«الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - أَوْ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٦٩

الحديث رقم ٢١٦٩ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في الطاعون.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل…

«الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ - فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» قَالَ مَالِكٌ: قَالَ أَبُو النَّضْرِ: «لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ»

سند حديث: ٢٣ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ…

٢٣ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَعَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل…

إذا نزل وباء بأرض لم يدخلها الإنسان فلا يجوز له دخولها حفاظاً على صحته وصحة غيره، وإذا دخل المرض في أرض هو فيها لم يجز له الخروج وعليه أن يصبر على قدر الله ليكتب له الأجر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • إذا وقع الوباء في الأرض فإنه لا يجوز للإنسان أن يخرج منها فرارا منه وأما إذا خرج لحاجة فلا بأس.
  • الإسلام وضع قواعد الحَجْر الصحي، فمنع الدخول على الوباء والفرار منه.
  • إثبات العدوى وانتشار المرض بإذن الله لا بذاته، فليس الأمر كما يعتقد بعض الناس أن العدوى وهي انتقال المرض تحصل بقوتها دون إرادة الله -تعالى-.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ «مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُونِ فَقَالَ أُسَامَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» قَالَ مَالِكٌ قَالَ أَبُو النَّضْرِ لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ

ــ

١٦٥٦ - ١٦٠٨ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ (وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ)

بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْعَيْنَيْنِ كِلَاهُمَا (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) مَالِكٍ الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَذَا لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ، وَالْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ. . . . الْحَدِيثَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِأَنَّ ذِكْرَ أَبِيهِ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ فَمَنْ أَسْقَطَ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَضُرَّهُ وَذِكْرُهُ صَحِيحٌ، نَعَمْ شَذَّ الْقَعْنَبِيُّ فِي حَذْفِ أَبِي النَّضْرِ، وَرَوَاهُ قَوْمٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَهْمٌ عِنْدَهُمْ، إِنَّمَا الْحَدِيثُ لِعَامِرٍ عَنْ أُسَامَةَ لَا عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ انْتَهَى.

، أَيْ: فَلَمْ يَرُدَّ بِقَوْلِهِ عَنْ أَبِيهِ الرِّوَايَةَ بَلْ أَرَادَ عَنْ سُؤَالِ أَبِيهِ لِأُسَامَةَ كَمَا أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) الْحِبَّ ابْنَ الْحِبِّ فَكَانَ عَامِرٌ حَاضِرًا سُؤَالَ وَالِدِهِ سَعْدٍ لِأُسَامَةَ بِقَوْلِهِ: (مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي) شَأْنِ (الطَّاعُونِ) وَوَقَعَ فِي السُّيُوطِيِّ عَنْ أَبِي عُمَرَ: لَا وَجْهَ لِذِكْرِ " عَنْ أَبِيهِ "، إِنَّمَا الْحَدِيثُ لِعَامِرٍ عَنْ أُسَامَةَ سَمِعَهُ مِنْهُ وَلِذَا لَمْ يَقُلْهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَمَعْنٌ وَجَمَاعَةٌ انْتَهَى وَلَا يَصِحُّ.

فَالَّذِي فِي التَّمْهِيدِ مَا رَأَيْتُهُ (فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الطَّاعُونُ رِجْزٌ» ) بِالزَّايِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، أَيْ: عَذَابٌ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ رِجْسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الزَّايِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَحْفُوظُ بِالزَّايِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الَّذِي بِالسِّينِ الْخَبَثُ أَوِ النَّجَسُ أَوِ الْقَذَرُ، وَوَجَّهَهَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الرِّجْسَ يُطْلَقُ عَلَى الْعُقُوبَةِ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ الْفَارَابِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ: الرِّجْسُ الْعَذَابُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: ١٠٠] [سُورَةُ ص: الْآيَةُ ٢٨] وَحَكَاهُ الرَّاغِبُ أَيْضًا (أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) لَمَّا كَثُرَ طُغْيَانُهُمْ (أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِالْجَزْمِ بِلَفْظِ رِجْسٍ سُلِّطَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِمْ أَخَصُّ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ بَلْعَامٍ فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ أَحَدِ صِغَارِ التَّابِعِينَ عَنْ يَسَارٍ: " أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَالُ لَهُ بَلْعَامٌ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ وَأَنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامٌ فَأَتَاهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَمُنِعَ، فَأَتَوْهُ بِهَدِيَّةٍ فَقَبِلَهَا وَسَأَلُوهُ ثَانِيًا فَقَالَ: حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ لَنَهَاكَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَصَارَ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يَدْعُو بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَنْقَلِبُ عَلَى قَوْمِهِ فَلَامُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: سَأَدُلُّكُمْ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُمْ أَرْسِلُوا النِّسَاءَ فِي عَسْكَرِهِمْ وَمُرُوهُنَّ لَا يَمْتَنِعْنَ

مِنْ أَحَدٍ فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلِكُوا، فَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ بِنْتُ الْمَلِكِ فَأَرَادَهَا بَعْضُ الْأَسْبَاطِ وَأَخْبَرَهَا بِمَكَانِهِ فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الطَّاعُونُ فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي يَوْمٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَمَعَهُ الرُّمْحُ وَأَيَّدَهُ اللَّهُ فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا " وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَسَيَّارٌ شَامِيٌّ مُوَثَّقٌ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ بِنَحْوِهِ وَسَمَّى الْمَرْأَةَ كَشْتًا بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَوْقِيَّةٍ، وَالرَّجُلَ زِمْرِي بِكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، رَأْسُ سِبْطِ شَمْعُونَ، وَالَّذِي طَعَنَهُمَا فِنْحَاصٌ - بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ فَأَلِفٍ فَمُهْمَلَةٍ - ابْنُ هَارُونَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَحَسْبُ مَنْ هَلَكَ مِنَ الطَّاعُونِ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَالْمُقَلِّلُ يَقُولُ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تُعَضِّدُ الْأُولَى.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَثُرَ عِصْيَانُهُمْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ فَخَيَّرَهُمْ مَا بَيْنَ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أَبْتَلِيَهُمْ بِالْقَحْطِ، أَوِ الْعَدُوِّ شَهْرَيْنِ، أَوِ الطَّاعُونِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالُوا: اخْتَرْ لَنَا فَاخْتَارَ الطَّاعُونَ فَمَاتَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفٍ، فَتَضَرَّعَ دَاوُدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَرَفَعَهُ.

