الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٦٦
الحديث رقم ٢١٦٦ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في أمر المدينة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢١ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيَّ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا، وَهُوَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ: إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا، فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ، فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ:
يخبر السائب بن يزيد رضي الله عنهما عن واقعة حصلت في حضرته وهي أن رجلين كانا يرفعان أصواتهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد عمر رضي الله عنه فسمع عمر أصواتهما فحصب السائب بن يزيد، وذلك لأجل أن يأتي بالرجلين إليه.
قال السائب: فأتيته بهما، فسألهما من أين أنتما؟
فقالا: من أهل الطائف.
قال: لو كُنْتُمَا من أهل البلد، أي: من أهل المدينة لأَوْجَعْتُكُمَا بالعقوبة والضرب، تَرْفَعَان أصْوَاتَكُما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ولما لم يكونا من أهل المدينة عذرهما بجهلهما؛ لأن الغالب خفاء أحكام الشرع على من كان حاله مثل حالهما.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيَّ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا وَهُوَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفَ
ــ
١٦٥٤ - ١٦٠٦ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ ; لِأَنَّ يَحْيَى تَابِعِيٌّ سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَحَادِيثَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَإِنْ عَاصَرَهُ لَكِنْ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ شُيُوخِ مَالِكٍ.
(أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَقِيلَ: بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ) بِتَحْتِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ لَهُ صُحْبَةٌ وَأَبُوهُ صَحَابِيُّ شَهِيرٌ (الْمَخْزُومِيَّ) (فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ تَمْرًا وَزَبِيبًا طُرِحَ فِي مَاءٍ (وَهُوَ بِطْرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ: إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) لِأَنَّهُ حُلْوٌ بَارِدٌ وَكَانَ الْمُصْطَفَى يُحِبُّ الْحُلْوَ الْبَارِدَ (فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا) كَبِيرًا (فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدِهِ) أَيْ: عُمَرَ (فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا) الَّذِي فِي الْقَدَحِ (لَشَرَابٌ طَيِّبٌ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ) عَمَلًا بِالسُّنَّةِ (فَلَمَّا أَدْبَرَ) وَلَّى (عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ) دَعَاهُ (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: أَأَنْتَ) بِهَمْزَتَيْنِ أُولَاهُمَا لِلِاسْتِفْهَامِ (الْقَائِلُ: لَمَكَّةُ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ (خَيْرٌ) أَفْضَلُ (مِنَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَلَتْ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ) الْكَعْبَةُ وَمَا أُضِيفَ لِلَّهِ خَيْرٌ مِمَّا أُضِيفَ إِلَى رَسُولِهِ (فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا) يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَلَمْ أَسْأَلْكَ عَنْهُ إِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنِ الْبَلَدَيْنِ (ثُمَّ قَالَ عُمَرُ) ثَانِيًا لِيَنْظُرَ هَلْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إِلَى مُوَافَقَةِ عُمَرَ فِي تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ (أَأَنَّتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ: (فَقُلْتُ: هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ) الْكَعْبَةُ (فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفَ) عَبْدُ اللَّهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ اجْتِهَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُوَافَقَةِ الْآخَرِ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ أَيُّ الْبَلَدَيْنِ أَفْضَلُ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ
حَبِيبٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَذَهَبَ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ سِوَى مَنْ ذُكِرَ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ بِتَسَاوِي الْبَلَدَيْنِ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي الْحُجَجِ الْمُبَيَّنَةِ: الْمُخْتَارُ الْوَقْفُ عَنِ التَّفْضِيلِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ بَلِ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا تَأَمَّلَ ذُو الْبَصِيرَةِ لَمْ يَجِدْ فَضْلًا أُعْطِيَتْهُ مَكَّةُ إِلَّا وَأُعْطِيَتِ الْمَدِينَةُ نَظِيرَهُ وَأَعْلَى مِنْهُ، وَجَزَمَ فِي خَصَائِصِهِ بِأَنَّ الْمُخْتَارَ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا عَدَا الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ أَفْضَلُ إِجْمَاعًا مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَيَلِيهَا الْكَعْبَةُ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ وَإِلَيْهِ يُومِئُ كَلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ»
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي الَّذِي لَا يَعْجَلُ شَيْءٌ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَكَفَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ إِنَّ أَحَدًا لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ
ــ
١٦٦٧ - ١٦١٩ - (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ) بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ الْمَخْزُومِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ الثِّقَةُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ) الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الْعَالِمِ وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ وَوَهِمَ مَنْ قَالَ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ، فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ لَمْ يَنْبُتُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، مَاتَ مُحَمَّدٌ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: قَبْلَهَا.
(قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ) وَلِبَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ كَمَا أَفَادَهُ أَبُو عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ (بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) النَّبَوِيِّ عَامَ حَجَّ فِي خِلَافَتِهِ ( «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ» ) أَيْ: لِمَا أَرَادَ إِعْطَاءَهُ، وَإِلَّا فَبَعْدَ الْإِعْطَاءِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ لَا مَانِعَ لَهُ إِذِ الْوَاقِعُ لَا يَرْتَفِعُ.
( «وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ» ) أَيْ: لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ وَ " مَا " مَوْصُولَةٌ، وَجُمْلَةُ " أَعْطَى " صِلَةُ " مَا "، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيِ: الَّذِي أَعْطَاهُ وَمَنَعَهُ، وَقِيلَ: لَا مَانِعَ اسْمُ نَكِرَةٍ مَبْنِيٌّ مَعَ لَا وَخَبَرُهَا الِاسْتِقْرَارُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْمَجْرُورُ، أَوِ الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا عَلَى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ فَيَتَعَلَّقُ حَرْفُ الْجَرِّ بِمَانِعٍ، قِيلَ: فَيَجِبُ نَصْبُهُ وَتَنْوِينُهُ ; لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ وَالرِّوَايَةُ عَلَى بِنَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ، وَوُجِّهَتْ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَ خَبَرِ " لَا مَانِعَ " مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَا مَانِعَ لَنَا لِمَا أَعْطَى، فَيَتَعَلَّقُ بِالْكَوْنِ الْمُقَدَّرِ لَا بِمَانِعٍ، كَمَا قِيلَ فِي: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ} [الأنفال: ٤٨] [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: الْآيَةُ ٤٨] أَوْ يُقَدَّرُ لَا مَانِعَ يَمْنَعُ لِمَا أَعْطَى فَيَتَعَلَّقُ بِ " يَمْنَعُ " وَيَكُونُ " يَمْنَعُ " خَبَرُ " لَا " عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ.
( «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ» ) بِفَتْحِ الْجِيمِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمِنْهُ يَتَعَلَّقُ بِ " يَنْفَعُ "، أَيْ: لَا يَنْفَعُ صَاحِبَ الْحَظِّ مِنْ نُزُولِ عَذَابِهِ - حَظُّهُ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ الصَّالِحُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْحَظُّ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: لِفُلَانٍ جَدٌّ فِي هَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: حَظٌّ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَعْطَاكُمُ اللَّهُ جَدًّا تُنْصَرُونَ بِهِ ... لَا جَدَّ إِلَّا صَغِيرٌ بَعْدَ مُحْتَقَرِ
وَهُوَ الَّذِي تَقُولُ الْعَامَّةُ: الْبَخْتُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى مِنْهُ غِنَاهُ إِنَّمَا تَنْفَعُهُ طَاعَتُهُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: " «قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْفُقَرَاءُ وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ» "، أَيْ: أَصْحَابُ الْغِنَى فِي الدُّنْيَا مَحْبُوسُونَ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ: فَهُوَ كَقَوْلِهِ: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: الْآيَةُ ٨٨، ٨٩] وَقَوْلِهِ: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: ٣٧] [سُورَةُ سَبَأٍ: الْآيَةُ ٣٧] وَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا، وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ: الِاجْتِهَادُ، وَالْمَعْنَى: لَا يَنْفَعُ ذَا الِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ اجْتِهَادُهُ وَإِنَّمَا يَأْتِيهِ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَلَيْسَ يَرْزُقُ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ، وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ: الْجَدُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَمَعْنَاهُ الْغِنَى كَمَا نَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَوِ الْحَظُّ.
وَحَكَى الرَّاغِبُ أَنَّهُ أَبُو الْأَبِ، أَيْ: لَا يَنْفَعُ أَحَدًا نَسَبُهُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَمْرِو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْكَسْرِ، وَقَالَ مَعْنَاهُ ذَا الِاجْتِهَادِ اجْتِهَادُهُ وَأَنْكَرَهُ الطَّبَرِيُّ.
قَالَ الْقَزَّازُ: لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ نَافِعٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ الْخَلْقَ إِلَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَتَضْيِيعُ الْآخِرَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ بِمُجَرَّدِهِ حَتَّى يُقَارِنَهُ الْقَبُولُ وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ السَّعْيُ التَّامُّ فِي الْحِرْصِ أَوِ الْإِسْرَاعُ فِي الْهَرَبِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْحَظُّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ أَوِ الْوَلَدِ أَوِ الْعَظْمَةِ أَوِ السُّلْطَانِ، وَالْمَعْنَى: لَا يُنْجِيهِ حَظُّهُ مِنْكَ وَإِنَّمَا يُنْجِيهِ فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ انْتَهَى.
(مَنْ يُرِدِ اللَّهُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْإِرَادَةِ وَهِيَ صِفَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِأَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ (بِهِ خَيْرًا) أَيْ: جَمِيعَ الْخَيْرَاتِ أَوْ خَيْرًا عَظِيمًا (يُفَقِّهْهُ) أَيْ: يَجْعَلُهُ فَقِيهًا (فِي الدِّينِ) وَالْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ، وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ هُنَا أَوْلَى مِنَ الِاصْطِلَاحِيِّ لِيَعُمَّ فَهْمَ كُلِّ عَامٍّ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ، وَ " مَنْ " مَوْصُولٌ، فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ ; لِأَنَّ الْمَوْصُولَ يَتَضَمَّنُ مَعْنَاهُ، وَنَكَّرَ " خَيْرًا " لِيُفِيدَ التَّعْمِيمَ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ كَهِيَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، أَوِ التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ ; لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِيهِ ; وَلِذَا قُدِّرَ بِجَمِيعٍ أَوْ عَظِيمٍ.
(ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ) أَيْ: أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ، ظَاهِرُهُ
أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْهُ وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَيَرْوُونَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَجَمَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِجَوَازِ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» " فَأَشَارَ إِلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، فَيَجْتَمِعُ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ لِأَنَّهَا كُلَّهَا صَحِيحَةٌ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ عَوْدُ الْإِشَارَةِ لِجَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كِتَابَتَهُ إِلَى الْمُغِيرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ شَكَّ فَسَأَلَ الْمُغِيرَةَ فَأَجَابَهُ فَزَالَ بِذَلِكَ شَكُّهُ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ سَمَاعِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَكَذَا ظَهَرَ لِي، ثُمَّ رَأَيْتُ فَتْحَ الْبَارِي قَالَ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اسْتِثْبَاتَ الْمُغِيرَةِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْمُوَّطَأِ هَذَا انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِزَعْمٍ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ جَزْمِهِ بِذَلِكَ.
(مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ) قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَئِمَّةِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّ مَالِكًا أَدْخَلَهُ فِي كِتَابِهِ الْمُعْتَقَدِ صِحَّتُهُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْلُقَ (كَمَا يَنْبَغِي) أَيْ: أَحْسَنُهُ وَأَتَى بِهِ عَلَى أَفْضَلِ مَا يَكُونُ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ (الَّذِي لَا يَعْجَلُ شَيْءٌ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ) أَيْ: لَا يَسْبِقُ وَقْتَهُ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُ (حَسْبِيَ اللَّهُ) كَافِيَّ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ (وَكَفَى) بِهِ كَافٍ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا) أَيْ: أَجَابَ دُعَاءَهُ (لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى) أَيْ: غَايَةٍ يُرْمَى إِلَيْهَا، أَيْ: تُقْصَدُ بِدُعَاءٍ أَوْ أَمَلٍ أَوْ رَجَاءٍ تَشْبِيهًا بِغَايَةِ السِّهَامِ.
(مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ يُقَالُ) ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إِذَا قَالَ كَانَ يُقَالُ؛ لَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَكَذَا كَانَ مَالِكٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ جَاءَ مِنْ وُجُوهٍ حِسَانٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَغَيْرِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( «إِنَّ أَحَدًا لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ» ) الَّذِي كَتَبَ لَهُ الْمَلَكُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَلَا وَجْهَ لِلْوَلَدِ وَالْكَدِّ وَالتَّعَبِ وَالْحِرْصِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَسَمَ الرِّزْقَ وَقَدَّرُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَلَا
يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ بِحَسَبِ عِلْمِهِ تَعَالَى الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: ٣٢] [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: الْآيَةُ ٣٢] فَلَا يُعَارِضُهُ مَا وَرَدَ: «الصُّبْحَةُ تَمْنَعُ الرِّزْقَ وَالْكَذِبُ يُنْقِصُ الرِّزْقَ» ، «وَأَنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ أَنَّ الَّذِي يَمْنَعُهُ وَيُنْقِصُهُ هُوَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ أَوِ الْبَرَكَةُ، لَا أَصْلُ الرِّزْقِ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا» " ( «فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» ) بِأَنْ تَطْلُبُوهُ بِالطُّرُقِ الْجَمِيلَةِ الْمُحَلَّلَةِ بِلَا كَدٍّ وَلَا حِرْصٍ وَلَا تَهَافُتٍ عَلَى الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ أَوْ غَيْرَ مُنْكَبِّينَ عَلَيْهِ مُشْتَغِلِينَ عَنِ الْخَالِقِ الرَّازِقِ بِهِ، أَوْ بِأَنْ لَا تُعَيِّنُوا وَقْتًا وَلَا قَدْرًا لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ عَلَى اللَّهِ، أَوِ اطْلُبُوا مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ، لَا حُظُوظَ الدُّنْيَا أَوْ لَا تَسْتَعْجِلُوا الْإِجَابَةَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ» " زَادَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: " «وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» " وَلِلْبَيْهَقِيِّ وَالْعَسْكَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجْلُهُ» " وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «لَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَبْدٌ يَمُوتُ حَتَّى يَبْلُغَهُ آخِرُ الرِّزْقِ فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» " وَفِيهِ: " «أَنَّ الطَّلَبَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ» " وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَاهُ عَنْ عُمَرَ رَفَعَهُ: " «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» " فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَبِ لَا الْقُعُودِ، أَرَادَ لَوْ تَوَكَّلُوا فِي ذَهَابِهِمْ وَمَجِيئِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَعَلِمُوا أَنَّ الْخَيْرَ بِيَدِهِ وَمِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَنْصَرِفُوا إِلَّا سَالِمِينَ غَانِمِينَ كَالطَّيْرِ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى قُوَّتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ وَهَذَا خِلَافُ التَّوَكُّلِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا فِي الْقَائِلِ أَجْلِسُ لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَنِي رِزْقِي: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» " وَقَوْلَهُ: " «تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» " وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخِيلِهِمْ وَبِهِمُ الْقُدْوَةُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ الْمَرْءَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الْقَائِمِ بِاللَّيْلِ الظَّامِي بِالْهَوَاجِرِ
ــ
١٦٧٥ - ١٦٢٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي) أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الْمَرْءَ) وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ الرَّجُلَ وَالْمُرَادُ مِنْهُمَا الْإِنْسَانُ، وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ الْمُؤْمِنَ ( «لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ» ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخَلْقُ، أَيْ: بِالْفَتْحِ وَالْخُلُقُ، أَيْ: بِالضَّمِّ عِبَارَتَانِ عَنْ جُمْلَةِ الْإِنْسَانِ، فَالْخَلْقُ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَالْخُلُقُ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَتِهِ الْبَاطِنَةِ، وَالْإِشَارَةُ بِالْخُلُقِ، أَيْ: بِالضَّمِّ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَاللِّينِ وَالشِّدَّةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ وَالسَّخَاءِ وَالْبُخْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلِبَابِهَا فِي الْمَحْمُودِ وَالْمَذْمُومِ يَدُورُ عَلَى عِشْرِينَ خَصْلَةً.
(دَرَجَةَ) أَيْ: مِثْلَ دَرَجَةِ، أَيْ: مَنْزِلَةِ (الْقَائِمِ بِاللَّيْلِ) أَيْ: الْمُتَهَجِّدِ (الظَّامِي بِالْهَوَاجِرِ) أَيِ الْعَطْشَانِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ بِسَبَبِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُمَا مُجَاهِدَانِ لِأَنْفُسِهِمَا فِي مُخَالَفَةِ حِفْظِهِمَا مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّوْمِ، وَالْقِيَامُ وَالصِّيَامُ يَمْنَعَانِ مِنْ ذَلِكَ، وَالنَّفْسُ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ بِالطَّعَامِ تَتَقَوَّى وَبِالنَّوْمِ تَنْمُو، وَمِنْ حُسْنِ خُلُقِهِ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي تَحَمُّلِ أَثْقَالِ مَسَاوِئِ أَخْلَاقِ النَّاسِ، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ أَثْقَالَ غَيْرِهِ وَلَا يَحْمِلُ غَيْرُهُ أَثْقَالَهُ، وَهُوَ جِهَادٌ كَبِيرٌ، فَأَدْرَكَ مَا أَدْرَكَهُ الْقَائِمُ الصَّائِمُ فَاسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يُدْرِكُ دَرَجَةَ الْمُتَنَفِّلِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِصَبْرِهِ عَلَى الْأَذَى وَكَفِّهِ عَنْ أَذَى غَيْرِهِ وَالْمُقَارَضَةِ عَلَيْهِ؛ مَعَ سَلَامَةِ صَدْرِهِ مِنَ الْغِلِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَا يَتِمُّ لِرَجُلٍ حُسْنُ خُلُقِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَقْلُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتِمُّ إِيمَانُهُ وَيُطِيعُ رَبَّهُ وَيَعْصِي عَدُوَّهُ إِبْلِيسَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَالْحَاكِمِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ مَرْفُوعًا بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ
ــ
١٦٧٦ - ١٦٢٦ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ) مَوْقُوفًا
لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ بِشْرٍ الْكَامِلَ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، فَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا.
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّ يَحْيَى لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ سَعِيدٍ وَإِنَّمَا بَيَّنَهُمَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ كَمَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا، قَالَهُ كُلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُلَخَّصًا.
وَتَعْلِيلُ ابْنِ الْمَدِينِيِّ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فَإِنَّ يَحْيَى ثِقَةٌ حَافِظٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَلَا مَانِعَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ سَعِيدٍ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدٍ فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، كَمَا أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَ بِهِ مُرْسَلًا وَمَوْقُوفًا وَمَوْصُولًا وَأَيُّمَا كَانَ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَلَا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ يُذْكَرُ لِتَحْقِيقِ مَا بَعْدَهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، وَلَا الَّتِي لِلنَّفْيِ وَالْإِنْكَارِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّفْيُ أَفَادَ التَّحْقِيقَ، وَلِذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ بَعْدَهَا إِلَّا مَا كَانَ مَصْدَرًا بِنَحْوِ مَا يَتَلَقَّى بِهِ الْقَسَمُ وَشَقِيقَتُهَا (أَمَّا) الَّتِي هِيَ مِنْ طَلَائِعِ الْقَسَمِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ ( «أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ» ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: وَالصِّيَامِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَمَنْ بَعْدَهُ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ» " (قَالُوا: بَلَى) أَخْبِرْنَا (قَالَ: صُلْحُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ إِصْلَاحُ (ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيْ: صَلَاحُ الْحَالِ الَّتِي بَيْنَ النَّاسِ وَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ: إِصْلَاحُ أَحْوَالِ الْبَيْنِ حَتَّى تَكُونَ أَحْوَالُكُمْ أَحْوَالَ صِحَّةٍ وَأُلْفَةٍ، أَوْ هُوَ إِصْلَاحُ الْفَسَادِ وَالْفِتْنَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقَوْمِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ عُمُومِ الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ وَالْأُلْفَةِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْخَيْرِ حَتَّى أُبِيحَ فِيهِ الْكَذِبُ وَلِكَثْرَةِ مَا يَنْدَفِعُ مِنَ الْمَضَرَّةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَمَنْ بَعْدَهُ - " «فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» " بَدَلَ قَوْلِهِ ( «وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ» ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهَاءِ تَأْنِيثٍ: شِدَّةُ الْبُغْضِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْبَغْضَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَهُوَ أَيْضًا شِدَّتُهُ.
