الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ١٩٠٧
الحديث رقم ١٩٠٧ من كتاب «كتاب الإمارة» في صحيح مسلم، تحت باب: باب قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنية) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٥١٦⦘
وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى. فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجر إليه).
٤٥ - بَاب قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ
١٥٥ - (١٩٠٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بن وقاص، عن عمر ابن الْخَطَّابِ. قَالَ:
يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ كل الأعمال معتبرة بالنية، وهذا الحكم عام في جميع الأعمال من العبادات والمعاملات، فمن قصد بعمله منفعةً لم يَنَلْ إلا تلك المنفعة ولا ثواب له، ومن قصد بعمله التقرب إلى الله تعالى نال من عمله المثوبة والأجر ولو كان عملًا عاديًّا، كالأكل والشرب.
ثم ضرب صلى الله عليه وسلم مثلًا لبيان تأثير النية في الأعمال مع تساويهما في الصورة الظاهرة، فبَيَّن أنَّ من قصد بهجرته وترك وطنه ابتغاء مرضات ربه، فهجرته هجرة شرعية مقبولة يثاب عليها لصدق نيته، ومن قصد بهجرته منفعةً دنيوية، من مال، أو جاه، أو تجارة، أو زوجة، فلا ينال من هجرته إلا تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثواب.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ لِأَنَّهُ حَفِظَ مَا نَسِيَهُ غَيْرُهُ فَلَا تَقْدَحُ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٩٧٤] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) دَارَ مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ أَيْ يَا أَهْلَ دَارٍ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَقِيلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَلَيْكُمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ أَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ الدَّارَ فِي اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى الرَّبْعِ الْمَسْكُونِ وَعَلَى الْخَرَابِ غَيْرِ الْمَأْهُولِ وَأَنْشَدَ فِيهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) التَّقْيِيدُ بِالْمَشِيئَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ وَامْتِثَالِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا الا أن يشاء الله وَقِيلَ الْمَشِيئَةُ عَائِدَةٌ إِلَى تِلْكَ التُّرْبَةِ بِعَيْنِهَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِهَا وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهَا (يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ) فِيهِ فَضِيلَةُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْبَقِيعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ سَوَاءٌ فِي تَقْدِيمِ السَّلَامُ عَلَى عَلَيْكُمْ بِخِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ ... عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا ...
(قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) الْبَقِيعُ هُنَا بِالْبَاءِ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ مَدْفِنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سُمِّيَ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ لِغَرْقَدٍ كَانَ فِيهِ وَهُوَ مَا عَظُمَ مِنَ الْعَوْسَجِ وَفِيهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْأَهْلِ عَلَى سَاكِنِ الْمَكَانِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب أخبرنا بن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ سمعت)
عَائِشَةَ تُحَدِّثُ فَقَالَتْ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِّي قُلْنَا بَلَى ح وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي) إِلَى آخِرِهِ قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ عن بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ الْجُرْجَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سعيد المصيصى حدثنا حجاج عن بن جريج أخبرني عبد الله بن أبي ملكية وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ الْجَيَّانِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْمَقْطُوعَةِ فِي مُسْلِمٍ قَالَ وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَهِمَ فِي رُوَاتِهَا وَقَدْ رَوَاهُ عبد الرزاق في مصنفه عن بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ إِنَّ هَذَا مَقْطُوعٌ لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مُسْنَدٌ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّ رُوَاتَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَجْهُولِ لَا مِنْ بَابِ الْمُنْقَطِعِ إِذِ الْمُنْقَطِعُ مَا سَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ رَاوٍ قبل التابعى قال القاضي ووقع في سنده إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ مُسْلِمٍ وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ يُوهِمُ أَنَّ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ آخَرَ يُقَالُ لَهُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ كَذَا بَلْ حَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ هُوَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِلَا شَكٍّ وَتَقْدِيرُ كَلَامِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ قَالَ هَذَا الْمُحَدِّثُ حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَحَكَى لَفْظَ الْمُحَدِّثِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قُلْتُ وَلَا يَقْدَحُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هَذَا الْمَجْهُولِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ حجاج
الْأَعْوَرِ لِأَنَّ مُسْلِمًا ذَكَرَهُ مُتَابَعَةً لَا مُتَأَصِّلًا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ بَلِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ قَبْلَهُ قَوْلُهَا (فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ أي قدرما قَوْلُهَا (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا) أَيْ قَلِيلًا لَطِيفًا لِئَلَّا يُنَبِّهَهَا قَوْلُهَا (ثُمَّ أَجَافَهُ) بِالْجِيمِ أَيْ أَغْلَقَهُ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُفْيَةٍ لِئَلَّا يُوقِظَهَا وَيَخْرُجَ عَنْهَا فَرُبَّمَا لَحِقَهَا وَحْشَةٌ فِي انْفِرَادِهَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ قَوْلُهَا (وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ إِزَارِي بِغَيْرِ بَاءٍ فِي أَوَّلِهِ وَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى لَبِسْتُ إِزَارِي فَلِهَذَا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ قَوْلُهَا (جَاءَ الْبَقِيعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ إِطَالَةِ الدُّعَاءِ وَتَكْرِيرِهِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِيهِ وَفِيهِ أَنَّ دُعَاءَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ مِنْ دُعَاءِ الْجَالِسِ فِي الْقُبُورِ قَوْلُهَا (فأحضر فأحضرت) الاحضار العدو قولها (فقال مالك يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً) يَجُوزُ فِي عَائِشٍ فَتْحُ الشِّينِ وَضَمُّهَا وَهُمَا وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلِّ الْمُرَخَّمَاتِ وَفِيهِ جَوَازُ تَرْخِيمِ الِاسْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُرَخَّمِ وَحَشْيَا بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ مَعْنَاهُ وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْكِ الْحَشَا وَهُوَ الرَّبْوُ وَالتَّهَيُّجُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْمُسْرِعِ فِي مَشْيِهِ وَالْمُحْتَدِّ فِي كَلَامِهِ مِنَ ارْتِفَاعِ النَّفَسِ وَتَوَاتُرِهِ يُقَالُ امْرَأَةٌ حَشْيَاءُ وَحَشْيَةٌ وَرَجُلٌ حَشْيَانٌ وَحَشَشٌ قِيلَ أَصْلُهُ مَنْ أَصَابَ الرَّبْوُ حَشَاهُ وَقَوْلُهُ رَابِيَةً أَيْ مُرْتَفِعَةَ الْبَطْنِ قَوْلُهَا (لَا بِي شَيْءَ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ لَا بِي شَيْءَ بِبَاءِ الْجَرِّ وَفِي بَعْضِهَا لِأَيِّ شَيْءٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَحَذْفِ الْبَاءِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَفِي بَعْضِهَا لَا شَيْءَ وَحَكَاهَا الْقَاضِي قَالَ وَهَذَا الثَّالِثُ
أَصْوَبُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَنْتِ السَّوَادُ) أَيِ الشَّخْصُ قَوْلُهَا (فَلَهَدَنِي) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَرُوِيَ فَلَهَزَنِي بِالزَّايِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَهَدَهُ وَلَهَّدَهُ بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ دَفَعَهُ وَيُقَالُ لَهَزَهُ إِذَا ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ فِي صَدْرِهِ وَيَقْرَبُ مِنْهُمَا لَكَزَهُ وَوَكَزَهُ قَوْلُهُ (قَالَتْ مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ نَعَمْ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَكَأَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ صَدَّقَتْ نَفْسَهَا فَقَالَتْ نَعَمْ قَوْلُهَا (قُلْتُ كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَمِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ لَلَاحِقُونَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ لِزَائِرِ الْقُبُورِ وَفِيهِ تَرْجِيحٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمُؤْمِنَ قَدْ يَكُونَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَعَطْفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِنْ كَانَ مُنَافِقًا لَا يَجُوزُ السَّلَامُ عَلَيْهِ
وَالتَّرَحُّمُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ جَوَّزَ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَفِيهَا خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهَا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِنَّ لِحَدِيثِ لَعَنِ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالثَّانِي يُكْرَهُ وَالثَّالِثُ يُبَاحُ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثِ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ نَهَيْتُكُمْ ضَمِيرُ ذُكُورٍ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ فِي الْأُصُولِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) فِيهِ جَوَازُ زِيَارَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَيَاةِ وَقُبُورِهِمْ بَعْدَ الْوَفَاةِ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَتْ زِيَارَتُهُمْ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَفِي الْحَيَاةِ أَوْلَى وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وصاحبهما في الدنيا معروفا وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ سَبَبُ زِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَهَا أَنَّهُ قَصَدَ قُوَّةَ الْمَوْعِظَةِ وَالذِّكْرَى بِمُشَاهَدَةِ قَبْرِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرِكُمُ الْمَوْتَ
[٩٧٥] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يؤذن لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ) هَذَا الْحَدِيثُ وُجِدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ مَاهَانَ لِأَهْلِ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَاتِ بِلَادِنَا مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيِّ وَلَكِنَّهُ يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَيُصِيبُ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا كَتَبَ فِي الْحَاشِيَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عن محمد بن عبيد ورواه بن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ قَوْلُهُ (فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قَالَ الْقَاضِي بُكَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ إِدْرَاكِ أَيَّامِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ
[٩٧٧] قَوْلُهُ (مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ) هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَجْمَعُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَسْخِ نَهْيِ الرِّجَالِ عَنْ زِيَارَتِهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زيارتها
سُنَّةٌ لَهُمْ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَفِيهِنَّ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ مَنَعَهُنَّ قَالَ النِّسَاءُ لَا يَدْخُلْنَ فِي خِطَابِ الرِّجَالِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا الِانْتِبَاذُ فِي الْأَسْقِيَةِ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَسَتَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْأَضَاحِيُّ فَسَيَأْتِي إِيضَاحُهَا فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[٩٧٨] قَوْلُهُ (أتى النبي صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) الْمَشَاقِصُ سِهَامٌ عِرَاضٌ وَاحِدُهَا مِشْقَصٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ لِعِصْيَانِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهَذَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ زَجْرًا لَهُمْ عَنِ التَّسَاهُلِ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَعَنْ إِهْمَالِ وَفَائِهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ الْقَاضِي مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَحْدُودٍ وَمَرْجُومٍ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ وولد الزنى وَعَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْتَنِبُ الصَّلَاةَ عَلَى مَقْتُولٍ فِي حَدٍّ وَأَنَّ أَهْلَ الْفَضْلِ لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْفُسَّاقِ زَجْرًا لَهُمْ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَا يُصَلَّى عَلَى
لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَلَيْسَ لَازِمًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ كَوْنُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي أَحَدِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ فَلَيْسَ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ نَصٌّ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكَانَ أَجْرُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِهِمْ وَقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ وَكَوْنُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ مَرَضِيًّا عَنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَلْزَمُ أَلَّا تَكُونَ وَرَاءَ هَذَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ شَدِيدُ الْفَضْلِ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَمِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ لَعَلَّ الَّذِي تَعَجَّلَ ثُلُثَيْ أَجْرِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ إِذْ لَوْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ وَجْهِهَا لَمْ يَكُنْ ثُلُثُ الْأَجْرِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الَّتِي أَخْفَقَتْ يَكُونُ لَهَا أَجْرٌ بِالْأَسَفِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ فَيُضَاعَفُ ثَوَابُهَا كَمَا يُضَاعَفُ لِمَنْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ مُبَايِنٌ لِصَرِيحِ الْحَدِيثِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا فَنَقَصَ ثَوَابُهُ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ)
[١٩٠٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) الْحَدِيثَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِظَمِ مَوْقِعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ وَصِحَّتِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ هُوَ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْفِقْهِ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ رُبْعُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ يَنْبَغِي لِمَنْ صَنَّفَ كِتَابًا أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا لِلطَّالِبِ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا
عَنِ الْأَئِمَّةِ مُطْلَقًا وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وغيره فابتدؤا به قبل كل شئ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ الْحُفَّاظُ وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَا عَنْ عُمَرَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَلَا عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَعَنْ يَحْيَى انْتَشَرَ فَرَوَاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ إِنْسَانٍ أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ لَيْسَ هُوَ مُتَوَاتِرًا وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ التَّوَاتُرِ فِي أَوَّلِهِ وَفِيهِ طُرْفَةٌ مِنْ طُرَفِ الْإِسْنَادِ فَإِنَّهُ رَوَاهُ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ يَحْيَى وَمُحَمَّدٌ وَعَلْقَمَةُ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرُهُمْ لَفْظَةُ إِنَّمَا مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ وَتَنْفِي مَا سِوَاهُ فَتَقْدِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ الأعمال تحسب بنية ولاتحسب إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّةٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أن الطهارة وهى الوضوء والغسل والتيمم لاتصح الا بالنية وكذلك الصلوة والزكوة وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالِاعْتِكَافُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَأَمَّا إِزَالَةُ النجاسة فالمشهور عندنا أنها لاتفتقر إِلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التُّرُوكِ والتَّرْكُ لايحتاج إِلَى نِيَّةٍ وَقَدْ نَقَلُوا الْإِجْمِاعَ فِيهَا وَشَذَّ بعض أصحابنا فأوجبها وهو باطل وَتَدْخُلُ النِّيَّةُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْقَذْفِ وَمَعْنَى دُخُولِهَا أَنَّهَا إِذَا قَارَنَتْ كِنَايَةً صَارَتْ كَالصَّرِيحِ وان أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أوثلاثا وَقَعَ مَا نَوَى وَإِنْ نَوَى بِصَرِيحٍ غَيْرِ مُقْتَضَاهُ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ولايقبل مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (وانما لامرىء مَا نَوَى) قَالُوا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ بَيَانُ أَنَّ تَعْيِينَ الْمَنَوِيِّ شَرْطٌ فلو كان على انسان صلوة مقضية لايكفيه أن ينوى الصلوة الْفَائِتَةَ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهْرًا أَوْ غَيْرَهَا وَلَوْلَا اللَّفْظُ الثَّانِي لَاقْتَضَى الْأَوَّلُ صِحَّةَ النِّيَّةِ بِلَا تَعْيِينٍ أَوْ أَوْهَمَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ كَانَ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ ورسوله
