«فَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢٠٣١

الحديث رقم ٢٠٣١ من كتاب «كتاب الحدود» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في الرجم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «فتب إلى الله واستتر بستر الله، فإن الله…

«فَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ». فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ، حَتَّى أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ حَتَّى جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى. فَقَالَ سَعِيدٌ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: «أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَحِيحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟» فَقَالُوا: بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَرُجِمَ»

سند حديث: ٢ - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ…

٢ - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْآخِرَ زَنَى فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ ذَكَرْتَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:

رواة الحديث

شرح حديث: «فتب إلى الله واستتر بستر الله، فإن الله…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ هَلْ ذَكَرْتَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي فَقَالَ لَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ حَتَّى أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ حَتَّى جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى فَقَالَ سَعِيدٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَحِيحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ فَقَالُوا بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ»

ــ

١٥٥٢ - ١٤٩٢ - (مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) مُرْسَلٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، وَتَابَعَهُ طَائِفَةٌ عَلَى إِرْسَالِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَرَوَاهُ يُونُسُ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ، وَشُعَيْبٌ، وَعَقِيلٌ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلًا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ (جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَمَعْنَاهُ الرَّذْلُ الدَّنِيُّ زَنَى، كَأَنَّهُ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ وَيَعِيبُهَا بِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مُوَاقَعَةِ الزِّنَى، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: السُّؤَالُ أَخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ، أَيْ أَرْذَلُ كَسْبِ الرَّجُلِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ حَدَثَ مِنْ نَفْسِهِ بِقَبِيحِ فِكْرِهِ أَنْ يَنْسُبَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَخِرُ بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَمَعْنَاهُ الْأَرْذَلُ وَالْأَبْعَدُ وَالْأَدْنَى، وَقِيلَ اللَّئِيمُ، وَقِيلَ الشَّقِيُّ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ، وَمُرَادُهُ نَفْسُهُ فَحَقَّرَهَا وَعَابَهَا بِمَا فَعَلَ (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ ذَكَرْتَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي؟) وَفِي رِوَايَةٍ: لِأَحَدٍ قَبْلِي (فَقَالَ: لَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:) لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْفَةِ بِالْأُمَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «أَرْأَفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ» ". (فَتُبْ إِلَى اللَّهِ) بِالنَّدَمِ عَلَى مَا فَعَلْتَ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ وَالِاسْتِغْفَارِ (وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ) الَّذِي أَسْبَلَهُ عَلَيْكَ إِذْ لَوْ شَاءَ لَأَظْهَرَهُ لِلنَّاسِ وَفَضَحَكَ فَلَا تُظْهِرْ أَنْتَ مَا سَتَرَهُ عَلَيْكَ. (فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) أَيْ مِنْهُمْ (فَلَمْ تُقْرِرْهُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، أَيْ لَمْ تُمَكِّنْهُ (نَفْسُهُ) مِنَ الثُّبُوتِ عَلَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ رَأْفَتِهِ وَشَفَقَتِهِ، وَمَاعِزٌ رَضِيَ

اللَّهُ عَنْهُ حَصَلَ لَهُ شِدَّةُ خَوْفٍ مِنْ ذَنْبِهِ (حَتَّى أَتَى عُمَرَبْنَ الْخَطَّابِ) لَمَّا عَلِمَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ وَفِي الْحَدِيثِ: " «وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ» ". (فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ) لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فِي أَمْرِ اللَّهِ لَكِنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَطْلُوبٌ بِالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِ اللَّهِ (فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ) لِشِدَّةِ إِشْفَاقِهِ (حَتَّى جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ (فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ) بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ، أَيِ الرَّذْلَ الدَّنِيَّ (زَنَى، قَالَ سَعِيدٌ) ابْنُ الْمُسَيَّبِ (فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي زَنَيْتُ» (حَتَّى إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ) بِالْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ: " «فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: أُحْصِنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ» " وَلَا يُنَافِي سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ( «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: أَيَشْتَكِي» ) مَرَضًا أَذْهَبَ عَقْلَهُ ( «أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟» ) بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ جُنُونٌ ; لِأَنَّهُ سَأَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنْكَرَ مَا وَقَعَ مِنْهُ ; إِذْ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَقَعُ مِنْ صَحِيحٍ عَاقِلٍ.

( «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَحِيحٌ» ) فِي الْعَقْلِ وَالْبَدَنِ. ( «فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبِكْرٌ» ) هُوَ ( «أَمْ ثَيِّبٌ؟» ) أَيْ تَزَوَّجَ زَوْجَةً وَدَخَلَ بِهَا وَأَصَابَهَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَوَطْءٍ مُبَاحٍ ( «فَقَالُوا: بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ» ) زَادَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ: فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَلَمَّا أَدْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ. قَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ: وَالَّذِي أَدْرَكَهُ لَمَّا هَرَبَ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عُمَرُ، حَكَاهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَأْسَ الَّذِينَ رَجَمُوهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ، انْتَهَى.

فَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ أَوَّلًا بِنُصْحِهِ بِأَمْرِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالسَّتْرِ فَلَمَّا ثَبَتَ عَلَى الْإِقْرَارِ تَقَرَّبَ ثَانِيًا إِلَى اللَّهِ فَكَانَ رَأْسَ مَنْ رَجَمَهُ. وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِظَاهِرِهِ فِي اشْتِرَاطِ الْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِمَا دُونَهَا قِيَاسًا عَلَى الشُّهُودِ، وَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ". وَلَمْ يَقُلْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَبِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ إِذْ لَمْ يُنْقَلُ أَنَّهُ تَكَرَّرَ إِقْرَارُهَا، وَإِنَّمَا كَرَّرَ عَلَى مَاعِزٍ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي عَقْلِهِ وَلِذَا قَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ وَقَالَ لِأَهْلِهِ: أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يُصِرُّ عَلَى إِقْرَارِ مَا يَقْتَضِي هَلَاكَهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، مَعَ أَنَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالتَّوْبَةِ، وَلِذَا سَأَلَ أَهْلَهُ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ حَالِهِ وَصِيَانَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ، فَيُبْنَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ لَا عَلَى مُجَرَّدِ إِقْرَارِهِ بِعَدَمِ الْجُنُونِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يُفِدْ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ جُنُونٌ لَأَنَّ إِقْرَارَ الْمَجْنُونِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِيهِ أَنَّ الْمَجْنُونَ الْمَعْتُوهَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الْإِنْسَانِ مَا يَأْتِيهِ مِنَ الْفَوَاحِشِ جُنُونٌ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا الْمَجَانِينُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ ذَوِي الْعُقُولِ كَشْفُ ذَلِكَ، وَالِاعْتِرَافُ بِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنِهِمُ السَّتْرُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالتَّوْبَةُ، وَكَمَا يَلْزَمُهُمُ السَّتْرُ عَلَى غَيْرِهِمْ يَلْزَمُهُمُ السَّتْرُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ حَدَّ الثَّيِّبِ غَيْرُ حَدِّ الْبِكْرِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ لَكِنْ قَلِيلٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَأَى عَلَى الثَّيِّبِ الْجَلْدَ وَالرَّجْمَ مَعًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُبَادَةَ وَتَعَلَّقَ بِهِ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُرْجَمُ وَلَا يُجْلَدُ. وَقَالَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: لَا رَجْمَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الْحَدُّ الْجَلْدُ لِثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ، وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ هَلْ ذَكَرْتَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي فَقَالَ لَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ حَتَّى أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ حَتَّى جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى فَقَالَ سَعِيدٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَحِيحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ فَقَالُوا بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ»

ــ

١٥٥٢ - ١٤٩٢ - (مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) مُرْسَلٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، وَتَابَعَهُ طَائِفَةٌ عَلَى إِرْسَالِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَرَوَاهُ يُونُسُ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ، وَشُعَيْبٌ، وَعَقِيلٌ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلًا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ (جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَمَعْنَاهُ الرَّذْلُ الدَّنِيُّ زَنَى، كَأَنَّهُ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ وَيَعِيبُهَا بِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مُوَاقَعَةِ الزِّنَى، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: السُّؤَالُ أَخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ، أَيْ أَرْذَلُ كَسْبِ الرَّجُلِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ حَدَثَ مِنْ نَفْسِهِ بِقَبِيحِ فِكْرِهِ أَنْ يَنْسُبَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَخِرُ بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَمَعْنَاهُ الْأَرْذَلُ وَالْأَبْعَدُ وَالْأَدْنَى، وَقِيلَ اللَّئِيمُ، وَقِيلَ الشَّقِيُّ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ، وَمُرَادُهُ نَفْسُهُ فَحَقَّرَهَا وَعَابَهَا بِمَا فَعَلَ (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ ذَكَرْتَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي؟) وَفِي رِوَايَةٍ: لِأَحَدٍ قَبْلِي (فَقَالَ: لَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:) لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْفَةِ بِالْأُمَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «أَرْأَفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ» ". (فَتُبْ إِلَى اللَّهِ) بِالنَّدَمِ عَلَى مَا فَعَلْتَ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ وَالِاسْتِغْفَارِ (وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ) الَّذِي أَسْبَلَهُ عَلَيْكَ إِذْ لَوْ شَاءَ لَأَظْهَرَهُ لِلنَّاسِ وَفَضَحَكَ فَلَا تُظْهِرْ أَنْتَ مَا سَتَرَهُ عَلَيْكَ. (فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) أَيْ مِنْهُمْ (فَلَمْ تُقْرِرْهُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، أَيْ لَمْ تُمَكِّنْهُ (نَفْسُهُ) مِنَ الثُّبُوتِ عَلَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ رَأْفَتِهِ وَشَفَقَتِهِ، وَمَاعِزٌ رَضِيَ

