قيل: فلما أنزل الله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧]، زال هذا الاحتمال، قيل: خيط الفجر بياضُ الصبح، أولَ ما يبدو يمتد كالخيط، ثم ينتشر، قال النابغة (١):
وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا (٢)
[ومن باب: إن بلالا يؤذن بليل]
[٥٨] قوله: (ليَرجِعَ قَائِمَكُم وَيُوقِظَ نَائِمَكُم) (٣) ليرجع قائمكم؛ أي: لينصرف المصلي من صلاة الليل، وقوله: (وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا) وفي رواية: (وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الأَرْضِ - وَلَكِنِ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا - وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ -) أي: وفرج بين يديه.
في الحديث: بيان أن النبي ﷺ كان له مؤذنان، وبيان أن الأذان لصلاة الصبح بالليل، عند قرب الصبح جائز، وأن وقت السَّحور ما لم يطلع الفجرُ، وفيه دليل أن تأخير السَّحور مستحب، وفيه دليل أن الفجر فجران، أحدهما مستطير، وهو الذي لا يُحرِّم الطعام ولا الشراب على الصائم، ولا يُحِلُّ الصلاة، والآخر هو المستطيل المنتشر، وهو الذي يُحَرِّم الطعام والشراب على الصائم، ويُحِلُّ الصلاة (٤).
الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(باب بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِقِ
[٥٨] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ وَفِي رِوَايَةٍ آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا عَدَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُشْكِلًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ تُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِ الْمُصَدِّقِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَفَعَلَ هَذِهِ الْخِصَالَ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ وَلَا هُوَ مُنَافِقٌ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ فَإِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعُوا هَذِهِ الْخِصَالَ وَكَذَا وُجِدَ لِبَعْضِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ بَعْضُ هَذَا أَوْ كُلُّهِ وَهَذَا)
الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى إِشْكَالٌ وَلَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَالَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ خِصَالُ نِفَاقٍ وَصَاحِبُهَا شَبِيهٌ بالمنافقين فِي هَذِهِ الْخِصَالِ وَمُتَخَلِّقٌ بِأَخْلَاقِهِمْ فَإِنَّ النِّفَاقَ هُوَ إِظْهَارُ مَا يُبْطِنُ خِلَافَهُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي صَاحِبِ هَذِهِ الْخِصَالِ وَيَكُونُ نِفَاقُهُ فِي حَقِّ مَنْ حَدَّثَهُ وَوَعَدَهُ وَائْتَمَنَهُ وَخَاصَمَهُ وَعَاهَدَهُ مِنَ النَّاسِ لَا أَنَّهُ مُنَافِقٌ فِي الْإِسْلَامِ فَيُظْهِرُهُ وَهُوَ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا أَنَّهُ مُنَافِقٌ نِفَاقَ الْكُفَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا مَعْنَاهُ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالْمُنَافِقِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْخِصَالِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا فِيمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ غَالِبَةً عَلَيْهِ فَأَمَّا من يندر ذلك منه فَلَيْسَ دَاخِلًا فِيهِ فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعْنَاهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ نِفَاقُ الْعَمَلِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُرَادُ بِهِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثُوا بِإِيمَانِهِمْ وَكَذَبُوا وَاؤْتُمِنُوا عَلَى دِينِهِمْ فَخَانُوا وَوَعَدُوا فِي أَمْرِ الدِّينِ وَنَصْرِهِ فَأَخْلَفُوا وَفَجَرُوا فِي خُصُومَاتِهِمْ وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَرَجَعَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ مروى عن بن عباس وبن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَوَيَاهُ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِلَيْهِ مَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْتَادَ هَذِهِ الْخِصَالَ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ تُفْضِيَ بِهِ إِلَى حَقِيقَةِ النِّفَاقِ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مُنَافِقٍ وَكَانَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُوَاجِهُهُمْ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ فَيَقُولُ فُلَانٌ مُنَافِقٌ وَإِنَّمَا كَانَ يُشِيرُ إِشَارَةً كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ قَدْ تَكُونُ لَهُ عَلَامَاتٌ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَحْصُلُ بِهَا صِفَتُهُ ثُمَّ قَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْعَلَامَةُ شَيْئًا وَاحِدًا وَقَدْ تَكُونُ أَشْيَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ هُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ خَاصَمَ فَجَرَ أَيْ مَالَ عَنِ الْحَقِّ وَقَالَ الْبَاطِلُ وَالْكَذِبُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَصْلُ الْفُجُورِ الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةُ الْمُنَافِقِ أَيْ عَلَامَتُهُ وَدَلَالَتُهُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّةٌ وَخَصْلَةٌ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ فِيهِمَا وَإِحْدَاهُمَا بِمَعْنَى الْأُخْرَى وَأَمَّا أَسَانِيدُهُ فَفِيهَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الجرقة بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْقَافِ وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ وَفِيهِ عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ أَمَّا مُكْرَمٌ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَأَمَّا الْعَمِّيُّ فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي الْعَمِّ بَطْنٌ مِنْ تَمِيمٍ وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زُكَيْرٍ بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ الْحَافِظُ أَبُو زُكَيْرٍ لَقَبٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَفِيهِ أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بن الحرث وهو بن أخى بشر بن الحرث الْحَافِي الزَّاهِدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ هُوَ مِنْ أَبْنَاءِ خُرَاسَانَ مِنْ أَهْلِ نَسَا نَزَلَ بَغْدَادَ وَتَجَرَ بِهَا فِي التَّمْرِ وَغَيْرِهِ وَكَانَ فَاضِلًا خَيِّرًا وَرِعًا وَاللَّهُ أعلم بالصواب