عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ) فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَلَمْ تَرْفُضِ الْعُمْرَةَ رَفْضَ إِبْطَالٍ بَلْ تَرَكَتْ الِاسْتِمْرَارَ فِي أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ بِانْفِرَادِهَا وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ وَسَبَقَ هُنَاكَ الِاسْتِدْلَالُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ (عَنْ عَائِشَةَ فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي أَحْسِرُهُ عَنْ عُنُقِي فَيَضْرِبُ

رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ قُلْتُ لَهُ وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) أَمَّا قَوْلُهَا أَحْسِرُهُ فَبِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ أَيْ أَكْشِفُهُ وَأُزِيلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهَا بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ فَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَتَيْنِ ثُمَّ لَامٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ هَاءٍ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ نَعْلَةِ يَعْنِي بِالنُّونِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ قَالَ وَهُوَ كَلَامٌ مُخْتَلٌّ قَالَ قَالَ بعضهم صوابه ثغنة الرَّاحِلَةِ أَيْ فَخِذَهَا يُرِيدُ مَا خَشُنَ مِنْ مَوَاضِعِ مَبَارِكِهَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ كُلُّ مَا وَلِيَ الْأَرْضَ مِنْ كُلِّ ذِي أَرْبَعٍ إِذَا برك فهو ثغنة قَالَ الْقَاضِي وَمَعَ هَذَا فَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْكَلَامُ وَلَا جَوَابُهَا لِأَخِيهَا بِقَوْلِهَا وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ وَلِأَنَّ رِجْلَ الرَّاكِبِ قَلَّ مَا تبلغ ثغنة الرَّاحِلَةِ قَالَ وَكُلُّ هَذَا وَهَمٌ قَالَ وَالصَّوَابُ فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِنَعْلَةِ السَّيْفِ يَعْنِي أَنَّهَا لَمَّا حَسَرَتْ خِمَارَهَا ضَرَبَ أَخُوهَا رِجْلَهَا بِنَعْلَةِ السَّيْفِ فَقَالَتْ وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قُلْتُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِسَبَبِ الرَّاحِلَةِ أَيْ يَضْرِبُ رِجْلِي عَامِدًا لَهَا فِي صُورَةِ مَنْ يَضْرِبُ الرَّاحِلَةَ وَيَكُونُ قَوْلُهَا بِعِلَّةِ مَعْنَاهُ بِسَبَبِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَضْرِبُ رِجْلَهَا بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ حِينَ تَكْشِفُ خِمَارَهَا عَنْ عُنُقِهَا غَيْرَةً عَلَيْهَا فَتَقُولُ لَهُ هِيَ وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ أَيْ نَحْنُ فِي خَلَاءٍ لَيْسَ هُنَا أَجْنَبِيٌّ أَسْتَتِرُ مِنْهُ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ أَوْ كَالْمُتَعَيِّنِ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلَفْظِ الَّذِي صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ وَلِلْمَعْنَى وَلِسِيَاقِ الْكَلَامِ فَتَعَيَّنَ اعْتِمَادُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ بِالْمُحَصَّبِ قَوْلُهَا (فَلَقِيَنِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا) وَقَالَتْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (فَجِئْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ هَلْ فَرَغْتِ فَقُلْتُ نَعَمْ فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ وَطَافَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (فَأَقْبَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ) وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَائِشَةَ مَعَ أَخِيهَا بَعْدَ نُزُولِهِ الْمُحَصَّبَ وَوَاعَدَهَا أَنْ تَلْحَقَهُ بَعْدَ اعْتِمَارِهَا ثُمَّ خَرَجَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَهَابِهَا فَقَصَدَ الْبَيْتَ لِيَطُوفَ طواف الوداع

ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَكُلُّ هَذَا فِي اللَّيْلِ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَلَقِيَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَادِرٌ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَهِيَ دَاخِلَةٌ لِطَوَافِ عُمْرَتِهَا ثُمَّ فَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا وَلَحِقَتْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَعْدُ فِي مَنْزِلِهِ بِالْمُحَصَّبِ وَأَمَّا قَوْلُهَا فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ وَطَافَ فَيُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَأَنَّ طَوَافَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهَا إِلَى الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ رُجُوعِهَا وَأَنَّهُ فَرِغَ قَبْلَ طَوَافِهَا لِلْعُمْرَةِ

[١٢١٣] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (أَنَّ عَائِشَةَ عَرَكَتْ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَمَعْنَاهُ حَاضَتْ يُقَالُ عَرَكَتْ تَعْرُكُ عُرُوكًا كَقَعَدَتْ تَقْعُدُ قُعُودًا قَوْلُهُ (أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) وَهُوَ الْيَوْمُ الثامن من ذي الحجة وسبق بَيَانُهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ اسْتُحِبَّ

لَهُ أَنْ يُحْرِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَلَا يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ) هَذَا الْغُسْلُ هُوَ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَوَاءٌ الْحَائِضُ وَغَيْرُهَا قَوْلُهُ (حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ قَوْلُهُ (حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ عُمْرَتَهَا لَمْ تَبْطُلْ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا وَأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَدَعِي عُمْرَتَكِ مُتَأَوَّلٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَائِلِ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ (حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا) يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ ثَلَاثُ مَسَائِلَ حَسَنَةٍ إِحْدَاهَا أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَلَمْ تَبْطُلْ عُمْرَتُهَا وَأَنَّ الرَّفْضَ الْمَذْكُورَ مُتَأَوَّلٌ كَمَا سَبَقَ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ وَالثَّالِثَةُ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُشْتَرَطُ وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ تَسْعَ كَمَا لَمْ تَطُفْ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ السَّعْيُ مُتَوَقِّفًا عَلَى تَقَدُّمِ الطَّوَافِ عَلَيْهِ لَمَا أَخَّرَتْهُ وَاعْلَمْ أَنَّ طُهْرَ عَائِشَةَ