( «فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ» ) أَيِ الْخَصْلَةُ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تَحْلِقَ، أَيْ: تُهْلِكَ وَتَسْتَأْصِلَ الدِّينَ كَمَا يَسْتَأْصِلُ الْمُوسَى الشَّعْرَ، وَالْمُرَادُ
الْمُزِيلَةُ لِمَنْ وَقَعَ فِيهَا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ وَالضَّغَائِنِ، وَقَدْ زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ «أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ حَالِقَةَ الشَّعْرِ وَلَكِنَّهَا حَالِقَةُ الدِّينِ» .
قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ: أَنَّهَا لَا تُبْقِي شَيْئًا مِنَ الْحَسَنَاتِ حَتَّى تَذْهَبَ بِهَا كَمَا يَذْهَبُ الْحَلْقُ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَيَتْرُكُهُ عَارِيًا.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ أَوْضَحُ حُجَّةٍ عَلَى تَحْرِيمِ الْعَدَاوَةِ وَفَضْلُ الْمُؤَاخَاةِ وَسَلَامَةُ الصُّدُورِ مِنَ الْغِلِّ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ
ــ
١٦٧٦ - ١٦٢٧ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَالْحَاكِمُ وَالْخَرَايِطِيُّ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بُعِثْتُ» ) وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّمَا بُعِثْتُ (لِأُتَمِّمَ حَسَنَ) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَكَارِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: صَالِحَ (الْأَخْلَاقِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَتِ الْعَرَبُ أَحْسَنَ النَّاسِ أَخْلَاقًا بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانُوا ضَلُّوا بِالْكُفْرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا فَبُعِثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ بِبَيَانِ مَا ضَلُّوا عَنْهُ وَبِمَا خُصَّ بِهِ فِي شَرْعِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاحُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ وَالدِّينُ وَالْفَضْلُ وَالْمُرُوءَةُ وَالْإِحْسَانُ وَالْعَدْلُ فَبِذَلِكَ بُعِثَ لِيُتَمِّمَهُ، قَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِتَمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَمَالِ مَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ» " وَعَزَاهُ الدَّيْلَمِيُّ لِأَحْمَدَ عَنْ مُعَاذٍ.
قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَمَا رَأَيْتُهُ فِيهِ وَالَّذِي فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ سَلَمَةَ الزُّرَقِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ»
ــ
٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ، بِالْمَدِّ
قَالَ الرَّاغِبُ: الْحَيَاءُ انْقِبَاضُ النَّفْسِ عَنِ الْقَبِيحِ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِ لِيَرْتَدِعَ عَنِ ارْتِكَابِ كُلِّ مَا يَشْتَهِي فَلَا يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ خَيْرٍ وَعِفَّةٍ، وَلِذَا لَا يَكُونُ الْمُسْتَحِي هَجَّاعًا، وَقَلَّمَا يَكُونُ الشُّجَاعُ مُسْتَحِيًا، وَقَدْ يَكُونُ لِمُطْلَقِ الِانْقِبَاضِ فِي بَعْضِ الصِّبْيَانِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ انْقِبَاضُ النَّفْسِ خَشْيَةَ ارْتِكَابِ مَا يُكْرَهُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا، وَمُقَابِلُ الْأَوَّلِ فَاسِقٌ، وَالثَّانِي مَجْنُونٌ، وَالثَّالِثُ أَبْلَهٌ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ» "، أَيْ: أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خَوْفُ الذَّمِّ بِنِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَيْهِ، قَالَ غَيْرُهُ: فَإِنْ كَانَ فِي مُحَرَّمٍ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِي مَكْرُوهٍ فَمُسْتَحَبٌّ، وَفِي مُبَاحٍ فَهُوَ الْعُرْفِيُّ، الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» " وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنَّ الْمُبَاحَ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَنَظَرَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ مَاذَا فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا وَقَعَ مِنْ الْفِتَنِ كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ»
ــ
١٦٩٥ - ١٦٤٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ شَيْخِ الْإِمَامِ رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدِ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ امْرَأَةٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ) أَيِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ (مِنَ اللَّيْلِ) وَفِي الْبُخَارِيِّ: اسْتَيْقَظَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ (فَنَظَرَ فِي أُفُقِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ، أَيْ: نَاحِيَةِ (السَّمَاءِ فَقَالَ) زَادَ الْبُخَارِيُّ: سُبْحَانَ اللَّهِ (مَاذَا) اسْتِفْهَامٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّعْظِيمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ (فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَزَائِنِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُرِيدُ مِنْ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ مِمَّا فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَخْذِهَا الْكُفْرَ وَالِاتِّسَاعِ فِي الْمَالِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ فُتِحَ مِنْ خَزَائِنِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ لَا يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ فَتْحِ تِلْكَ الْخَزَائِنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَتْحُ خَزَائِنِ الْفِتَنِ، فَوَقَعَ بَعْضُ مَا كَانَ فِيهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
(وَمَاذَا وَقَعَ مِنَ الْفِتَنِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَا يُفْتِنُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَيُحْتَمَلُ الْفِتَنُ الَّتِي حَدَثَتْ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَفَسَادِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَالشَّيْءُ قَدْ يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا لِأَنَّ مَا يُفْتَحُ مِنَ الْخَزَائِنِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتَنِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَكَأَنَّهُ فُهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَزَائِنِ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فُتِحَ عَلَى الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ الْمُغَايِرَةَ بَيْنَ الْخَزَائِنِ وَالْفِتَنِ وَاضِحٌ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ، فَكَمْ مِنْ نَائِلٍ مِنْ تِلْكَ الْخَزَائِنِ سَالِمٌ مِنَ الْفِتَنِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَبَّرَ عَنِ الرَّحْمَةِ بِالْخَزَائِنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} [الإسراء: ١٠٠] [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١٠٠] وَعَنِ الْعَذَابِ بِالْفِتَنِ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابُهُ. انْتَهَى.
قَالَ شَيْخُنَا عَلَّامَةُ الدُّنْيَا: مَا الْمَانِعُ مِنْ بَقَاءِ الْخَزَائِنِ عَلَى ظَاهِرِهَا حَيْثُ أُرِيدَ بِهَا خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْآيَةُ لَا تُنَافِيهِ، وَبِتَقْدِيرِ جَعْلِ الْآيَةِ كِنَايَةً عَنِ الرَّحْمَةِ لِخُصُوصِيَّةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِنَ التَّفْسِيرِ - لَا تُنَافِيهِ أَيْضًا، وَكَذَا بَقَاءُ الْفِتَنِ عَلَى ظَاهِرِهَا حَيْثُ أُرِيدَ بِهَا مَا وَقَعَ مِنَ الْفِتَنِ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ تَرْغِيبٍ فِي الصَّبْرِ عَلَى قِلَّةِ الْمَالِ لِفُقَرَائِهِمْ حُمِلَتِ الْخَزَائِنُ عَلَى الرَّحْمَةِ بِمَعْنَى الْأَرْزَاقِ
الْحَاصِلَةِ فِيهَا، وَمَقَامَ تَخْوِيفٍ؛ حُمِلَتِ الْفِتَنُ عَلَى الْعَذَابِ، وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى (كَمْ مِنْ) نَفْسٍ (كَاسِيَةٍ) لَابِسَةٍ (فِي الدُّنْيَا) أَثْوَابًا رَقِيقَةً لَا تَمْنَعُ إِدْرَاكَ الْبَشَرَةِ أَوْ نَفِيسَةً (عَارِيَةٌ) بِخِفَّةِ الْيَاءِ وَالْجَرِّ وَالرَّفْعِ، أَيْ: وَهِيَ عَارِيَةٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: فِي الْحَشْرِ إِذَا كُسِيَ أَهْلُ الصَّلَاحِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيُحْتَمَلُ عَارِيَةً مِنَ الْحَسَنَاتِ (أَيْقِظُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: نَبِّهُوا (صَوَاحِبَ الْحُجَرِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ وَهِيَ مَنَازِلُ أَزْوَاجِهِ، وَخَصَّهُنَّ بِالْإِيقَاظِ لِأَنَّهُنَّ الْحَاضِرَاتُ حِينَئِذٍ، أَوْ مِنْ بَابِ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ، وَأَرَادَ أَنْ يُوقِظَهُنَّ لِلصَّلَاةِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا، وَلِئَلَّا يَكُونَ مِنَ الْغَافِلِينَ فِيهَا وَيَعْتَمِدْنَ عَلَى كَوْنِهِنَّ أَزْوَاجَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ: إِيقَاظُ الرَّجُلِ أَهَّلَهُ بِاللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ أَمْرٍ يَحْدُثُ، وَالْإِسْرَاعُ إِلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ خَشْيَةُ الشَّرِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: ٤٥] [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٤٥] وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَمَرَ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ الشَّارِبَ وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ يَا رَبِّ مَا هَذَا فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا
قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلُ بِنَفْسِهِ
ــ
١٧١٠ - ١٦٦٠ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ الْمَخْزُومِيِّ) ، وَصَلَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ» ) ، يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ.
( «وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ» ) - بِهَمْزَةِ وَصْلٍ - رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ» " - بِخِفَّةِ الدَّالِ - اسْمُ آلَةِ النَّجَّارِ، يَعْنِي: الْفَأْسَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَرُوِيَ بِشَدِّهَا، وَأَنْكَرَهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَبَّةَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِتَانُ، وَهُوَ أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّشْدِيدِ: قَرْيَةٌ بِالشَّامِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ، وَإِرَادَةُ الْآلَةِ كَمَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ، وَأَنْكَرَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْمَوْضِعَ وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَافِظُ مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ أَبِي يَعْلَى: " «أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْخِتَانِ فَاخْتَتَنَ بِقَدُومٍ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: عَجَّلْتَ قَبْلَ أَنْ نَأْمُرَكَ بِآلَتِهِ قَالَ: يَا رَبِّ كَرِهْتُ أَنْ أُؤَخِّرَ أَمْرَكَ» " وَجُمِعَ بِأَنَّهُ اخْتَتَنَ بِالْآلَةِ وَفِي الْمَوْضِعِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَابْنِ السَّمَّاكِ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا عَنْهُ مَرْفُوعًا: " وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ "، وَزَادُوا: وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَأُعِلَّ بِأَنَّ عُمُرَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَرُدَّ بِأَنَّ مِثْلَهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنِ سَعْدٍ، وَالْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَصَحَّحَاهُ، وَأَبِي الشَّيْخِ فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادُوا أَيْضًا: " وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ "، فَعَلَى هَذَا عَاشَ مِائَتَيْنِ، وَجُمِعَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ حَسَبَ مِنْ مُنْذُ نُبُوَّتِهِ، وَالثَّانِيَ حَسَبَ مِنْ مَوْلِدِهِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ مِنْ وَقْتِ فِرَاقِ قَوْمِهِ وَهِجْرَتِهِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، أَيْ مِنْ مَوْلِدِهِ، وَبِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ رَأَى مِائَةً وَعِشْرِينَ، فَظَنَّهَا إِلَّا عِشْرِينَ، أَوْ عَكْسَهُ، وَالْأَوَّلَانِ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَوْهِيمُ الرُّوَاةِ بِلَا دَاعِيَةٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِدُونِ تَوْهِيمِهِمْ.
