١٢٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٠٦٣

الحديث رقم ١٠٦٣ من كتاب «كتاب الحج» في موطأ مالك، تحت باب: باب جامع السعي.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: ١٢٩ - حدثني يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة…

١٢٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، أَرأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ} [البقرة: ١٥٨] عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَلَّا. " لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ. سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] "

رواة الحديث

📖 هذا الحديث في تفسير سورة البقرة - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.

شرح مبسّط لحديث: ١٢٩ - حدثني يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة…

سأل عاصم أنس بن مالك رضي الله عنه: هل كنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال أنس: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، وكان عليهما صنمان، وهما إساف ونائلة، حتى أنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} فأمرهم الله عز وجل بالطواف بهما، وأنهما من شعائر الله، وهذه الأصنام الحادثة لا تمنعكم من هذه العبادة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان سبب نزول الآية الشريفة.
  • السعي بين الصفا والمروة كان من شعائر الجاهلية التي بقيت من دين إبراهيم عليه السلام، ولكنهم أفسدوها بالشرك والتحريف.
  • بغض الصحابة رضي الله عنهم لعادات الجاهلية.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: ١٢٩ - حدثني يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[بَاب جَامِعِ السَّعْيِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ «أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَلَّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] »

ــ

٤٢ - بَابُ جَامِعِ السَّعْيِ

٨٣٨ - ٨٢٨ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: ٦] ، (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٦) ، وَهَلْ يُقَالُ لَهُنَّ أَيْضًا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ؟ قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ، (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ) ، أَيْ صَغِيرٌ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كِنَايَةٌ عَنِ الشَّبَابِ وَأَوَّلِ الْعُمُرِ، وَالْحَدِيثُ ضِدُّ الْقَدِيمِ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ عُذْرِهِ فِي السُّؤَالِ، وَأَنَّ الْتِبَاسَهُ عَلَيْهِ نَشَأَ مِنَ الْحَدَاثَةِ، (أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ) ، أَيْ أَخْبِرِينِي عَنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} [البقرة: ١٥٨] جَبَلَيِ السَّعْيِ اللَّذَيْنِ يُسْعَى مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ، وَالصَّفَا فِي الْأَصْلِ جَمْعُ صَفَاةٍ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ، وَالْحَجَرُ الْأَمْلَسُ، وَالْمَرْوَةُ فِي الْأَصْلِ حَجَرٌ أَبْيَضُ بَرَّاقٌ، {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] ، أَيِ الْمَعَالِمِ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّعَائِرُ أَعْمَالُ الْحَجِّ وَكُلُّ مَا جُعِلَ عِلْمًا لِطَاعَةِ اللَّهِ.

{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ} [البقرة: ١٥٨] : لَا إِثْمَ {عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ} [البقرة: ١٥٨] بِشَدِّ الطَّاءِ أَصْلُهُ يَتَطَوَّفُ أُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً لِقُرْبِ مَخْرَجِهِ، وَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ، (بِهِمَا) أَيْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا، (فَمَا عَلَى الرَّجُلِ) وَصْفٌ طَرْدِيٌّ، وَالْمُرَادُ الْحَاجُّ أَوِ الْمُعْتَمِرُ (شَيْءٌ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ، وَابْنِ وَهْبٍ وَالتِّنِّيسِيِّ: فَمَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَظُنُّ - وَبِفَتْحِهَا أَعْتَقِدُ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ: " فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ "، (أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ، إِذْ مَفْهُومُهَا أَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى رَفْعِ الْجُنَاحِ، وَهُوَ الْإِثْمُ عَنْ فَاعِلِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ، لِأَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ عَلَّامَةُ الْإِبَاحَةِ، وَيُزَادُ الْمُسْتَحَبُّ بِإِثْبَاتِ الْأَجْرِ وَالْوُجُوبِ بِعِقَابِ التَّارِكِ.