وَوَرَدَ وُقُوعُ الطَّاعُونِ فِي غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.

فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَمَرَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَذْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَبْشًا ثُمَّ يُخَضِّبُ كَفَّهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ بِهِ عَلَى بَابِهِ فَفَعَلُوا فَسَأَلَهُمُ الْقِبْطُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ عَلَيْكُمْ عَذَابًا وَإِنَّا نَنْجُو مِنْهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مَاتَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَقَالَ فِرْعَوْنُ ثَمَّ ذَلِكَ لِمُوسَى: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} [الأعراف: ١٣٤] [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ١٣٤] الْآيَةَ، فَدَعَا فَكَشَفَهُ عَنْهُمْ، وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ.

وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: ٢٤٣] [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٤٣] قَالَ فِرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: ٢٤٣] [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٤٣] لِيُكْمِلُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ، فَأَقْدَمُ مَنْ وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَنْقُولِ مِمَّنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قِصَّةِ بَلْعَامٍ وَمِنْ غَيْرِهِمْ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وَتَكَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمُ انْتَهَى.

(فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَهَوُّرٌ وَإِقْدَامٌ عَلَى خَطَرٍ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَسْكُنَ لِلنَّفْسِ وَأَطْيَبَ لِلْعَيْشِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لِئَلَّا يَقَعُوا فِي اللَّوْمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَنَهَوْا عَنْ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لِئَلَّا يَلُومُوا أَنْفُسَهُمْ فِيمَا لَا لَوْمَ فِيهِ لِأَنَّ الْبَاقِيَ وَالنَّاهِضَ لَا يَتَجَاوَزُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَجَلَهُ.

(وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) لِأَنَّهُ فِرَارٌ مِنَ

الْقَدَرِ وَلِئَلَّا تَضِيعَ الْمَرْضَى بِعَدَمِ مَنْ يَتَفَقَّدُهُمْ، وَالْمَوْتَى بِعَدَمِ مَنْ يُجَهِّزُهُمْ، فَالْأَوَّلُ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ، وَالثَّانِي تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ، وَقِيلَ: هُوَ تَعَبُّدِيٌّ لِأَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الْمَهَالِكِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا فَهُوَ لِسِرٍّ فِيهِ لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ.

(قَالَ مَالِكٌ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا.

(قَالَ أَبُو النَّضْرِ) فِي رِوَايَتِهِ (لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ) قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ بِالرَّفْعِ وَهُوَ بَيِّنٌ، أَيْ: لَا يُخْرِجُكُمُ الْفِرَارُ وَمُجَرَّدُ قَصْدِهِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي الْأَسْفَارِ وَالْحَوَائِجِ مُبَاحٌ، فَهُوَ مُطَابِقٌ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَّا فِرَارًا بِالنَّصْبِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جَاءَ بِالْوَجْهَيْنِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ دُخُولُ إِلَّا بَعْدَ النَّفْيِ لِإِيجَابِ بَعْضِ مَا نُفِيَ قَبْلُ مِنَ الْخُرُوجِ، فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ إِلَّا لِلْفِرَارِ خَاصَّةً وَهُوَ ضِدُّ الْمَقْصُودِ، فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ لِلْفِرَارِ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِهِ، وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ قَوْلَهُ " إِلَّا " حَالًا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيْ: لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُكُمْ إِلَّا فِرَارًا، أَيْ: لِلْفِرَارِ انْتَهَى.

وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ: لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهَا إِفْرَارٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ وَهْمٌ وَلَحْنٌ، هَذَا كَلَامُ عِيَاضٍ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.

وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ مَا حَاصِلُهُ: يَجُوزُ أَنَّ الْهَمْزَةَ لِلتَّعْدِيَةِ يُقَالُ: أَفَرَّهُ كَذَا مِنْ كَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: " إِنْ كَانَ لَا يُفِرُّكُ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا تَرَى " فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا يُخْرِجُكُمْ إِفْرَارُهُ إِيَّاكُمْ.

وَقَالَ فِي الْمُفْهَمِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَلَطٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَفَرَّ وَإِنَّمَا يُقَالُ فَرَّ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِدْخَالُ إِلَّا فِيهِ غَلَطٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ زَائِدَةٌ وَتَجُوزُ زِيَادَتُهَا كَمَا تُزَادُ " لَا " وَهُوَ الْأَقْرَبُ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَبَيْنَ قَوْلِ أَبِي النَّضْرِ: لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ - مُشْكِلٌ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ التَّنَاقُضُ، وَأَجَابَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي أَنَّ أَبَا النَّضْرِ فَسَّرَ لَا تَخْرُجُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْحَصْرُ يَعْنِي الْخُرُوجَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الْفِرَارِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُعَلَّلِ الْمَنْهِيِّ لَا لِلنَّهْيِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ أَبِي النَّضْرِ زَادَهُ بَعْدَ الْخَبَرِ، وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَلَى رِوَايَةِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَالْمُتَبَادِرُ خِلَافُ ذَلِكَ.

وَالْجَوَابُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةُ مَرْفُوعَةٌ أَيْضًا فَيَكُونُ رَوَى اللَّفْظَيْنِ وَيَكُونُ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا أَيْضًا.

الثَّالِثُ: " إِلَّا " زَائِدَةٌ بِشَرْطِ أَنَّ تَثْبُتَ زِيَادَتُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ انْتَهَى، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُسْلِمٌ فِي الطِّبِّ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا أَوِ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا

ــ

١٦٨٧ - ١٦٣٧ - (مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ) وَاسْمُهُ يَسَارٌ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ تَابِعِيُّ صَغِيرٌ ثِقَةٌ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (السِّمَّانِ) بَائِعِ السَّمْنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَذَا وَقَفَهُ يَحْيَى وَجُمْهُورُ الرُّوَاةِ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَهُوَ تَوْقِيفٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ، فَقَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

( «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ» ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ بِقَرِينَةِ تَرْتِيبِهِ الْمَغْفِرَةَ عَلَى الْعَرْضِ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَا ذَنْبَ لَهُ يُغْفَرُ ( «كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ» ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَرَادَ بِالْجُمُعَةِ الْأُسْبُوعَ فَعَبَّرَ عَنِ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَمَا يَتِمُّ بِهِ وَيُوجَدُ عِنْدَهُ وَالْمَعْرُوضُ عَلَيْهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ مَلَكٌ يُوَكِّلُهُ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ صُحُفِ الْأَعْمَالِ وَضَبْطِهَا انْتَهَى.

وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بِأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى اللَّهِ. . . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجُمُعَةِ يَوْمَهَا لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ: ( «يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» ) وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْعَرْضُ قَدْ يَكُونُ بِنَقْلِ الْأَعْمَالِ مِنْ صَحَائِفِ الْحَفَظَةِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ، وَلَعَلَّهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: ٢٩] [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: الْآيَةُ ٢٩] قَالَ الْحَسَنُ: الْخَزَنَةُ تَسْتَنْسِخُ مِنَ الْحَفَظَةِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَرْضُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لِيُبَاهِيَ سُبْحَانَهُ بِصَالِحِ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ الْمَلَائِكَةَ كَمَا يُبَاهِيهِمْ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، وَقَدْ يَكُونُ لِتَعْلَمَ الْمَلَائِكَةُ الْمَقْبُولَ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنَ الْمَرْدُودِ كَمَا جَاءَ: " «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَصْعَدُ بِصَحَائِفِ الْأَعْمَالِ لِتَعْرِضَهَا عَلَى اللَّهِ فَيَقُولُ ضَعُوا هَذَا وَاقْبَلُوا هَذَا فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: وَعِزَّتِكَ مَا عَلِمْنَا إِلَّا خَيْرًا، فَيَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ لِغَيْرِي وَلَا أَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجِهِي» " ( «فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدِ مُؤْمِنٍ» ) ذُنُوبَهُ الْمَعْرُوضَةَ عَلَيْهِ (إِلَّا عَبْدًا) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كَلَامٍ مُوجَبٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَبْدٌ بِالرَّفْعِ وَتَقْدِيرُهُ فَلَا يُحْرَمُ أَحَدٌ مِنَ الْغُفْرَانِ إِلَّا عَبْدٌ، وَمِنْهُ: " فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلٌ " بِالرَّفْعِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ.

( «كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا» ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ: يَرْجِعَا عَمَّا هُمَا عَلَيْهِ مِنَ التَّقَاطُعِ وَالتَّبَاغُضِ إِلَى الصُّلْحِ، وَأَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّعْيِيرِ وَالتَّنْفِيرِ (أَوْ) قَالَ ( «أَرْكُوا» ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْكَافِ، أَيْ: أَخِّرُوا (هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا) شَكَّ الرَّاوِي، يُقَالُ: أَرْكَيْتُ الشَّيْءَ أَخَّرْتُهُ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثُ مَا صَحَّ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ» "، قَالَ الْوَالِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لِاحْتِمَالِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ فَتُعْرَضُ عَرْضًا بَعْدَ عَرْضٍ، وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ يَسْتَأْثِرُ بِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ خَافِيَةٌ أَوْ عَلَيْهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ فِي الْيَوْمِ تَفْصِيلًا وَفِي الْجُمُعَةِ إِجْمَالًا أَوْ عَكْسُهُ انْتَهَى.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّارٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ فَذَكَرَهُ مَرْفُوعًا بِهِ، وَتَابَعُهُ سُفْيَانُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ

ــ

١٦٩٤ - ١٦٤٤ - (مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ) يَسَارٍ الْمَدَنِيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ) كَذَا وَقَفَهُ يَحْيَى وَرُوَاةُ الْمُوَّطَأِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ، فَقَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْ رَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ رَأْيِهِ لَا يَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (نِسَاءٌ) مُبْتَدَأٌ سَائِغٌ لِلْوَصْفِ بِقَوْلِهِ: (كَاسِيَاتٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَرَادَ اللَّوَاتِي يَلْبَسْنَ مِنَ الثِّيَابِ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ الَّذِي يَصِفُ وَلَا يَسْتُرُ، فَهُنَّ (كَاسِيَاتٌ) بِالِاسْمِ (عَارِيَاتٌ) فِي الْحَقِيقَةِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: كَاسِيَاتٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَارِيَاتٌ مِنَ الشُّكْرِ، أَوْ كَاسِيَاتٌ لِبَعْضِ أَجْسَادِهِنَّ عَارِيَاتٌ لِبَعْضِهِ إِظْهَارًا لِلْجَمَالِ، أَوْ لَابِسَاتٌ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِفُ مَا تَحْتَهَا (مَائِلَاتٌ) عَنِ الْحَقِّ (مُمِيلَاتٌ) لِأَزْوَاجِهِنَّ عَنْهُ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَائِلَاتٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يَلْزَمُهُنَّ مِنْ حِفْظِ فُرُوجِهِنَّ، مُمِيلَاتُ غَيْرِهِنَّ إِلَى مِثْلِ فِعْلِهِنَّ، وَقِيلَ: مَائِلَاتٌ مُتَبَخْتِرَاتٌ فِي مَشْيِهِنَّ مُمِيلَاتٌ أَكْتَافَهُنَّ وَأَعْطَافَهُنَّ، وَقِيلَ: مَائِلَاتٌ يُمَشِّطْنَ الْمِشْطَةَ الْمَيْلَاءَ وَهِيَ مِشْطَةُ الْبَغَايَا، مُمِيلَاتٌ غَيْرَهُنَّ إِلَى تِلْكَ الْمِشْطَةِ، قَالَ عِيَاضٌ: اسْتِشْهَادُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَلَى الْمِشْطَةِ الْمَيْلَاءِ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

غَدَائِرُهُ مُتَشَزِرَاتٌ إِلَى الْعُلَى

يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِشْطَةَ ضَفَائِرُ الْغَدَائِرِ وَشَدُّهَا فَوْقَ الرَّأْسِ فَتَأْتِي كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّشْبِيهَ بِأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ إِنَّمَا هُوَ بِارْتِفَاعِ الْغَدَائِرِ فَوْقَ رُءُوسِهِنَّ، وَجَمْعُ الْعَقَائِصِ هُنَاكَ وَتَكْثِيرُهَا بِمَا تُضَفَّرُ بِهِ حَتَّى تَمِيلَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ جَانِبِ الرَّأْسِ كَمَا يَمِيلُ السَّنَامُ.

قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: نَاقَةٌ مَيْلَاءُ إِذَا مَالَ سَنَامُهَا إِلَى أَحَدِ شِقَّيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى مَائِلَاتٍ مُنْحَطَّاتٍ لِلرِّجَالِ مُمِيلَاتٌ لَهُمْ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ، وَالصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلُّغَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ مَائِلَاتٌ خِلَافًا لِقَوْلِ الْكِنَانِيِّ، صَوَابُهُ مَاثِلَاتٌ؛ بِمُثَلَّثَةٍ، أَيْ: قَائِمَاتٌ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

(لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ) مَعَ السَّابِقِينَ أَوْ بِغَيْرِ عَذَابٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَأَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُنَّ، فَإِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُنَّ فَهُوَ أَهْلُ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ {لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: ٤٨] [سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٤٨] وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رُءُوسُهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ.

(وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ) وَفِي مُسْلِمٍ مِنَ الطَّرِيقِ

الْمَذْكُورَةِ: مَسِيرَةُ كَذَا وَكَذَا فَتُفَسَّرُ بِرِوَايَةِ الْمُوَّطَأِ هَذِهِ وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ: " «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا وَنِسَاءٌ» " إِلَخْ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى دَوَابٍّ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ قَالَ حُمَيْدٌ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّي فَقُلْ إِنَّ ابْنَكِ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ وَيَقُولُ أَطْعِمِينَا شَيْئًا قَالَ فَوَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاصٍ فِي صَحْفَةٍ وَشَيْئًا مِنْ زَيْتٍ وَمِلْحٍ ثُمَّ وَضَعَتْهَا عَلَى رَأْسِي وَحَمَلْتُهَا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا وَضَعْتُهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَبَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا مِنْ الْخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إِلَّا الْأَسْوَدَيْنِ الْمَاءَ وَالتَّمْرَ فَلَمْ يُصِبْ الْقَوْمُ مِنْ الطَّعَامِ شَيْئًا فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ يَا ابْنَ أَخِي أَحْسِنْ إِلَى غَنَمِكَ وَامْسَحْ الرُّعَامَ عَنْهَا وَأَطِبْ مُرَاحَهَا وَصَلِّ فِي نَاحِيَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الثُّلَّةُ مِنْ الْغَنَمِ أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ دَارِ مَرْوَانَ

ــ

١٧٣٧ - ١٦٨٨ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بِحَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ - الْمَدَنِيُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْمٍ) - بِمُعْجَمَةٍ، وَمُثَلَّثَةٍ - مُصَغَّرٌ، وَيُقَالُ مَالِكٌ جَدِّهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ) : مَحَلٌّ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ، (فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى دَوَابَّ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اذْهَبْ إِلَى أُمِّي) اسْمُهَا أُمَيْمَةُ - بِمِيمَيْنِ - مُصَغَّرٌ بِنْتُ صُبَيْحٍ أَوْ صُفَيْحٍ - بِمُوَحَّدَةٍ، أَوْ فَاءٍ - مُصَغَّرٌ صَحَابِيَّةٌ.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي فَأَخْبَرْتُهُ وَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَتِهِ، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٍ فَسَمِعَتْ أُمِّي حِسَّ قَدَمِي، فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَأَعْجَلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابَ وَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا» "، (فَقُلْ: إِنَّ ابْنَكِ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكِ

أَطْعِمِينَا شَيْئًا) ، يَعْنِي أَيَّ شَيْءٍ تَيَسَّرَ، (قَالَ: فَوَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاصٍ) مِنْ خُبْزٍ (فِي صَحْفَةٍ، وَشَيْئًا مِنْ زَيْتٍ وَمِلْحٍ، ثُمَّ وَضَعَتْهَا عَلَى رَأْسِي وَحَمَلْتُهَا) حَتَّى جِئْتُ بِهَا (إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَضَعْتُهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَبَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ، أَيْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، (وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا مِنَ الْخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إِلَّا الْأَسْوَدَيْنِ: الْمَاءَ وَالتَّمْرَ) ; فِيهِ تَغْلِيبٌ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا لَوْنَ لَهُ.

(فَلَمْ يُصِبِ الْقَوْمُ مِنَ الطَّعَامِ شَيْئًا) لِشِبَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، (فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي) فِي الْإِسْلَامِ، (أَحْسِنْ إِلَى غَنَمِكَ، وَامْسَحِ الرُّعَامَ) - بِضَمِّ الرَّاءِ، وَإِهْمَالِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَشْهَرِ رِوَايَةً - مُخَاطٌ رَقِيقٌ يَجْرِي مِنْ أُنُوفِ الْغَنَمِ، وَبِفَتْحِ الرَّاءِ، وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، أَيِ امْسَحِ التُّرَابَ عَنْهَا، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَا يَسِيلُ مِنَ الْأَنْفِ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ وَالْمَرْوِيُّ بِعَيْنِ مُهْمِلَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَسْحَ التُّرَابِ عَنْهَا رَعْيًا لَهَا، وَإِصْلَاحًا لِشَأْنِهَا اه.

أَيْ عَلَى رِوَايَةِ الْإِعْجَامِ، لَا مَا فَسَّرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْإِهْمَالِ.

(وَأَطِبْ) : نَظِّفْ (مُرَاحَهَا) - بِضَمِّ الْمِيمِ -: مَكَانَهَا الَّذِي تَأْوِي فِيهِ، وَالْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ وَالْإِصْلَاحِ، (وَصَلِّ فِي نَاحِيَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ) ، أَيْ نَزَلَتْ مِنْهَا أَوْ تَدْخُلُهَا بَعْدَ الْحَشْرِ، أَوْ مِنْ نَوْعِ مَا فِي الْجَنَّةِ بِمَعْنَى أَنَّ فِيهَا أَشْبَاهَهَا، وَشِبْهُ الشَّيْءِ يُكْرَمُ لِأَجْلِهِ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَكْرِمُوا الْمِعْزَى، وَامْسَحُوا بِرُغَامِهَا، فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ» "، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَكِنَّهُ يُقَوِّيهِ هَذَا الْمَوْقُوفُ الصَّحِيحُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «صَلُّوا فِي مَرَاحِ الْغَنَمِ، وَامْسَحُوا بِرُغَامِهَا، فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ» "، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَمَوْقُوفًا وَهُوَ أَصَحُّ.

