«هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٦٥

الحديث رقم ٢١٦٥ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في أمر المدينة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «هذا جبل يحبنا ونحبه»

«هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»

سند حديث: ٢٠ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ…

٢٠ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «هذا جبل يحبنا ونحبه»

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»

ــ

٦ - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ

١٦٥٣ - ١٦٠٥ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) مُرْسَلًا عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ، وَمَرَّ قَرِيبًا أَنَّ مَالِكًا رَوَاهُ عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ) ظَهَرَ (لَهُ أُحُدٌ) لَمَّا رَجَعَ مِنْ خَيْبَرَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ تَبُوكَ أَيْضًا كَمَا قُيِّدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ (فَقَالَ هَذَا) مُشِيرًا لَهُ (جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) حَقِيقَةً كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَحَمَلُوا عَلَيْهِ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مِثْلِهِ نَحْوَهُ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} [الدخان: ٢٩] [سُورَةُ الدُّخَانِ: الْآيَةُ ٢٩] وَ {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: ١١] [سُورَةُ فُصِّلَتْ: الْآيَةُ ١١] وَ {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: ٧٧] [سُورَةُ الْكَهْفِ: الْآيَةُ ٧٧] وَ {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: ١٠] [سُورَةُ سَبَأٍ: الْآيَةُ ١٠] ، أَيْ: سَبِّحِي.

وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي الْحَدِيثِ أَكْثَرُ لَا يَكَادُ يُحْصَى.

وَقِيلَ: مَجَازٌ، أَيْ: يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَنُحِبُّهُمْ، فَكَنَّى بِالْجَبَلِ عَنْهُمْ، وَأُضِيفَ الْحُبَّ إِلَى الْجَبَلِ لِمَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ كَقَوْلِهِ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: ٨٢] [سُورَةُ يُوسُفَ: الْآيَةُ ٨٢] ، أَيْ: أَهْلَهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمُرْسَلُهُ مَزِيدٌ وَأَنَّ جَمَاعَةً رَجَّحُوا الْحَقِيقَةَ هُنَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْتَى أَبَدًا بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى الدَّوَاءُ فَيَطْعَمَهُ أَوْ يَشْرَبَهُ إِلَّا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَنَعَّمَنَا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرٍّ فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ فَنَسْأَلُكَ تَمَامَهَا وَشُكْرَهَا لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ إِلَهَ الصَّالِحِينَ وَرَبَّ الْعَالَمِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ مَعَ غُلَامِهَا فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنْ الرِّجَالِ قَالَ وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ

ــ

١٧٤٠ - ١٦٩١ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْتَى بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ) مَاءٍ أَوْ

لَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (حَتَّى الدَّوَاءُ فَيَطْعَمَهُ أَوْ يَشْرَبَهُ) - بِنَصْبِ الْفِعْلَيْنِ - (إِلَّا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) ; لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى النِّعَمِ يَرْتَبِطُ بِهِ الْعَبِيدُ، وَيُسْتَجْلَبُ بِهِ الْمَزِيدُ، فَلَحَظَ وَقْتَ حُضُورِ الْغَدَاءِ إِلَى أَجَلِّ النِّعَمِ، فَقَالَ: (الَّذِي هَدَانَا) ، إِذِ الْهِدَايَةُ لِلْإِيمَانِ أَعْظَمُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ، فَشُكْرُهُ عَلَيْهَا مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهَا، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالْحَامِدِ أَنْ لَا يُجَرِّدَ حَمْدَهُ إِلَى دَقَائِقِ النِّعَمِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى جَلَائِلِهَا فَيَحْمَدُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحَمْدَ مِنْ نَتَائِجِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ.

(وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا) : قَدَّمَ الطَّعَامَ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ، حَتَّى كَأَنَّ السَّقْيَ مِنْ تَتِمَتِّهِ، وَتَابِعٌ لَهُ لِأَنَّ الْأَكْلَ يَسْتَدْعِي الشُّرْبَ.

(وَنَعَّمَنَا) بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى.

(اللَّهُ أَكْبَرُ) ، سُرُورًا بِهَذِهِ النِّعَمِ، (اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا) : وَجَدَتْنَا، (نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرٍّ) مِنَ التَّقْصِيرِ فِي عِبَادَتِكَ وَشُكْرِكَ، (فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ) مِنْ فَضْلِكَ، وَلَمْ تُعَامِلْنَا بِتَقْصِيرِنَا.

(نَسْأَلُكَ تَمَامَهَا) ، لَعَلَّهُ اسْتَعْمَلَهُ بِمَعْنَى إِدَامَتِهَا، أَيِ النِّعَمِ، (وَشُكْرِهَا) فَإِنَّا لَا نَبْلُغُهُ إِلَّا بِفَضْلِكَ، إِذْ هُوَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ.

(لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ) فَإِنَّهُ بِيَدِكَ دُونَ غَيْرِكَ.

(وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ) ، يُرْجَى لِكَشْفِ الضُّرِّ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الشُّكْرِ.

(إِلَهَ) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ، (الصَّالِحِينَ) الْمُسْلِمِينَ، (وَرَبَّ الْعَالَمِينَ) ، أَيْ مَالِكَ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ مِنْهَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَالَمٌ يُقَالُ: عَالَمُ الْإِنْسِ، وَعَالَمُ الْجِنِّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَغَلَبَ فِي جَمْعِهِ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ أُولَى الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنَ الْعَلَامَةِ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى مُوجِدِهِ.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، جُمْلَةٌ قُصِدَ بِهَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِمَضْمُونِهَا مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ مِنَ الْخَلْقِ، وَمُسْتَحِقٌّ لِأَنْ يُحْمَدَ.

(وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ، أَتَى بِهِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُعْجِبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: ٣٩] (سورة الْكَهْفِ: الْآيَةُ ٣٩) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، انْتَهَى.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: " كَانَ مَالِكٌ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، قُلْتُ لَهُ: لِمَ تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ، وَتَلَا الْآيَةَ، وَجَاءَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ»(اللَّهُمَّ بَارِكْ) : أَتِمَّ وَزِدْ (لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) بِعَدَمِ دُخُولِهَا.

(سُئِلَ مَالِكٌ، هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ مَعَ غُلَامِهَا؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ) ، أَيْ يَجُوزُ (إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ) بِأَنْ كَانَ ثَمَّ مَحْرَمٌ، كَمَا (قَالَ: وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا، وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ، أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ) تَحْرِيمًا (لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ) ، أَيْ قَرَابَةُ نَسَبٍ، أَوْ صِهْرٍ، أَوْ رَضَاعٍ.

[مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ]

باب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ

١٧٨٨ - ١٧٤٢ وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ

ــ

١١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ

١٧٤٢ - ١٦٩٢ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ) ، أَيِ اجْتَنِبُوا الْإِكْثَارَ مِنْ أَكْلِهِ، (فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً) - بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ - مَصْدَرُ ضَرِيَ كَعَلِمَ، (كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ) ، أَيْ عَادَةً يَدْعُو إِلَيْهَا، وَيَشُقُّ تَرْكُهَا لِمَنْ أَلِفَهَا، فَلَا يَصْبِرُ عَنْهُ مَنِ اعْتَادَهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَقَالَ عُمَرُ أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ أَوْ ابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: ٢٠]

ــ

١٧٤٢ - ١٦٩٣ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ -: مَا حَمَلَهُ الْحَامِلُ، كَذَا ضَبَطَهُ السُّيُوطِيُّ، وَهُوَ فِي نُسَخٍ عَتِيقَةٍ: حَمَّالُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْمِيمِ ثَقِيلَةً - أَيْ شَخْصٌ حَمَّالُ لَحْمٍ، فَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ أَيْضًا.

(فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا) ، بِفَتْحِ الْقَافِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، فَمِيمٌ، أَيِ اشْتَدَّتْ شَهْوَتُنَا (إِلَى اللَّحْمِ) ، وَفِي

الْحَدِيثِ: كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْقَرْمِ بِمَعْنَى شِدَّةِ الشَّهْوَةِ إِلَى اللَّحْمِ حَتَّى لَا يَصْبِرَ عَنْهُ، يُقَالُ: قَرِمْتُ إِلَى اللَّحْمِ، وَعِمْتُ إِلَى اللَّبَنِ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ.

(فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا) - بِالْفَتْحِ، وَخِفَّةِ الْمِيمِ - (يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ، أَوِ ابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ تَذْهَبُ) : تَغِيبُ عَنْكُمْ (هَذِهِ الْآيَةُ: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} [الأحقاف: ٢٠] (بِاشْتِغَالِكُمْ بِلَذَّاتِكُمْ) {فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: ٢٠] ، أَيْ تَمَتَّعْتُمْ.

[مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَبَذَهُ وَقَالَ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا قَالَ فَنَبَذَ النَّاسُ بِخَوَاتِيمِهِمْ»

ــ

١٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ

١٧٤٣ - ١٦٩٤ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ (عَنْ) مَوْلَاهُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ» ) ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «اتَّخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَلَبِسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» "، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ: " «أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ أَلْقَاهُ» "، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: مِنْ وَرِقٍ، وَهْمًا مِنَ الزُّهْرِيِّ، جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَفْظُ وَرِقٍ كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَصَوَابُهُ: مِنْ ذَهَبٍ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّ قَوْلَ أَنَسٍ: يَوْمًا وَاحِدًا، ظَرْفٌ لِرُؤْيَةِ أَنَسٍ لَا لِمُدَّةِ اللُّبْسِ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ظَرْفٌ لِمُدَّةِ اللُّبْسِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا وَهْمَ جُمِعَ بِأَنَّ مُدَّةَ لُبْسِ الذَّهَبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمُدَّةَ خَاتَمِ الْفِضَّةِ يَوْمٌ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ أَنَسٌ، وَلَا يُنَافِيهِ رِوَايَةُ الصَّحِيحِ: " «سُئِلَ أَنَسٌ، هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا؟ فَقَالَ: أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيضِ خَاتَمِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا، ثُمَّ طَرَحَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ» "، أَفَادَهُ الْحَافِظُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَنَبَذَهُ) ، أَيْ طَرَحَهُ، (وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) ، لِتَحْرِيمِ

لُبْسِ الذَّهَبِ حِينَئِذٍ عَلَى الرِّجَالِ، أَوْ لِكَرَاهَةِ مُشَارَكَتِهِمْ لَهُ أَوْ لِمَا رَأَى مِنْ زَهْوِهِمْ بِلُبْسِهِ.

(قَالَ: فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ) ، تَبَعًا لَهُ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ فَرَمَى بِهِ، وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِمَ الْفِضَّةِ» ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.

وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِأَتَمَّ مِنْهُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ فَقَالَ الْبَسْهُ وَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنِّي أَفْتَيْتُكَ بِذَلِكَ

ــ

١٧٤٤ - ١٦٩٥ - (مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ) الْجَزَرِيِّ، نَزِيلِ مَكَّةَ ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ (أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ) ، أَيْ خَاتَمِ الْفِضَّةِ، فَإِنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ كَرِهَ لُبْسَهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ لِذِي سُلْطَانٍ، (فَقَالَ: الْبَسْهُ، وَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنِّي أَفْتَيْتُكَ بِلُبْسِهِ) ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ: " «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، فَضَعَّفَهُ مَالِكٌ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ.

[مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنْ الْعَيْنِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنْ الْعَيْنِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَالَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ لَا تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»

قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِك يَقُولُ أَرَى ذَلِكَ مِنْ الْعَيْنِ

ــ

١٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ، وَالْجَرَسِ مِنَ الْعُنُقِ

الْجَرَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، مَعْرُوفٌ وَحَكَى عِيَاضٌ إِسْكَانَ الرَّاءِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ بِفَتْحِهَا: اسْمُ الْآلَةِ، وَبِسُكُونِهَا: اسْمُ الصَّوْتِ.

١٧٤٥ - ١٦٩٦ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ التَّابِعِيِّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) الْمَازِنِيِّ التَّابِعِيِّ، وَقِيلَ: لَهُ رُؤْيَةٌ (أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ (الْأَنْصَارِيَّ) ، زَادَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ: السَّاعِدِيَّ، عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، فَمَنْ قَالَ

الْمَازِنِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، شَهِدَ الْخَنْدَقَ.

وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِيمَنْ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ اسْمَهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ الْحُرَيْرِ بِمُهْمَلَاتٍ مُصَغَّرٌ ابْنُ عُمَرَ، وَعَاشَ إِلَى بَعْدَ السِّتِّينَ، وَشَهِدَ الْحَرَّةَ، وَجُرِحَ بِهَا، وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ، يُقَالُ: جَازَ الْمِائَةَ.

(أَخْبَرَهُ) ، أَيَ عَبَّادٌ (أَنَّهُ) ، أَيْ أَبَا بَشِيرٍ (كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) ، قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِمَا، (قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا) فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ: " فَأَرْسَلَ زَيْدًا مَوْلَاهُ "، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِيمَا ظَهَرَ لِي، (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) شَيْخُ الْإِمَامِ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) ، أَيْ عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، (قَالَ وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ) قَالَ الْحَافِظُ: كَأَنَّهُ شَكَّ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَلَمْ أَرَهَا مِنْ طَرِيقِهِ إِلَّا هَكَذَا، (لَا تَبْقَيَنَّ) بِفَوْقِيَّةٍ وَقَافٍ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ، نُونُ تَوْكِيدٍ، (فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ) ، بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رُبَّمَا صَحَّفَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ وَبَرٌ بِمُوَحَّدَةِ، يَعْنِي كَالدَّاوُدِيِّ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَقَالَ: هُوَ مَا يُنْزَعُ عَنِ الْجِمَالِ يُشْبِهُ الصُّوفَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فَصُحِّفَ، (أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ) ، قَالَ الْحَافِظُ: أَوْ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: وَلَا قِلَادَةٌ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُهَلَّبُ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، أَيِ الشَّكَّ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقِلَادَةِ، فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ بِكَرَاهَتِهَا إِلَّا فِي الْوَتَرِ، (قَالَ مَالِكٌ: أَرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ) ، أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَلِّدُونَ الْإِبِلَ أَوْتَارًا لِئَلَّا تُصِيبَهَا الْعَيْنُ بِزَعْمِهِمْ، فَأُمِرُوا بِقَطْعِهَا إِعْلَامًا بِأَنَّ الْأَوْتَارَ لَا تَرُدُّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتَّمِيمَةُ: مَا عُلِّقَ مِنَ الْقَلَائِدِ خَشْيَةَ الْعَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِذَا اعْتَقَدَ الَّذِي قَلَّدَهَا أَنَّهَا تَرُدُّ الْعَيْنَ، فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرُدُّ الْقَدَرَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ.

وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَنِقَ الدَّابَّةُ بِهَا عِنْدَ الرَّكْضِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ يُرَجِّحُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّوَابَّ تَتَأَذَّى بِهِ، وَتُضَيِّقُ عَلَيْهَا نَفَسَهَا وَرَعْيَهَا، وَرُبَّمَا تَعَلَّقَتْ بِشَجَرَةٍ فَاخْتَنَقَتْ أَوْ تَعَوَّقَتْ عَنِ السَّيْرِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْوَتَرِ: الْجَرَسُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّقُونَ الْأَجْرَاسَ فِيهَا، حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْجَمَةُ الْإِمَامِ بِالْجَرَسِ، وَكَذَا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ الْحَدِيثَ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: " «لَا تَبْقَيَنَّ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ وَلَا جَرَسٌ فِي عُنُقِ بَعِيرٍ إِلَّا قُطِعَ» "، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَبَانَ أَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا

فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ» "، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ إِلَّا هَذَا الْقَوْلَ الثَّالِثَ، فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَعْلِيقِ الْجَرَسِ فِي رِقَابِ الْخَيْلِ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ رَفَعَهُ: " «ارْكَبُوا الْخَيْلَ، وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ» "، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِلْإِبِلِ، وَحَمَلَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْأَوْتَارَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى النَّارِ كَالْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَعِيفٌ، وَإِلَى قَوْلِ النَّضْرِ جَنَحَ وَكِيعٌ فَقَالَ: الْمَعْنَى لَا تَرْكَبُوا الْخَيْلَ فِي الْفِتَنِ، فَإِنَّ مَنْ رَكِبَهَا لَمْ يَسْلَمْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وَتَرٌ يُطْلَبُ بِهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الْجُمْهُورُ: أَنَّ النَّهْيَ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَقِيلَ: لِلتَّحْرِيمِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مِنْهُ بِلَا حَاجَةٍ وَيَجُوزُ لَهَا.

وَعَنْ مَالِكٍ: تَخْصِيصُ كَرَاهَةِ الْقَلَائِدِ بِالْوَتَرِ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهَا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ دَفْعَ الْعَيْنِ هَذَا كُلُّهُ فِي تَعْلِيقِ تَمَائِمَ وَغَيْرِهَا لَا قُرْآنَ فِيهَا وَنَحْوَهُ.

فَأَمَّا مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَلَا يُنْهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُجْعَلُ لِلْبَرَكَةِ بِهِ، وَالتَّعَوُّذِ بِأَسْمَائِهِ وَذِكْرِهِ، انْتَهَى.

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ فِي اللِّبَاسِ عَنْ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[باب العين والمرض] [الْوُضُوءِ مِنْ الْعَيْنِ]

كِتَابُ الْعَيْنِ

بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ الْعَيْنِ

وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ «اغْتَسَلَ أَبِي سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ قَالَ وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ قَالَ فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ قَالَ فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ عَامِرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَّا بَرَّكْتَ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأْ لَهُ فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ»

ــ

٥ - كِتَابُ الْعَيْنِ

١ - بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْعَيْنِ

١٧٤٦ - ١٦٩٧ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ - مُصَغَّرٌ الْأَنْصَارِيِّ الثِّقَةِ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) أَبَا أُمَامَةَ، وَاسْمُهُ أَسْعَدُ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاسْمِ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ، وَكَنَّاهُ بِكُنْيَتِهِ لَمَّا وُلِدَ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَنَتَيْنِ، وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ (يَقُولُ: اغْتَسَلَ أَبِي) سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْبَدْرِيُّ وَظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ، فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ اغْتَسَلَ (بِالْخَرَّارِ) - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ الْأُولَى الشَّدِيدَةِ - مَوْضِعٌ قُرْبَ الْجُحْفَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: مِنْ أَوْدِيَتِهَا، انْتَهَى.

وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ، (فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْعَنْزِيُّ - بِسُكُونِ النُّونِ - حَلِيفُ الْخَطَّابِ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ، وَشَهِدَ بَدْرًا، مَاتَ لَيَالِيَ قَتْلِ عُثْمَانَ (يَنْظُرُ) إِلَيْهِ، (قَالَ) أَبُو أُمَامَةَ: (وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ) مَلِيحَ (الْجِلْدِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ عَذْرَاءَ) ، أَيْ بِكْرٌ (قَالَ: فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ) قَوِيَ (وَعْكُهُ) ، أَيْ أَلَمُهُ.

وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِي: فَلُبِطَ، أَيْ صُرِعَ فَكَأَنَّهُ صُرِعَ مِنْ شِدَّةِ الْوَعْكِ.