(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رَدًّا عَلَيْهِ: (كَلَّا) رَدْعٌ لَهُ، وَزَجْرٌ عَنِ اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ وَفَهْمِهِ مِنَ الْآيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: " بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي "، (لَوْ كَانَ) الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ (كَمَا تَقُولُ) ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ (لَكَانَتِ) الْآيَةُ: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ، أَيْ لَا جُنَاحَ فِي تَرْكِ الطَّوَافِ بِهِمَا، فَكَانَتْ تَدُلُّ عَلَى رَفْعِ

الْإِثْمِ عَنِ التَّارِكِ، وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ، أَمَّا وَلَفْظُهَا بِدُونِ لَا، فَهِيَ سَاكِتَةٌ عَنِ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ مُصَرِّحَةٌ بِعَدَمِ الْإِثْمِ عَنِ الْفَاعِلِ، وَحِكْمَتُهُ مُطَابِقَةٌ جَوَابَ السَّائِلِينَ، لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا مِنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِسُؤَالِهِمْ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَمُسْتَفَادٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخَرَ كَفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ نُسُكٍ مَعَ قَوْلِهِ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» "، قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا مِنْ بَدِيعِ فِقْهِ عَائِشَةَ، وَمَعْرِفَتِهَا بِأَحْكَامِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا اقْتَضَى ظَاهِرُهَا رَفْعَ الْحَرَجِ مِنَ الطَّائِفِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ نَصًّا فِي سُقُوطِ الْوُجُوبِ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وَلَوْ كَانَ نَصًّا لَقَالَ أَنْ لَا يَطُوفَ، وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَاجِبًا، وَيَعْتَقِدُ إِنْسَانٌ أَنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ مِنْ إِيقَاعِهِ عَلَى صِفَةٍ كَمَنْ عَلَيْهِ الظُّهْرُ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَشْرَعُ لَهُ صَلَاتُهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ، فَسَأَلَ فَقِيلَ: لَا حَرَجَ عَلَيْكَ إِنْ صَلَّيْتَهُ، فَالْجَوَابُ صَحِيحٌ، وَلَا يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ الظُّهْرِ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَتْ لَهُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِنَفْيِ الْجُنَاحِ لِوُرُودِهِ عَلَى سَبَبٍ فَقَالَتْ: (إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ) بِالرَّاءِ كَمَا عَزَاهُ الْخَطَّابِيُّ لِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَأَنَّ فِي بَعْضِهَا الْأَنْصَابَ - بِالْمُوَحَّدَةِ - بَدَلَ الرَّاءِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ جَمْعُ نُصُبٍ، وَهُوَ مَا يُنْصَبُ مِنَ الْأَصْنَامِ لِيُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، انْتَهَى.

وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمَا: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ قَرَأُوا الْآيَةَ أَنْ لَا يَطُوفَ، وَأَجَابَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّحَاوِيُّ بِحَمْلِهَا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَا زَائِدَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: لَا حُجَّةَ فِي الشَّوَاذِّ إِذَا خَالَفَتِ الْمَشْهُورَ، (كَانُوا يُهِلُّونَ) ، أَيْ يَحُجُّونَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمُوا، (لِمَنَاةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ، فَأَلِفٍ، ثُمَّ تَاءٍ مَخْفُوضٌ بِالْفَتْحَةِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّسَائِكَ كَانَتْ تُمَنَّى، أَيْ تُرَاقُ عِنْدَهَا وَهِيَ صَنَمٌ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ صَخْرَةً نَصَبَهَا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ لِهُذَيْلٍ، فَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا.

(وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - أَيْ مُقَابِلَ (قُدَيْدٍ) بِضَمِّ الْقَافِ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ، ثُمَّ مُهْمَلَةٌ، قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى - ثَنْيَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلَى قُدَيْدٍ.

(وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ) - بِالْمُهْمَلَةِ، وَالْجِيمِ، أَيْ يَتَحَرَّزُونَ، (أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، أَيْ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْحَرَجِ، وَهُوَ الْإِثْمُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: يَتَحَنَّثُ، وَيَتَأَثَّمُ، أَيْ يَنْفِي الْحِنْثَ وَالْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا، وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى الطَّوَافِ بِمَنَاةَ.

(فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ) ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَهْلٍ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمُوا هُمْ

وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظٍ: إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَخَالَفَهُمَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ عَنْ هِشَامٍ، وَخَالَفَ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ: لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ تَحَرُّجَهُمْ إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا يَفْعَلُوا فِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا فَعَلُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَبْطَلَ أَفْعَالَهَا إِلَّا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، فَخَشَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَبْطَلَهُ، وَجَمَعَ الْحَافِظُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْأَنْصَارَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا فَرِيقَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَطُوفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ، وَاشْتَرَكَ الْفَرِيقَانِ فِي الْإِسْلَامِ فِي التَّوَقُّفِ عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا، لِكَوْنِهِ كَانَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْجَمْعِ الْبَيْهَقِيُّ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ وَهْمٌ، فَإِنَّهُمَا مَا كَانَا قَطُّ عَلَى شَطِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَنَاةُ مِمَّا يَلِي جِهَةَ الْبَحْرِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، وَلِلنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: كَانَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا يَمْسَحُونَ بِهِمَا.

وَسَقَطَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَتِهِ: إِهْلَالُهُمْ أَوَّلًا لِمَنَاةَ، فَكَأَنَّهُمْ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ يَبْدَءُونَ بِهَا، ثُمَّ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَجْلِ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ، فَمِنْ ثَمَّ تَحَرَّجُوا عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَاصِمٍ: " قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ "، (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] ، أَعْلَامُ مَنَاسِكِهِ جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَهِيَ الْعَلَامَةُ.

{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ} [البقرة: ١٥٨] : إِثْمَ (عَلَيْهِ) فِي {أَنْ يَطَوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] ، زَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: قَالَتْ: فَطَافُوا.

وَزَادَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: " فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ "، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: " «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا» "، وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ بِالسُّنَّةِ، لَا نَفْيَ الْفَرِيضَةِ لِقَوْلِهَا: مَا أَتَمَّ اللَّهُ. . . إِلَخْ.

وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ وَاجِبٌ فَإِنْ تَرَكَهُ عَصَى، وَجَبَرَ بِالدَّمِ، وَصَحَّ حَجُّهُ.

وَقَالَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.

وَقَالَ أَنَسٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ

وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ تَطَوُّعٌ.

قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا حُجَّةَ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [البقرة: ١٨٤] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٤) ، لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لَا إِلَى خُصُوصِ السَّعْيِ، لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ "، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ صَنَمٌ بِالصَّفَا يُدْعَى إِسَافٌ، وَوَثَنٌ بِالْمَرْوَةِ يُدْعَى نَائِلَةَ، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ رَمَى بِهِمَا، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَصْنَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَجْلِ أَوْثَانِهِمْ، فَأَمْسَكُوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ.

وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَةِ، فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ، فَوُضِعَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِمَا، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ عُبِدَا.

وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمُبَاحَثَةِ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ، وَاسْتِنْبَاطِهِ بِحُضُورِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ: أَرَأَيْتَ، وَلَفْظِ: مَا أَرَى؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُنْكِرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَبُو دَاوُدَ هُنَا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِنَحْوِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ هِشَامُ بْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا بِنَحْوِهِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[بَاب جَامِعِ السَّعْيِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ «أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَلَّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] »

ــ

٤٢ - بَابُ جَامِعِ السَّعْيِ

٨٣٨ - ٨٢٨ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: ٦] ، (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٦) ، وَهَلْ يُقَالُ لَهُنَّ أَيْضًا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ؟ قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ، (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ) ، أَيْ صَغِيرٌ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كِنَايَةٌ عَنِ الشَّبَابِ وَأَوَّلِ الْعُمُرِ، وَالْحَدِيثُ ضِدُّ الْقَدِيمِ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ عُذْرِهِ فِي السُّؤَالِ، وَأَنَّ الْتِبَاسَهُ عَلَيْهِ نَشَأَ مِنَ الْحَدَاثَةِ، (أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ) ، أَيْ أَخْبِرِينِي عَنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} [البقرة: ١٥٨] جَبَلَيِ السَّعْيِ اللَّذَيْنِ يُسْعَى مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ، وَالصَّفَا فِي الْأَصْلِ جَمْعُ صَفَاةٍ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ، وَالْحَجَرُ الْأَمْلَسُ، وَالْمَرْوَةُ فِي الْأَصْلِ حَجَرٌ أَبْيَضُ بَرَّاقٌ، {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] ، أَيِ الْمَعَالِمِ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّعَائِرُ أَعْمَالُ الْحَجِّ وَكُلُّ مَا جُعِلَ عِلْمًا لِطَاعَةِ اللَّهِ.