اللَّهُ عَنْهُ حَصَلَ لَهُ شِدَّةُ خَوْفٍ مِنْ ذَنْبِهِ (حَتَّى أَتَى عُمَرَبْنَ الْخَطَّابِ) لَمَّا عَلِمَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ وَفِي الْحَدِيثِ: " «وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ» ". (فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ) لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فِي أَمْرِ اللَّهِ لَكِنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَطْلُوبٌ بِالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِ اللَّهِ (فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ) لِشِدَّةِ إِشْفَاقِهِ (حَتَّى جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ (فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ) بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ، أَيِ الرَّذْلَ الدَّنِيَّ (زَنَى، قَالَ سَعِيدٌ) ابْنُ الْمُسَيَّبِ (فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي زَنَيْتُ» (حَتَّى إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ) بِالْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ: " «فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: أُحْصِنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ» " وَلَا يُنَافِي سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ( «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: أَيَشْتَكِي» ) مَرَضًا أَذْهَبَ عَقْلَهُ ( «أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟» ) بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ جُنُونٌ ; لِأَنَّهُ سَأَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنْكَرَ مَا وَقَعَ مِنْهُ ; إِذْ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَقَعُ مِنْ صَحِيحٍ عَاقِلٍ.

( «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَحِيحٌ» ) فِي الْعَقْلِ وَالْبَدَنِ. ( «فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبِكْرٌ» ) هُوَ ( «أَمْ ثَيِّبٌ؟» ) أَيْ تَزَوَّجَ زَوْجَةً وَدَخَلَ بِهَا وَأَصَابَهَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَوَطْءٍ مُبَاحٍ ( «فَقَالُوا: بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ» ) زَادَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ: فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَلَمَّا أَدْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ. قَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ: وَالَّذِي أَدْرَكَهُ لَمَّا هَرَبَ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عُمَرُ، حَكَاهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَأْسَ الَّذِينَ رَجَمُوهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ، انْتَهَى.

فَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ أَوَّلًا بِنُصْحِهِ بِأَمْرِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالسَّتْرِ فَلَمَّا ثَبَتَ عَلَى الْإِقْرَارِ تَقَرَّبَ ثَانِيًا إِلَى اللَّهِ فَكَانَ رَأْسَ مَنْ رَجَمَهُ. وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِظَاهِرِهِ فِي اشْتِرَاطِ الْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِمَا دُونَهَا قِيَاسًا عَلَى الشُّهُودِ، وَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ". وَلَمْ يَقُلْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَبِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ إِذْ لَمْ يُنْقَلُ أَنَّهُ تَكَرَّرَ إِقْرَارُهَا، وَإِنَّمَا كَرَّرَ عَلَى مَاعِزٍ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي عَقْلِهِ وَلِذَا قَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ وَقَالَ لِأَهْلِهِ: أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يُصِرُّ عَلَى إِقْرَارِ مَا يَقْتَضِي هَلَاكَهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، مَعَ أَنَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالتَّوْبَةِ، وَلِذَا سَأَلَ أَهْلَهُ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ حَالِهِ وَصِيَانَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ، فَيُبْنَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ لَا عَلَى مُجَرَّدِ إِقْرَارِهِ بِعَدَمِ الْجُنُونِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يُفِدْ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ جُنُونٌ لَأَنَّ إِقْرَارَ الْمَجْنُونِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِيهِ أَنَّ الْمَجْنُونَ الْمَعْتُوهَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الْإِنْسَانِ مَا يَأْتِيهِ مِنَ الْفَوَاحِشِ جُنُونٌ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا الْمَجَانِينُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ ذَوِي الْعُقُولِ كَشْفُ ذَلِكَ، وَالِاعْتِرَافُ بِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنِهِمُ السَّتْرُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالتَّوْبَةُ، وَكَمَا يَلْزَمُهُمُ السَّتْرُ عَلَى غَيْرِهِمْ يَلْزَمُهُمُ السَّتْرُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ حَدَّ الثَّيِّبِ غَيْرُ حَدِّ الْبِكْرِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ لَكِنْ قَلِيلٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَأَى عَلَى الثَّيِّبِ الْجَلْدَ وَالرَّجْمَ مَعًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُبَادَةَ وَتَعَلَّقَ بِهِ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُرْجَمُ وَلَا يُجْلَدُ. وَقَالَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: لَا رَجْمَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الْحَدُّ الْجَلْدُ لِثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ، وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 16 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.5 / 29.5
الإضاءة 92%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
سبحان الله