(فَأُتِيَ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - (رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) لِعَدَمِ

اسْتِطَاعَتِهِ بِشِدَّةِ الْوَعْكِ.

(فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) ، أَيْ نَظَرِهِ إِلَيْهِ، وَقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَقَالَ (عَلَامَ) بِمَعْنَى لِمَ، وَفِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ، (يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) فِي الدِّينِ، زَادَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ قَتْلِهِ.

(أَلَّا) بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى هَلَّا، وَبِهَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ (بَرَّكْتَ) ، أَيْ قُلْتَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنَ الْعَيْنِ، وَيُذْهِبُ تَأْثِيرَهُ.

قَالَ الْبَاجِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَقُولُ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ أَنْ يُبَارِكَ، فَإِذَا دَعَا بِالْبَرَكَةِ صُرِفَ الْمَحْذُورُ لَا مَحَالَةَ، انْتَهَى.

وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَافَ أَنْ يُصِيبَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ» "، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ، وَابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ» "، ( «إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ» ) ، أَيِ الْإِصَابَةُ بِهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْوُجُودِ مُقْضًى بِهِ فِي الْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ لَا شُبْهَةَ فِي تَأْثِيرِهِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْأُمَّةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ مُبْتَدِعَةٌ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْهُ فِي الْوُجُودِ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ أَدْخَلَتْهُ الْعَيْنُ الْقَبْرَ، وَكَمْ مِنْ جَمَلٍ أَدْخَلَتْهُ الْقِدْرَ لَكِنْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مُعْرِضٍ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ يَتَمَسَّكُ بِاسْتِبْعَادٍ لَا أَصْلَ لَهُ، فَإِنَّا نُشَاهِدُ مِنْ خَوَاصِّ الْأَحْجَارِ، وَتَأْثِيرِ السِّحْرِ مَا يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبَ، وَيُحَقِّقُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ بِسَبَبِ كُلِّ سَبَبٍ، انْتَهَى.

(تَوَضَّأَ لَهُ) الْوُضُوءُ الْمَذْكُورُ فِي الطَّرِيقِ التَّالِيَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِاغْتَسَلَ، لَيْسَ عَلَى صِفَةِ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ، وَغَيْرِهِ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي لِلْوُجُوبِ، وَيَبْعُدُ الْخِلَافُ فِيهِ إِذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعِينِ الْهَلَاكَ، وَكَانَ وُضُوءُ الْعَائِنِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْبُرْءِ بِهِ، أَوْ كَانَ الشَّرْعُ أَخْبَرَ بِهِ خَبَرًا عَامًّا، وَلَمْ يَكُنْ زَوَالُ الْهَلَاكِ إِلَّا بِوُضُوءِ الْعَائِنِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَابِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِحْيَاءُ نَفْسٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلَاكِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ، فَهَذَا أَوْلَى، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ.

(فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ) عَلَى الصِّفَةِ الْآتِيَةِ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى سَهْلٍ، (فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) ، أَيْ شِدَّةٌ لِزَوَالِ وَعْكِهِ الَّذِي صَرَعَهُ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى الْمُغْتَسِلِ مَا لَمْ تَكُنْ عَوْرَةٌ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لِعَامِرٍ: لِمَ نَظَرْتَ إِلَيْهِ، إِنَّمَا لَامَهُ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ يَسْتَحِبُّ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْإِنْسَانُ إِلَى الْمُغْتَسِلِ خَوْفَ أَنْ

يَرَى عَوْرَتَهُ، وَإِنَّ مِنَ الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ الْإِعْجَابَ بِالشَّيْءِ الْحَسَنِ، وَالْحَسَدَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ، فَلِذَا لَمْ يُعَاتَبْ عَامِرٌ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ الَّذِي فِي وُسْعِهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَقْتُلُ، وَتَوْبِيخُ مَنْ كَانَ مِنْهُ أَوْ بِسَبَبِهِ سُوءٌ، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ تَحْتَ الْقَدَرِ السَّابِقِ بِذَلِكَ كَالْقَاتِلِ يَقْتُلُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ يَمُوتُ بِأَجْلِهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ إِنَّمَا تَعْدُو إِذَا لَمْ يَبِرِّكْ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ أَنْ يُبَارِكَ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَوْ أَتْلَفَ الْعَائِنُ شَيْئًا ضَمِنَهُ، وَلَوْ قَتَلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عَادَةً، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالسَّاحِرِ الْقَاتِلِ بِسِحْرِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْتُلُهُ كُفْرًا، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَيُقْتَلُ، قَتَلَ بِسِحْرِهِ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يُقْتَلُ الْعَائِنُ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُنْضَبَطٍ عَامٍّ دُونَ مَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ النَّاسِ، وَبَعْضِ الْأَحْوَالِ مِمَّا لَا انْضِبَاطَ لَهُ، كَيْفَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِعْلٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ حَسَدٌ وَتَمَنٍّ لِزَوَالِ النِّعْمَةِ، وَأَيْضًا فَالَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ حُصُولُ مَكْرُوهٍ لِذَلِكَ الشَّخْصِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ فِي إِزَالَةِ الْحَيَاةِ، فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَثَرِ الْعَيْنِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحُكْمُ بِقَتْلِ السَّاحِرِ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَسِرٌ.

وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مَنْعُ الْعَائِنِ إِذَا عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ مُدَاخَلَةِ النَّاسِ، وَيَأْمُرُهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رَزَقَهُ مَا يَكْفِيهِ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ آكِلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ الَّذِي مَنَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ الِاخْتِلَاطَ بِالنَّاسِ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمُؤْذِيَاتِ مِنَ الْمَوَاشِي الَّذِي يُؤْمَرُ بِإِبْعَادِهَا إِلَى حَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِهَا أَحَدٌ.

قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ «رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخْبَأَةٍ فَلُبِطَ سَهْلٌ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَقَالَ هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا قَالُوا نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَّا بَرَّكْتَ اغْتَسِلْ لَهُ فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ»

ــ

١٧٤٧ - ١٦٩٨ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) ، ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ لَكِنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ وَالِدِهِ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَبَابَةٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَامِرًا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ (يَغْتَسِلُ) ، وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ، وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوًا مَا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، (فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ) » - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَمُوَحَّدَةٍ، وَالْهَمْزِ - وَهِيَ

الْمُخَدَّرَةُ الْمَكْنُونَةُ الَّتِي لَا تَرَاهَا الْعُيُونُ، وَلَا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَتُغَيِّرُهَا، يَعْنِي أَنَّ جِلْدَ سَهْلٍ كَجِلْدِ الْمُخَبَّأَةِ إِعْجَابًا بِحُسْنِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتِ:

ذَكَّرَتْنِي الْمُخَبَّآتُ لَدَى الْحِجْ ... رِ يُنَازِعْنَنِي سُجُوفَ الْحِجَالِ

وَمَرَّ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ: وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ بَدَلَ مُخَبَّأَةٍ، فَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَقَالَ: عَذْرَاءُ مُخَبَّأَةٌ فَاقْتَصَرَ كُلُّ رَاءٍ عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنْهُ، أَوْ إِحْدَاهُمَا بِالْمَعْنَى، لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ مُخَبَّأَةً أَخَصُّ.