{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ} [البقرة: ١٥٨] : لَا إِثْمَ {عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ} [البقرة: ١٥٨] بِشَدِّ الطَّاءِ أَصْلُهُ يَتَطَوَّفُ أُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً لِقُرْبِ مَخْرَجِهِ، وَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ، (بِهِمَا) أَيْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا، (فَمَا عَلَى الرَّجُلِ) وَصْفٌ طَرْدِيٌّ، وَالْمُرَادُ الْحَاجُّ أَوِ الْمُعْتَمِرُ (شَيْءٌ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ، وَابْنِ وَهْبٍ وَالتِّنِّيسِيِّ: فَمَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَظُنُّ - وَبِفَتْحِهَا أَعْتَقِدُ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ: " فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ "، (أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ، إِذْ مَفْهُومُهَا أَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى رَفْعِ الْجُنَاحِ، وَهُوَ الْإِثْمُ عَنْ فَاعِلِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ، لِأَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ عَلَّامَةُ الْإِبَاحَةِ، وَيُزَادُ الْمُسْتَحَبُّ بِإِثْبَاتِ الْأَجْرِ وَالْوُجُوبِ بِعِقَابِ التَّارِكِ.

(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رَدًّا عَلَيْهِ: (كَلَّا) رَدْعٌ لَهُ، وَزَجْرٌ عَنِ اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ وَفَهْمِهِ مِنَ الْآيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: " بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي "، (لَوْ كَانَ) الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ (كَمَا تَقُولُ) ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ (لَكَانَتِ) الْآيَةُ: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ، أَيْ لَا جُنَاحَ فِي تَرْكِ الطَّوَافِ بِهِمَا، فَكَانَتْ تَدُلُّ عَلَى رَفْعِ

الْإِثْمِ عَنِ التَّارِكِ، وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ، أَمَّا وَلَفْظُهَا بِدُونِ لَا، فَهِيَ سَاكِتَةٌ عَنِ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ مُصَرِّحَةٌ بِعَدَمِ الْإِثْمِ عَنِ الْفَاعِلِ، وَحِكْمَتُهُ مُطَابِقَةٌ جَوَابَ السَّائِلِينَ، لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا مِنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِسُؤَالِهِمْ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَمُسْتَفَادٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخَرَ كَفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ نُسُكٍ مَعَ قَوْلِهِ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» "، قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا مِنْ بَدِيعِ فِقْهِ عَائِشَةَ، وَمَعْرِفَتِهَا بِأَحْكَامِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا اقْتَضَى ظَاهِرُهَا رَفْعَ الْحَرَجِ مِنَ الطَّائِفِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ نَصًّا فِي سُقُوطِ الْوُجُوبِ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وَلَوْ كَانَ نَصًّا لَقَالَ أَنْ لَا يَطُوفَ، وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَاجِبًا، وَيَعْتَقِدُ إِنْسَانٌ أَنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ مِنْ إِيقَاعِهِ عَلَى صِفَةٍ كَمَنْ عَلَيْهِ الظُّهْرُ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَشْرَعُ لَهُ صَلَاتُهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ، فَسَأَلَ فَقِيلَ: لَا حَرَجَ عَلَيْكَ إِنْ صَلَّيْتَهُ، فَالْجَوَابُ صَحِيحٌ، وَلَا يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ الظُّهْرِ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَتْ لَهُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِنَفْيِ الْجُنَاحِ لِوُرُودِهِ عَلَى سَبَبٍ فَقَالَتْ: (إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ) بِالرَّاءِ كَمَا عَزَاهُ الْخَطَّابِيُّ لِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَأَنَّ فِي بَعْضِهَا الْأَنْصَابَ - بِالْمُوَحَّدَةِ - بَدَلَ الرَّاءِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ جَمْعُ نُصُبٍ، وَهُوَ مَا يُنْصَبُ مِنَ الْأَصْنَامِ لِيُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، انْتَهَى.

وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمَا: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ قَرَأُوا الْآيَةَ أَنْ لَا يَطُوفَ، وَأَجَابَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّحَاوِيُّ بِحَمْلِهَا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَا زَائِدَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: لَا حُجَّةَ فِي الشَّوَاذِّ إِذَا خَالَفَتِ الْمَشْهُورَ، (كَانُوا يُهِلُّونَ) ، أَيْ يَحُجُّونَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمُوا، (لِمَنَاةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ، فَأَلِفٍ، ثُمَّ تَاءٍ مَخْفُوضٌ بِالْفَتْحَةِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّسَائِكَ كَانَتْ تُمَنَّى، أَيْ تُرَاقُ عِنْدَهَا وَهِيَ صَنَمٌ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ صَخْرَةً نَصَبَهَا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ لِهُذَيْلٍ، فَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا.

(وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - أَيْ مُقَابِلَ (قُدَيْدٍ) بِضَمِّ الْقَافِ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ، ثُمَّ مُهْمَلَةٌ، قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى - ثَنْيَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلَى قُدَيْدٍ.

(وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ) - بِالْمُهْمَلَةِ، وَالْجِيمِ، أَيْ يَتَحَرَّزُونَ، (أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، أَيْ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْحَرَجِ، وَهُوَ الْإِثْمُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: يَتَحَنَّثُ، وَيَتَأَثَّمُ، أَيْ يَنْفِي الْحِنْثَ وَالْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا، وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى الطَّوَافِ بِمَنَاةَ.

(فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ) ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَهْلٍ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمُوا هُمْ

وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظٍ: إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَخَالَفَهُمَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ عَنْ هِشَامٍ، وَخَالَفَ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ: لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ تَحَرُّجَهُمْ إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا يَفْعَلُوا فِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا فَعَلُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَبْطَلَ أَفْعَالَهَا إِلَّا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، فَخَشَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَبْطَلَهُ، وَجَمَعَ الْحَافِظُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْأَنْصَارَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا فَرِيقَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَطُوفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ، وَاشْتَرَكَ الْفَرِيقَانِ فِي الْإِسْلَامِ فِي التَّوَقُّفِ عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا، لِكَوْنِهِ كَانَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْجَمْعِ الْبَيْهَقِيُّ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ وَهْمٌ، فَإِنَّهُمَا مَا كَانَا قَطُّ عَلَى شَطِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَنَاةُ مِمَّا يَلِي جِهَةَ الْبَحْرِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، وَلِلنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: كَانَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا يَمْسَحُونَ بِهِمَا.

وَسَقَطَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَتِهِ: إِهْلَالُهُمْ أَوَّلًا لِمَنَاةَ، فَكَأَنَّهُمْ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ يَبْدَءُونَ بِهَا، ثُمَّ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَجْلِ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ، فَمِنْ ثَمَّ تَحَرَّجُوا عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَاصِمٍ: " قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ "، (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] ، أَعْلَامُ مَنَاسِكِهِ جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَهِيَ الْعَلَامَةُ.

{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ} [البقرة: ١٥٨] : إِثْمَ (عَلَيْهِ) فِي {أَنْ يَطَوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] ، زَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: قَالَتْ: فَطَافُوا.

وَزَادَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: " فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ "، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: " «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا» "، وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ بِالسُّنَّةِ، لَا نَفْيَ الْفَرِيضَةِ لِقَوْلِهَا: مَا أَتَمَّ اللَّهُ. . . إِلَخْ.

وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ وَاجِبٌ فَإِنْ تَرَكَهُ عَصَى، وَجَبَرَ بِالدَّمِ، وَصَحَّ حَجُّهُ.

وَقَالَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.

وَقَالَ أَنَسٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ

وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ تَطَوُّعٌ.

قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا حُجَّةَ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [البقرة: ١٨٤] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٤) ، لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لَا إِلَى خُصُوصِ السَّعْيِ، لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ "، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ صَنَمٌ بِالصَّفَا يُدْعَى إِسَافٌ، وَوَثَنٌ بِالْمَرْوَةِ يُدْعَى نَائِلَةَ، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ رَمَى بِهِمَا، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَصْنَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَجْلِ أَوْثَانِهِمْ، فَأَمْسَكُوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ.

وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَةِ، فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ، فَوُضِعَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِمَا، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ عُبِدَا.

وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمُبَاحَثَةِ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ، وَاسْتِنْبَاطِهِ بِحُضُورِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ: أَرَأَيْتَ، وَلَفْظِ: مَا أَرَى؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُنْكِرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَبُو دَاوُدَ هُنَا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِنَحْوِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ هِشَامُ بْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا بِنَحْوِهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 15.8 / 29.5
الإضاءة 99%
الهلال الجديد بعد 14 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله