فالبَتُّ: الكساء، قال:
مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي … مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّ (١)
وفي بعض النسخ: (عَلَى نَبِيّ) (٢)؛ والنَّبِي: المشرف من الشيء، قال أهل اللغة (٣): النَّبِي: ما ارتفع من الأرض واحدودب، قال صاحب الغريبين (٤): ومنه الحديث: (لَا تُصَلُّوا عَلَى النَّبِي) (٥)؛ يقول: لا تصلوا على الأرض المرتفعة المُحدَودِبة، وقيل على الطرق، وقيل: النَّبِي: الطَّبَق؛ أو شبيهٌ بالطبق، و (الأَقرِصَة)؛ جمع قُرص.
* * *
[٥٨٣] وفي حديث الثوم (٦): دليل على ترك جميع ما يَتأذى به الناس، وإن كان مباحًا.
هَذِهِ السُّنَّةَ وَظَفِرَ بِهَا فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ يُسَنُّ تَسْلِيمَتَانِ وَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ إِنَّمَا يُسَنُّ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ وَتَعَلَّقُوا بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ لَا تُقَاوِمُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَلَوْ ثَبَتَ شَيْءٌ مِنْهَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ سَلَّمَ وَاحِدَةً اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَإِنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ جَعَلَ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ وَالثَّانِيَةَ عَنْ يَسَارِهِ وَيَلْتَفِتُ فِي كُلِّ تَسْلِيمَةٍ حَتَّى يَرَى مَنْ عَنْ جَانِبِهِ خَدَّهُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا حَتَّى يَرَى خَدَّيْهِ مَنْ عَنْ جَانِبِهِ وَلَوْ سَلَّمَ التَّسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَوِ الْأُولَى عَنْ يَسَارِهِ وَالثَّانِيَةَ عَنْ يَمِينِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَحَصَلَتْ تَسْلِيمَتَانِ وَلَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ فِي كَيْفِيَّتِهِمَا وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَفَرْضٌ مِنْ فُرُوضِهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ سُنَّةٌ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِكُلِّ شَيْءٍ يُنَافِيهَا مِنْ سَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ وَثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَبِالْحَدِيثِ الْآخَرِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ
[باب الذكر بعد الصلاة]
[٥٨٣] فيه حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
بِالتَّكْبِيرِ وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ قال بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ هَذَا دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ عَقِبَ الْمَكْتُوبَةِ وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّهُ مِنَ المتأخرين بن حزم الظاهري ونقل بن بَطَّالٍ وَآخَرُونَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ وَغَيْرَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ وَقْتًا يَسِيرًا حَتَّى يُعْلِمَهُمْ صِفَةَ الذِّكْرِ لَا أَنَّهُمْ جَهَرُوا دَائِمًا قال فاختار للإمام والمأموم أن يذكر اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُرِيدُ أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْهُ فَيَجْهَرُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ ثُمَّ يُسِرُّ وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا وَقَوْلُهُ كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِصِغَرِهِ قَوْلُهُ أَخْبَرَنِي هَذَا أَبُو مَعْبِدٍ ثُمَّ أَنْكَرَهُ فِي احْتِجَاجِ مُسْلِمٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ذَهَابِهِ إِلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعَ إِنْكَارِ الْمُحَدِّثِ لَهُ إِذَا حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ ثِقَةٌ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ قَالُوا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا كَانَ إِنْكَارُ الشَّيْخِ لَهُ لِتَشْكِيكِهِ فِيهِ أَوْ لِنِسْيَانِهِ أَوْ قَالَ لَا أَحْفَظُهُ أَوْ لَا أَذْكُرُ أَنِّي حَدَّثْتُكَ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَخَالَفَهُمُ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَهُ إِنْكَارًا جَازِمًا قَاطِعًا بِتَكْذِيبِ الرَّاوِي عَنْهُ وَأَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ بِهِ قَطُّ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ به عند جميعهم لان حزم كُلِّ وَاحِدٍ يُعَارِضُ جَزْمَ الْآخَرِ وَالشَّيْخُ هُوَ الْأَصْلُ فَوَجَبَ إِسْقَاطُ