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الثُّلَّةُ) - بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ، وَشَدِّ اللَّامِ -: الطَّائِفَةُ الْقَلِيلَةُ الْمِائَةُ وَنَحْوُهَا (مِنَ الْغَنَمِ أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ دَارِ مَرْوَانَ) بْنِ الْحَكَمِ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يُقَالُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ غَيْبٍ يَأْتِي.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ «مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُونِ فَقَالَ أُسَامَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» قَالَ مَالِكٌ قَالَ أَبُو النَّضْرِ لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ

ــ

١٦٥٦ - ١٦٠٨ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ (وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ)

بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْعَيْنَيْنِ كِلَاهُمَا (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) مَالِكٍ الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَذَا لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ، وَالْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ. . . . الْحَدِيثَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِأَنَّ ذِكْرَ أَبِيهِ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ فَمَنْ أَسْقَطَ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَضُرَّهُ وَذِكْرُهُ صَحِيحٌ، نَعَمْ شَذَّ الْقَعْنَبِيُّ فِي حَذْفِ أَبِي النَّضْرِ، وَرَوَاهُ قَوْمٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَهْمٌ عِنْدَهُمْ، إِنَّمَا الْحَدِيثُ لِعَامِرٍ عَنْ أُسَامَةَ لَا عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ انْتَهَى.

، أَيْ: فَلَمْ يَرُدَّ بِقَوْلِهِ عَنْ أَبِيهِ الرِّوَايَةَ بَلْ أَرَادَ عَنْ سُؤَالِ أَبِيهِ لِأُسَامَةَ كَمَا أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) الْحِبَّ ابْنَ الْحِبِّ فَكَانَ عَامِرٌ حَاضِرًا سُؤَالَ وَالِدِهِ سَعْدٍ لِأُسَامَةَ بِقَوْلِهِ: (مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي) شَأْنِ (الطَّاعُونِ) وَوَقَعَ فِي السُّيُوطِيِّ عَنْ أَبِي عُمَرَ: لَا وَجْهَ لِذِكْرِ " عَنْ أَبِيهِ "، إِنَّمَا الْحَدِيثُ لِعَامِرٍ عَنْ أُسَامَةَ سَمِعَهُ مِنْهُ وَلِذَا لَمْ يَقُلْهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَمَعْنٌ وَجَمَاعَةٌ انْتَهَى وَلَا يَصِحُّ.

فَالَّذِي فِي التَّمْهِيدِ مَا رَأَيْتُهُ (فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الطَّاعُونُ رِجْزٌ» ) بِالزَّايِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، أَيْ: عَذَابٌ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ رِجْسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الزَّايِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَحْفُوظُ بِالزَّايِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الَّذِي بِالسِّينِ الْخَبَثُ أَوِ النَّجَسُ أَوِ الْقَذَرُ، وَوَجَّهَهَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الرِّجْسَ يُطْلَقُ عَلَى الْعُقُوبَةِ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ الْفَارَابِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ: الرِّجْسُ الْعَذَابُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: ١٠٠] [سُورَةُ ص: الْآيَةُ ٢٨] وَحَكَاهُ الرَّاغِبُ أَيْضًا (أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) لَمَّا كَثُرَ طُغْيَانُهُمْ (أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِالْجَزْمِ بِلَفْظِ رِجْسٍ سُلِّطَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِمْ أَخَصُّ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ بَلْعَامٍ فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ أَحَدِ صِغَارِ التَّابِعِينَ عَنْ يَسَارٍ: " أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَالُ لَهُ بَلْعَامٌ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ وَأَنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامٌ فَأَتَاهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَمُنِعَ، فَأَتَوْهُ بِهَدِيَّةٍ فَقَبِلَهَا وَسَأَلُوهُ ثَانِيًا فَقَالَ: حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ لَنَهَاكَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَصَارَ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يَدْعُو بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَنْقَلِبُ عَلَى قَوْمِهِ فَلَامُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: سَأَدُلُّكُمْ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُمْ أَرْسِلُوا النِّسَاءَ فِي عَسْكَرِهِمْ وَمُرُوهُنَّ لَا يَمْتَنِعْنَ

مِنْ أَحَدٍ فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلِكُوا، فَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ بِنْتُ الْمَلِكِ فَأَرَادَهَا بَعْضُ الْأَسْبَاطِ وَأَخْبَرَهَا بِمَكَانِهِ فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الطَّاعُونُ فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي يَوْمٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَمَعَهُ الرُّمْحُ وَأَيَّدَهُ اللَّهُ فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا " وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَسَيَّارٌ شَامِيٌّ مُوَثَّقٌ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ بِنَحْوِهِ وَسَمَّى الْمَرْأَةَ كَشْتًا بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَوْقِيَّةٍ، وَالرَّجُلَ زِمْرِي بِكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، رَأْسُ سِبْطِ شَمْعُونَ، وَالَّذِي طَعَنَهُمَا فِنْحَاصٌ - بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ فَأَلِفٍ فَمُهْمَلَةٍ - ابْنُ هَارُونَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَحَسْبُ مَنْ هَلَكَ مِنَ الطَّاعُونِ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَالْمُقَلِّلُ يَقُولُ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تُعَضِّدُ الْأُولَى.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَثُرَ عِصْيَانُهُمْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ فَخَيَّرَهُمْ مَا بَيْنَ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أَبْتَلِيَهُمْ بِالْقَحْطِ، أَوِ الْعَدُوِّ شَهْرَيْنِ، أَوِ الطَّاعُونِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالُوا: اخْتَرْ لَنَا فَاخْتَارَ الطَّاعُونَ فَمَاتَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفٍ، فَتَضَرَّعَ دَاوُدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَرَفَعَهُ.

وَوَرَدَ وُقُوعُ الطَّاعُونِ فِي غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.

فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَمَرَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَذْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَبْشًا ثُمَّ يُخَضِّبُ كَفَّهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ بِهِ عَلَى بَابِهِ فَفَعَلُوا فَسَأَلَهُمُ الْقِبْطُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ عَلَيْكُمْ عَذَابًا وَإِنَّا نَنْجُو مِنْهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مَاتَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَقَالَ فِرْعَوْنُ ثَمَّ ذَلِكَ لِمُوسَى: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} [الأعراف: ١٣٤] [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ١٣٤] الْآيَةَ، فَدَعَا فَكَشَفَهُ عَنْهُمْ، وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ.

وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: ٢٤٣] [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٤٣] قَالَ فِرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: ٢٤٣] [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٤٣] لِيُكْمِلُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ، فَأَقْدَمُ مَنْ وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَنْقُولِ مِمَّنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قِصَّةِ بَلْعَامٍ وَمِنْ غَيْرِهِمْ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وَتَكَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمُ انْتَهَى.

(فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَهَوُّرٌ وَإِقْدَامٌ عَلَى خَطَرٍ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَسْكُنَ لِلنَّفْسِ وَأَطْيَبَ لِلْعَيْشِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لِئَلَّا يَقَعُوا فِي اللَّوْمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَنَهَوْا عَنْ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لِئَلَّا يَلُومُوا أَنْفُسَهُمْ فِيمَا لَا لَوْمَ فِيهِ لِأَنَّ الْبَاقِيَ وَالنَّاهِضَ لَا يَتَجَاوَزُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَجَلَهُ.

(وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) لِأَنَّهُ فِرَارٌ مِنَ

الْقَدَرِ وَلِئَلَّا تَضِيعَ الْمَرْضَى بِعَدَمِ مَنْ يَتَفَقَّدُهُمْ، وَالْمَوْتَى بِعَدَمِ مَنْ يُجَهِّزُهُمْ، فَالْأَوَّلُ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ، وَالثَّانِي تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ، وَقِيلَ: هُوَ تَعَبُّدِيٌّ لِأَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الْمَهَالِكِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا فَهُوَ لِسِرٍّ فِيهِ لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ.

(قَالَ مَالِكٌ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا.

(قَالَ أَبُو النَّضْرِ) فِي رِوَايَتِهِ (لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ) قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ بِالرَّفْعِ وَهُوَ بَيِّنٌ، أَيْ: لَا يُخْرِجُكُمُ الْفِرَارُ وَمُجَرَّدُ قَصْدِهِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي الْأَسْفَارِ وَالْحَوَائِجِ مُبَاحٌ، فَهُوَ مُطَابِقٌ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَّا فِرَارًا بِالنَّصْبِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جَاءَ بِالْوَجْهَيْنِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ دُخُولُ إِلَّا بَعْدَ النَّفْيِ لِإِيجَابِ بَعْضِ مَا نُفِيَ قَبْلُ مِنَ الْخُرُوجِ، فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ إِلَّا لِلْفِرَارِ خَاصَّةً وَهُوَ ضِدُّ الْمَقْصُودِ، فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ لِلْفِرَارِ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِهِ، وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ قَوْلَهُ " إِلَّا " حَالًا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيْ: لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُكُمْ إِلَّا فِرَارًا، أَيْ: لِلْفِرَارِ انْتَهَى.

وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ: لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهَا إِفْرَارٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ وَهْمٌ وَلَحْنٌ، هَذَا كَلَامُ عِيَاضٍ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.

وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ مَا حَاصِلُهُ: يَجُوزُ أَنَّ الْهَمْزَةَ لِلتَّعْدِيَةِ يُقَالُ: أَفَرَّهُ كَذَا مِنْ كَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: " إِنْ كَانَ لَا يُفِرُّكُ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا تَرَى " فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا يُخْرِجُكُمْ إِفْرَارُهُ إِيَّاكُمْ.

وَقَالَ فِي الْمُفْهَمِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَلَطٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَفَرَّ وَإِنَّمَا يُقَالُ فَرَّ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِدْخَالُ إِلَّا فِيهِ غَلَطٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ زَائِدَةٌ وَتَجُوزُ زِيَادَتُهَا كَمَا تُزَادُ " لَا " وَهُوَ الْأَقْرَبُ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَبَيْنَ قَوْلِ أَبِي النَّضْرِ: لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ - مُشْكِلٌ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ التَّنَاقُضُ، وَأَجَابَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي أَنَّ أَبَا النَّضْرِ فَسَّرَ لَا تَخْرُجُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْحَصْرُ يَعْنِي الْخُرُوجَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الْفِرَارِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُعَلَّلِ الْمَنْهِيِّ لَا لِلنَّهْيِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ أَبِي النَّضْرِ زَادَهُ بَعْدَ الْخَبَرِ، وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَلَى رِوَايَةِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَالْمُتَبَادِرُ خِلَافُ ذَلِكَ.

وَالْجَوَابُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةُ مَرْفُوعَةٌ أَيْضًا فَيَكُونُ رَوَى اللَّفْظَيْنِ وَيَكُونُ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا أَيْضًا.

الثَّالِثُ: " إِلَّا " زَائِدَةٌ بِشَرْطِ أَنَّ تَثْبُتَ زِيَادَتُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ انْتَهَى، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُسْلِمٌ فِي الطِّبِّ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا أَوِ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا

ــ

١٦٨٧ - ١٦٣٧ - (مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ) وَاسْمُهُ يَسَارٌ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ تَابِعِيُّ صَغِيرٌ ثِقَةٌ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (السِّمَّانِ) بَائِعِ السَّمْنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَذَا وَقَفَهُ يَحْيَى وَجُمْهُورُ الرُّوَاةِ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَهُوَ تَوْقِيفٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ، فَقَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

( «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ» ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ بِقَرِينَةِ تَرْتِيبِهِ الْمَغْفِرَةَ عَلَى الْعَرْضِ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَا ذَنْبَ لَهُ يُغْفَرُ ( «كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ» ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَرَادَ بِالْجُمُعَةِ الْأُسْبُوعَ فَعَبَّرَ عَنِ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَمَا يَتِمُّ بِهِ وَيُوجَدُ عِنْدَهُ وَالْمَعْرُوضُ عَلَيْهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ مَلَكٌ يُوَكِّلُهُ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ صُحُفِ الْأَعْمَالِ وَضَبْطِهَا انْتَهَى.

وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بِأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى اللَّهِ. . . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجُمُعَةِ يَوْمَهَا لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ: ( «يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» ) وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْعَرْضُ قَدْ يَكُونُ بِنَقْلِ الْأَعْمَالِ مِنْ صَحَائِفِ الْحَفَظَةِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ، وَلَعَلَّهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: ٢٩] [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: الْآيَةُ ٢٩] قَالَ الْحَسَنُ: الْخَزَنَةُ تَسْتَنْسِخُ مِنَ الْحَفَظَةِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَرْضُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لِيُبَاهِيَ سُبْحَانَهُ بِصَالِحِ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ الْمَلَائِكَةَ كَمَا يُبَاهِيهِمْ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، وَقَدْ يَكُونُ لِتَعْلَمَ الْمَلَائِكَةُ الْمَقْبُولَ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنَ الْمَرْدُودِ كَمَا جَاءَ: " «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَصْعَدُ بِصَحَائِفِ الْأَعْمَالِ لِتَعْرِضَهَا عَلَى اللَّهِ فَيَقُولُ ضَعُوا هَذَا وَاقْبَلُوا هَذَا فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: وَعِزَّتِكَ مَا عَلِمْنَا إِلَّا خَيْرًا، فَيَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ لِغَيْرِي وَلَا أَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجِهِي» " ( «فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدِ مُؤْمِنٍ» ) ذُنُوبَهُ الْمَعْرُوضَةَ عَلَيْهِ (إِلَّا عَبْدًا) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كَلَامٍ مُوجَبٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَبْدٌ بِالرَّفْعِ وَتَقْدِيرُهُ فَلَا يُحْرَمُ أَحَدٌ مِنَ الْغُفْرَانِ إِلَّا عَبْدٌ، وَمِنْهُ: " فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلٌ " بِالرَّفْعِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ.

( «كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا» ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ: يَرْجِعَا عَمَّا هُمَا عَلَيْهِ مِنَ التَّقَاطُعِ وَالتَّبَاغُضِ إِلَى الصُّلْحِ، وَأَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّعْيِيرِ وَالتَّنْفِيرِ (أَوْ) قَالَ ( «أَرْكُوا» ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْكَافِ، أَيْ: أَخِّرُوا (هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا) شَكَّ الرَّاوِي، يُقَالُ: أَرْكَيْتُ الشَّيْءَ أَخَّرْتُهُ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثُ مَا صَحَّ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ» "، قَالَ الْوَالِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لِاحْتِمَالِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ فَتُعْرَضُ عَرْضًا بَعْدَ عَرْضٍ، وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ يَسْتَأْثِرُ بِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ خَافِيَةٌ أَوْ عَلَيْهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ فِي الْيَوْمِ تَفْصِيلًا وَفِي الْجُمُعَةِ إِجْمَالًا أَوْ عَكْسُهُ انْتَهَى.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّارٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ فَذَكَرَهُ مَرْفُوعًا بِهِ، وَتَابَعُهُ سُفْيَانُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ

ــ

١٦٩٤ - ١٦٤٤ - (مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ) يَسَارٍ الْمَدَنِيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ) كَذَا وَقَفَهُ يَحْيَى وَرُوَاةُ الْمُوَّطَأِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ، فَقَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْ رَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ رَأْيِهِ لَا يَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (نِسَاءٌ) مُبْتَدَأٌ سَائِغٌ لِلْوَصْفِ بِقَوْلِهِ: (كَاسِيَاتٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَرَادَ اللَّوَاتِي يَلْبَسْنَ مِنَ الثِّيَابِ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ الَّذِي يَصِفُ وَلَا يَسْتُرُ، فَهُنَّ (كَاسِيَاتٌ) بِالِاسْمِ (عَارِيَاتٌ) فِي الْحَقِيقَةِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: كَاسِيَاتٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَارِيَاتٌ مِنَ الشُّكْرِ، أَوْ كَاسِيَاتٌ لِبَعْضِ أَجْسَادِهِنَّ عَارِيَاتٌ لِبَعْضِهِ إِظْهَارًا لِلْجَمَالِ، أَوْ لَابِسَاتٌ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِفُ مَا تَحْتَهَا (مَائِلَاتٌ) عَنِ الْحَقِّ (مُمِيلَاتٌ) لِأَزْوَاجِهِنَّ عَنْهُ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَائِلَاتٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يَلْزَمُهُنَّ مِنْ حِفْظِ فُرُوجِهِنَّ، مُمِيلَاتُ غَيْرِهِنَّ إِلَى مِثْلِ فِعْلِهِنَّ، وَقِيلَ: مَائِلَاتٌ مُتَبَخْتِرَاتٌ فِي مَشْيِهِنَّ مُمِيلَاتٌ أَكْتَافَهُنَّ وَأَعْطَافَهُنَّ، وَقِيلَ: مَائِلَاتٌ يُمَشِّطْنَ الْمِشْطَةَ الْمَيْلَاءَ وَهِيَ مِشْطَةُ الْبَغَايَا، مُمِيلَاتٌ غَيْرَهُنَّ إِلَى تِلْكَ الْمِشْطَةِ، قَالَ عِيَاضٌ: اسْتِشْهَادُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَلَى الْمِشْطَةِ الْمَيْلَاءِ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

غَدَائِرُهُ مُتَشَزِرَاتٌ إِلَى الْعُلَى

يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِشْطَةَ ضَفَائِرُ الْغَدَائِرِ وَشَدُّهَا فَوْقَ الرَّأْسِ فَتَأْتِي كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّشْبِيهَ بِأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ إِنَّمَا هُوَ بِارْتِفَاعِ الْغَدَائِرِ فَوْقَ رُءُوسِهِنَّ، وَجَمْعُ الْعَقَائِصِ هُنَاكَ وَتَكْثِيرُهَا بِمَا تُضَفَّرُ بِهِ حَتَّى تَمِيلَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ جَانِبِ الرَّأْسِ كَمَا يَمِيلُ السَّنَامُ.

قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: نَاقَةٌ مَيْلَاءُ إِذَا مَالَ سَنَامُهَا إِلَى أَحَدِ شِقَّيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى مَائِلَاتٍ مُنْحَطَّاتٍ لِلرِّجَالِ مُمِيلَاتٌ لَهُمْ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ، وَالصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلُّغَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ مَائِلَاتٌ خِلَافًا لِقَوْلِ الْكِنَانِيِّ، صَوَابُهُ مَاثِلَاتٌ؛ بِمُثَلَّثَةٍ، أَيْ: قَائِمَاتٌ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

(لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ) مَعَ السَّابِقِينَ أَوْ بِغَيْرِ عَذَابٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَأَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُنَّ، فَإِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُنَّ فَهُوَ أَهْلُ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ {لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: ٤٨] [سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٤٨] وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رُءُوسُهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ.

(وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ) وَفِي مُسْلِمٍ مِنَ الطَّرِيقِ

الْمَذْكُورَةِ: مَسِيرَةُ كَذَا وَكَذَا فَتُفَسَّرُ بِرِوَايَةِ الْمُوَّطَأِ هَذِهِ وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ: " «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا وَنِسَاءٌ» " إِلَخْ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى دَوَابٍّ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ قَالَ حُمَيْدٌ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّي فَقُلْ إِنَّ ابْنَكِ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ وَيَقُولُ أَطْعِمِينَا شَيْئًا قَالَ فَوَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاصٍ فِي صَحْفَةٍ وَشَيْئًا مِنْ زَيْتٍ وَمِلْحٍ ثُمَّ وَضَعَتْهَا عَلَى رَأْسِي وَحَمَلْتُهَا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا وَضَعْتُهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَبَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا مِنْ الْخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إِلَّا الْأَسْوَدَيْنِ الْمَاءَ وَالتَّمْرَ فَلَمْ يُصِبْ الْقَوْمُ مِنْ الطَّعَامِ شَيْئًا فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ يَا ابْنَ أَخِي أَحْسِنْ إِلَى غَنَمِكَ وَامْسَحْ الرُّعَامَ عَنْهَا وَأَطِبْ مُرَاحَهَا وَصَلِّ فِي نَاحِيَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الثُّلَّةُ مِنْ الْغَنَمِ أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ دَارِ مَرْوَانَ

ــ

١٧٣٧ - ١٦٨٨ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بِحَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ - الْمَدَنِيُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْمٍ) - بِمُعْجَمَةٍ، وَمُثَلَّثَةٍ - مُصَغَّرٌ، وَيُقَالُ مَالِكٌ جَدِّهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ) : مَحَلٌّ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ، (فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى دَوَابَّ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اذْهَبْ إِلَى أُمِّي) اسْمُهَا أُمَيْمَةُ - بِمِيمَيْنِ - مُصَغَّرٌ بِنْتُ صُبَيْحٍ أَوْ صُفَيْحٍ - بِمُوَحَّدَةٍ، أَوْ فَاءٍ - مُصَغَّرٌ صَحَابِيَّةٌ.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي فَأَخْبَرْتُهُ وَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَتِهِ، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٍ فَسَمِعَتْ أُمِّي حِسَّ قَدَمِي، فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَأَعْجَلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابَ وَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا» "، (فَقُلْ: إِنَّ ابْنَكِ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكِ

أَطْعِمِينَا شَيْئًا) ، يَعْنِي أَيَّ شَيْءٍ تَيَسَّرَ، (قَالَ: فَوَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاصٍ) مِنْ خُبْزٍ (فِي صَحْفَةٍ، وَشَيْئًا مِنْ زَيْتٍ وَمِلْحٍ، ثُمَّ وَضَعَتْهَا عَلَى رَأْسِي وَحَمَلْتُهَا) حَتَّى جِئْتُ بِهَا (إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَضَعْتُهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَبَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ، أَيْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، (وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا مِنَ الْخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إِلَّا الْأَسْوَدَيْنِ: الْمَاءَ وَالتَّمْرَ) ; فِيهِ تَغْلِيبٌ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا لَوْنَ لَهُ.

(فَلَمْ يُصِبِ الْقَوْمُ مِنَ الطَّعَامِ شَيْئًا) لِشِبَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، (فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي) فِي الْإِسْلَامِ، (أَحْسِنْ إِلَى غَنَمِكَ، وَامْسَحِ الرُّعَامَ) - بِضَمِّ الرَّاءِ، وَإِهْمَالِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَشْهَرِ رِوَايَةً - مُخَاطٌ رَقِيقٌ يَجْرِي مِنْ أُنُوفِ الْغَنَمِ، وَبِفَتْحِ الرَّاءِ، وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، أَيِ امْسَحِ التُّرَابَ عَنْهَا، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَا يَسِيلُ مِنَ الْأَنْفِ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ وَالْمَرْوِيُّ بِعَيْنِ مُهْمِلَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَسْحَ التُّرَابِ عَنْهَا رَعْيًا لَهَا، وَإِصْلَاحًا لِشَأْنِهَا اه.

أَيْ عَلَى رِوَايَةِ الْإِعْجَامِ، لَا مَا فَسَّرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْإِهْمَالِ.

(وَأَطِبْ) : نَظِّفْ (مُرَاحَهَا) - بِضَمِّ الْمِيمِ -: مَكَانَهَا الَّذِي تَأْوِي فِيهِ، وَالْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ وَالْإِصْلَاحِ، (وَصَلِّ فِي نَاحِيَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ) ، أَيْ نَزَلَتْ مِنْهَا أَوْ تَدْخُلُهَا بَعْدَ الْحَشْرِ، أَوْ مِنْ نَوْعِ مَا فِي الْجَنَّةِ بِمَعْنَى أَنَّ فِيهَا أَشْبَاهَهَا، وَشِبْهُ الشَّيْءِ يُكْرَمُ لِأَجْلِهِ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَكْرِمُوا الْمِعْزَى، وَامْسَحُوا بِرُغَامِهَا، فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ» "، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَكِنَّهُ يُقَوِّيهِ هَذَا الْمَوْقُوفُ الصَّحِيحُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «صَلُّوا فِي مَرَاحِ الْغَنَمِ، وَامْسَحُوا بِرُغَامِهَا، فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ» "، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَمَوْقُوفًا وَهُوَ أَصَحُّ.

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الثُّلَّةُ) - بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ، وَشَدِّ اللَّامِ -: الطَّائِفَةُ الْقَلِيلَةُ الْمِائَةُ وَنَحْوُهَا (مِنَ الْغَنَمِ أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ دَارِ مَرْوَانَ) بْنِ الْحَكَمِ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يُقَالُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ غَيْبٍ يَأْتِي.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.1 / 29.5
الإضاءة 88%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
الحمد لله