(فَلُبِطَ) - بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ - أَيْ صُرِعَ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ (بِسَهْلٍ) ، يُقَالُ مِنْهُ لُبِطَ بِهِ يَلْبِطُ لَبَطًا.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لُبِطَ: وُعِكَ وَكَأَنَّهُ فَسَرَّهُ بِالرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا لِاتِّحَادِ الْقِصَّةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنَّ سُقُوطَهُ مِنْ شِدَّةِ وَعْكِهِ، كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَهَذَا أَوْلَى إِبْقَاءُ لِلَّفْظَيْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا.

زَادَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَتَّى مَا يَعْقِلَ لِشِدَّةِ الْوَجَعِ، ( «فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ» ) مِنْ شِدَّةِ الْوَعْكِ وَالصَّرَعِ، (فَقَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا؟) عَانَهُ، (قَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ) ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا ذَلِكَ ذَهَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى سَهْلٍ لِتَثَبُّتِ الْخَبَرِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: " فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ "، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الطَّرِيقِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: هَلْ تَتَّهِمُونَ. . . إِلَخْ، فَفِي كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ اخْتِصَارٌ.

(قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَامَ) ، أَيْ لِمَ (يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) ، أَيْ يَكُونُ سَبَبًا فِي قَتْلِهِ بِالْعَيْنِ (أَلَّا) ، وَفِي رِوَايَةٍ: هَلَّا (بَرَّكْتَ) ، أَيْ دَعَوْتَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ.

، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: " «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ» "، وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ السُّنِّيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ (اغْتَسِلْ لَهُ) وُجُوبًا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَتُهُ الْوُجُوبُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَخَاهُ مَا يَنْفَعُهُ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بِسَبَبِهِ، وَكَانَ هُوَ الْجَانِيَ عَلَيْهِ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَائِنِ الْغُسْلُ عَنْهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

(فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: بَدَلَ هَذَا، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ، (وَمَرْفِقَيْهِ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَغَسَلَ صَدْرَهُ، (وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ) ، هِيَ الْحَقْوُ تُجْعَلُ مِنْ تَحْتِ الْإِزَارِ فِي طَرَفِهِ، ثُمَّ يُشَدُّ عَلَيْهِ الْإِزْرَةُ، قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: هِيَ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَضَعُهُ الْمُؤْتَزِرُ أَوَّلًا عَلَى حَقْوِهِ الْأَيْمَنِ.

وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ الْجَانِبُ الْأَيْسَرُ مِنَ الْإِزَارِ الَّذِي تَعْطِفُهُ إِلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ يُشَدُّ الْإِزَارُ قَالَهُ ابْنُ

عَبْدِ الْبَرِّ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنَ الْمِئْزَرِ، وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ مِنَ الْجَسَدِ، وَقِيلَ: مَذَاكِيرُهُ، كَمَا يُقَالُ: عَفِيفُ الْإِزَارِ، أَيِ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: وِرْكُهُ إِذْ هُوَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ.

(قَدَحٍ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ، قَالَ: وَحَسِبْتُهُ قَالَ، وَأَمَرَ فَحَسَا مِنْهُ حَسَوَاتٍ، (ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) لِزَوَالِ عِلَّتِهِ.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: هَذَا مِنَ الْعِلْمِ يَغْتَسِلُ الْعَائِنُ فِي قَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ، فَيُمَضْمِضُ وَيَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ فِيهِ، ثُمَّ يَصُبُّ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ بِالْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى، فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مِرْفَقِ يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مِرْفَقِ يَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ الْيُمْنَى فَيَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى، فَيَغْسِلُ الرُّكْبَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْخُذُ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً، وَيَضَعُ الْقَدَحَ حَتَّى يَفْرَغَ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا فُسِّرَ بِهِ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَاوِي الْحَدِيثِ.

وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ هَذَا: يَصُبُّ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً يَجْرِي عَلَى جَسَدِهِ، وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا، وَدَاخِلَةُ الْإِزَارِ فِي الْقَدَحِ، قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ.

زَادَ فِي الْإِكْمَالِ: أَنَّ الزُّهْرِيَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْعُلَمَاءَ يَصِفُونَهُ، وَاسْتَحْسَنَهُ عُلَمَاؤُنَا وَمَضَى بِهِ الْعَمَلُ.

قَالَ: وَجَاءَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ عَقِيلٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ الِابْتِدَاءَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ، وَفِيهِ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ، أَنَّهُ لَا يَغْسِلُ جَمِيعَهُمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ أُصُولِ أَصَابِعِهِ وَالْيُسْرَى كَذَلِكَ اه.

وَهُوَ أَقْرَبُ لِقَوْلِ الْحَدِيثِ: وَأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ، وَهَذَا الْغَسْلُ يَنْفَعُ بَعْدَ اسْتِحْكَامِ النَّظْرَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْإِصَابَةِ بِهِ، وَقَبْلَ الِاسْتِحْكَامِ، فَقَدْ أَرْشَدَ الشَّارِعُ إِلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ: أَلَّا بَرَّكْتَ؟ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ، وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْعَقْلِ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَسْرَارِ جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، فَلَا يُرَدُّ لِكَوْنِهِ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُتَشَرِّعٌ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ عَضَّدَتْهُ التَّجْرِبَةُ، وَصَدَّقَتْهُ الْمُعَايَنَةُ، أَوْ مُتَفَلْسِفٌ فَالرَّدُّ عَلَيْهِ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تَفْعَلُ بِقُوَاهَا بِمَعْنًى لَا يُدْرَكُ، وَيُسَمُّونَ مَا هَذَا سَبِيلُهُ الْخَوَاصَّ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ أَنْكَرَهَا، وَلَا مَنْ سَخِرَ مِنْهَا، وَلَا مَنْ شَكَّ فِيهَا، أَوْ فَعَلَهَا مُجَرِّبًا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ وَإِذَا كَانَ فِي الطَّبِيعَةِ خَوَاصٌّ لَا تَعْرِفُ الْأَطِبَّاءُ عِلَلَهَا، بَلْ هِيَ عِنْدَهُمْ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا تُفْعَلُ بِالْخَاصِّيَّةِ، فَمَا الَّذِي يُنْكِرُهُ جَهَلَتُهُمْ مِنَ الْخَوَاصِّ الشَّرْعِيَّةِ؟ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالِاغْتِسَالِ مُنَاسَبَةٌ لَا تَلْقَاهَا الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ، فَهَذَا تِرْيَاقُ سُمِّ الْحَيَّةِ، يُؤْخَذُ مِنْ لَحْمِهَا، وَهَذَا عِلَاجُ النَّفْسِ الْغَضَبِيَّةِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى بَدَنِ الْغَضْبَانِ، فَيَسْكُنُ فَكَانَ أَثَرُ تِلْكَ

