[(٣) باب السؤال عن أركان الإسلام]١٠ - (١٢) حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ…

الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ١٢

الحديث رقم ١٢ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح مسلم، تحت باب: (٣) باب السؤال عن أركان الإسلام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: [(٣) باب السؤال عن أركان الإسلام]١٠ - (١٢)…

[(٣) باب السؤال عن أركان الإسلام]

١٠ - (١٢) حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ. حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ:

نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ. فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ. الْعَاقِلُ. فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ

⦗٤٢⦘

أَهْلِ الْبَادِيَةِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَتَانَا رَسُولُكَ. فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "صَدَقَ" قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ" قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ. قَالَ: "اللَّهُ" قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ" قَالَ:

فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ. آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً أَمْوَالِنَا. قَالَ: "صَدَقَ" قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ. آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ" قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا. قَالَ

"صَدَقَ" قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ. آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ" قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ" قَالَ: ثُمَّ وَلَّى قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لئن صدق ليدخلن الجنة".

١١ - (١٢) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ؛ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ:

كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: [(٣) باب السؤال عن أركان الإسلام]١٠ - (١٢)…

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل هاجر القبطية -التي وهبها ملك مصر لزوجته سارة- وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند الكعبة، عند شجرة كبيرة ثابتة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد من الإِنس، وليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما وعاء من جلد فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم ولّى منطلقًا إلى الشام، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء مما يؤكل ويشرب؟ فقالت له ذلك مرارًا، ولا يلتفت إليها، وانصرف إلى طريقه، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذًا لا يضيعنا.
ثم رجعت إلى ابنها؛ فانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة عند الحجون حيث لا يرونه استقبل بوجهه موضع البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال: (رب إني أسكنت من ذريتي) بعضهم (بواد غير ذي زرع) وهو مكة، وكونها كذلك ليتم التفرغ فيها للعبادة، (عند بيتك المحرم) الذي حرم عنده الصيد وقطع الشجر والمقاتلة (ربنا ليقيموا الصلاة) بمكة (فاجعل أفئدة من الناس) أي: قلوبهم (تهوي) أي: تسرع (إليهم) شوقاً (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) نعمتك، وقد استجاب الله دعاءه.
وجعلت أم إسماعيل ترضعه، وتشرب من ذلك الماء، وتأكل من ذلك الثمر؛ حتى إذا نفد وانتهى ما في السقاء من الماء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو يتمرّغ ويضرب بنفسه الأرض فانطلقت كراهية أن تنظر إليه وهو كذلك، فوجدت الصفا أقرب جبل إليها في الأرض؛ فقامت عليه، ثم استقبلت مكة تنظر هل ترى أحداً؟ فلما بلغت الوادي المسيل وفيه انخفاض امتنع به رؤيتها لولدها فخافت عليه فأسرعت وسعت سعي الذي أصابته المشقة، وأتت المروة أي: بعد تركها السعي وعودها لعادتها قبل وصولها الوادي، فنظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «فلذلك سعى الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت لنفسها: اسكتي، تريد من نفسها الإنصات، ثم تسمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت فاغثني. فإذا هي بالملك جبريل عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أي مؤخر قدمه، -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تجعله مثل الحوض، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو ينبع بشدة بعد ما تغرف -وفي رواية: بقدر ما تغرف- قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : رحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا. يعني جاريًا على ظاهر الأرض.
قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الهلاك؛ فإن هاهنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان موضع البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله؛ فلا تغرقه السيول، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من قبيلة جُرْهم، مقبلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل مكة؛ فرأوا طائرًا يحوم في الجو، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء؛ فأرسلوا رسولًا أو رسولين يستطلعان، فإذا هم بالماء فرجعا فأخبروهم فأقبلوا، وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لاحق لكم في الماء. أي: بل الحق فيه مختص بي، فإن شئت منحت وإن شئت منعت. قالوا: نعم، فوافق ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس وتكره الوحشة.
فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم فجاءوا فنزلوا معهم؛ حتى اجتمعوا وكثروا وشبّ إسماعيل، وتعلم العربية منهم، و كثرت رغبتهم فيه، وأعجبهم حتى كبر ونشأ، فلما بلغ الحُلم زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يتفقد حال ما تركه؛ فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه أين هو؟ فقالت: خرج يطلب لنا رزقًا بالصيد، ثم سألها عن عيشهم من الطعام والشراب وعن حالتهم؟ فقالت: نحن بِشرٍّ، وفي ضيق من المعاش وشدة منه، وشكت إليه.
فلما رأى مزيد التبرم وشدة الضجر مما ابتلاها الله تعالى به زيادة في الدرجات خشي أن يسري حالها إلى ولده فيقع في مثل حالها فأمره بفراقها، فقال إبراهيم: فإذا جاء زوجك أبلغيه سلامي، وقولي له يغير عتبة بابه. كناية عن طلاق امرأته؛ لأن المرأة تلازم البيت كملازمة العتبة للبيت، فلما جاء إسماعيل من صيده كأنه أحس شيئاً؛ فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ موصوف بكذا؛ فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في مشقة وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذاكِ أبي وقد أمرني بتغيير عتبة الباب: أن أفارقك، الحقي بأهلك. وهو من كنايات الطلاق، لكنه صرح به بقوله فطلقها، وتزوج منهم امرأة أخرى.
فلبث إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجد إسماعيل؛ فدخل على امرأته؛ فسأل عنه. قالت: خرج يبتغي لنا -وفي رواية فقالت امرأته: ألا تنزل فتطعم وتشرب- قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وحالهم فقالت: نحن بخير وسَعة. وحمدت الله تعالى . فقال: ما طعامكم؟ قالت اللحم. قال: فما شرابكم. قالت: ماء زمزم أوهو وغيره من باقي المياه كماء مطر. فقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن لهم يومئذ أي نوع من الحبوب، ولو كان لهم دعا لهم فيه؛ لتعمه البركة بدعائه.
قال ابن عباس رضي الله عنه : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه مزاجه، ويشتكي من بطنه. قال إبراهيم: فإذا جاء زوجك من الصيد، فاقرئي عليه السلام، ومُرِيه يثبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل من الصيد كأنه أحس شيئاً -كما جاء في رواية وجد ريح أبيه- فقال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه ذاكرة بعض أوصاف كماله، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير. قال: فأوصاكِ بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أديم عصمتك.
ثم لبث إبراهيم عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يصلح سهما قبل أن يُركِّب فيه نصله وهو تحت شجرة بقرب زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد من العناق والمصافحة.
قال إبراهيم: يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله تعالى أمرني أن أبني بيتًا ها هنا، وأشار بقوله ها هنا إلى تل، وقيل شرفة مرتفعة على ما حولها من الأرض، وكانت السيول لا تعلوها، فعند ذلك رفع إبراهيم الأساس من البيت، ورفع البناء عليها، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم على المقام ينزل منه لأخذ الحجر من إسماعيل، ثم يعلو به فيضعه محله من البناء، حتى إذا ارتفع البناء جاء بحجر المقام؛ فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقاً بالبيت، كان يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا) بناء البيت (إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) ببناء البيت.
وفي قوله (تعلم العربية) دليل قوي على قدم اللغة العربية، وأنها قبل إبراهيم -عليه السلام- لكن إسماعيل أول من نطق باللغة العربية المبينة، كما في الحديث "أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة". رواه الشيرازي في الألقاب وصححه الشيخ الألباني.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب استقبال القبلة حال الدعاء؛ فقد استقبل إبراهيم -عليه السلام- البيت ودعا.
  • في قوله (ربنا ليقيموا الصلاة) تحريض للمقيم بمكة على عبادة المولى، والإِعراض عن أعراض الدنيا فإنها حينئذ تنقاد له.
  • الحث على التوكل على الله والتضرع إليه، ومن توكل على الله كفاه، ومن فوض إليه أمره وقاه.
  • مبادرة الأنبياء لطاعة ربهم، والتضحية من أجل مرضاته بأولادهم وأزواجهم.
  • أن ماء زمزم طعام طعم؛ حيث كان طعام أم إسماعيل وابنها.
  • فيه بيان للحكمة من السعي في مناسك الحج.
  • شدة فراسة العرب؛ حيث استدلوا على وجود الماء بتعاقب الطير على مكانه.
  • في قوله (تعلم العربية) دليل قوي على قدم اللغة العربية.
  • فيه استحباب مفارقة من لا صبر لها عند تعاور الشدائد.
  • فيه بر الوالد وتنفيذ أمره والمسارعة إليه.
  • وقوع الطلاق بالكناية يعني باللفظ غير الصريح لقول إبراهيم يغير عتبة بابه، وفسرها إسماعيل بالطلاق.
  • كراهية التضجر من حال العيش، واستحباب شكر المنعم على كل حال.
  • مسئولية الوالد عن أولاده وتفقده لهم.
  • من أساليب الدعوة الكناية.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: [(٣) باب السؤال عن أركان الإسلام]١٠ - (١٢)…

📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي

الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي نَسْخِهِ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصَحُّ نَسْخُهُ وَفِيهِ أَنَّ صَلَاةَ الْوِتْرِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ أَيْضًا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَطَائِفَةٌ إِلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ وَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَا غَيْرِهِ سِوَى رَمَضَانَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ كَانَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا قَبْلَ إِيجَابِ رَمَضَانَ أَمْ كَانَ الْأَمْرُ بِهِ نَدْبًا وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَظْهَرُهُمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَالثَّانِي كَانَ وَاجِبًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[١٢]

(باب السُّؤَالِ عَنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَكَ قَالَ صَدَقَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ (نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ) يَعْنِي سُؤَالَ مَا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ قَرِيبًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ سلونى أى عما تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ (الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) يَعْنِي مَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ عَنِ السؤال وقوله (العاقل) لكونه أَعْرَفَ بِكَيْفِيَّةِ السُّؤَالِ وَآدَابِهِ وَالْمُهِمِّ مِنْهُ وَحُسْنِ الْمُرَاجَعَةِ فَإِنَّ هَذِهِ أَسْبَابُ عِظَمِ الِانْتِفَاعِ بِالْجَوَابِ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ هُمُ الْأَعْرَابُ وَيَغْلِبُ فِيهِمُ الْجَهْلُ وَالْجَفَاءُ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ بَدَا جَفَا وَالْبَادِيَةُ وَالْبَدْوُ بِمَعْنًى وَهُوَ مَا عَدَا الْحَاضِرَةَ وَالْعُمْرَانَ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا بَدْوِيٌّ وَالْبِدَاوَةُ الْإِقَامَةُ بِالْبَادِيَةِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ هِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ قَالَ ثَعْلَبٌ لَا أَعْرِفُ الْبَدَاوَةَ بِالْفَتْحِ إِلَّا عَنْ أَبِي زَيْدٍ)

قَوْلُهُ (فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ مُخَاطَبَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمِهِ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بينكم كدعاء بعضكم بعضا عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ أَيْ لَا تَقُولُوا يَا مُحَمَّدُ بَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَلَمْ تَبْلُغِ الْآيَةُ هَذَا الْقَائِلَ وَقَوْلُهُ (زَعَمَ رَسُولُكُ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَكَ قَالَ صَدَقَ) فَقَوْلُهُ زَعَمَ وَتَزْعُمُ مَعَ تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ زَعَمَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْكَذِبِ وَالْقَوْلِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ أَيْضًا فِي القول المحقق والصدق الذى لاشك فِيهِ وَقَدْ جَاءَ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ زَعَمَ جِبْرِيلُ كَذَا وَقَدْ أَكْثَرَ سِيبَوَيْهِ وَهُوَ إِمَامُ الْعَرَبِيَّةِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ زَعَمَ الْخَلِيلُ زَعَمَ أَبُو الْخَطَّابِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْقَوْلَ الْمُحَقَّقَ وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقَلَهُ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ اسْمُهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا جَاءَ مُسَمًّى فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ (قَالَ فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا قَالَ صَدَقَ قَالَ فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ) هَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْعِلْمِ قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ هَذَا مِنْ حُسْنِ سُؤَالِ هَذَا الرَّجُلِ وَمَلَاحَةِ

سياقته وترتيبه فَإِنَّهُ سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ صَانِعِ الْمَخْلُوقَاتِ مَنْ هُوَ ثُمَّ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِهِ أَنْ يَصْدُقَهُ فِي كَوْنِهِ رَسُولًا لِلصَّانِعِ ثُمَّ لَمَّا وَقَفَ عَلَى رِسَالَتِهِ وَعِلْمِهَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِحَقِّ مُرْسِلِهِ وَهَذَا تَرْتِيبٌ يَفْتَقِرُ إِلَى عَقْلٍ رَصِينٍ ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ جَرَتْ لِلتَّأْكِيدِ وَتَقْرِيرِ الْأَمْرِ لَا لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهَا كَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَأْتِ إِلَّا بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَإِنَّمَا جَاءَ مُسْتَثْبِتًا وَمُشَافِهًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مُتَكَرِّرَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا وَأَنَّ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِصِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ الْعَوَامَّ الْمُقَلِّدِينَ مُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ اعْتِقَادِ الْحَقِّ جَزْمًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَتَزَلْزُلٍ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قرر ضماما عَلَى مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَعَرُّفِ رِسَالَتِهِ وَصِدْقِهِ وَمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا قَالَ يَجِبُ عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي مُعْجِزَاتِي وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي

الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي نَسْخِهِ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصَحُّ نَسْخُهُ وَفِيهِ أَنَّ صَلَاةَ الْوِتْرِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ أَيْضًا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَطَائِفَةٌ إِلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ وَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَا غَيْرِهِ سِوَى رَمَضَانَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ كَانَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا قَبْلَ إِيجَابِ رَمَضَانَ أَمْ كَانَ الْأَمْرُ بِهِ نَدْبًا وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَظْهَرُهُمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَالثَّانِي كَانَ وَاجِبًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[١٢]

(باب السُّؤَالِ عَنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَكَ قَالَ صَدَقَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ (نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ) يَعْنِي سُؤَالَ مَا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ قَرِيبًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ سلونى أى عما تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ (الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) يَعْنِي مَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ عَنِ السؤال وقوله (العاقل) لكونه أَعْرَفَ بِكَيْفِيَّةِ السُّؤَالِ وَآدَابِهِ وَالْمُهِمِّ مِنْهُ وَحُسْنِ الْمُرَاجَعَةِ فَإِنَّ هَذِهِ أَسْبَابُ عِظَمِ الِانْتِفَاعِ بِالْجَوَابِ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ هُمُ الْأَعْرَابُ وَيَغْلِبُ فِيهِمُ الْجَهْلُ وَالْجَفَاءُ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ بَدَا جَفَا وَالْبَادِيَةُ وَالْبَدْوُ بِمَعْنًى وَهُوَ مَا عَدَا الْحَاضِرَةَ وَالْعُمْرَانَ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا بَدْوِيٌّ وَالْبِدَاوَةُ الْإِقَامَةُ بِالْبَادِيَةِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ هِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ قَالَ ثَعْلَبٌ لَا أَعْرِفُ الْبَدَاوَةَ بِالْفَتْحِ إِلَّا عَنْ أَبِي زَيْدٍ)

قَوْلُهُ (فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ مُخَاطَبَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمِهِ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بينكم كدعاء بعضكم بعضا عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ أَيْ لَا تَقُولُوا يَا مُحَمَّدُ بَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَلَمْ تَبْلُغِ الْآيَةُ هَذَا الْقَائِلَ وَقَوْلُهُ (زَعَمَ رَسُولُكُ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَكَ قَالَ صَدَقَ) فَقَوْلُهُ زَعَمَ وَتَزْعُمُ مَعَ تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ زَعَمَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْكَذِبِ وَالْقَوْلِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ أَيْضًا فِي القول المحقق والصدق الذى لاشك فِيهِ وَقَدْ جَاءَ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ زَعَمَ جِبْرِيلُ كَذَا وَقَدْ أَكْثَرَ سِيبَوَيْهِ وَهُوَ إِمَامُ الْعَرَبِيَّةِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ زَعَمَ الْخَلِيلُ زَعَمَ أَبُو الْخَطَّابِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْقَوْلَ الْمُحَقَّقَ وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقَلَهُ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ اسْمُهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا جَاءَ مُسَمًّى فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ (قَالَ فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا قَالَ صَدَقَ قَالَ فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ) هَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْعِلْمِ قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ هَذَا مِنْ حُسْنِ سُؤَالِ هَذَا الرَّجُلِ وَمَلَاحَةِ

سياقته وترتيبه فَإِنَّهُ سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ صَانِعِ الْمَخْلُوقَاتِ مَنْ هُوَ ثُمَّ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِهِ أَنْ يَصْدُقَهُ فِي كَوْنِهِ رَسُولًا لِلصَّانِعِ ثُمَّ لَمَّا وَقَفَ عَلَى رِسَالَتِهِ وَعِلْمِهَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِحَقِّ مُرْسِلِهِ وَهَذَا تَرْتِيبٌ يَفْتَقِرُ إِلَى عَقْلٍ رَصِينٍ ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ جَرَتْ لِلتَّأْكِيدِ وَتَقْرِيرِ الْأَمْرِ لَا لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهَا كَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَأْتِ إِلَّا بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَإِنَّمَا جَاءَ مُسْتَثْبِتًا وَمُشَافِهًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مُتَكَرِّرَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا وَأَنَّ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِصِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ الْعَوَامَّ الْمُقَلِّدِينَ مُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ اعْتِقَادِ الْحَقِّ جَزْمًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَتَزَلْزُلٍ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قرر ضماما عَلَى مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَعَرُّفِ رِسَالَتِهِ وَصِدْقِهِ وَمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا قَالَ يَجِبُ عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي مُعْجِزَاتِي وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله