الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ٢٩٢
الحديث رقم ٢٩٢ من كتاب «كتاب الطهارة» في صحيح مسلم، تحت باب: (٣٤) باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
(٣٤) بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَوُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ منه
١١١ - (٢٩٢) وحدثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ). حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. قَالَ:
سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ. فَقَالَ "أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ. وَمَا يُعَذَّبَانِ
⦗٢٤١⦘
فِي كَبِيرٍ. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ" قَالَ فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ. ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا. ثُمَّ قَالَ "لَعَلَّهُ أَنْ يخفف عنهما. ما لم ييبسا".
(٢٩٢) - حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ "وَكَانَ الآخَرُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ (أَوْ مِنَ البول) ".
بسم الله الرحمن الرحيم.
٣ - (كتاب الحيض)
مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال:
إنَّ صاحبَي هذين القبرين لَيُعذّبان؛ وما يعذبان في أمر كبير في نظركم، وإن كان كبيرًا عند الله،
أمّا أحدُهما فكان لا يَهتَمُّ بحفظ جَسَدِه وثيابِه مِن البول حين يَقْضي حاجتَه،
والآخَرُ كان يمشي بالنميمة بين الناس، فيَنْقُلُ كلامَ غيرِه بقصد الإضرار وإيقاع الخلاف والوقيعة بين الناس.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب وما أشبه هذا؛ مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، هذا هو السوم المنهي، وما كان قبل ذلك فلا بأس به.
[ومن باب بيع النجش]
[٢٩٢] حديث: (وَلَا تَنَاجَشُوا) (١)، النجش: أن يعطي الرجلُ بالسلعة ثمنا: كثيرا وهو لا يريد [شراءها] (٢) ليغر به غيره، فيعطي ذلك الثمن، وذلك خيانة، فمن باع على النجش فللمشتري رد السلعة.
وأما (التَّصْرِيَة) فمن قولك: صرَّيت الشيء، أي جمعته، قال صاحب المجمل: صرَّى الماء يُصرِّيه إذا جمعه، وماء صَرًى مجموع، وكأن الصَّرَاة منه، وسُمّيت المُصَرَّاة من الشاء لاجتماع اللبن في ضرعها (٣).
[٢٩٣] وحديث: (المُصَرَّاة) (٤) أصل في الرد بالعيوب في الحيوان.
[٢٩٤] وحديث: (دَعُوا النَّاسَ يَرزُقِ اللهُ بَعضَهُم مِن بَعض) (٥)، هذا نظر من النبي ﷺ لأهل الحاضرة على أهل البادية، يفضلهم عليهم لإقامتهم
الجماعات، ولعلمهم بالسنن، قال بعض العلماء: لا بأس أن يشتري حاضر لباد، وأما إذا باع حاضر لباد لم يجز (١).
قال بعض العلماء: قوله: (لا يَبع) أي: لا يشتر (٢)، وقيل: معناه: لا يساوم (٣)، وقال الشافعي: هو أن يتبايع الرجلان السلعة، ولم يتفرقا فيجيء رجل فيعرض على المشتري سلعة أجود مما اشتراه بأقل من ثمنها، فيفاسخه البيع، ويشتري هذه الرخيصة، فهو عاص؛ لنهي رسول الله ﷺ (٤).
وفي الحديث دليل على تحريم الخديعة والغرور، وأما: (تَلَقِّي الرُّكبَانِ): كانوا إذا أشرفوا على بلدة بسلعهم؛ ولا يعرفون سعرها؛ يتلقاهم متلقٍّ فيشتريها منهم بالغبن فنهى النبي ﷺ عن ذلك، لئلا يُخدعَ مسلم، ثم جعل له الخيار إذا قدم السوق.
وأما: (بَيعُ الحَاضِرِ لِلْبَادِ)، فإن العرب إذا قدموا بسلعهم الأسواق؛ ولم يكن لهم من يتوكل لهم في البيع؛ لم يتربصوا بها وباعوها بسعر يومها، فأصاب الناس ربحا، وإذا تربصوا بها بطَل هذا المعنى، وهذا النهي على معنى الاختيار: (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) فلو لم يجز البيع؛ لم يكن في ذلك ما
يمنع الرزق، فاستُدِل بذلك على أن البيع جائز، والإثمَ حاصل.
قال بعض العلماء (١): (أصل الغرر هو ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسرُّه، وهو مأخوذ من قولهم: طويت الثوب على غِرِّه، أي: على كسره الأول، فكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، أو معجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل: أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره، ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجرة لم تثمر، في نحوها من الأمور التي لا تعلم، ولا تُدرى هل تكون أم لا، فإن البيع فيها مفسوخ.
وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع، تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة، وجماع الأمر: الغرر ما دخل المقصود منه الجهل، ومن ذلك: بيع الحصاة، وهو أن يعترض الرجل القطيع من الغنم فيرمي فيها بحصاة، فأية شاة منها أصابت الحصاةُ فقد استحقها البيع).
وأما (المُصَرَّاة): فقال الشافعي: التَّصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة، وتُترك من الحلب يومين أو ثلاثة حتى يجتمع لها لبن؛ فيراه مشتريها كثيرا، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحَلْبة حَلْبة أو حَلْبتين، عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور (٢).
قال أهل اللغة: أصل التَّصرية: حبس الماء وجمعه، والشاة المُصَرَّاة: التي
قد صُرِّي اللبن في ضرعها، يعني: حُقِن وجُمع فلم يحلب، وسميت الصَّراة صَراةً لأنها مياه اجتمعت، قال أبو عبيد: ولو كان من الربط لكانت مصرورة أو مصرَّرة (١).
وقول الشافعي صحيح، والعرب تَصُرُّ ضروع الحَلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباط صِرارًا، فإذا راحت حُلَّت تلك الأَصِرَّة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها عليها) (٢)، ومن هذا قول عنترة:
العَبْدُ لا يحُسنُ الكَرَّ … إنما يُحسن الحَلْبَ والصَّرَّ (٣)
وقال مالك بن نويرة - وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر ﵁، فمنعهم من ذلك، ورد على كل رجل منهم صدقته، وقال: أنا جنة لكم مما تكرهون - وقال:
وقُلْتُ خُذُوها هذِهِ صَدَقاتكُمْ … مُصَوَّرَة أَخْلَافُها لَمْ تُجَرَّدِ
سأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَحْذَرُونه … وأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي (١)
قيل: يحتمل أن يكون أصل المُصَرَّاة: المُصَرَّرَة، أبدل إحدى الراءين ياء كقولهم: تقضى البازي، وأصله تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها، قال العجاج:
تَقَضِّيَ البازِي إِذا البازِي كَسَرْ (٢).
وممن قال بظاهر الحديث، وقال يردها ويرد معها صاعا من تمر: مالك والشافعي وأحمد، وأبو عبيد (٣)، وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها (٤)، لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وإبطال رد المثل في ما له مثل، وتقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة وبمقدار، واحتجوا بقوله ﷺ: (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) (٥)، وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن (٦).