وَفِي التَّمْهِيدِ تَوَاتَرَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَتَنَ إِسْمَاعِيلَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَإِسْحَاقَ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَكَرِهَ جَمْعَ الْخِتَانِ يَوْمَ السَّابِعِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَتَرَى أَنْ تَخْتِنَ الصَّبِيَّ يَوْمَ السَّابِعِ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْيَهُودِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ إِلَّا حَدِيثًا، قُلْتُ: فَمَا حَدُّ خِتَانِهِ؟ قَالَ: إِذَا أُدِّبَ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: عَشْرُ سِنِينَ، أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
( «وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا؟ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» ) : هَذَا
(وَقَارٌ) حِلْمٌ، وَرَزَانَةٌ (يَا إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا) ، فَالشَّيْبُ مَمْدُوحٌ.
وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورُ الْإِسْلَامِ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَفَعَهُ: " «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، زَادَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى: " مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا "، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ مَرْفُوعًا: " «الشَّيْبُ نُورُ الْمُؤْمِنِ، لَا يَشِيبُ رَجُلٌ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِكُلِّ شَيْبَةٍ حَسَنَةٌ، وَرُفِعَ بِهَا دَرَجَةً» "، وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الشَّيْبُ نُورٌ، مَنْ خَلَعَ الشَّيْبَ، فَقَدْ خَلَعَ نُورَ الْإِسْلَامِ» "، وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْهُ رَفَعَهُ: " «أَيُّمَا رَجُلٍ نَتَفَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ مُتَعَمِّدًا صَارَتْ رُمْحًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُطْعَنُ بِهِ» "، وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ «عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ» ، فَقَالَ الْحَافِظُ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ حُسْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اه.
وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تَعَجُّبِ ابْنِ الْأَثِيرِ مِنْ جَعْلِ أَنَسٍ الشَّيْبَ عَيْبًا، وَتَعَسُّفِهِ الْجَمْعَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا رَأَى أَبَا قُحَافَةَ وَرَأْسُهُ كَالثَّغَامَةِ أَمَرَهُمْ بِتَغْيِيرِهِ وَكَرِهَهُ، فَلَمَّا عَلَمَ أَنَسٌ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ قَالَ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَحَمْلًا لَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، يَعْنِي كَرَاهَةَ الشَّيْبِ، وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ الْآخَرَ وَلَعَلَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ فَإِنَّ فِي نَفْيِهِ نَظَرًا، إِذْ أَنَسٌ قَدْ رَوَى بَعْضَ أَحَادِيثِ مَدْحِهِ كَمَا رَأَيْتَ، وَكَذَا فِي تَرَجِّيهِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدٍ: وَأَوَّلَ مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ وَأَوَّلَ مَنِ اسْتَحَدَّ.
وَزَادَ وَكِيعٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَأَوَّلَ مَنْ تَسَرْوَلَ، وَأَوَّلَ مَنْ فَرَّقَ، وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتْمِ» "، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ: " «أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ» "، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "، وَلَهُ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ: " «أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَتَّبَ الْعَسْكَرَ فِي الْحَرْبِ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَلْبًا» ".
وَلِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الرَّمْيِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ «أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ الْقِسِيَّ» "، وَلَهُ فِي كِتَابِ الْإِخْوَانِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مَرْفُوعًا: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَانَقَ "، وَلِابْنِ سَعْدٍ: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ثَرَدَ الثَّرِيدَ "، وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ مَرْفُوعًا: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْخُبْزَ الْمُبَلْقَسَ "، وَلِأَحْمَدَ فِي الزُّهْدِ عَنْ مُطَرِّفٍ: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَاغَمَ " (مَالِكٌ: يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ) : يَظْهَرَ (طَرَفُ الشَّفَةِ) ظُهُورًا بَيِّنًا، (وَهُوَ الْإِطَارُ) بِزِنَةِ كِتَابٍ ; أَيِ اللَّحْمُ الْمُحِيطُ بِالشَّفَةِ (وَلَا يَجُزُّهُ) - بِضَمِّ الْجِيمِ - يَقْطَعُهُ، (فَيُمَثِّلُ بِنَفْسِهِ) ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ: " يُحْفِي الشَّوَارِبَ وَيُعْفِي
اللِّحَى "، وَلَيْسَ إِحْفَاءُ الشَّارِبِ حَلْقَهُ، وَأَرَى تَأْدِيبَ مَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ.
وَقَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ: إِنَّ حَلْقَهُ بِدْعَةٌ، وَأَرَى أَنْ يُوجَعَ ضَرْبًا مَنْ فَعَلَهُ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اسْتِحْبَابِ حَلْقِهِ كُلِّهِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: " «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» "، وَرُدَّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَزِيلُوا مَا طَالَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي الْآكِلَ، وَلَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْوَسَخُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَتَفْسِيرُ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِحْفَاءِ الشَّارِبِ إِنَّمَا هُوَ الْإِطَارُ يَعْنِي لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: " قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَعَبَّرَ بِمَنِ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَسْتَأْصِلُهُ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ نَجِدْ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ رَأَيْنَاهُمْ مِنْهُمْ: الرَّبِيعُ وَالْمُزَنِيُّ يُحْفِيَا شَارِبَهُمَا، وَمَا أَظُنُّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ إِلَّا عَنْهُ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، فَعِنْدَهُمُ الْإِحْفَاءُ فِي الرَّأْسِ وَالشَّارِبِ، أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ.
وَذَكَرَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادَ عَنِ الشَّافِعِيِّ كَالْحَنَفِيِّ سَوَاءً، وَقَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ يُحْفِي شَارِبَهُ شَدِيدًا وَيَقُولُ: هُوَ السُّنَّةُ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَّبِعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ فَقَالَ عُمَرُ كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَكَلْتُ سَمْنًا وَلَا لُكْتُ أَكْلًا بِهِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ لَا آكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ
ــ
١٧٣٥ - ١٦٨٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) - لَمْ يُسَمِّ - (فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَّبِعُ) - بِشَدِّ الْفَوْقِيَّةِ - (بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ) - بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ - وَسَخَ (الصَّحْفَةِ) : مَا يَعْلَقُ بِهِ مِنْ أَثَرِ السَّمْنِ، (فَقَالَ عُمَرُ: كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ) - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَإِسْكَانِ الْقَافِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ -: أَيْ لَا أُدْمَ عِنْدَكَ، (فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَكَلْتُ سَمْنًا، وَلَا رَأَيْتُ أَكْلًا بِهِ مُنْدُ كَذَا وَكَذَا) مُدَّةً عَيَّنَهَا، (فَقَالَ عُمَرُ: لَا آكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ) ، أَيْ يُصِيبَهُمُ الْخَصْبُ، وَالْمَطَرُ (مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ) حَتَّى لَا أَمْتَازَ عَلَيْهِمْ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ إِنَّ لِي يَتِيمًا وَلَهُ إِبِلٌ أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلُطُّ حَوْضَهَا وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ
ــ
١٧٣٩ - ١٦٩٠ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعْدٍ) الْأَنْصَارِيِّ: (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ) بْنِ الصِّدِّيقِ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي يَتِيمًا) أَقُومُ عَلَيْهِ، (وَلَهُ إِبِلٌ، أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي) : تَطْلُبُ (ضَالَّةَ إِبِلِهِ) ، أَيْ مَا ضَلَّ مِنْهَا، (وَتَهْنَأُ) - بِالْهَمْزِ -: تُطْلِي، (جَرْبَاهَا) بِالْهِنَاءِ بِزِنَةِ كِتَابٍ الْقَطِرَانُ، (وَتَلَطُّ) - بِفَتْحِ اللَّامِ، وَشَدِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ -: (حَوْضَهَا) ، أَيْ تُمَدِّدُهُ، وَتُطَيِّنُهُ، وَتُصْلِحُهُ، وَأَصْلُ اللَّوْطِ: اللُّصُوقُ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ، (وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا) ، أَيْ شُرْبِهَا، (فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ) ، أَيْ بِوَلَدِهَا الرَّضِيعِ، (وَلَا نَاهِكٍ) ، أَيْ مُسْتَأْصِلٍ (فِي الْحَلْبِ) : اللَّبَنَ حَتَّى يَضُرَّ بِهَا، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْحَلَبُ - بِفَتْحِ اللَّامِ -: اللَّبَنُ، وَبِتَسْكِينِهَا: الْفِعْلُ.
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: أَيْ وَلَا مُبَالِغٍ فِيهِ حَتَّى يَضُرَّ ذَلِكَ بِهَا، وَقَدْ نَهَكْتَ النَّاقَةَ حَلْبًا، إِذَا تَقَصَّيْتَهَا وَلَمْ تُبْقِ فِي ضَرْعِهَا لَبَنًا.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَلَيْكَ أَلْفًا ثُمَّ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ إِذَا دُخِلَ الْبَيْتُ غَيْرُ الْمَسْكُونِ يُقَالُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ
ــ
١٧٩٤ - ١٧٤٨ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ) ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: مَعْنَاهُ الَّتِي تَغْدُو وَتَرُوحُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ الْحَفَظَةَ الْغَادِيَةَ الرَّائِحَةَ، لِتَكْتُبَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ.
