الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٢٣٨
الحديث رقم ١٢٣٨ من كتاب «كتاب الجهاد» في موطأ مالك، تحت باب: باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٠ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ. فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ أَمِيرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ. فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ أَمِيرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ وَسَتَجِدُ قَوْمًا فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ مِنْ الشَّعَرِ فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَإِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ وَلَا تَغْلُلْ وَلَا تَجْبُنْ
ــ
٩٨٢ - ٩٦٦ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ فَخَرَجَ) الصِّدِّيقُ (يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ أَمَّرَهُ عُمَرُ عَلَى دِمَشْقَ حَتَّى مَاتَ بِهَا سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ بِالطَّاعُونِ، (وَكَانَ) يَزِيدُ (أَمِيرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ) الَّتِي أَمَّرَهَا الصِّدِّيقُ إِلَى الشَّامِ، وَأُمَرَاءُ الْبَاقِي أَبُو عُبَيْدَةَ رُبْعٌ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِي رُبْعٌ
وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ رُبْعٌ (فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ) حَتَّى نَتَسَاوَى فِي السَّيْرِ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِكَوْنِهَا مَشْيًا فِي طَاعَةٍ، وَقَدِ اقْتَدَى الصِّدِّيقُ فِي ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَخَرَجَ يَمْشِي فِي ظِلِّ رَاحِلَةِ مُعَاذٍ وَهُوَ رَاكِبٌ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِذَلِكَ فَمَشَى مَعَهُ مِيلًا كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَسَاكِرَ (ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا) وَقَفُوا (أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ) وَهُمُ الرُّهْبَانُ (فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ) لِكَوْنِهِمْ لَا يُقَاتِلُونَ وَلَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ لَا تَعْظِيمًا لِفِعْلِهِمْ بَلْ هُمْ أَبْعَدُ عَنِ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَمَا هُمْ (وَسَتَجِدُ قَوْمًا فَحَصُوا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الصَّادِ مُهْمَلَةً (عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ مِنَ الشَّعْرِ) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَعْنِي الشَّمَامِسَةَ وَهُمْ رُؤَسَاءُ النَّصَارَى جَمْعُ شَمَّاسٍ (فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ) أَيِ اقْتُلْهُمْ (وَإِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا) لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِمَا (وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا) لَا قِتَالَ عِنْدَهُ (وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا) رُجِيَ لِلْمُسْلِمِينَ (وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا) كَذَلِكَ (وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْ أَكْلٍ (وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ حَيَوَانُ الْعَسَلِ (وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ) قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: رَجَاءَ أَنْ يَطِيرَ فَيَلْحَقَ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْتَفِعُونَ بِهَا (وَلَا تَغْلُلْ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ (وَلَا تَجْبُنْ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ تَضْعُفْ عِنْدَ اللِّقَاءِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يَقُولُ لَهُمْ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَقُلْ ذَلِكَ لِجُيُوشِكَ وَسَرَايَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ
ــ
٩٨٢ - ٩٦٧ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) خَامِسَ أَوْ سَادِسَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنَّهُ بَلَغَنَا) وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ
الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً) فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ تُغِيرُ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَكُونُ خُلَاصَةَ الْعَسْكَرِ وَخِيَارَهُمْ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُخْفِي ذَهَابَهَا فَتَسْرِي فِي خُفْيَةٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا أُخِذَتْ مِنَ السِّرِّ، وَلَا يَصِحُّ لِاخْتِلَافِ الْمَادَّةِ لِأَنَّ لَامَ السِّرِّ رَاءٌ وَهَذِهِ يَاءٌ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ اخْتِلَافَهَا إِنَّمَا يَمْنَعُ الِاشْتِقَاقَ الصَّغِيرَ وَهُوَ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَالْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَخْذِ مُجَرَّدُ الرَّدِّ لِلْمُنَاسَبَةِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي أَكْثَرِ الْحُرُوفِ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: السَّرِيَّةُ مِنْ خَمْسَةٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ (يَقُولُ لَهُمُ اغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ) أَيِ ابْدَءُوا بِذِكْرِ اللَّهِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ أَخْلِصُوا نِيَّاتِكُمْ (تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) كَأَنَّهُ بَيَانٌ لِسَبِيلِ اللَّهِ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ اقْتَضَاهُ كَأَنَّهُ قِيلَ مَا هُوَ فَلِذَا تَرَكَ الْعَاطِفَ (لَا تَغْلُوا) أَيْ لَا تَخُونُوا فِي الْمَغْنَمِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ آخِذَهُ يَغُلُّهُ فِي مَتَاعِهِ أَيْ يُخْفِيهِ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَلَا تَغْدِرُوا) بِكَسْرِ الدَّالِ ثُلَاثِيٌّ أَيْ لَا تَتْرُكُوا الْوَفَاءَ (وَلَا تُمَثِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ أَيْ لَا تُقَطِّعُوا الْقَتْلَى (وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا) أَيْ صَبِيًّا وَيَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ يُؤَمِّرُهُ (وَقُلْ ذَلِكَ لِجُيُوشِكَ وَسَرَايَاكَ) وَقَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) لِلتَّبَرُّكِ (وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ) وَفِيهِ فَوَائِدُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهِيَ تَحْرِيمُ الْغَدْرِ وَالْغُلُولِ وَقَتْلِ الصِّبْيَانِ إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا وَكَرَاهَةُ الْمُثْلَةِ وَاسْتِحْبَابُ وَصِيَّةِ الْإِمَامِ أُمَرَاءَهُ وَجُيُوشَهُ بِالتَّقْوَى وَالرِّفْقِ وَتَعْرِيفِ مَا يَحْتَاجُونَ فِي غَزْوِهِمْ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَمَا يَحِلُّ لَهُمْ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
[بَاب مَا جَاءَ فِي الْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ جَيْشٍ كَانَ بَعَثَهُ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَطْلُبُونَ الْعِلْجَ حَتَّى إِذَا أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ وَامْتَنَعَ قَالَ رَجُلٌ مَطْرَسْ يَقُولُ لَا تَخَفْ فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَعْلَمُ مَكَانَ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْإِشَارَةِ بِالْأَمَانِ أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فَقَالَ نَعَمْ وَإِنِّي أَرَى أَنْ يُتَقَدَّمَ إِلَى الْجُيُوشِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا أَحَدًا أَشَارُوا إِلَيْهِ بِالْأَمَانِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ مَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْعَدُوَّ
ــ
٩٦٨ - ٤ - مَا جَاءَ فِي الْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ
- (مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ) يُقَالُ هُوَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَلَا يَبْعُدُ ذَلِكَ، فَقَدْ
رَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُضَرَ الْأَنْدَلُسِيِّ عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: الطَّلْحُ الْمَنْضُودُ: الْمَوْزُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ) أَيْ أَمِيرِ (جَيْشٍ) لَمْ يُسَمَّ (أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَطْلُبُونَ الْعِلْجَ) الرَّجُلَ الضَّخْمَ مِنْ كِبَارِ الْعَجَمِ، وَبَعْضُ الْعَرَبِ يُطْلِقُهُ عَلَى الْكَافِرِ مُطْلَقًا، وَالْجَمْعُ عُلُوجٌ وَأَعْلَاجٌ مِثْلُ حِمْلٍ وَحُمُولٍ وَأَحْمَالٍ (حَتَّى إِذَا أَسْنَدَ) صَعِدَ (فِي الْجَبَلِ وَامْتَنَعَ قَالَ رَجُلٌ مَطْرَسْ) هِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ (يَقُولُ) أَيْ مَعْنَاهَا (لَا تَخَفْ) كَذَا لِيَحْيَى مَطْرَسْ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَلِغَيْرِهِ مَتْرَسْ، قَالَ الْحَافِظُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ، وَإِسْكَانِ الرَّاءِ فَمُهْمَلَةٍ وَقَدْ تُخَفَّفُ التَّاءُ وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ مِنَ الْعَجَمِ، وَقِيلَ بِإِسْكَانِ التَّاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ مَطْرَسْ بِالطَّاءِ بَدَلَ التَّاءِ، قَالَ ابْنُ قَرْقُولٍ هِيَ كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ فَخَّمَ الْمُثَنَّاةَ فَصَارَتْ تُشْبِهُ الطَّاءَ كَمَا يَقَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ عُمَرُ: إِذَا قَالَ مَتْرَسْ فَقَدْ آمَنَهُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا أَيِ اللُّغَاتِ، وَيُقَالُ إِنَّهَا ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لُغَةً سِتَّ عَشْرَةَ فِي وَلَدِ سَامٍ وَمِثْلُهَا فِي وَلَدِ حَامٍ وَالْبَقِيَّةُ فِي وَلَدِ يَافِثَ.
(فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) إِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا (لَا أَعْلَمُ مَكَانَ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ) أَيْ حَدِيثُ عُمَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (بِالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ) أَيْ قَوْلُهُ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: يُحْتَمَلُ أَنَّ قَسَمَ عُمَرَ تَغْلِيظٌ لِئَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْأَئِمَّةُ تُخَوِّفُ بِأَغْلَظِ شَيْءٍ يَكُونُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ رَأَى إِنْ قَاتَلَهُ لِأَخْذِ سَلَبِهِ بَعْدَ أَنْ آمَنَهُ يَكُونُ مُحَارِبًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِالْحِرَابَةِ لَا أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ لِحَدِيثِ: " «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» " (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْإِشَارَةِ بِالْأَمَانِ أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ) فَيَحْرُمُ نَقْضُهُ كَمَا يَحْرُمُ بِالصَّرِيحِ (وَإِنِّي أَرَى أَنْ يُتَقَدَّمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (إِلَى الْجُيُوشِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا أَحَدًا أَشَارُوا إِلَيْهِ بِالْأَمَانِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ
الْكَلَامِ وَلِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا خَتَرَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَرَاءٍ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ. الْخَتْرُ أَقْبَحُ الْغَدْرِ (قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَدُوَّ) جَزَاءً لِمَا اجْتَرَحُوهُ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ الْمَأْمُورِ بِالْوَفَاءِ بِهِ، وَهَذَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَمْسٌ بِخَمْسٍ: مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الْفَقْرُ، وَلَا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْفَاحِشَةُ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا طَفَّفُوا الْمِكْيَالَ إِلَّا مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَلَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّا حُبِسَ عَنْهُمُ الْقَطْرُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ أَمِيرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ وَسَتَجِدُ قَوْمًا فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ مِنْ الشَّعَرِ فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَإِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ وَلَا تَغْلُلْ وَلَا تَجْبُنْ
ــ
٩٨٢ - ٩٦٦ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ فَخَرَجَ) الصِّدِّيقُ (يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ أَمَّرَهُ عُمَرُ عَلَى دِمَشْقَ حَتَّى مَاتَ بِهَا سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ بِالطَّاعُونِ، (وَكَانَ) يَزِيدُ (أَمِيرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ) الَّتِي أَمَّرَهَا الصِّدِّيقُ إِلَى الشَّامِ، وَأُمَرَاءُ الْبَاقِي أَبُو عُبَيْدَةَ رُبْعٌ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِي رُبْعٌ
وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ رُبْعٌ (فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ) حَتَّى نَتَسَاوَى فِي السَّيْرِ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِكَوْنِهَا مَشْيًا فِي طَاعَةٍ، وَقَدِ اقْتَدَى الصِّدِّيقُ فِي ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَخَرَجَ يَمْشِي فِي ظِلِّ رَاحِلَةِ مُعَاذٍ وَهُوَ رَاكِبٌ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِذَلِكَ فَمَشَى مَعَهُ مِيلًا كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَسَاكِرَ (ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا) وَقَفُوا (أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ) وَهُمُ الرُّهْبَانُ (فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ) لِكَوْنِهِمْ لَا يُقَاتِلُونَ وَلَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ لَا تَعْظِيمًا لِفِعْلِهِمْ بَلْ هُمْ أَبْعَدُ عَنِ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَمَا هُمْ (وَسَتَجِدُ قَوْمًا فَحَصُوا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الصَّادِ مُهْمَلَةً (عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ مِنَ الشَّعْرِ) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَعْنِي الشَّمَامِسَةَ وَهُمْ رُؤَسَاءُ النَّصَارَى جَمْعُ شَمَّاسٍ (فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ) أَيِ اقْتُلْهُمْ (وَإِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا) لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِمَا (وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا) لَا قِتَالَ عِنْدَهُ (وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا) رُجِيَ لِلْمُسْلِمِينَ (وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا) كَذَلِكَ (وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْ أَكْلٍ (وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ حَيَوَانُ الْعَسَلِ (وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ) قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: رَجَاءَ أَنْ يَطِيرَ فَيَلْحَقَ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْتَفِعُونَ بِهَا (وَلَا تَغْلُلْ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ (وَلَا تَجْبُنْ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ تَضْعُفْ عِنْدَ اللِّقَاءِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يَقُولُ لَهُمْ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَقُلْ ذَلِكَ لِجُيُوشِكَ وَسَرَايَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ
ــ
٩٨٢ - ٩٦٧ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) خَامِسَ أَوْ سَادِسَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنَّهُ بَلَغَنَا) وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ
الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً) فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ تُغِيرُ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَكُونُ خُلَاصَةَ الْعَسْكَرِ وَخِيَارَهُمْ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُخْفِي ذَهَابَهَا فَتَسْرِي فِي خُفْيَةٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا أُخِذَتْ مِنَ السِّرِّ، وَلَا يَصِحُّ لِاخْتِلَافِ الْمَادَّةِ لِأَنَّ لَامَ السِّرِّ رَاءٌ وَهَذِهِ يَاءٌ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ اخْتِلَافَهَا إِنَّمَا يَمْنَعُ الِاشْتِقَاقَ الصَّغِيرَ وَهُوَ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَالْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَخْذِ مُجَرَّدُ الرَّدِّ لِلْمُنَاسَبَةِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي أَكْثَرِ الْحُرُوفِ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: السَّرِيَّةُ مِنْ خَمْسَةٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ (يَقُولُ لَهُمُ اغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ) أَيِ ابْدَءُوا بِذِكْرِ اللَّهِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ أَخْلِصُوا نِيَّاتِكُمْ (تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) كَأَنَّهُ بَيَانٌ لِسَبِيلِ اللَّهِ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ اقْتَضَاهُ كَأَنَّهُ قِيلَ مَا هُوَ فَلِذَا تَرَكَ الْعَاطِفَ (لَا تَغْلُوا) أَيْ لَا تَخُونُوا فِي الْمَغْنَمِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ آخِذَهُ يَغُلُّهُ فِي مَتَاعِهِ أَيْ يُخْفِيهِ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَلَا تَغْدِرُوا) بِكَسْرِ الدَّالِ ثُلَاثِيٌّ أَيْ لَا تَتْرُكُوا الْوَفَاءَ (وَلَا تُمَثِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ أَيْ لَا تُقَطِّعُوا الْقَتْلَى (وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا) أَيْ صَبِيًّا وَيَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ يُؤَمِّرُهُ (وَقُلْ ذَلِكَ لِجُيُوشِكَ وَسَرَايَاكَ) وَقَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) لِلتَّبَرُّكِ (وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ) وَفِيهِ فَوَائِدُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهِيَ تَحْرِيمُ الْغَدْرِ وَالْغُلُولِ وَقَتْلِ الصِّبْيَانِ إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا وَكَرَاهَةُ الْمُثْلَةِ وَاسْتِحْبَابُ وَصِيَّةِ الْإِمَامِ أُمَرَاءَهُ وَجُيُوشَهُ بِالتَّقْوَى وَالرِّفْقِ وَتَعْرِيفِ مَا يَحْتَاجُونَ فِي غَزْوِهِمْ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَمَا يَحِلُّ لَهُمْ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
[بَاب مَا جَاءَ فِي الْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ جَيْشٍ كَانَ بَعَثَهُ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَطْلُبُونَ الْعِلْجَ حَتَّى إِذَا أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ وَامْتَنَعَ قَالَ رَجُلٌ مَطْرَسْ يَقُولُ لَا تَخَفْ فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَعْلَمُ مَكَانَ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْإِشَارَةِ بِالْأَمَانِ أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فَقَالَ نَعَمْ وَإِنِّي أَرَى أَنْ يُتَقَدَّمَ إِلَى الْجُيُوشِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا أَحَدًا أَشَارُوا إِلَيْهِ بِالْأَمَانِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ مَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْعَدُوَّ
ــ
٩٦٨ - ٤ - مَا جَاءَ فِي الْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ
- (مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ) يُقَالُ هُوَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَلَا يَبْعُدُ ذَلِكَ، فَقَدْ
رَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُضَرَ الْأَنْدَلُسِيِّ عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: الطَّلْحُ الْمَنْضُودُ: الْمَوْزُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ) أَيْ أَمِيرِ (جَيْشٍ) لَمْ يُسَمَّ (أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَطْلُبُونَ الْعِلْجَ) الرَّجُلَ الضَّخْمَ مِنْ كِبَارِ الْعَجَمِ، وَبَعْضُ الْعَرَبِ يُطْلِقُهُ عَلَى الْكَافِرِ مُطْلَقًا، وَالْجَمْعُ عُلُوجٌ وَأَعْلَاجٌ مِثْلُ حِمْلٍ وَحُمُولٍ وَأَحْمَالٍ (حَتَّى إِذَا أَسْنَدَ) صَعِدَ (فِي الْجَبَلِ وَامْتَنَعَ قَالَ رَجُلٌ مَطْرَسْ) هِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ (يَقُولُ) أَيْ مَعْنَاهَا (لَا تَخَفْ) كَذَا لِيَحْيَى مَطْرَسْ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَلِغَيْرِهِ مَتْرَسْ، قَالَ الْحَافِظُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ، وَإِسْكَانِ الرَّاءِ فَمُهْمَلَةٍ وَقَدْ تُخَفَّفُ التَّاءُ وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ مِنَ الْعَجَمِ، وَقِيلَ بِإِسْكَانِ التَّاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ مَطْرَسْ بِالطَّاءِ بَدَلَ التَّاءِ، قَالَ ابْنُ قَرْقُولٍ هِيَ كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ فَخَّمَ الْمُثَنَّاةَ فَصَارَتْ تُشْبِهُ الطَّاءَ كَمَا يَقَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ عُمَرُ: إِذَا قَالَ مَتْرَسْ فَقَدْ آمَنَهُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا أَيِ اللُّغَاتِ، وَيُقَالُ إِنَّهَا ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لُغَةً سِتَّ عَشْرَةَ فِي وَلَدِ سَامٍ وَمِثْلُهَا فِي وَلَدِ حَامٍ وَالْبَقِيَّةُ فِي وَلَدِ يَافِثَ.
(فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) إِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا (لَا أَعْلَمُ مَكَانَ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ) أَيْ حَدِيثُ عُمَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (بِالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ) أَيْ قَوْلُهُ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: يُحْتَمَلُ أَنَّ قَسَمَ عُمَرَ تَغْلِيظٌ لِئَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْأَئِمَّةُ تُخَوِّفُ بِأَغْلَظِ شَيْءٍ يَكُونُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ رَأَى إِنْ قَاتَلَهُ لِأَخْذِ سَلَبِهِ بَعْدَ أَنْ آمَنَهُ يَكُونُ مُحَارِبًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِالْحِرَابَةِ لَا أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ لِحَدِيثِ: " «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» " (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْإِشَارَةِ بِالْأَمَانِ أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ) فَيَحْرُمُ نَقْضُهُ كَمَا يَحْرُمُ بِالصَّرِيحِ (وَإِنِّي أَرَى أَنْ يُتَقَدَّمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (إِلَى الْجُيُوشِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا أَحَدًا أَشَارُوا إِلَيْهِ بِالْأَمَانِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ
الْكَلَامِ وَلِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا خَتَرَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَرَاءٍ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ. الْخَتْرُ أَقْبَحُ الْغَدْرِ (قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَدُوَّ) جَزَاءً لِمَا اجْتَرَحُوهُ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ الْمَأْمُورِ بِالْوَفَاءِ بِهِ، وَهَذَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَمْسٌ بِخَمْسٍ: مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الْفَقْرُ، وَلَا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْفَاحِشَةُ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا طَفَّفُوا الْمِكْيَالَ إِلَّا مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَلَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّا حُبِسَ عَنْهُمُ الْقَطْرُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ.