[ومن باب عتق الولد الوالد]
[٢٨٧] حديث أبي هريرة ﵁: (لَا يَجزِي وَلَدٌ وَالِدًا) (١)، وفي رواية ابن أبي شيبة: (وَلَدٌ وَالِدَه) (٢)، في الحديث دليل أن الرجل إذا ملك أباه أو ابنه عُتِق عليه، وقوله: (فَيَشتَرِيَهُ فَيُعتِقَهُ): أي: يُعتَق باشترائه إياه، فيكون ذلك سببا لعتقه، وإذا كان كذلك كان هو المعتق، ومِلك الولد لا يستقر على الوالد، لأن بعضهما من بعض.
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّابِعَةُ يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكِّدًا كَنْسُ الْمَسْجِدِ وَتَنْظِيفُهُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ) هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ وَيُقَالُ بَهْ بَهْ بِالْبَاءِ أَيْضًا قَالَ الْعُلَمَاءُ هُوَ اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ مَعْنَاهُ اسْكُتْ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ قِيلَ أَصْلُهَا مَا هَذَا ثُمَّ حُذِفَ تَخْفِيفًا قال وتقال مكررة مه مه وتقال فردة مَهْ وَمِثْلُهُ بَهْ بَهْ وَقَالَ يَعْقُوبُ هِيَ لتعظيم الأمر كبخ بَخٍ وَقَدْ تُنَوَّنُ مَعَ الْكَسْرِ وَيُنَوَّنُ الْأَوَّلُ وَيُكْسَرُ الثَّانِي بِغَيْرِ تَنْوِينٍ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ المطالع وذكره أيضا غيره والله أعلم قوله فَجَاءَ بِدَلْوٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ يُرْوَى بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ بِالْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ صَبَّهُ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ الصَّبُّ فِي سُهُولَةٍ وَبِالْمُعْجَمَةِ التَّفْرِيقُ فِي صَبِّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ حُكْمِ بَوْلِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ وَكَيْفِيَّةِ غَسْلِهِ)
فِيهِ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ فَبَالَ فِي حِجْرِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةِ أُمِّ قَيْسٍ
(أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ فَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ) وَفِي رِوَايَةٍ (فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ) وَفِي رِوَايَةٍ (فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا) الصِّبْيَانُ بكسر الصاد هذه اللغة المشهورة وحكى بن دُرَيْدٍ ضَمَّهَا قَوْلُهُ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ أَيْ يَدْعُو لَهُمْ وَيَمْسَحُ عَلَيْهِمْ وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ ثُبُوتُ الْخَيْرِ وَكَثْرَتُهُ وَقَوْلُهَا فَيُحَنِّكُهُمْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ التَّحْنِيكُ أَنْ يَمْضُغَ التَّمْرَ أَوْ نَحْوَهُ ثُمَّ يُدَلِّكُ بِهِ حَنَكَ الصَّغِيرِ وَفِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَنَّكْتُهُ وَحَنَكْتُهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَالرِّوَايَةُ هُنَا فَيُحَنِّكُهُمْ بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ أَشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ وَقَوْلُهَا فَبَالَ فِي حِجْرِهِ يُقَالُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَقَوْلُهَا بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ رَضِيعٌ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُفْطَمْ أَمَّا أَحْكَامُ الْبَابِ فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ حَمْلِ الْأَطْفَالِ إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِمْ وَسَوَاءٌ
فِي هَذَا الِاسْتِحْبَابِ الْمَوْلُودُ فِي حَالِ وِلَادَتِهِ وَبَعْدَهَا وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَاللِّينِ وَالتَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالصِّغَارِ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ وَهُوَ أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ طَهَارَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالْجَارِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبٍ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْحُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَلَا يَكْفِي فِي بول الجارية بل لابد مِنْ غَسْلِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا وَالثَّالِثُ لَا يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ وَمِمَّنْ قَالَ بِالْفَرْقِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ وبن وهب من أصحاب مالك رضى الله عنهم وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ غَسْلِهِمَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ إِنَّمَا هو فى كيفية تطهير الشئ الَّذِي بَالَ عَلَيْهِ الصَّبِيُّ وَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ تَجْوِيزُ مَنْ جَوَّزَ النَّضْحَ فِي الصَّبِيِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْلَهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَكِنَّهُ مِنْ أَجْلِ التَّخْفِيفِ فِي إِزَالَتِهِ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ ثُمَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا بَوْلُ الصَّبِيِّ طَاهِرٌ فَيُنْضَحُ فَحِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ قَطْعًا وَأَمَّا حَقِيقَةُ النَّضْحِ هُنَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أن الشئ الَّذِي أَصَابَهُ الْبَوْلُ يُغْمَرُ بِالْمَاءِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ لَا يُعْصَرُ قَالُوا وَإِنَّمَا يُخَالِفُ هَذَا غَيْرَهُ فِي أَنَّ غَيْرَهُ يَشْتَرِطُ عَصْرَهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا لَا يُشْتَرَطُ بِالِاتِّفَاقِ وَذَهَبَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّ النَّضْحَ أَنْ يُغْمَرَ وَيُكَاثَرَ بِالْمَاءِ مُكَاثَرَةً لَا يَبْلُغُ جَرَيَانَ الْمَاءِ وَتَرَدُّدَهُ وَتَقَاطُرَهُ بِخِلَافِ الْمُكَاثَرَةِ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ بحيث يجرى بعض الماء ويتقاطر مِنَ الْمَحَلِّ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَصْرُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهَا فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَقَوْلُهُ فَرَشَّهُ أَيْ نَضَحَهُ وَاللَّهُ أعلم ثم أن النضح انما يُجْزِي مَا دَامَ الصَّبِيُّ يَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى الرَّضَاعِ أَمَّا إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ عَلَى جِهَةِ التَّغْذِيَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْغَسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَاللَّهُ أعلم