(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَعَلَيْكَ أَلْفًا) مَا قُلْتَ، (ثُمَّ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ) ; لِأَنَّهُ اسْتِظْهَارٌ عَلَى الشَّرْعِ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: " «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ أَتَى آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ لَهُ: وَعَلَيْكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَتَاكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَسَلَّمَا عَلَيْكَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّك لَمْ تَدَعْ لَنَا شَيْئًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: ٨٦] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةَ: ٨٦) ، فَرَدَدْنَا عَلَيْكَ» .
(مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ غَيْرَ الْمَسْكُونِ يُقَالُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) .
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيَّ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا وَهُوَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفَ
ــ
١٦٥٤ - ١٦٠٦ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ ; لِأَنَّ يَحْيَى تَابِعِيٌّ سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَحَادِيثَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَإِنْ عَاصَرَهُ لَكِنْ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ شُيُوخِ مَالِكٍ.
(أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَقِيلَ: بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ) بِتَحْتِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ لَهُ صُحْبَةٌ وَأَبُوهُ صَحَابِيُّ شَهِيرٌ (الْمَخْزُومِيَّ) (فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ تَمْرًا وَزَبِيبًا طُرِحَ فِي مَاءٍ (وَهُوَ بِطْرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ: إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) لِأَنَّهُ حُلْوٌ بَارِدٌ وَكَانَ الْمُصْطَفَى يُحِبُّ الْحُلْوَ الْبَارِدَ (فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا) كَبِيرًا (فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدِهِ) أَيْ: عُمَرَ (فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا) الَّذِي فِي الْقَدَحِ (لَشَرَابٌ طَيِّبٌ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ) عَمَلًا بِالسُّنَّةِ (فَلَمَّا أَدْبَرَ) وَلَّى (عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ) دَعَاهُ (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: أَأَنْتَ) بِهَمْزَتَيْنِ أُولَاهُمَا لِلِاسْتِفْهَامِ (الْقَائِلُ: لَمَكَّةُ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ (خَيْرٌ) أَفْضَلُ (مِنَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَلَتْ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ) الْكَعْبَةُ وَمَا أُضِيفَ لِلَّهِ خَيْرٌ مِمَّا أُضِيفَ إِلَى رَسُولِهِ (فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا) يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَلَمْ أَسْأَلْكَ عَنْهُ إِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنِ الْبَلَدَيْنِ (ثُمَّ قَالَ عُمَرُ) ثَانِيًا لِيَنْظُرَ هَلْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إِلَى مُوَافَقَةِ عُمَرَ فِي تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ (أَأَنَّتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ: (فَقُلْتُ: هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ) الْكَعْبَةُ (فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفَ) عَبْدُ اللَّهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ اجْتِهَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُوَافَقَةِ الْآخَرِ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ أَيُّ الْبَلَدَيْنِ أَفْضَلُ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ
حَبِيبٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَذَهَبَ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ سِوَى مَنْ ذُكِرَ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ بِتَسَاوِي الْبَلَدَيْنِ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي الْحُجَجِ الْمُبَيَّنَةِ: الْمُخْتَارُ الْوَقْفُ عَنِ التَّفْضِيلِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ بَلِ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا تَأَمَّلَ ذُو الْبَصِيرَةِ لَمْ يَجِدْ فَضْلًا أُعْطِيَتْهُ مَكَّةُ إِلَّا وَأُعْطِيَتِ الْمَدِينَةُ نَظِيرَهُ وَأَعْلَى مِنْهُ، وَجَزَمَ فِي خَصَائِصِهِ بِأَنَّ الْمُخْتَارَ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا عَدَا الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ أَفْضَلُ إِجْمَاعًا مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَيَلِيهَا الْكَعْبَةُ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ وَإِلَيْهِ يُومِئُ كَلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ»
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي الَّذِي لَا يَعْجَلُ شَيْءٌ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَكَفَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ إِنَّ أَحَدًا لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ
ــ
١٦٦٧ - ١٦١٩ - (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ) بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ الْمَخْزُومِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ الثِّقَةُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ) الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الْعَالِمِ وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ وَوَهِمَ مَنْ قَالَ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ، فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ لَمْ يَنْبُتُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، مَاتَ مُحَمَّدٌ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: قَبْلَهَا.
(قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ) وَلِبَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ كَمَا أَفَادَهُ أَبُو عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ (بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) النَّبَوِيِّ عَامَ حَجَّ فِي خِلَافَتِهِ ( «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ» ) أَيْ: لِمَا أَرَادَ إِعْطَاءَهُ، وَإِلَّا فَبَعْدَ الْإِعْطَاءِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ لَا مَانِعَ لَهُ إِذِ الْوَاقِعُ لَا يَرْتَفِعُ.
( «وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ» ) أَيْ: لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ وَ " مَا " مَوْصُولَةٌ، وَجُمْلَةُ " أَعْطَى " صِلَةُ " مَا "، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيِ: الَّذِي أَعْطَاهُ وَمَنَعَهُ، وَقِيلَ: لَا مَانِعَ اسْمُ نَكِرَةٍ مَبْنِيٌّ مَعَ لَا وَخَبَرُهَا الِاسْتِقْرَارُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْمَجْرُورُ، أَوِ الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا عَلَى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ فَيَتَعَلَّقُ حَرْفُ الْجَرِّ بِمَانِعٍ، قِيلَ: فَيَجِبُ نَصْبُهُ وَتَنْوِينُهُ ; لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ وَالرِّوَايَةُ عَلَى بِنَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ، وَوُجِّهَتْ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَ خَبَرِ " لَا مَانِعَ " مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَا مَانِعَ لَنَا لِمَا أَعْطَى، فَيَتَعَلَّقُ بِالْكَوْنِ الْمُقَدَّرِ لَا بِمَانِعٍ، كَمَا قِيلَ فِي: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ} [الأنفال: ٤٨] [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: الْآيَةُ ٤٨] أَوْ يُقَدَّرُ لَا مَانِعَ يَمْنَعُ لِمَا أَعْطَى فَيَتَعَلَّقُ بِ " يَمْنَعُ " وَيَكُونُ " يَمْنَعُ " خَبَرُ " لَا " عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ.
( «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ» ) بِفَتْحِ الْجِيمِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمِنْهُ يَتَعَلَّقُ بِ " يَنْفَعُ "، أَيْ: لَا يَنْفَعُ صَاحِبَ الْحَظِّ مِنْ نُزُولِ عَذَابِهِ - حَظُّهُ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ الصَّالِحُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْحَظُّ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: لِفُلَانٍ جَدٌّ فِي هَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: حَظٌّ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَعْطَاكُمُ اللَّهُ جَدًّا تُنْصَرُونَ بِهِ ... لَا جَدَّ إِلَّا صَغِيرٌ بَعْدَ مُحْتَقَرِ
وَهُوَ الَّذِي تَقُولُ الْعَامَّةُ: الْبَخْتُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى مِنْهُ غِنَاهُ إِنَّمَا تَنْفَعُهُ طَاعَتُهُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: " «قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْفُقَرَاءُ وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ» "، أَيْ: أَصْحَابُ الْغِنَى فِي الدُّنْيَا مَحْبُوسُونَ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ: فَهُوَ كَقَوْلِهِ: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: الْآيَةُ ٨٨، ٨٩] وَقَوْلِهِ: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: ٣٧] [سُورَةُ سَبَأٍ: الْآيَةُ ٣٧] وَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا، وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ: الِاجْتِهَادُ، وَالْمَعْنَى: لَا يَنْفَعُ ذَا الِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ اجْتِهَادُهُ وَإِنَّمَا يَأْتِيهِ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَلَيْسَ يَرْزُقُ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ، وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ: الْجَدُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَمَعْنَاهُ الْغِنَى كَمَا نَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَوِ الْحَظُّ.
وَحَكَى الرَّاغِبُ أَنَّهُ أَبُو الْأَبِ، أَيْ: لَا يَنْفَعُ أَحَدًا نَسَبُهُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَمْرِو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْكَسْرِ، وَقَالَ مَعْنَاهُ ذَا الِاجْتِهَادِ اجْتِهَادُهُ وَأَنْكَرَهُ الطَّبَرِيُّ.
قَالَ الْقَزَّازُ: لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ نَافِعٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ الْخَلْقَ إِلَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَتَضْيِيعُ الْآخِرَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ بِمُجَرَّدِهِ حَتَّى يُقَارِنَهُ الْقَبُولُ وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ السَّعْيُ التَّامُّ فِي الْحِرْصِ أَوِ الْإِسْرَاعُ فِي الْهَرَبِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْحَظُّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ أَوِ الْوَلَدِ أَوِ الْعَظْمَةِ أَوِ السُّلْطَانِ، وَالْمَعْنَى: لَا يُنْجِيهِ حَظُّهُ مِنْكَ وَإِنَّمَا يُنْجِيهِ فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ انْتَهَى.
(مَنْ يُرِدِ اللَّهُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْإِرَادَةِ وَهِيَ صِفَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِأَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ (بِهِ خَيْرًا) أَيْ: جَمِيعَ الْخَيْرَاتِ أَوْ خَيْرًا عَظِيمًا (يُفَقِّهْهُ) أَيْ: يَجْعَلُهُ فَقِيهًا (فِي الدِّينِ) وَالْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ، وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ هُنَا أَوْلَى مِنَ الِاصْطِلَاحِيِّ لِيَعُمَّ فَهْمَ كُلِّ عَامٍّ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ، وَ " مَنْ " مَوْصُولٌ، فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ ; لِأَنَّ الْمَوْصُولَ يَتَضَمَّنُ مَعْنَاهُ، وَنَكَّرَ " خَيْرًا " لِيُفِيدَ التَّعْمِيمَ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ كَهِيَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، أَوِ التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ ; لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِيهِ ; وَلِذَا قُدِّرَ بِجَمِيعٍ أَوْ عَظِيمٍ.
(ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ) أَيْ: أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ، ظَاهِرُهُ
أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْهُ وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَيَرْوُونَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَجَمَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِجَوَازِ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» " فَأَشَارَ إِلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، فَيَجْتَمِعُ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ لِأَنَّهَا كُلَّهَا صَحِيحَةٌ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ عَوْدُ الْإِشَارَةِ لِجَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كِتَابَتَهُ إِلَى الْمُغِيرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ شَكَّ فَسَأَلَ الْمُغِيرَةَ فَأَجَابَهُ فَزَالَ بِذَلِكَ شَكُّهُ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ سَمَاعِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَكَذَا ظَهَرَ لِي، ثُمَّ رَأَيْتُ فَتْحَ الْبَارِي قَالَ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اسْتِثْبَاتَ الْمُغِيرَةِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْمُوَّطَأِ هَذَا انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِزَعْمٍ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ جَزْمِهِ بِذَلِكَ.
(مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ) قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَئِمَّةِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّ مَالِكًا أَدْخَلَهُ فِي كِتَابِهِ الْمُعْتَقَدِ صِحَّتُهُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْلُقَ (كَمَا يَنْبَغِي) أَيْ: أَحْسَنُهُ وَأَتَى بِهِ عَلَى أَفْضَلِ مَا يَكُونُ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ (الَّذِي لَا يَعْجَلُ شَيْءٌ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ) أَيْ: لَا يَسْبِقُ وَقْتَهُ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُ (حَسْبِيَ اللَّهُ) كَافِيَّ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ (وَكَفَى) بِهِ كَافٍ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا) أَيْ: أَجَابَ دُعَاءَهُ (لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى) أَيْ: غَايَةٍ يُرْمَى إِلَيْهَا، أَيْ: تُقْصَدُ بِدُعَاءٍ أَوْ أَمَلٍ أَوْ رَجَاءٍ تَشْبِيهًا بِغَايَةِ السِّهَامِ.
(مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ يُقَالُ) ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إِذَا قَالَ كَانَ يُقَالُ؛ لَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَكَذَا كَانَ مَالِكٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ جَاءَ مِنْ وُجُوهٍ حِسَانٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَغَيْرِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( «إِنَّ أَحَدًا لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ» ) الَّذِي كَتَبَ لَهُ الْمَلَكُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَلَا وَجْهَ لِلْوَلَدِ وَالْكَدِّ وَالتَّعَبِ وَالْحِرْصِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَسَمَ الرِّزْقَ وَقَدَّرُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَلَا
يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ بِحَسَبِ عِلْمِهِ تَعَالَى الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: ٣٢] [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: الْآيَةُ ٣٢] فَلَا يُعَارِضُهُ مَا وَرَدَ: «الصُّبْحَةُ تَمْنَعُ الرِّزْقَ وَالْكَذِبُ يُنْقِصُ الرِّزْقَ» ، «وَأَنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ أَنَّ الَّذِي يَمْنَعُهُ وَيُنْقِصُهُ هُوَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ أَوِ الْبَرَكَةُ، لَا أَصْلُ الرِّزْقِ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا» " ( «فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» ) بِأَنْ تَطْلُبُوهُ بِالطُّرُقِ الْجَمِيلَةِ الْمُحَلَّلَةِ بِلَا كَدٍّ وَلَا حِرْصٍ وَلَا تَهَافُتٍ عَلَى الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ أَوْ غَيْرَ مُنْكَبِّينَ عَلَيْهِ مُشْتَغِلِينَ عَنِ الْخَالِقِ الرَّازِقِ بِهِ، أَوْ بِأَنْ لَا تُعَيِّنُوا وَقْتًا وَلَا قَدْرًا لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ عَلَى اللَّهِ، أَوِ اطْلُبُوا مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ، لَا حُظُوظَ الدُّنْيَا أَوْ لَا تَسْتَعْجِلُوا الْإِجَابَةَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ» " زَادَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: " «وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» " وَلِلْبَيْهَقِيِّ وَالْعَسْكَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجْلُهُ» " وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «لَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَبْدٌ يَمُوتُ حَتَّى يَبْلُغَهُ آخِرُ الرِّزْقِ فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» " وَفِيهِ: " «أَنَّ الطَّلَبَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ» " وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَاهُ عَنْ عُمَرَ رَفَعَهُ: " «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» " فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَبِ لَا الْقُعُودِ، أَرَادَ لَوْ تَوَكَّلُوا فِي ذَهَابِهِمْ وَمَجِيئِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَعَلِمُوا أَنَّ الْخَيْرَ بِيَدِهِ وَمِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَنْصَرِفُوا إِلَّا سَالِمِينَ غَانِمِينَ كَالطَّيْرِ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى قُوَّتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ وَهَذَا خِلَافُ التَّوَكُّلِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا فِي الْقَائِلِ أَجْلِسُ لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَنِي رِزْقِي: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» " وَقَوْلَهُ: " «تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» " وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخِيلِهِمْ وَبِهِمُ الْقُدْوَةُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ الْمَرْءَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الْقَائِمِ بِاللَّيْلِ الظَّامِي بِالْهَوَاجِرِ
ــ
١٦٧٥ - ١٦٢٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي) أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الْمَرْءَ) وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ الرَّجُلَ وَالْمُرَادُ مِنْهُمَا الْإِنْسَانُ، وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ الْمُؤْمِنَ ( «لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ» ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخَلْقُ، أَيْ: بِالْفَتْحِ وَالْخُلُقُ، أَيْ: بِالضَّمِّ عِبَارَتَانِ عَنْ جُمْلَةِ الْإِنْسَانِ، فَالْخَلْقُ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَالْخُلُقُ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَتِهِ الْبَاطِنَةِ، وَالْإِشَارَةُ بِالْخُلُقِ، أَيْ: بِالضَّمِّ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَاللِّينِ وَالشِّدَّةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ وَالسَّخَاءِ وَالْبُخْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلِبَابِهَا فِي الْمَحْمُودِ وَالْمَذْمُومِ يَدُورُ عَلَى عِشْرِينَ خَصْلَةً.
(دَرَجَةَ) أَيْ: مِثْلَ دَرَجَةِ، أَيْ: مَنْزِلَةِ (الْقَائِمِ بِاللَّيْلِ) أَيْ: الْمُتَهَجِّدِ (الظَّامِي بِالْهَوَاجِرِ) أَيِ الْعَطْشَانِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ بِسَبَبِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُمَا مُجَاهِدَانِ لِأَنْفُسِهِمَا فِي مُخَالَفَةِ حِفْظِهِمَا مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّوْمِ، وَالْقِيَامُ وَالصِّيَامُ يَمْنَعَانِ مِنْ ذَلِكَ، وَالنَّفْسُ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ بِالطَّعَامِ تَتَقَوَّى وَبِالنَّوْمِ تَنْمُو، وَمِنْ حُسْنِ خُلُقِهِ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي تَحَمُّلِ أَثْقَالِ مَسَاوِئِ أَخْلَاقِ النَّاسِ، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ أَثْقَالَ غَيْرِهِ وَلَا يَحْمِلُ غَيْرُهُ أَثْقَالَهُ، وَهُوَ جِهَادٌ كَبِيرٌ، فَأَدْرَكَ مَا أَدْرَكَهُ الْقَائِمُ الصَّائِمُ فَاسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يُدْرِكُ دَرَجَةَ الْمُتَنَفِّلِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِصَبْرِهِ عَلَى الْأَذَى وَكَفِّهِ عَنْ أَذَى غَيْرِهِ وَالْمُقَارَضَةِ عَلَيْهِ؛ مَعَ سَلَامَةِ صَدْرِهِ مِنَ الْغِلِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَا يَتِمُّ لِرَجُلٍ حُسْنُ خُلُقِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَقْلُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتِمُّ إِيمَانُهُ وَيُطِيعُ رَبَّهُ وَيَعْصِي عَدُوَّهُ إِبْلِيسَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَالْحَاكِمِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ مَرْفُوعًا بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ
ــ
١٦٧٦ - ١٦٢٦ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ) مَوْقُوفًا
لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ بِشْرٍ الْكَامِلَ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، فَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا.
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّ يَحْيَى لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ سَعِيدٍ وَإِنَّمَا بَيَّنَهُمَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ كَمَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا، قَالَهُ كُلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُلَخَّصًا.
وَتَعْلِيلُ ابْنِ الْمَدِينِيِّ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فَإِنَّ يَحْيَى ثِقَةٌ حَافِظٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَلَا مَانِعَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ سَعِيدٍ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدٍ فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، كَمَا أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَ بِهِ مُرْسَلًا وَمَوْقُوفًا وَمَوْصُولًا وَأَيُّمَا كَانَ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَلَا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ يُذْكَرُ لِتَحْقِيقِ مَا بَعْدَهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، وَلَا الَّتِي لِلنَّفْيِ وَالْإِنْكَارِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّفْيُ أَفَادَ التَّحْقِيقَ، وَلِذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ بَعْدَهَا إِلَّا مَا كَانَ مَصْدَرًا بِنَحْوِ مَا يَتَلَقَّى بِهِ الْقَسَمُ وَشَقِيقَتُهَا (أَمَّا) الَّتِي هِيَ مِنْ طَلَائِعِ الْقَسَمِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ ( «أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ» ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: وَالصِّيَامِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَمَنْ بَعْدَهُ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ» " (قَالُوا: بَلَى) أَخْبِرْنَا (قَالَ: صُلْحُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ إِصْلَاحُ (ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيْ: صَلَاحُ الْحَالِ الَّتِي بَيْنَ النَّاسِ وَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ: إِصْلَاحُ أَحْوَالِ الْبَيْنِ حَتَّى تَكُونَ أَحْوَالُكُمْ أَحْوَالَ صِحَّةٍ وَأُلْفَةٍ، أَوْ هُوَ إِصْلَاحُ الْفَسَادِ وَالْفِتْنَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقَوْمِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ عُمُومِ الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ وَالْأُلْفَةِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْخَيْرِ حَتَّى أُبِيحَ فِيهِ الْكَذِبُ وَلِكَثْرَةِ مَا يَنْدَفِعُ مِنَ الْمَضَرَّةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَمَنْ بَعْدَهُ - " «فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» " بَدَلَ قَوْلِهِ ( «وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ» ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهَاءِ تَأْنِيثٍ: شِدَّةُ الْبُغْضِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْبَغْضَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَهُوَ أَيْضًا شِدَّتُهُ.
( «فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ» ) أَيِ الْخَصْلَةُ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تَحْلِقَ، أَيْ: تُهْلِكَ وَتَسْتَأْصِلَ الدِّينَ كَمَا يَسْتَأْصِلُ الْمُوسَى الشَّعْرَ، وَالْمُرَادُ
الْمُزِيلَةُ لِمَنْ وَقَعَ فِيهَا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ وَالضَّغَائِنِ، وَقَدْ زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ «أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ حَالِقَةَ الشَّعْرِ وَلَكِنَّهَا حَالِقَةُ الدِّينِ» .
قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ: أَنَّهَا لَا تُبْقِي شَيْئًا مِنَ الْحَسَنَاتِ حَتَّى تَذْهَبَ بِهَا كَمَا يَذْهَبُ الْحَلْقُ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَيَتْرُكُهُ عَارِيًا.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ أَوْضَحُ حُجَّةٍ عَلَى تَحْرِيمِ الْعَدَاوَةِ وَفَضْلُ الْمُؤَاخَاةِ وَسَلَامَةُ الصُّدُورِ مِنَ الْغِلِّ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ
ــ
١٦٧٦ - ١٦٢٧ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَالْحَاكِمُ وَالْخَرَايِطِيُّ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بُعِثْتُ» ) وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّمَا بُعِثْتُ (لِأُتَمِّمَ حَسَنَ) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَكَارِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: صَالِحَ (الْأَخْلَاقِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَتِ الْعَرَبُ أَحْسَنَ النَّاسِ أَخْلَاقًا بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانُوا ضَلُّوا بِالْكُفْرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا فَبُعِثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ بِبَيَانِ مَا ضَلُّوا عَنْهُ وَبِمَا خُصَّ بِهِ فِي شَرْعِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاحُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ وَالدِّينُ وَالْفَضْلُ وَالْمُرُوءَةُ وَالْإِحْسَانُ وَالْعَدْلُ فَبِذَلِكَ بُعِثَ لِيُتَمِّمَهُ، قَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِتَمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَمَالِ مَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ» " وَعَزَاهُ الدَّيْلَمِيُّ لِأَحْمَدَ عَنْ مُعَاذٍ.
قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَمَا رَأَيْتُهُ فِيهِ وَالَّذِي فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ سَلَمَةَ الزُّرَقِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ»
ــ
٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ، بِالْمَدِّ
قَالَ الرَّاغِبُ: الْحَيَاءُ انْقِبَاضُ النَّفْسِ عَنِ الْقَبِيحِ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِ لِيَرْتَدِعَ عَنِ ارْتِكَابِ كُلِّ مَا يَشْتَهِي فَلَا يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ خَيْرٍ وَعِفَّةٍ، وَلِذَا لَا يَكُونُ الْمُسْتَحِي هَجَّاعًا، وَقَلَّمَا يَكُونُ الشُّجَاعُ مُسْتَحِيًا، وَقَدْ يَكُونُ لِمُطْلَقِ الِانْقِبَاضِ فِي بَعْضِ الصِّبْيَانِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ انْقِبَاضُ النَّفْسِ خَشْيَةَ ارْتِكَابِ مَا يُكْرَهُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا، وَمُقَابِلُ الْأَوَّلِ فَاسِقٌ، وَالثَّانِي مَجْنُونٌ، وَالثَّالِثُ أَبْلَهٌ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ» "، أَيْ: أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خَوْفُ الذَّمِّ بِنِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَيْهِ، قَالَ غَيْرُهُ: فَإِنْ كَانَ فِي مُحَرَّمٍ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِي مَكْرُوهٍ فَمُسْتَحَبٌّ، وَفِي مُبَاحٍ فَهُوَ الْعُرْفِيُّ، الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» " وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنَّ الْمُبَاحَ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَنَظَرَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ مَاذَا فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا وَقَعَ مِنْ الْفِتَنِ كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ»
ــ
١٦٩٥ - ١٦٤٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ شَيْخِ الْإِمَامِ رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدِ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ امْرَأَةٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ) أَيِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ (مِنَ اللَّيْلِ) وَفِي الْبُخَارِيِّ: اسْتَيْقَظَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ (فَنَظَرَ فِي أُفُقِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ، أَيْ: نَاحِيَةِ (السَّمَاءِ فَقَالَ) زَادَ الْبُخَارِيُّ: سُبْحَانَ اللَّهِ (مَاذَا) اسْتِفْهَامٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّعْظِيمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ (فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَزَائِنِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُرِيدُ مِنْ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ مِمَّا فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَخْذِهَا الْكُفْرَ وَالِاتِّسَاعِ فِي الْمَالِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ فُتِحَ مِنْ خَزَائِنِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ لَا يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ فَتْحِ تِلْكَ الْخَزَائِنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَتْحُ خَزَائِنِ الْفِتَنِ، فَوَقَعَ بَعْضُ مَا كَانَ فِيهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
(وَمَاذَا وَقَعَ مِنَ الْفِتَنِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَا يُفْتِنُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَيُحْتَمَلُ الْفِتَنُ الَّتِي حَدَثَتْ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَفَسَادِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَالشَّيْءُ قَدْ يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا لِأَنَّ مَا يُفْتَحُ مِنَ الْخَزَائِنِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتَنِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَكَأَنَّهُ فُهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَزَائِنِ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فُتِحَ عَلَى الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ الْمُغَايِرَةَ بَيْنَ الْخَزَائِنِ وَالْفِتَنِ وَاضِحٌ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ، فَكَمْ مِنْ نَائِلٍ مِنْ تِلْكَ الْخَزَائِنِ سَالِمٌ مِنَ الْفِتَنِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَبَّرَ عَنِ الرَّحْمَةِ بِالْخَزَائِنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} [الإسراء: ١٠٠] [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١٠٠] وَعَنِ الْعَذَابِ بِالْفِتَنِ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابُهُ. انْتَهَى.
قَالَ شَيْخُنَا عَلَّامَةُ الدُّنْيَا: مَا الْمَانِعُ مِنْ بَقَاءِ الْخَزَائِنِ عَلَى ظَاهِرِهَا حَيْثُ أُرِيدَ بِهَا خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْآيَةُ لَا تُنَافِيهِ، وَبِتَقْدِيرِ جَعْلِ الْآيَةِ كِنَايَةً عَنِ الرَّحْمَةِ لِخُصُوصِيَّةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِنَ التَّفْسِيرِ - لَا تُنَافِيهِ أَيْضًا، وَكَذَا بَقَاءُ الْفِتَنِ عَلَى ظَاهِرِهَا حَيْثُ أُرِيدَ بِهَا مَا وَقَعَ مِنَ الْفِتَنِ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ تَرْغِيبٍ فِي الصَّبْرِ عَلَى قِلَّةِ الْمَالِ لِفُقَرَائِهِمْ حُمِلَتِ الْخَزَائِنُ عَلَى الرَّحْمَةِ بِمَعْنَى الْأَرْزَاقِ
الْحَاصِلَةِ فِيهَا، وَمَقَامَ تَخْوِيفٍ؛ حُمِلَتِ الْفِتَنُ عَلَى الْعَذَابِ، وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى (كَمْ مِنْ) نَفْسٍ (كَاسِيَةٍ) لَابِسَةٍ (فِي الدُّنْيَا) أَثْوَابًا رَقِيقَةً لَا تَمْنَعُ إِدْرَاكَ الْبَشَرَةِ أَوْ نَفِيسَةً (عَارِيَةٌ) بِخِفَّةِ الْيَاءِ وَالْجَرِّ وَالرَّفْعِ، أَيْ: وَهِيَ عَارِيَةٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: فِي الْحَشْرِ إِذَا كُسِيَ أَهْلُ الصَّلَاحِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيُحْتَمَلُ عَارِيَةً مِنَ الْحَسَنَاتِ (أَيْقِظُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: نَبِّهُوا (صَوَاحِبَ الْحُجَرِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ وَهِيَ مَنَازِلُ أَزْوَاجِهِ، وَخَصَّهُنَّ بِالْإِيقَاظِ لِأَنَّهُنَّ الْحَاضِرَاتُ حِينَئِذٍ، أَوْ مِنْ بَابِ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ، وَأَرَادَ أَنْ يُوقِظَهُنَّ لِلصَّلَاةِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا، وَلِئَلَّا يَكُونَ مِنَ الْغَافِلِينَ فِيهَا وَيَعْتَمِدْنَ عَلَى كَوْنِهِنَّ أَزْوَاجَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ: إِيقَاظُ الرَّجُلِ أَهَّلَهُ بِاللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ أَمْرٍ يَحْدُثُ، وَالْإِسْرَاعُ إِلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ خَشْيَةُ الشَّرِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: ٤٥] [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٤٥] وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَمَرَ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ الشَّارِبَ وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ يَا رَبِّ مَا هَذَا فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا
قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلُ بِنَفْسِهِ
ــ
١٧١٠ - ١٦٦٠ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ الْمَخْزُومِيِّ) ، وَصَلَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ» ) ، يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ.
( «وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ» ) - بِهَمْزَةِ وَصْلٍ - رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ» " - بِخِفَّةِ الدَّالِ - اسْمُ آلَةِ النَّجَّارِ، يَعْنِي: الْفَأْسَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَرُوِيَ بِشَدِّهَا، وَأَنْكَرَهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَبَّةَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِتَانُ، وَهُوَ أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّشْدِيدِ: قَرْيَةٌ بِالشَّامِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ، وَإِرَادَةُ الْآلَةِ كَمَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ، وَأَنْكَرَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْمَوْضِعَ وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَافِظُ مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ أَبِي يَعْلَى: " «أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْخِتَانِ فَاخْتَتَنَ بِقَدُومٍ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: عَجَّلْتَ قَبْلَ أَنْ نَأْمُرَكَ بِآلَتِهِ قَالَ: يَا رَبِّ كَرِهْتُ أَنْ أُؤَخِّرَ أَمْرَكَ» " وَجُمِعَ بِأَنَّهُ اخْتَتَنَ بِالْآلَةِ وَفِي الْمَوْضِعِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَابْنِ السَّمَّاكِ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا عَنْهُ مَرْفُوعًا: " وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ "، وَزَادُوا: وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَأُعِلَّ بِأَنَّ عُمُرَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَرُدَّ بِأَنَّ مِثْلَهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنِ سَعْدٍ، وَالْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَصَحَّحَاهُ، وَأَبِي الشَّيْخِ فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادُوا أَيْضًا: " وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ "، فَعَلَى هَذَا عَاشَ مِائَتَيْنِ، وَجُمِعَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ حَسَبَ مِنْ مُنْذُ نُبُوَّتِهِ، وَالثَّانِيَ حَسَبَ مِنْ مَوْلِدِهِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ مِنْ وَقْتِ فِرَاقِ قَوْمِهِ وَهِجْرَتِهِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، أَيْ مِنْ مَوْلِدِهِ، وَبِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ رَأَى مِائَةً وَعِشْرِينَ، فَظَنَّهَا إِلَّا عِشْرِينَ، أَوْ عَكْسَهُ، وَالْأَوَّلَانِ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَوْهِيمُ الرُّوَاةِ بِلَا دَاعِيَةٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِدُونِ تَوْهِيمِهِمْ.