(
[كتاب الجنة وصفة نعيمها واهلها]
(
[٢٨٢٢]
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ حفت ووقع فى البخارى حفت ووقع فيه أَيْضًا حُجِبَتْ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَفَصِيحِهِ وَجَوَامِعِهِ الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ الْحَسَنِ ومعناه لايوصل الْجَنَّةَ إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَكَارِهِ وَالنَّارَ بِالشَّهَوَاتِ وَكَذَلِكَ هُمَا مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوبِ فَهَتْكُ حِجَابِ الْجَنَّةِ بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِهِ وَهَتْكُ حِجَابِ النَّارِ بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ فَأَمَّا الْمَكَارِهُ فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَالصَّبْرُ عَلَى مَشَاقِّهَا وَكَظْمُ الْغَيْظِ وَالْعَفْوُ وَالْحِلْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمُسِيءِ وَالصَّبْرُ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الَّتِي النَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الشَّهَوَاتُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالنَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْغِيبَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْمَلَاهِي وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الْمُبَاحَةُ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهَا مَخَافَةَ أَنْ يَجُرَّ إِلَى الْمُحَرَّمَةِ أَوْ يُقَسِّي الْقَلْبَ أَوْ يَشْغَلَ عَنِ الطَّاعَاتِ أَوْ يُحْوَجَ إِلَى الِاعْتِنَاءِ بتحصيل الدنيا)
للصرف فيها ونحوذلك
[٢٨٢٤] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاعين رأت ولاأذن سمعت ولاخطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَطْلَعْتُكُمْ عَلَيْهِ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ذخرافى جَمِيعِ النُّسَخِ وَأَمَّا رِوَايَةُ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا فَفِيهَا ذِكْرٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَذُخْرًا كَالْأَوَّلِ فِي بَعْضِهَا قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ أَبْيَنُ كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قال والأولى رواية الفارسى فأمابله فَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَمَعْنَاهَا دَعْ عَنْكَ مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي لَمْ يُطْلِعْكُمْ عليه اعظم وكانه اضر ب عنه استقلالاله فى جنب مالم يُطْلِعْ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَاهَا غَيْرُ وَقِيلَ مَعْنَاهَا كَيْفَ
[٢٨٢٦]
[٢٨٢٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لايقطعها) وَفِي رِوَايَةٍ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادُ الْمُضَمَّرُ السَّرِيعُ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُرَادُ بِظِلِّهَا كَنَفُهَا وَذَرَاهَا وَهُوَ مَا يَسْتُرُ أَغْصَانَهَا وَالْمُضَمَّرُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ الَّذِي ضُمِّرَ لِيَشْتَدَّ جَرْيُهُ وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ صِفَةُ التَّضْمِيرِ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَاهُ بَعْضُهُمُ الْمُضَمِّرُ بِكَسْرِ الميم الثانية صفة للراكب المضمر لفرسه
وَالْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ
[٢٨٢٩] قَوْلُهُ تَعَالَى (أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي) قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ أُنْزِلُهُ بِكُمْ وَالرِّضْوَانُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ وَالْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ قُرِئَ بِهِنَّ فِي السَّبْعِ الْأَكْثَرُونَ دُرِّيٌّ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِلَا هَمْزٍ وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الدَّالِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَالثَّالِثَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَهُوَ الْكَوْكَبُ الْعَظِيمُ قِيلَ سُمِّيَ دُرِّيًّا لِبَيَاضِهِ كَالدُّرِّ وَقِيلَ لِإِضَاءَتِهِ وَقِيلَ لِشَبَهِهِ بِالدُّرِّ فِي كَوْنِهِ أَرْفَعُ مِنْ بَاقِي النُّجُومِ كَالدُّرِّ أَرْفَعُ الجواهر
[٢٨٣١] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَهْلَ الجنة
لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ) هَكَذَا هُوَ فى عامةالنسخ مِنَ الْأُفُقِ قَالَ الْقَاضِي لَفْظَةُ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْأُفُقِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أن من فى رواية مسلم لانتهاءالغاية وَقَدْ جَاءَتْ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ رَأَيْتُ الْهِلَالَ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَكِنْ حَمْلُهُمْ لَفْظَةَ مِنْ هُنَا عَلَى انْتِهَاءِ الْغَايَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هِيَ عَلَى بَابِهَا أَيْ كَانَ ابْتِدَاءُ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ رُؤْيَتَهُ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ وَمِنَ الْأُفُقِ قَالَ وَقَدْ جَاءَ فِي رواية عن بن مَاهَانَ عَلَى الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ وَمَعْنَى الْغَابِرِ الذَّاهِبُ الْمَاشِي أَيْ الَّذِي تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ وَبَعُدَ عَنِ الْعُيُونِ وَرُوِيَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ الْغَارِبُ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَرُوِيَ الْعَازِبُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَمَعْنَاهُ الْبَعِيدُ فِي الأفق
وكلها راجعة إلى معنى واحد
[٢٨٣٣] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا) الْمُرَادُ بِالسُّوقِ مَجْمَعٌ لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا فِي السُّوقِ وَمَعْنَى يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ أَيْ فِي مِقْدَارِ كُلِّ جُمْعَةٍ أَيْ أُسْبُوعٍ وَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةً أُسْبُوعٌ لِفَقْدِ الشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسُّوقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وهو أفصح وريح الشَّمَالِ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْمِيمِ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ هَكَذَا الرِّوَايَةُ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ هِيَ الشَّمَالُ وَالشَّمْأَلُ باسكان الميم مهموز والشأملة بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الْمِيمِ وَالشَّمَلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَالشَّمُولُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي مِنْ دُبُرِ الْقِبْلَةِ قَالَ الْقَاضِي وَخَصَّ رِيحَ الْجَنَّةِ بِالشَّمَالِ لِأَنَّهَا رِيحُ الْمَطَرِ عِنْدَ الْعَرَبِ كَانَتْ
تَهُبُّ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ وَبِهَا يَأْتِي سَحَابُ الْمَطَرِ وَكَانُوا يَرْجُونَ السَّحَابَةَ الشَّامِيَّةَ وَجَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الرِّيحِ الْمُثِيرَةِ أَيِ الْمُحَرِّكَةِ لِأَنَّهَا تُثِيرُ فِي وُجُوهِهِمْ مَا تُثِيرُهُ مِنْ مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها
[٢٨٣٤] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ هِيَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ ليلة البدر والتى تليها على أضوء كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) الزُّمْرَةُ الْجَمَاعَةُ وَالدُّرِّيُّ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَبَيَانُهُ قَرِيبًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (زَوْجَتَانِ) هَكَذَا فِي الرِّوَايَاتِ بِالتَّاءِ وَهِيَ لُغَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَالْأَشْهَرُ حَذْفُهَا وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثَ قَوْلُهُ (وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا أَعْزَبُ بِالْأَلِفِ وَهِيَ لُغَةٌ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ عَزَبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جَمِيعَ رُوَاتِهِمْ رَوَوْهُ وَمَا فى الجنة عزب بغير ألف الاالعذرى