وفي الحديث بيان أن دين الإسلام تعبد، فما كشف لنا عن دليله فالدليل
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
بِكَسْرِ الضَّادِ كَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ غَسَلَ بِالْخَلِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَفِيهِ أَنَّ الدَّمَ نَجِسٌ وَهُوَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ بَلْ يَكْفِي فِيهَا الْإِنْقَاءُ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْإِنْقَاءُ فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةً وَهِيَ الَّتِي لَا تُشَاهَدُ بِالْعَيْنِ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا مَرَّةً وَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْغَسْلُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَيْنِيَّةً كَالدَّمِ وَغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ عَيْنِهَا وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَهَلْ يُشْتَرَطُ عَصْرُ الثَّوْبِ إِذَا غَسَلَهُ فِيهِ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَإِذَا غَسَلَ النَّجَاسَةَ الْعَيْنِيَّةَ فَبَقِيَ لَوْنُهَا لَمْ يَضُرَّهُ بَلْ قَدْ حَصَلَتِ الطَّهَارَةُ وَإِنْ بَقِيَ طَعْمُهَا فَالثَّوْبُ نَجِسٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ الطَّعْمِ وَإِنْ بَقِيَتِ الرَّائِحَةُ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَفْصَحُهُمَا يَطْهُرُ وَالثَّانِي لَا يَطْهُرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَوُجُوبُ الاستبراء منه)
فيه حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ قَالَ فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ أن يخفف
عنهما مالم يَيْبَسَا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ أَوْ مِنَ الْبَوْلِ) أَمَّا الْعَسِيبُ فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْجَرِيدُ وَالْغُصْنُ مِنَ النَّخْلِ وَيُقَالُ لَهُ الْعُثْكَالُ وَقَوْلُهُ بِاثْنَيْنِ هَذِهِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَاثْنَيْنِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَزِيَادَةُ الْبَاءِ فِي الْحَالِ صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَيَيْبَسَا مَفْتُوحُ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَبْلَ السِّينِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا لُغَتَانِ وَأَمَّا النَّمِيمَةُ فَحَقِيقَتُهَا نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى جهة الْإِفْسَادِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُهَا وَاضِحًا مُسْتَقْصًى وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ فَرُوِيَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ يَسْتَتِرُ بِتَائَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ وَيَسْتَنْزِهُ بِالزَّايِ وَالْهَاءِ وَيَسْتَبْرِئُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْهَمْزَةِ وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ وَمَعْنَاهَا لَا يَتَجَنَّبُهُ وَيَتَحَرَّزُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ فَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابِ النَّمِيمَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَفِي كِتَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ بَلْ إِنَّهُ كَبِيرٌ فَثَبَتَ بِهَاتَيْنِ الزِّيَادَتَيْنِ الصحيحتين أَنَّهُ كَبِيرٌ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي زَعْمِهِمَا وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرٍ تَرْكُهُ عَلَيْهِمَا وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَأْوِيلًا ثَالِثًا أَيْ لَيْسَ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْتُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهَذَا الزَّجْرَ وَالتَّحْذِيرَ لِغَيْرِهِمَا أَيْ لَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ أَنَّ التَّعْذِيبَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَسَبَبُ كَوْنِهِمَا كَبِيرَيْنِ أَنَّ عَدَمَ التَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ فَتَرْكُهُ كَبِيرَةٌ بِلَا شَكٍّ وَالْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالسَّعْيُ بِالْفَسَادِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْشِي بِلَفْظِ كَانَ الَّتِي لِلْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ غَالِبًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا وَضْعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرِ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب وما أشبه هذا؛ مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، هذا هو السوم المنهي، وما كان قبل ذلك فلا بأس به.
[ومن باب بيع النجش]
[٢٩٢] حديث: (وَلَا تَنَاجَشُوا) (١)، النجش: أن يعطي الرجلُ بالسلعة ثمنا: كثيرا وهو لا يريد [شراءها] (٢) ليغر به غيره، فيعطي ذلك الثمن، وذلك خيانة، فمن باع على النجش فللمشتري رد السلعة.
وأما (التَّصْرِيَة) فمن قولك: صرَّيت الشيء، أي جمعته، قال صاحب المجمل: صرَّى الماء يُصرِّيه إذا جمعه، وماء صَرًى مجموع، وكأن الصَّرَاة منه، وسُمّيت المُصَرَّاة من الشاء لاجتماع اللبن في ضرعها (٣).
[٢٩٣] وحديث: (المُصَرَّاة) (٤) أصل في الرد بالعيوب في الحيوان.
[٢٩٤] وحديث: (دَعُوا النَّاسَ يَرزُقِ اللهُ بَعضَهُم مِن بَعض) (٥)، هذا نظر من النبي ﷺ لأهل الحاضرة على أهل البادية، يفضلهم عليهم لإقامتهم
الجماعات، ولعلمهم بالسنن، قال بعض العلماء: لا بأس أن يشتري حاضر لباد، وأما إذا باع حاضر لباد لم يجز (١).