هَذَا الْمَذْكُورَ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَيْضِهَا هَذَا يَوْمَ السَّبْتِ أَيْضًا لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذي الحجة سنة عشر ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَوْلُهُ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا سَهْلًا حَتَّى إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ إِذَا هَوِيَتْ شيئا لانقص فِيهِ فِي الدِّينِ مِثْلَ طَلَبِهَا الِاعْتِمَارَ وَغَيْرَهُ أَجَابَهَا إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ سَهْلًا أَيْ سَهْلَ الْخُلُقِ كَرِيمَ الشَّمَائِلِ لَطِيفًا مُيَسَّرًا فِي الْخُلُقِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَفِيهِ حُسْنُ مُعَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وعاشروهن بالمعروف لَا سِيَّمَا فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الطَّاعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ) الْوِلْدَانُ هُمُ الصِّبْيَانُ فَفِيهِ صِحَّةُ حَجِّ الصَّبِيِّ وَالْحَجِّ بِهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُ يَصِحُّ حَجُّ الصَّبِيِّ وَيُثَابُ عليه ويترتب عليه أحكام حَجُّ الْبَالِغِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا بَلَغَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتَطَاعَ لزمه فرض

الْإِسْلَامِ وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجُمْهُورَ فَقَالَ لَا يَصِحُّ لَهُ إِحْرَامٌ وَلَا حَجٌّ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الحج قال وإنما يحج به ليتمرن ويتعلم ويتجنب محظوراته للتعلم قال وكذلك لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَالصَّوَابُ مَذْهَبُ الجمهور لحديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَمَسِسْنَا الطِّيبَ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى هَذِهِ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ وَفِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ بِفَتْحِهَا حَكَاهَا أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجَوْهَرِيُّ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُقَالُ مَسِسْتُ الشَّيْءَ بِكَسْرِ السِّينِ أَمَسُّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَسًّا فَهَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ قَالَ وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ مَسَسْتُ الشَّيْءَ بِالْفَتْحِ أَمُسُّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ قَالَ وَرُبَّمَا قَالُوا مست الشيء يحذفون منه السِّينَ الْأُولَى وَيُحَوِّلُونَ كَسْرَتَهَا إِلَى الْمِيمِ قَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُحَوِّلُ وَيَتْرُكُ الْمِيمَ عَلَى حَالِهَا مَفْتُوحَةً قَوْلُهُ (وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) يَعْنِي الْقَارِنَ مِنَّا وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَبَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ قَوْلُهُ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ) الْبَدَنَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ لَكِنَّ غالب استعمالها في البعير والمراد بها ها هنا الْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَهَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ تَجْزِي الْبَدَنَةُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِإِجْزَاءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةِ أَنْفُسٍ وَقِيَامِهَا مَقَامَ سَبْعِ شِيَاهٍ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِجَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ فَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ اشْتَرَاكُ السَّبْعَةِ فِي بَدَنَةٍ سَوَاءٌ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ وَسَوَاءٌ كَانُوا مُفْتَرِضِينَ أَوْ مُتَطَوِّعِينَ وَسَوَاءٌ كَانُوا مُتَقَرِّبِينَ كُلَّهُمْ أَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُتَقَرِّبًا وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ رُوِيَ هذا عن

بن عُمَرَ وَأَنَسٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ إِنْ كَانُوا مُتَطَوِّعِينَ وَلَا يَجُوزُ إِنْ كَانُوا مُفْتَرِضِينَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ كَانُوا مُتَقَرِّبِينَ جَازَ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ قُرْبَتُهُمْ أَوِ اخْتَلَفَتْ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُتَقَرِّبًا وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ لَمْ يَصِحَّ لِلِاشْتِرَاكِ

[١٢١٤] قَوْلُهُ (أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى قَالَ فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ) الْأَبْطَحُ هُوَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْمُحَصَّبِ وَقَوْلُهُ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى يَعْنِي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْمُتَمَتِّعِ وَكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِهِ إِلَّا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَآخَرُونَ يُحْرِمُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ بِأَدِلَّتِهَا أَمَّا قَوْلُهُ فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ فَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ لِلْمَكِّيِّ وَالْمُقِيمِ بِهَا الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مِنَ الْحَرَمِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا مِنْ دَاخِلِ مَكَّةَ وَأَفْضَلُهُ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَقِيلَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالثَّانِي يَجُوزُ مِنْ مَكَّةَ وَمِنْ سَائِرِ الْحَرَمِ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ فَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي احْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا لِأَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مِنَ الْأَبْطَحِ وَهُوَ خَارِجُ مَكَّةَ لَكِنَّهُ مِنَ الْحَرَمِ وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ إِنَّمَا أَحْرَمُوا مِنَ الْأَبْطَحِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا نَازِلِينَ بِهِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ الْمَحْدُودِ فَمِيقَاتُهُ مَنْزِلُهُ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[١٢١٥] قَوْلُهُ (لَمْ يَطُفْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَهُوَ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) يَعْنِي النَّبِيَّ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.5 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
اللهم صل على محمد