فَرَوَاهُ بِالْأَلِفِ قَالَ الْقَاضِي وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْعَزَبُ من لازوجة لَهُ وَالْعُزُوبُ الْبُعْدُ وَسُمِّي عَزَبًا لِبُعْدِهِ عَنِ النِّسَاءِ قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ قَالَ فَيَخْرُجُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا أَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ وَلَدِ آدَمَ قال وهذا كله فى الآدميات والافقد جَاءَ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ) أَيْ عَرَقُهُمْ (وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ اللَّامِ أَيْ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَبْسُوطًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) قَدْ ذَكَرَ مسلم فى الكتاب اختلاف بن أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي كُرَيْبٍ فِي ضَبْطِهِ فَإِنَّ بن أبى شيبة يرويه بضم الحاء واللام وأبو كريب بفتح الحاء وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاةُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَيُرَجَّحُ الضَّمُّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ وَقَدْ يُرَجَّحُ الْفَتْحُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ أَوْ عَلَى طُولِهِ قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يمتخطون
وَلَا يَتْفِلُونَ) هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا حَكَاهُمَا الجوهرى وغيره وفى رواية لايبصقون وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَبْزُقُونَ وَكُلُّهُ بِمَعْنًى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أَيْ قَدْرَهُمَا
[٢٨٣٥] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ) مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ يَتَنَعَّمُونَ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ من ملاذ وأنواع نعيمها تنعما دائما لاآخر له ولاانقطاع أَبَدًا وَإِنَّ تَنَعُّمَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى هَيْئَةِ تَنَعُّمِ أهل الدنيا الاما بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاضُلِ فِي اللَّذَّةِ وَالنَّفَاسَةِ الَّتِي لايشارك نعيم الدنيا الافى التَّسْمِيَةِ وَأَصْلِ الْهَيْئَةِ وَإِلَّا فِي أَنَّهُمْ لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَبْصُقُونَ وَقَدْ دَلَّتْ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الأحاديث
الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ دَائِمٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ أَبَدًا
[٢٨٣٦] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لايبأس) وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا أَيْ لَا يُصِيبُكُمْ بَأْسٌ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَالِ وَالْبَأْسُ وَالْبُؤْسُ وَالْبَأْسَاءُ وَالْبُؤَسَاءُ بِمَعْنًى وينعم وتنعم بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ أَيْ يَدُومُ
لَكُمُ النَّعِيمُ
[٢٨٣٨] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ) وَفِي رِوَايَةٍ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا أَمَّا الْخَيْمَةُ فَبَيْتٌ مُرَبَّعٌ مِنْ بُيُوتِ الْأَعْرَابِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ مُجَوَّفَةٍ بِالْفَاءِ قَالَ الْقَاضِي وَفِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ مُجَوَّبَةٍ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْمَثْقُوبَةُ وَهِيَ بِمَعْنَى الْمُجَوَّفَةِ والزاويةالجانب وَالنَّاحِيَةِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا وَفِي الثَّانِيَةِ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا ولامعارضة بَيْنَهُمَا فَعَرْضُهَا فِي مِسَاحَةِ
أَرْضِهَا وَطُولُهَا فِي السَّمَاءِ أَيْ فِي الْعُلُوِّ مُتَسَاوِيَانِ
[٢٨٣٩] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ غَيْرُ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ فَأَمَّا سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اللَّذَانِ هُمَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فِي بِلَادِ الأرمن فجيحان نهر المصيصة وسيحان نهر إذنه وَهُمَا نَهْرَانِ عَظِيمَانِ جِدًّا أَكْبَرْهُمَا جَيْحَانُ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَوْضِعِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ فى صحاحه جيحان نهر بالشام فَغَلَطٌ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَازَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِبِلَادِ الْأَرْمَنِ وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ لِلشَّامِ قَالَ الْحَازِمِيُّ سَيْحَانُ نَهْرٌ عِنْدَ الْمُصَيِّصَةِ قَالَ وَهُوَ غَيْرُ سَيْحُونَ وَقَالَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ نَهْرَانُ بِالْعَوَاصِمِ عِنْدَ الْمُصَيِّصَةِ وَطُرْسُوسُ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ جَيْحُونَ بِالْوَاوِ نَهْرٌ وَرَاءَ خُرَاسَانَ عِنْدَ بَلْخٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَيْحَانَ وَكَذَلِكَ سَيْحُونُ غَيْرُ سَيْحَانَ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ أَكْبَرُ أَنْهَارِ بلاد الاسلام
فَالنِّيلُ بِمِصْرَ وَالْفُرَاتُ بِالْعِرَاقِ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَيُقَالُ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ فَفِي كَلَامِهِ إِنْكَارٌ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا قَوْلُهُ الْفُرَاتُ بِالْعِرَاقِ وَلَيْسَ بِالْعِرَاقِ بَلْ هُوَ فَاصِلٌ بَيْنَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَيُقَالُ سَيْحُونُ وَجَيْحُونُ فَجَعَلَ الْأَسْمَاءَ مُتَرَادِفَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحَانُ غَيْرُ سَيْحُونَ وَجَيْحَانُ غَيْرُ جَيْحُونَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ كما سبق الثالث أَنَّهُ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ وَأَمَّا سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ بِبِلَادِ الْأَرْمَنِ بِقُرْبِ الشَّامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضُ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَّ بِلَادَهَا أَوِ الْأَجْسَامُ الْمُتَغَذِّيَةِ بِمَائِهَا صَائِرَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ لَهَا مَادَّةٌ مِنَ الْجَنَّةِ وَالْجَنَّةُ مَخْلُوقَةٌ موجودة اليوم عندأهل السنة وقد ذكر مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ الْفُرَاتَ وَالنِّيلَ يَخْرُجَانِ مِنَ الْجَنَّةِ وَفِي البخارى من أصل سدرة المنتهى
[٢٨٤٠] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ) قِيلَ مِثْلُهَا فِي رِقَّتِهَا وَضَعْفِهَا كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَضْعَفُ أَفْئِدَةً وَقِيلَ فِي الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ وَالطَّيْرُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانِ خَوْفًا وَفَزَعًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عباده العلماء وَكَأَنَّ الْمُرَادَ قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ كَمَا جَاءَ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ فِي شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وَقِيلَ الْمُرَادُ مُتَوَكِّلُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي سَلِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَادُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَزَادَ الزُّهْرِيَّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَالصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ قَالَ وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ لِسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رِوَايَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فىكتاب الْعِلَلِ لَمْ يُتَابِعْ أَبُو النَّضْرِ عَلَى وَصْلِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا كَذَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ وَالْمُرْسَلُ الصَّوَابُ هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالصَّحِيحُ أن هذا الذى ذكره لايقدح فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا كَانَ مَحْكُومًا
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ لِأَنَّهُ حَفِظَ مَا نَسِيَهُ غَيْرُهُ فَلَا تَقْدَحُ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٩٧٤] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) دَارَ مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ أَيْ يَا أَهْلَ دَارٍ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَقِيلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَلَيْكُمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ أَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ الدَّارَ فِي اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى الرَّبْعِ الْمَسْكُونِ وَعَلَى الْخَرَابِ غَيْرِ الْمَأْهُولِ وَأَنْشَدَ فِيهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) التَّقْيِيدُ بِالْمَشِيئَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ وَامْتِثَالِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا الا أن يشاء الله وَقِيلَ الْمَشِيئَةُ عَائِدَةٌ إِلَى تِلْكَ التُّرْبَةِ بِعَيْنِهَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِهَا وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهَا (يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ) فِيهِ فَضِيلَةُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْبَقِيعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ سَوَاءٌ فِي تَقْدِيمِ السَّلَامُ عَلَى عَلَيْكُمْ بِخِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ ... عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا ...
(قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) الْبَقِيعُ هُنَا بِالْبَاءِ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ مَدْفِنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سُمِّيَ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ لِغَرْقَدٍ كَانَ فِيهِ وَهُوَ مَا عَظُمَ مِنَ الْعَوْسَجِ وَفِيهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْأَهْلِ عَلَى سَاكِنِ الْمَكَانِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب أخبرنا بن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ سمعت)
عَائِشَةَ تُحَدِّثُ فَقَالَتْ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِّي قُلْنَا بَلَى ح وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي) إِلَى آخِرِهِ قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ عن بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ الْجُرْجَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سعيد المصيصى حدثنا حجاج عن بن جريج أخبرني عبد الله بن أبي ملكية وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ الْجَيَّانِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْمَقْطُوعَةِ فِي مُسْلِمٍ قَالَ وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَهِمَ فِي رُوَاتِهَا وَقَدْ رَوَاهُ عبد الرزاق في مصنفه عن بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ إِنَّ هَذَا مَقْطُوعٌ لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مُسْنَدٌ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّ رُوَاتَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَجْهُولِ لَا مِنْ بَابِ الْمُنْقَطِعِ إِذِ الْمُنْقَطِعُ مَا سَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ رَاوٍ قبل التابعى قال القاضي ووقع في سنده إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ مُسْلِمٍ وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ يُوهِمُ أَنَّ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ آخَرَ يُقَالُ لَهُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ كَذَا بَلْ حَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ هُوَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِلَا شَكٍّ وَتَقْدِيرُ كَلَامِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ قَالَ هَذَا الْمُحَدِّثُ حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَحَكَى لَفْظَ الْمُحَدِّثِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قُلْتُ وَلَا يَقْدَحُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هَذَا الْمَجْهُولِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ حجاج
الْأَعْوَرِ لِأَنَّ مُسْلِمًا ذَكَرَهُ مُتَابَعَةً لَا مُتَأَصِّلًا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ بَلِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ قَبْلَهُ قَوْلُهَا (فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ أي قدرما قَوْلُهَا (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا) أَيْ قَلِيلًا لَطِيفًا لِئَلَّا يُنَبِّهَهَا قَوْلُهَا (ثُمَّ أَجَافَهُ) بِالْجِيمِ أَيْ أَغْلَقَهُ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُفْيَةٍ لِئَلَّا يُوقِظَهَا وَيَخْرُجَ عَنْهَا فَرُبَّمَا لَحِقَهَا وَحْشَةٌ فِي انْفِرَادِهَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ قَوْلُهَا (وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ إِزَارِي بِغَيْرِ بَاءٍ فِي أَوَّلِهِ وَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى لَبِسْتُ إِزَارِي فَلِهَذَا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ قَوْلُهَا (جَاءَ الْبَقِيعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ إِطَالَةِ الدُّعَاءِ وَتَكْرِيرِهِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِيهِ وَفِيهِ أَنَّ دُعَاءَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ مِنْ دُعَاءِ الْجَالِسِ فِي الْقُبُورِ قَوْلُهَا (فأحضر فأحضرت) الاحضار العدو قولها (فقال مالك يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً) يَجُوزُ فِي عَائِشٍ فَتْحُ الشِّينِ وَضَمُّهَا وَهُمَا وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلِّ الْمُرَخَّمَاتِ وَفِيهِ جَوَازُ تَرْخِيمِ الِاسْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُرَخَّمِ وَحَشْيَا بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ مَعْنَاهُ وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْكِ الْحَشَا وَهُوَ الرَّبْوُ وَالتَّهَيُّجُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْمُسْرِعِ فِي مَشْيِهِ وَالْمُحْتَدِّ فِي كَلَامِهِ مِنَ ارْتِفَاعِ النَّفَسِ وَتَوَاتُرِهِ يُقَالُ امْرَأَةٌ حَشْيَاءُ وَحَشْيَةٌ وَرَجُلٌ حَشْيَانٌ وَحَشَشٌ قِيلَ أَصْلُهُ مَنْ أَصَابَ الرَّبْوُ حَشَاهُ وَقَوْلُهُ رَابِيَةً أَيْ مُرْتَفِعَةَ الْبَطْنِ قَوْلُهَا (لَا بِي شَيْءَ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ لَا بِي شَيْءَ بِبَاءِ الْجَرِّ وَفِي بَعْضِهَا لِأَيِّ شَيْءٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَحَذْفِ الْبَاءِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَفِي بَعْضِهَا لَا شَيْءَ وَحَكَاهَا الْقَاضِي قَالَ وَهَذَا الثَّالِثُ
أَصْوَبُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَنْتِ السَّوَادُ) أَيِ الشَّخْصُ قَوْلُهَا (فَلَهَدَنِي) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَرُوِيَ فَلَهَزَنِي بِالزَّايِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَهَدَهُ وَلَهَّدَهُ بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ دَفَعَهُ وَيُقَالُ لَهَزَهُ إِذَا ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ فِي صَدْرِهِ وَيَقْرَبُ مِنْهُمَا لَكَزَهُ وَوَكَزَهُ قَوْلُهُ (قَالَتْ مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ نَعَمْ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَكَأَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ صَدَّقَتْ نَفْسَهَا فَقَالَتْ نَعَمْ قَوْلُهَا (قُلْتُ كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَمِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ لَلَاحِقُونَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ لِزَائِرِ الْقُبُورِ وَفِيهِ تَرْجِيحٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمُؤْمِنَ قَدْ يَكُونَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَعَطْفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِنْ كَانَ مُنَافِقًا لَا يَجُوزُ السَّلَامُ عَلَيْهِ
وَالتَّرَحُّمُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ جَوَّزَ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَفِيهَا خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهَا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِنَّ لِحَدِيثِ لَعَنِ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالثَّانِي يُكْرَهُ وَالثَّالِثُ يُبَاحُ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثِ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ نَهَيْتُكُمْ ضَمِيرُ ذُكُورٍ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ فِي الْأُصُولِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) فِيهِ جَوَازُ زِيَارَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَيَاةِ وَقُبُورِهِمْ بَعْدَ الْوَفَاةِ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَتْ زِيَارَتُهُمْ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَفِي الْحَيَاةِ أَوْلَى وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وصاحبهما في الدنيا معروفا وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ سَبَبُ زِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَهَا أَنَّهُ قَصَدَ قُوَّةَ الْمَوْعِظَةِ وَالذِّكْرَى بِمُشَاهَدَةِ قَبْرِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرِكُمُ الْمَوْتَ