قال بعض العلماء: قوله: (لا يَبع) أي: لا يشتر (٢)، وقيل: معناه: لا يساوم (٣)، وقال الشافعي: هو أن يتبايع الرجلان السلعة، ولم يتفرقا فيجيء رجل فيعرض على المشتري سلعة أجود مما اشتراه بأقل من ثمنها، فيفاسخه البيع، ويشتري هذه الرخيصة، فهو عاص؛ لنهي رسول الله ﷺ (٤).
وفي الحديث دليل على تحريم الخديعة والغرور، وأما: (تَلَقِّي الرُّكبَانِ): كانوا إذا أشرفوا على بلدة بسلعهم؛ ولا يعرفون سعرها؛ يتلقاهم متلقٍّ فيشتريها منهم بالغبن فنهى النبي ﷺ عن ذلك، لئلا يُخدعَ مسلم، ثم جعل له الخيار إذا قدم السوق.
وأما: (بَيعُ الحَاضِرِ لِلْبَادِ)، فإن العرب إذا قدموا بسلعهم الأسواق؛ ولم يكن لهم من يتوكل لهم في البيع؛ لم يتربصوا بها وباعوها بسعر يومها، فأصاب الناس ربحا، وإذا تربصوا بها بطَل هذا المعنى، وهذا النهي على معنى الاختيار: (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) فلو لم يجز البيع؛ لم يكن في ذلك ما
يمنع الرزق، فاستُدِل بذلك على أن البيع جائز، والإثمَ حاصل.
قال بعض العلماء (١): (أصل الغرر هو ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسرُّه، وهو مأخوذ من قولهم: طويت الثوب على غِرِّه، أي: على كسره الأول، فكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، أو معجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل: أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره، ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجرة لم تثمر، في نحوها من الأمور التي لا تعلم، ولا تُدرى هل تكون أم لا، فإن البيع فيها مفسوخ.
وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع، تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة، وجماع الأمر: الغرر ما دخل المقصود منه الجهل، ومن ذلك: بيع الحصاة، وهو أن يعترض الرجل القطيع من الغنم فيرمي فيها بحصاة، فأية شاة منها أصابت الحصاةُ فقد استحقها البيع).
وأما (المُصَرَّاة): فقال الشافعي: التَّصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة، وتُترك من الحلب يومين أو ثلاثة حتى يجتمع لها لبن؛ فيراه مشتريها كثيرا، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحَلْبة حَلْبة أو حَلْبتين، عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور (٢).
قال أهل اللغة: أصل التَّصرية: حبس الماء وجمعه، والشاة المُصَرَّاة: التي
قد صُرِّي اللبن في ضرعها، يعني: حُقِن وجُمع فلم يحلب، وسميت الصَّراة صَراةً لأنها مياه اجتمعت، قال أبو عبيد: ولو كان من الربط لكانت مصرورة أو مصرَّرة (١).
وقول الشافعي صحيح، والعرب تَصُرُّ ضروع الحَلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباط صِرارًا، فإذا راحت حُلَّت تلك الأَصِرَّة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها عليها) (٢)، ومن هذا قول عنترة:
العَبْدُ لا يحُسنُ الكَرَّ … إنما يُحسن الحَلْبَ والصَّرَّ (٣)
وقال مالك بن نويرة - وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر ﵁، فمنعهم من ذلك، ورد على كل رجل منهم صدقته، وقال: أنا جنة لكم مما تكرهون - وقال:
وقُلْتُ خُذُوها هذِهِ صَدَقاتكُمْ … مُصَوَّرَة أَخْلَافُها لَمْ تُجَرَّدِ
سأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَحْذَرُونه … وأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي (١)
قيل: يحتمل أن يكون أصل المُصَرَّاة: المُصَرَّرَة، أبدل إحدى الراءين ياء كقولهم: تقضى البازي، وأصله تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها، قال العجاج:
تَقَضِّيَ البازِي إِذا البازِي كَسَرْ (٢).