وَفِي التَّمْهِيدِ تَوَاتَرَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَتَنَ إِسْمَاعِيلَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَإِسْحَاقَ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَكَرِهَ جَمْعَ الْخِتَانِ يَوْمَ السَّابِعِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَتَرَى أَنْ تَخْتِنَ الصَّبِيَّ يَوْمَ السَّابِعِ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْيَهُودِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ إِلَّا حَدِيثًا، قُلْتُ: فَمَا حَدُّ خِتَانِهِ؟ قَالَ: إِذَا أُدِّبَ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: عَشْرُ سِنِينَ، أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
( «وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا؟ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» ) : هَذَا
(وَقَارٌ) حِلْمٌ، وَرَزَانَةٌ (يَا إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا) ، فَالشَّيْبُ مَمْدُوحٌ.
وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورُ الْإِسْلَامِ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَفَعَهُ: " «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، زَادَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى: " مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا "، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ مَرْفُوعًا: " «الشَّيْبُ نُورُ الْمُؤْمِنِ، لَا يَشِيبُ رَجُلٌ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِكُلِّ شَيْبَةٍ حَسَنَةٌ، وَرُفِعَ بِهَا دَرَجَةً» "، وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الشَّيْبُ نُورٌ، مَنْ خَلَعَ الشَّيْبَ، فَقَدْ خَلَعَ نُورَ الْإِسْلَامِ» "، وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْهُ رَفَعَهُ: " «أَيُّمَا رَجُلٍ نَتَفَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ مُتَعَمِّدًا صَارَتْ رُمْحًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُطْعَنُ بِهِ» "، وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ «عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ» ، فَقَالَ الْحَافِظُ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ حُسْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اه.
وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تَعَجُّبِ ابْنِ الْأَثِيرِ مِنْ جَعْلِ أَنَسٍ الشَّيْبَ عَيْبًا، وَتَعَسُّفِهِ الْجَمْعَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا رَأَى أَبَا قُحَافَةَ وَرَأْسُهُ كَالثَّغَامَةِ أَمَرَهُمْ بِتَغْيِيرِهِ وَكَرِهَهُ، فَلَمَّا عَلَمَ أَنَسٌ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ قَالَ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَحَمْلًا لَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، يَعْنِي كَرَاهَةَ الشَّيْبِ، وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ الْآخَرَ وَلَعَلَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ فَإِنَّ فِي نَفْيِهِ نَظَرًا، إِذْ أَنَسٌ قَدْ رَوَى بَعْضَ أَحَادِيثِ مَدْحِهِ كَمَا رَأَيْتَ، وَكَذَا فِي تَرَجِّيهِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدٍ: وَأَوَّلَ مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ وَأَوَّلَ مَنِ اسْتَحَدَّ.
وَزَادَ وَكِيعٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَأَوَّلَ مَنْ تَسَرْوَلَ، وَأَوَّلَ مَنْ فَرَّقَ، وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتْمِ» "، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ: " «أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ» "، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "، وَلَهُ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ: " «أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَتَّبَ الْعَسْكَرَ فِي الْحَرْبِ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَلْبًا» ".
وَلِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الرَّمْيِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ «أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ الْقِسِيَّ» "، وَلَهُ فِي كِتَابِ الْإِخْوَانِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مَرْفُوعًا: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَانَقَ "، وَلِابْنِ سَعْدٍ: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ثَرَدَ الثَّرِيدَ "، وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ مَرْفُوعًا: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْخُبْزَ الْمُبَلْقَسَ "، وَلِأَحْمَدَ فِي الزُّهْدِ عَنْ مُطَرِّفٍ: " أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَاغَمَ " (مَالِكٌ: يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ) : يَظْهَرَ (طَرَفُ الشَّفَةِ) ظُهُورًا بَيِّنًا، (وَهُوَ الْإِطَارُ) بِزِنَةِ كِتَابٍ ; أَيِ اللَّحْمُ الْمُحِيطُ بِالشَّفَةِ (وَلَا يَجُزُّهُ) - بِضَمِّ الْجِيمِ - يَقْطَعُهُ، (فَيُمَثِّلُ بِنَفْسِهِ) ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ: " يُحْفِي الشَّوَارِبَ وَيُعْفِي
اللِّحَى "، وَلَيْسَ إِحْفَاءُ الشَّارِبِ حَلْقَهُ، وَأَرَى تَأْدِيبَ مَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ.
وَقَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ: إِنَّ حَلْقَهُ بِدْعَةٌ، وَأَرَى أَنْ يُوجَعَ ضَرْبًا مَنْ فَعَلَهُ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اسْتِحْبَابِ حَلْقِهِ كُلِّهِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: " «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» "، وَرُدَّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَزِيلُوا مَا طَالَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي الْآكِلَ، وَلَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْوَسَخُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَتَفْسِيرُ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِحْفَاءِ الشَّارِبِ إِنَّمَا هُوَ الْإِطَارُ يَعْنِي لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: " قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَعَبَّرَ بِمَنِ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَسْتَأْصِلُهُ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ نَجِدْ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ رَأَيْنَاهُمْ مِنْهُمْ: الرَّبِيعُ وَالْمُزَنِيُّ يُحْفِيَا شَارِبَهُمَا، وَمَا أَظُنُّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ إِلَّا عَنْهُ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، فَعِنْدَهُمُ الْإِحْفَاءُ فِي الرَّأْسِ وَالشَّارِبِ، أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ.
وَذَكَرَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادَ عَنِ الشَّافِعِيِّ كَالْحَنَفِيِّ سَوَاءً، وَقَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ يُحْفِي شَارِبَهُ شَدِيدًا وَيَقُولُ: هُوَ السُّنَّةُ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَّبِعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ فَقَالَ عُمَرُ كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَكَلْتُ سَمْنًا وَلَا لُكْتُ أَكْلًا بِهِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ لَا آكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ
ــ
١٧٣٥ - ١٦٨٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) - لَمْ يُسَمِّ - (فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَّبِعُ) - بِشَدِّ الْفَوْقِيَّةِ - (بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ) - بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ - وَسَخَ (الصَّحْفَةِ) : مَا يَعْلَقُ بِهِ مِنْ أَثَرِ السَّمْنِ، (فَقَالَ عُمَرُ: كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ) - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَإِسْكَانِ الْقَافِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ -: أَيْ لَا أُدْمَ عِنْدَكَ، (فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَكَلْتُ سَمْنًا، وَلَا رَأَيْتُ أَكْلًا بِهِ مُنْدُ كَذَا وَكَذَا) مُدَّةً عَيَّنَهَا، (فَقَالَ عُمَرُ: لَا آكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ) ، أَيْ يُصِيبَهُمُ الْخَصْبُ، وَالْمَطَرُ (مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ) حَتَّى لَا أَمْتَازَ عَلَيْهِمْ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ إِنَّ لِي يَتِيمًا وَلَهُ إِبِلٌ أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلُطُّ حَوْضَهَا وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ
ــ
١٧٣٩ - ١٦٩٠ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعْدٍ) الْأَنْصَارِيِّ: (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ) بْنِ الصِّدِّيقِ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي يَتِيمًا) أَقُومُ عَلَيْهِ، (وَلَهُ إِبِلٌ، أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي) : تَطْلُبُ (ضَالَّةَ إِبِلِهِ) ، أَيْ مَا ضَلَّ مِنْهَا، (وَتَهْنَأُ) - بِالْهَمْزِ -: تُطْلِي، (جَرْبَاهَا) بِالْهِنَاءِ بِزِنَةِ كِتَابٍ الْقَطِرَانُ، (وَتَلَطُّ) - بِفَتْحِ اللَّامِ، وَشَدِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ -: (حَوْضَهَا) ، أَيْ تُمَدِّدُهُ، وَتُطَيِّنُهُ، وَتُصْلِحُهُ، وَأَصْلُ اللَّوْطِ: اللُّصُوقُ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ، (وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا) ، أَيْ شُرْبِهَا، (فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ) ، أَيْ بِوَلَدِهَا الرَّضِيعِ، (وَلَا نَاهِكٍ) ، أَيْ مُسْتَأْصِلٍ (فِي الْحَلْبِ) : اللَّبَنَ حَتَّى يَضُرَّ بِهَا، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْحَلَبُ - بِفَتْحِ اللَّامِ -: اللَّبَنُ، وَبِتَسْكِينِهَا: الْفِعْلُ.
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: أَيْ وَلَا مُبَالِغٍ فِيهِ حَتَّى يَضُرَّ ذَلِكَ بِهَا، وَقَدْ نَهَكْتَ النَّاقَةَ حَلْبًا، إِذَا تَقَصَّيْتَهَا وَلَمْ تُبْقِ فِي ضَرْعِهَا لَبَنًا.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَلَيْكَ أَلْفًا ثُمَّ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ إِذَا دُخِلَ الْبَيْتُ غَيْرُ الْمَسْكُونِ يُقَالُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ
ــ
١٧٩٤ - ١٧٤٨ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ) ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: مَعْنَاهُ الَّتِي تَغْدُو وَتَرُوحُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ الْحَفَظَةَ الْغَادِيَةَ الرَّائِحَةَ، لِتَكْتُبَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ.
(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَعَلَيْكَ أَلْفًا) مَا قُلْتَ، (ثُمَّ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ) ; لِأَنَّهُ اسْتِظْهَارٌ عَلَى الشَّرْعِ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: " «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ أَتَى آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ لَهُ: وَعَلَيْكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَتَاكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَسَلَّمَا عَلَيْكَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّك لَمْ تَدَعْ لَنَا شَيْئًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: ٨٦] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةَ: ٨٦) ، فَرَدَدْنَا عَلَيْكَ» .
(مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ غَيْرَ الْمَسْكُونِ يُقَالُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) .