[٩٧٥] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يؤذن لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ) هَذَا الْحَدِيثُ وُجِدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ مَاهَانَ لِأَهْلِ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَاتِ بِلَادِنَا مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيِّ وَلَكِنَّهُ يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَيُصِيبُ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا كَتَبَ فِي الْحَاشِيَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عن محمد بن عبيد ورواه بن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ قَوْلُهُ (فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قَالَ الْقَاضِي بُكَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ إِدْرَاكِ أَيَّامِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ
[٩٧٧] قَوْلُهُ (مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ) هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَجْمَعُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَسْخِ نَهْيِ الرِّجَالِ عَنْ زِيَارَتِهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زيارتها
سُنَّةٌ لَهُمْ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَفِيهِنَّ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ مَنَعَهُنَّ قَالَ النِّسَاءُ لَا يَدْخُلْنَ فِي خِطَابِ الرِّجَالِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا الِانْتِبَاذُ فِي الْأَسْقِيَةِ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَسَتَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْأَضَاحِيُّ فَسَيَأْتِي إِيضَاحُهَا فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[٩٧٨] قَوْلُهُ (أتى النبي صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) الْمَشَاقِصُ سِهَامٌ عِرَاضٌ وَاحِدُهَا مِشْقَصٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ لِعِصْيَانِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهَذَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ زَجْرًا لَهُمْ عَنِ التَّسَاهُلِ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَعَنْ إِهْمَالِ وَفَائِهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ الْقَاضِي مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَحْدُودٍ وَمَرْجُومٍ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ وولد الزنى وَعَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْتَنِبُ الصَّلَاةَ عَلَى مَقْتُولٍ فِي حَدٍّ وَأَنَّ أَهْلَ الْفَضْلِ لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْفُسَّاقِ زَجْرًا لَهُمْ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَا يُصَلَّى عَلَى
لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَلَيْسَ لَازِمًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ كَوْنُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي أَحَدِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ فَلَيْسَ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ نَصٌّ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكَانَ أَجْرُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِهِمْ وَقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ وَكَوْنُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ مَرَضِيًّا عَنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَلْزَمُ أَلَّا تَكُونَ وَرَاءَ هَذَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ شَدِيدُ الْفَضْلِ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَمِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ لَعَلَّ الَّذِي تَعَجَّلَ ثُلُثَيْ أَجْرِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ إِذْ لَوْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ وَجْهِهَا لَمْ يَكُنْ ثُلُثُ الْأَجْرِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الَّتِي أَخْفَقَتْ يَكُونُ لَهَا أَجْرٌ بِالْأَسَفِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ فَيُضَاعَفُ ثَوَابُهَا كَمَا يُضَاعَفُ لِمَنْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ مُبَايِنٌ لِصَرِيحِ الْحَدِيثِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا فَنَقَصَ ثَوَابُهُ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ)
[١٩٠٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) الْحَدِيثَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِظَمِ مَوْقِعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ وَصِحَّتِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ هُوَ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْفِقْهِ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ رُبْعُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ يَنْبَغِي لِمَنْ صَنَّفَ كِتَابًا أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا لِلطَّالِبِ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا
عَنِ الْأَئِمَّةِ مُطْلَقًا وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وغيره فابتدؤا به قبل كل شئ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ الْحُفَّاظُ وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَا عَنْ عُمَرَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَلَا عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَعَنْ يَحْيَى انْتَشَرَ فَرَوَاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ إِنْسَانٍ أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ لَيْسَ هُوَ مُتَوَاتِرًا وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ التَّوَاتُرِ فِي أَوَّلِهِ وَفِيهِ طُرْفَةٌ مِنْ طُرَفِ الْإِسْنَادِ فَإِنَّهُ رَوَاهُ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ يَحْيَى وَمُحَمَّدٌ وَعَلْقَمَةُ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرُهُمْ لَفْظَةُ إِنَّمَا مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ وَتَنْفِي مَا سِوَاهُ فَتَقْدِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ الأعمال تحسب بنية ولاتحسب إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّةٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أن الطهارة وهى الوضوء والغسل والتيمم لاتصح الا بالنية وكذلك الصلوة والزكوة وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالِاعْتِكَافُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَأَمَّا إِزَالَةُ النجاسة فالمشهور عندنا أنها لاتفتقر إِلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التُّرُوكِ والتَّرْكُ لايحتاج إِلَى نِيَّةٍ وَقَدْ نَقَلُوا الْإِجْمِاعَ فِيهَا وَشَذَّ بعض أصحابنا فأوجبها وهو باطل وَتَدْخُلُ النِّيَّةُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْقَذْفِ وَمَعْنَى دُخُولِهَا أَنَّهَا إِذَا قَارَنَتْ كِنَايَةً صَارَتْ كَالصَّرِيحِ وان أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أوثلاثا وَقَعَ مَا نَوَى وَإِنْ نَوَى بِصَرِيحٍ غَيْرِ مُقْتَضَاهُ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ولايقبل مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (وانما لامرىء مَا نَوَى) قَالُوا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ بَيَانُ أَنَّ تَعْيِينَ الْمَنَوِيِّ شَرْطٌ فلو كان على انسان صلوة مقضية لايكفيه أن ينوى الصلوة الْفَائِتَةَ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهْرًا أَوْ غَيْرَهَا وَلَوْلَا اللَّفْظُ الثَّانِي لَاقْتَضَى الْأَوَّلُ صِحَّةَ النِّيَّةِ بِلَا تَعْيِينٍ أَوْ أَوْهَمَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ كَانَ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ ورسوله
(
[كتاب الجنة وصفة نعيمها واهلها]
(
[٢٨٢٢]
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ حفت ووقع فى البخارى حفت ووقع فيه أَيْضًا حُجِبَتْ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَفَصِيحِهِ وَجَوَامِعِهِ الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ الْحَسَنِ ومعناه لايوصل الْجَنَّةَ إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَكَارِهِ وَالنَّارَ بِالشَّهَوَاتِ وَكَذَلِكَ هُمَا مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوبِ فَهَتْكُ حِجَابِ الْجَنَّةِ بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِهِ وَهَتْكُ حِجَابِ النَّارِ بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ فَأَمَّا الْمَكَارِهُ فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَالصَّبْرُ عَلَى مَشَاقِّهَا وَكَظْمُ الْغَيْظِ وَالْعَفْوُ وَالْحِلْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمُسِيءِ وَالصَّبْرُ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الَّتِي النَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الشَّهَوَاتُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالنَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْغِيبَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْمَلَاهِي وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الْمُبَاحَةُ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهَا مَخَافَةَ أَنْ يَجُرَّ إِلَى الْمُحَرَّمَةِ أَوْ يُقَسِّي الْقَلْبَ أَوْ يَشْغَلَ عَنِ الطَّاعَاتِ أَوْ يُحْوَجَ إِلَى الِاعْتِنَاءِ بتحصيل الدنيا)
للصرف فيها ونحوذلك
[٢٨٢٤] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاعين رأت ولاأذن سمعت ولاخطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَطْلَعْتُكُمْ عَلَيْهِ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ذخرافى جَمِيعِ النُّسَخِ وَأَمَّا رِوَايَةُ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا فَفِيهَا ذِكْرٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَذُخْرًا كَالْأَوَّلِ فِي بَعْضِهَا قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ أَبْيَنُ كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قال والأولى رواية الفارسى فأمابله فَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَمَعْنَاهَا دَعْ عَنْكَ مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي لَمْ يُطْلِعْكُمْ عليه اعظم وكانه اضر ب عنه استقلالاله فى جنب مالم يُطْلِعْ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَاهَا غَيْرُ وَقِيلَ مَعْنَاهَا كَيْفَ
[٢٨٢٦]
[٢٨٢٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لايقطعها) وَفِي رِوَايَةٍ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادُ الْمُضَمَّرُ السَّرِيعُ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُرَادُ بِظِلِّهَا كَنَفُهَا وَذَرَاهَا وَهُوَ مَا يَسْتُرُ أَغْصَانَهَا وَالْمُضَمَّرُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ الَّذِي ضُمِّرَ لِيَشْتَدَّ جَرْيُهُ وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ صِفَةُ التَّضْمِيرِ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَاهُ بَعْضُهُمُ الْمُضَمِّرُ بِكَسْرِ الميم الثانية صفة للراكب المضمر لفرسه
وَالْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ
[٢٨٢٩] قَوْلُهُ تَعَالَى (أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي) قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ أُنْزِلُهُ بِكُمْ وَالرِّضْوَانُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ وَالْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ قُرِئَ بِهِنَّ فِي السَّبْعِ الْأَكْثَرُونَ دُرِّيٌّ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِلَا هَمْزٍ وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الدَّالِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَالثَّالِثَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَهُوَ الْكَوْكَبُ الْعَظِيمُ قِيلَ سُمِّيَ دُرِّيًّا لِبَيَاضِهِ كَالدُّرِّ وَقِيلَ لِإِضَاءَتِهِ وَقِيلَ لِشَبَهِهِ بِالدُّرِّ فِي كَوْنِهِ أَرْفَعُ مِنْ بَاقِي النُّجُومِ كَالدُّرِّ أَرْفَعُ الجواهر
[٢٨٣١] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَهْلَ الجنة
لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ) هَكَذَا هُوَ فى عامةالنسخ مِنَ الْأُفُقِ قَالَ الْقَاضِي لَفْظَةُ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْأُفُقِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أن من فى رواية مسلم لانتهاءالغاية وَقَدْ جَاءَتْ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ رَأَيْتُ الْهِلَالَ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَكِنْ حَمْلُهُمْ لَفْظَةَ مِنْ هُنَا عَلَى انْتِهَاءِ الْغَايَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هِيَ عَلَى بَابِهَا أَيْ كَانَ ابْتِدَاءُ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ رُؤْيَتَهُ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ وَمِنَ الْأُفُقِ قَالَ وَقَدْ جَاءَ فِي رواية عن بن مَاهَانَ عَلَى الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ وَمَعْنَى الْغَابِرِ الذَّاهِبُ الْمَاشِي أَيْ الَّذِي تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ وَبَعُدَ عَنِ الْعُيُونِ وَرُوِيَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ الْغَارِبُ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَرُوِيَ الْعَازِبُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَمَعْنَاهُ الْبَعِيدُ فِي الأفق
وكلها راجعة إلى معنى واحد
[٢٨٣٣] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا) الْمُرَادُ بِالسُّوقِ مَجْمَعٌ لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا فِي السُّوقِ وَمَعْنَى يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ أَيْ فِي مِقْدَارِ كُلِّ جُمْعَةٍ أَيْ أُسْبُوعٍ وَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةً أُسْبُوعٌ لِفَقْدِ الشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسُّوقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وهو أفصح وريح الشَّمَالِ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْمِيمِ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ هَكَذَا الرِّوَايَةُ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ هِيَ الشَّمَالُ وَالشَّمْأَلُ باسكان الميم مهموز والشأملة بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الْمِيمِ وَالشَّمَلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَالشَّمُولُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي مِنْ دُبُرِ الْقِبْلَةِ قَالَ الْقَاضِي وَخَصَّ رِيحَ الْجَنَّةِ بِالشَّمَالِ لِأَنَّهَا رِيحُ الْمَطَرِ عِنْدَ الْعَرَبِ كَانَتْ
تَهُبُّ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ وَبِهَا يَأْتِي سَحَابُ الْمَطَرِ وَكَانُوا يَرْجُونَ السَّحَابَةَ الشَّامِيَّةَ وَجَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الرِّيحِ الْمُثِيرَةِ أَيِ الْمُحَرِّكَةِ لِأَنَّهَا تُثِيرُ فِي وُجُوهِهِمْ مَا تُثِيرُهُ مِنْ مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها
[٢٨٣٤] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ هِيَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ ليلة البدر والتى تليها على أضوء كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) الزُّمْرَةُ الْجَمَاعَةُ وَالدُّرِّيُّ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَبَيَانُهُ قَرِيبًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (زَوْجَتَانِ) هَكَذَا فِي الرِّوَايَاتِ بِالتَّاءِ وَهِيَ لُغَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَالْأَشْهَرُ حَذْفُهَا وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثَ قَوْلُهُ (وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا أَعْزَبُ بِالْأَلِفِ وَهِيَ لُغَةٌ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ عَزَبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جَمِيعَ رُوَاتِهِمْ رَوَوْهُ وَمَا فى الجنة عزب بغير ألف الاالعذرى
فَرَوَاهُ بِالْأَلِفِ قَالَ الْقَاضِي وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْعَزَبُ من لازوجة لَهُ وَالْعُزُوبُ الْبُعْدُ وَسُمِّي عَزَبًا لِبُعْدِهِ عَنِ النِّسَاءِ قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ قَالَ فَيَخْرُجُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا أَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ وَلَدِ آدَمَ قال وهذا كله فى الآدميات والافقد جَاءَ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ) أَيْ عَرَقُهُمْ (وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ اللَّامِ أَيْ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَبْسُوطًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) قَدْ ذَكَرَ مسلم فى الكتاب اختلاف بن أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي كُرَيْبٍ فِي ضَبْطِهِ فَإِنَّ بن أبى شيبة يرويه بضم الحاء واللام وأبو كريب بفتح الحاء وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاةُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَيُرَجَّحُ الضَّمُّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ وَقَدْ يُرَجَّحُ الْفَتْحُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ أَوْ عَلَى طُولِهِ قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يمتخطون
وَلَا يَتْفِلُونَ) هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا حَكَاهُمَا الجوهرى وغيره وفى رواية لايبصقون وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَبْزُقُونَ وَكُلُّهُ بِمَعْنًى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أَيْ قَدْرَهُمَا
[٢٨٣٥] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ) مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ يَتَنَعَّمُونَ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ من ملاذ وأنواع نعيمها تنعما دائما لاآخر له ولاانقطاع أَبَدًا وَإِنَّ تَنَعُّمَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى هَيْئَةِ تَنَعُّمِ أهل الدنيا الاما بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاضُلِ فِي اللَّذَّةِ وَالنَّفَاسَةِ الَّتِي لايشارك نعيم الدنيا الافى التَّسْمِيَةِ وَأَصْلِ الْهَيْئَةِ وَإِلَّا فِي أَنَّهُمْ لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَبْصُقُونَ وَقَدْ دَلَّتْ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الأحاديث
الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ دَائِمٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ أَبَدًا
[٢٨٣٦] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لايبأس) وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا أَيْ لَا يُصِيبُكُمْ بَأْسٌ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَالِ وَالْبَأْسُ وَالْبُؤْسُ وَالْبَأْسَاءُ وَالْبُؤَسَاءُ بِمَعْنًى وينعم وتنعم بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ أَيْ يَدُومُ
لَكُمُ النَّعِيمُ
[٢٨٣٨] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ) وَفِي رِوَايَةٍ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا أَمَّا الْخَيْمَةُ فَبَيْتٌ مُرَبَّعٌ مِنْ بُيُوتِ الْأَعْرَابِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ مُجَوَّفَةٍ بِالْفَاءِ قَالَ الْقَاضِي وَفِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ مُجَوَّبَةٍ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْمَثْقُوبَةُ وَهِيَ بِمَعْنَى الْمُجَوَّفَةِ والزاويةالجانب وَالنَّاحِيَةِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا وَفِي الثَّانِيَةِ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا ولامعارضة بَيْنَهُمَا فَعَرْضُهَا فِي مِسَاحَةِ
أَرْضِهَا وَطُولُهَا فِي السَّمَاءِ أَيْ فِي الْعُلُوِّ مُتَسَاوِيَانِ
[٢٨٣٩] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ غَيْرُ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ فَأَمَّا سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اللَّذَانِ هُمَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فِي بِلَادِ الأرمن فجيحان نهر المصيصة وسيحان نهر إذنه وَهُمَا نَهْرَانِ عَظِيمَانِ جِدًّا أَكْبَرْهُمَا جَيْحَانُ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَوْضِعِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ فى صحاحه جيحان نهر بالشام فَغَلَطٌ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَازَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِبِلَادِ الْأَرْمَنِ وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ لِلشَّامِ قَالَ الْحَازِمِيُّ سَيْحَانُ نَهْرٌ عِنْدَ الْمُصَيِّصَةِ قَالَ وَهُوَ غَيْرُ سَيْحُونَ وَقَالَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ نَهْرَانُ بِالْعَوَاصِمِ عِنْدَ الْمُصَيِّصَةِ وَطُرْسُوسُ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ جَيْحُونَ بِالْوَاوِ نَهْرٌ وَرَاءَ خُرَاسَانَ عِنْدَ بَلْخٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَيْحَانَ وَكَذَلِكَ سَيْحُونُ غَيْرُ سَيْحَانَ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ أَكْبَرُ أَنْهَارِ بلاد الاسلام
فَالنِّيلُ بِمِصْرَ وَالْفُرَاتُ بِالْعِرَاقِ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَيُقَالُ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ فَفِي كَلَامِهِ إِنْكَارٌ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا قَوْلُهُ الْفُرَاتُ بِالْعِرَاقِ وَلَيْسَ بِالْعِرَاقِ بَلْ هُوَ فَاصِلٌ بَيْنَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَيُقَالُ سَيْحُونُ وَجَيْحُونُ فَجَعَلَ الْأَسْمَاءَ مُتَرَادِفَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحَانُ غَيْرُ سَيْحُونَ وَجَيْحَانُ غَيْرُ جَيْحُونَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ كما سبق الثالث أَنَّهُ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ وَأَمَّا سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ بِبِلَادِ الْأَرْمَنِ بِقُرْبِ الشَّامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضُ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَّ بِلَادَهَا أَوِ الْأَجْسَامُ الْمُتَغَذِّيَةِ بِمَائِهَا صَائِرَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ لَهَا مَادَّةٌ مِنَ الْجَنَّةِ وَالْجَنَّةُ مَخْلُوقَةٌ موجودة اليوم عندأهل السنة وقد ذكر مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ الْفُرَاتَ وَالنِّيلَ يَخْرُجَانِ مِنَ الْجَنَّةِ وَفِي البخارى من أصل سدرة المنتهى
[٢٨٤٠] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ) قِيلَ مِثْلُهَا فِي رِقَّتِهَا وَضَعْفِهَا كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَضْعَفُ أَفْئِدَةً وَقِيلَ فِي الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ وَالطَّيْرُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانِ خَوْفًا وَفَزَعًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عباده العلماء وَكَأَنَّ الْمُرَادَ قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ كَمَا جَاءَ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ فِي شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وَقِيلَ الْمُرَادُ مُتَوَكِّلُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي سَلِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَادُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَزَادَ الزُّهْرِيَّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَالصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ قَالَ وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ لِسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رِوَايَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فىكتاب الْعِلَلِ لَمْ يُتَابِعْ أَبُو النَّضْرِ عَلَى وَصْلِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا كَذَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ وَالْمُرْسَلُ الصَّوَابُ هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالصَّحِيحُ أن هذا الذى ذكره لايقدح فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا كَانَ مَحْكُومًا