وممن قال بظاهر الحديث، وقال يردها ويرد معها صاعا من تمر: مالك والشافعي وأحمد، وأبو عبيد (٣)، وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها (٤)، لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وإبطال رد المثل في ما له مثل، وتقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة وبمقدار، واحتجوا بقوله ﷺ: (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) (٥)، وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن (٦).
وفي الحديث بيان أن دين الإسلام تعبد، فما كشف لنا عن دليله فالدليل
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
بِكَسْرِ الضَّادِ كَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ غَسَلَ بِالْخَلِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَفِيهِ أَنَّ الدَّمَ نَجِسٌ وَهُوَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ بَلْ يَكْفِي فِيهَا الْإِنْقَاءُ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْإِنْقَاءُ فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةً وَهِيَ الَّتِي لَا تُشَاهَدُ بِالْعَيْنِ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا مَرَّةً وَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْغَسْلُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَيْنِيَّةً كَالدَّمِ وَغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ عَيْنِهَا وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَهَلْ يُشْتَرَطُ عَصْرُ الثَّوْبِ إِذَا غَسَلَهُ فِيهِ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَإِذَا غَسَلَ النَّجَاسَةَ الْعَيْنِيَّةَ فَبَقِيَ لَوْنُهَا لَمْ يَضُرَّهُ بَلْ قَدْ حَصَلَتِ الطَّهَارَةُ وَإِنْ بَقِيَ طَعْمُهَا فَالثَّوْبُ نَجِسٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ الطَّعْمِ وَإِنْ بَقِيَتِ الرَّائِحَةُ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَفْصَحُهُمَا يَطْهُرُ وَالثَّانِي لَا يَطْهُرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَوُجُوبُ الاستبراء منه)
فيه حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ قَالَ فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ أن يخفف
عنهما مالم يَيْبَسَا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ أَوْ مِنَ الْبَوْلِ) أَمَّا الْعَسِيبُ فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْجَرِيدُ وَالْغُصْنُ مِنَ النَّخْلِ وَيُقَالُ لَهُ الْعُثْكَالُ وَقَوْلُهُ بِاثْنَيْنِ هَذِهِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَاثْنَيْنِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَزِيَادَةُ الْبَاءِ فِي الْحَالِ صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَيَيْبَسَا مَفْتُوحُ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَبْلَ السِّينِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا لُغَتَانِ وَأَمَّا النَّمِيمَةُ فَحَقِيقَتُهَا نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى جهة الْإِفْسَادِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُهَا وَاضِحًا مُسْتَقْصًى وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ فَرُوِيَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ يَسْتَتِرُ بِتَائَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ وَيَسْتَنْزِهُ بِالزَّايِ وَالْهَاءِ وَيَسْتَبْرِئُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْهَمْزَةِ وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ وَمَعْنَاهَا لَا يَتَجَنَّبُهُ وَيَتَحَرَّزُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ فَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابِ النَّمِيمَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَفِي كِتَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ بَلْ إِنَّهُ كَبِيرٌ فَثَبَتَ بِهَاتَيْنِ الزِّيَادَتَيْنِ الصحيحتين أَنَّهُ كَبِيرٌ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي زَعْمِهِمَا وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرٍ تَرْكُهُ عَلَيْهِمَا وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَأْوِيلًا ثَالِثًا أَيْ لَيْسَ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْتُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهَذَا الزَّجْرَ وَالتَّحْذِيرَ لِغَيْرِهِمَا أَيْ لَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ أَنَّ التَّعْذِيبَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَسَبَبُ كَوْنِهِمَا كَبِيرَيْنِ أَنَّ عَدَمَ التَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ فَتَرْكُهُ كَبِيرَةٌ بِلَا شَكٍّ وَالْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالسَّعْيُ بِالْفَسَادِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْشِي بِلَفْظِ كَانَ الَّتِي لِلْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ غَالِبًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا وَضْعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرِ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