الْعَيْنِ كَشُعْلَةِ نَارٍ وَقَعَتْ عَلَى جَسَدٍ، فَفِي الِاغْتِسَالِ إِطْفَاءٌ لِتِلْكَ الشُّعْلَةِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الْخَبِيثَةُ تَظْهَرُ فِي الْمَوَاضِعِ الرَّقِيقَةِ مِنَ الْجَسَدِ لِشَدَّةِ الْمَنْفُوذِ فِيهَا، وَلَا شَيْءَ أَرَقُّ مِنَ الْمُعَايِنِ، فَكَانَ فِي غَسْلِهَا إِبْطَالٌ لِعَمَلِهَا، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ لِلْأَرْوَاحِ الشَّيْطَانِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ اخْتِصَاصًا، وَفِيهِ أَيْضًا وُصُولُ أَثَرِ الْغَسْلِ إِلَى الْقَلْبِ مِنْ أَرَقِّ الْمَوَاضِعِ وَأَسْرَعِهَا نَفَاذًا، فَتُطْفِئُ تِلْكَ النَّارَ الَّتِي أَثَارَتْهَا الْعَيْنُ بِهَذَا الْمَاءِ اه.

وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعَائِنَ إِذَا عُرِفَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالِاغْتِسَالِ، وَأَنَّهُ مِنَ النُّشْرَةِ النَّافِعَةِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ تَكُونُ مَعَ الْإِعْجَابِ بِغَيْرِ حَسَدٍ، وَلَوْ مِنَ الرَّجُلِ الْمُحِبِّ، وَمِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَأَنَّ الَّذِي يُعْجِبُهُ الشَّيُ يُبَادِرُ إِلَى الدُّعَاءِ لِمَنْ أَعْجَبَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ رُقْيَةً مِنْهُ، وَأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ، وَأَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ قَدْ تَقْتُلُ، وَفِي الْقِصَاصِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.

[الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ]

بَابُ الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ أَنَّهُ قَالَ «دُخِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا مَا لِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ تَسْرَعُ إِلَيْهِمَا الْعَيْنُ وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إِلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُكَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَرْقُوا لَهُمَا فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ»

ــ

٢ - بَابُ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ

١٧٤٨ - ١٦٩٩ - (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ) الْقَارِئِ الْأَعْرَجِ: (أَنَّهُ قَالَ) مُعْضِلًا.

وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ بِهِ مُرْسَلًا، وَجَاءَ مَوْصُولًا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، (دُخِلَ) - بِضَمِّ الدَّالِ - (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) الْهَاشِمِيِّ الْأَمِيرِ الْمُسْتَشْهَدِ بِمُؤْتَةَ، أَسَنُّ مِنْ شَقِيقِهِ عَلِيٍّ بِعَشْرِ سِنِينَ، (فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا) ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمُّهُمَا أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَهَا، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، (مَالِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ) - بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ - أَيْ نَحِيلَيِ الْجِسْمِ، ( «فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمَا الْعَيْنُ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إِلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُكَ مِنْ ذَلِكَ» ) ، وَرَوَى قَاسِمُ بْنُ أَصْبُغَ عَنْ جَابِرٍ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: مَا شَأْنُ أَجْسَامِ بَنِي أَخِي ضَارِعَةٌ أَتُصِيبُهُمْ حَاجَةٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ تُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ أَفَنَرْقِيهِمْ؟ قَالَ: وَبِمَ ذَا؟ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ارْقِيهِمْ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

اسْتَرْقُوا) » - بِسُكُونِ الْقَافِ - مِنَ الرُّقْيَةِ، وَهِيَ الْعُوذَةُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - مَا يُرْقَى بِهِ مِنَ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ: أَيِ اطْلُبُوا (لَهُمَا) مَنْ يَرْقِيهِمَا، (فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ) - بِفَتْحَتَيْنِ - أَيْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ لِشَيْءٍ قُوَّةً بِحَيْثُ يَسْبِقُ الْقَدَرَ، (لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) ، لَكِنَّهَا لَا تَسْبِقُ الْقَدَرَ فَكَيْفَ غَيْرُهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَوْ مُبَالَغَةٌ فِي تَحْقِيقِ إِصَابَةِ الْعَيْنِ جَرَى مَجْرَى التَّمْثِيلِ، إِذْ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ سَابِقِ عَلَمِ اللَّهِ، وَنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ، وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: لَأَطْلُبَنَّكَ وَلَوْ تَحْتَ الثَّرَى، وَلَوْ صَعِدْتَ السَّمَاءَ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ إِصَابَةَ الْعَيْنِ لَهَا تَأْثِيرٌ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُعَاجِلَ الْقَدَرَ شَيْءٌ، فَيُؤَثِّرَ فِي إِفْنَاءِ شَيْءٍ وَزَوَالِهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الْمُقَدَّرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ بِالْأَنْفُسِ» "، قَالَ الرَّاوِي يَعْنِي بِالْعَيْنِ.

وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَصِحَّةُ أَمْرِ الْعَيْنِ، وَأَنَّهَا قَوِيَّةُ الضَّرَرِ، وَالْأَمْرُ بِالرُّقَى وَأَنَّهَا نَافِعَةٌ، وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْهَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ كَخَبَرِ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ; لِأَنَّ الرُّقْيَةَ الْمَأْذُونَ فِيهَا مَا كَانَتْ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، أَوْ بِمَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، وَيَجُوزُ شَرْعًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا، بَلْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهَا مَا فُقِدَ فِيهَا شَرْعًا مِنْ ذَلِكَ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ يَبْكِي فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ قَالَ عُرْوَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنْ الْعَيْنِ»

ــ

١٧٤٩ - ١٧٠٠ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ الْمَدَنِيِّ) ، وَفِيهِ رِوَايَةُ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ: (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ) مُرْسَلًا، قَالَ أَبُو عُمَرَ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ صَحِيحٌ يُسْتَنَدُ مَعْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: « (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ) - لَمْ يُسَمَّ - (يَبْكِي فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ، قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ؟) » وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ: اسْتَرَقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا لَنَظْرَةً» ، " بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَضُمُّ، وَعَيْنٍ مُهْمِلَةٍ سَوَادٌ أَوْ حُمْرَةٌ يَعْلُوهَا سَوَادٌ أَوْ

صُفْرَةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّ السَّفْعَةَ أَدْرَكَتْهَا مِنْ جِهَةِ النَّظْرَةِ، وَبَادِئَ الرَّأْيِ أَنَّهَا قِصَّةٌ غَيْرُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ، وَيُحْتَمَلُ اتِّحَادُهُمَا، وَهُوَ الْأَصْلُ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، وَالصَّبِيُّ يُطْلَقُ عَلَى الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ، وَالْبُكَا عَنْ تَأَلُّمِهَا بِالسَّفْعَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْعَيْنِ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِأَنَّ بِهِ الْعَيْنَ قَالَ: فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ تَصْدِيقًا لَهُمْ وَتَعْلِيلًا لِأَمْرِهِ بِالرُّقْيَةِ فَلَا خُلْفَ.

[مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ فَقَالَ انْظُرَا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاءُوهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبْدِلَ لَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ»

ــ

٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ

١٧٥٠ - ١٧٠١ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) ، وَصَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ الْمَكِّيِّ، قَالَ: وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ) الْمُسْلِمُ، أَيْ عَرَضَ لِبَدَنِهِ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ الِاعْتِدَالِ الْخَاصِّ بِهِ، فَأَوْجَبَ الْخَلَلَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، (بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ، فَقَالَ: انْظُرُوا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ) ، جَمْعُ عَائِدٍ (فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاءُوهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَهُوَ أَعْلَمُ) بِذَلِكَ مِنْهُمَا، وَمِنْ غَيْرِهِمَا فَإِنَّمَا الصَّدُّ: الْحَثُّ عَلَى الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْإِخْبَارُ بِجَزَاءِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ.

(فَيَقُولُ) اللَّهُ: (لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ) أَمَتُّهُ، (أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) بِلَا عَذَابٍ، أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ، (وَإِنْ أَنَا أَشَفَيْتُهُ) عَافَيْتُهُ مِنْ مَرَضِهِ، (أَنْ أُبْدِلَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ، وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) الصَّغَائِرَ كُلَّهَا، وَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ مِنْ شَرْطِ الصَّبْرِ، إِنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِهَذَا الثَّوَابِ الْمَخْصُوصِ، فَلَا يُنَافِي خَبَرَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» "، الْمُقْتَضَى تَرَتُّبُ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ عَلَى الْمَرَضِ سَوَاءٌ انْضَمَّ لَهُ صَبْرٌ أَمْ لَا.

وَاشْتِرَاطُ الْقُرْطُبِيِّ الصَّبْرَ مُنِعَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَاحْتِجَاجُهُ بِوُقُوعِ التَّقْيِيدِ بِالصَّبْرِ فِي أَخْبَارٍ لَا تَنْهَضُ ; لِأَنَّ مَا صَحَّ مِنْهَا مُقَيَّدٌ بِثَوَابٍ مَخْصُوصٍ فَاعْتُبِرَ فِيهَا الصَّبْرُ لِحُصُولِهِ، وَلَنْ نَجِدَ حَدِيثًا صَحِيحًا تَرَتَّبَ فِيهِ مُطْلَقٌ

التَّكْفِيرِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَرَضِ مَعَ اعْتِبَارِ الصَّبْرِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ فَتَحَرَّرَ لِي مَا ذَكَرْتُهُ، قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ فِي تَالِيهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوْكَةُ إِلَّا قُصَّ بِهَا أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» لَا يَدْرِي يَزِيدُ أَيُّهُمَا قَالَ عُرْوَةُ

ــ

١٧٥١ - ١٧٠٢ - (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ) - بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ - (ابْنِ خُصَيْفَةَ) - بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ - مُصَغَّرٌ، نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُصَيْفَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ، (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ) أَصْلُهَا الرَّمْيُ بِالسَّهْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: " أَصَابَ " يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [التوبة: ٥٠] (سورة التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ٥٠) ، الْآيَةَ.

وَقِيلَ: الْإِصَابَةُ فِي الْخَيْرِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَّوْبِ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَفِي الشَّرِّ مَأْخُوذَةٌ مِنْ إِصَابَةِ السَّهْمِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُصِيبَةُ لُغَةً: مَا يَنْزِلُ بِالْإِنْسَانِ مُطْلَقًا، وَعُرْفًا: مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ خَاصَّةً، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.

وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَيُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ: " مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ "، وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: " مَا مِنْ وَجَعٍ أَوْ مَرَضٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ "، (حَتَّى الشَّوْكَةُ) الْمَرَّةُ مِنْ مَصْدَرِ " شَاكَهُ " بِدَلِيلِ جَعْلِهَا غَايَةً لِلْمَعَانِي، وَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ: يُشَاكُهَا، وَلَوْ أَرَادَ الْوَاحِدَةَ مِنَ النَّبَاتِ، لَقَالَ: يُشَاكُ بِهَا، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: جَوَّزُوا فِيهِ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثَ، فَالْجَرُّ بِمَعْنَى الْغَايَةِ، أَيْ يَنْتَهِي إِلَى الشَّوْكَةِ، أَوْ عَطْفًا عَنْ لَفْظِ " مُصِيبَةٍ "، وَالنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ عَامِلٍ، أَيْ حَتَّى وِجْدَانِهِ الشَّوْكَةَ، وَالرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي " يُصِيبُ ".

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَيَّدَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَحَلِّ (إِلَّا قُصَّ) بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أُخِذَ (بِهَا) ، وَأَصْلُ الْقَصِّ: الْأَخْذُ، وَمِنْهُ الْقِصَاصُ، أَخْذُ حَقِّ الْمُقْتَصِّ لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: " نُقِصَ " وَهُمَا مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى، قَالَهُ عِيَاضٌ.

(أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، لَا يَدْرِي يَزِيدُ) بْنُ خُصَيْفَةَ (أَيُّهُمَا) ، أَيُّ اللَّفْظَيْنِ: قُصَّ أَوْ كُفِّرَ، (قَالَ عُرْوَةُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: " إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ "، أَيْ لِكَوْنِ ذَلِكَ عُقُوبَةً بِسَبَبِ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلِكَوْنِ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذَنْبِهِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً "، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا: حُصُولُ الثَّوَابِ، وَرَفْعُ الْعِقَابِ،

وَشَاهِدُهُ مَا لِلطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: " «مَا ضُرِبَ عَلَى مُؤْمِنٍ عِرْقٌ قَطُّ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ حَسَنَةً، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً» "، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ.

وَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْهَا: " إِلَّا كَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً "، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ " أَوْ " شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، وَيُحْتَمَلُ التَّنْوِيعُ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ بِهَا حَسَنَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَطَايَا، أَوْ حَطَّ عَنْهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ خَطَايَا، وَعَلَى هَذَا فَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ يُزَادُ فِي رَفْعِ دَرَجَتِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَالْفَضْلُ وَاسِعٌ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعَقُّبٌ عَلَى قَوْلِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَنَّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّ الْمُصَابَ مَأْجُورٌ، وَهُوَ خَطَأٌ صَرِيحٌ، فَإِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكَسْبِ، وَالْمَصَائِبُ لَيْسَتْ مِنْهَا، بَلِ الْأَجْرُ عَلَى الصَّبْرِ وَالرِّضَا، وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ صَرِيحَةٌ فِي ثُبُوتِ الْأَجْرِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْمُصِيبَةِ، وَأَمَّا الصَّبْرُ وَالرِّضَا، فَقَدْرٌ زَائِدٌ يُمْكِنُ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِمَا زِيَادَةً عَلَى ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ.

قَالَ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ: الْمَصَائِبُ كَفَّارَاتٌ جَزْمًا، سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِهَا الرِّضَا، أَمْ لَا، لَكِنْ إِنِ اقْتَرَنَ الرِّضَا عَظُمَ التَّكْفِيرُ وَإِلَّا فَلَا، كَذَا قَالَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةٌ لِذَنْبٍ يُوَازِيهَا وَبِالرِّضَا يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَابِ ذَنْبٌ عُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ بِمَا يُوَازِيهِ.

وَزَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِلْمُصَابِ: جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً لِذَنْبِكَ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ جَعَلَهَا كَفَّارَةً، فَسُؤَالُ التَّكْفِيرِ طَلَبٌ لِحُصُولِ الْحَاصِلِ وَهُوَ إِسَاءَةُ أَدَبٍ عَلَى الشَّارِعِ، وَتُعُقِّبَ بِمَا وَرَدَ مِنْ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِمَا هُوَ وَاقِعٌ كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ لَهُ.

وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فَهُوَ مَشْرُوعٌ لِيُثَابَ مَنِ امْتَثَلَ الْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ.

وَلِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ الْعَبْدَرِيِّ: " «أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَقَهُ وَجَعٌ فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِهِ وَيَشْتَكِي، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَوْ صَنَعَ هَذَا بَعْضُنَا لَوَجِدْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ الصَّالِحِينَ يُشَدَّدُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ نَكْبَةٌ مِنْ شَوْكَةٍ» "، الْحَدِيثَ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»

ــ

١٧٥٢ - ١٧٠٣ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) - بِمُهْمَلَاتٍ - الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ) - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَخِفَّةِ الْمُوَحَّدَةِ -

(سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) الْمَدَنِيَّ الثِّقَةَ الْمُتْقِنَ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا) ، أَيْ جَمِيعَ الْخَيْرَاتِ، أَوْ خَيْرًا عَظِيمًا (يُصِبْ مِنْهُ) ، بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ، وَكَسْرِ الصَّادِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: سَمِعْتُ ابْنَ الْخَشَّابِ يَقْرَؤُهُ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ أَحْسَنُ وَأَلْيَقُ.

قَالَ الطَّيْبِيُّ: أَلْيَقُ بِالْأَدَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: ٨٠] (سورة الشُّعَرَاءِ: الْآيَةُ ٨٠) ، وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِرُوَاةٍ ثِقَاتٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رَفَعَهُ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ مَحْمُودٍ مِنَ الْمُصْطَفَى وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، مَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ» "، وَمَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ: يَنَلْ مِنْهُ بِالْمَصَائِبِ، وَيَبْتَلِيهِ بِهَا لِيُثِيبَهُ عَلَيْهَا، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ يُوَصِّلُ إِلَيْهِ الْمَصَائِبَ لِيُطَهِّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَرْفَعَ دَرَجَتَهُ، وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَكْرُوهٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْمَصَائِبِ طِبٌّ إِلَهِيٌّ يُدَاوَى بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرَاضِ الذُّنُوبِ الْمُهْلِكَةِ، وَيَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ " يُصِبْ " إِلَى " مَنْ "، وَضَمِيرِ " مِنْهُ " إِلَى " اللَّهُ "، أَوْ إِلَى الْخَيْرِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ فَلَا شَاهِدَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الشَّرَّ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ ذَكَرَ الْخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ ; لِأَنَّ تَرْكَ ذِكْرِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِوُضُوحِهِ ; لِأَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ مُرَادٌ لِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ مُخْتَارٌ مَرْضِيٌّ بِهِ إِذَا كَانَ بِإِرَادَةِ الْغَيْرِ لَا مِنْ نَفْسِهِ، فَلِأَنْ يَكُونَ مَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ إِرَادَةٍ وَرِضًا أَوْلَى، وَفِيهِ بُشْرَى عَظِيمَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ; لِأَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَنْفَكُّ غَالِبًا مِنْ أَلَمٍ بِسَبَبِ مَرَضٍ، أَوْ هَمٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الطِّبِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْحَكَ وَمَا يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ يُكَفِّرُ بِهِ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ»

ــ

١٧٥٣ - ١٧٠٤ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ: (أَنَّ رَجُلًا) - لَمْ يُسَمَّ - (جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ) - لَمْ يُسَمَّ - (هَنِيئًا لَهُ، مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَيْحَكَ) كَلِمَةُ رَحْمَةٍ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، كَمَا أَنَّ وَيْلَ كَلِمَةُ عَذَابٍ لِمَنْ

يَسْتَحِقُّهُ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ (وَمَا يُدْرِيكَ) : يُعْلِمُكَ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ) فَإِنَّ غَيْرَ الْمَعْصُومِ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ مُوَاقَعَةِ السَّيِّئَاتِ، فَالْمَرَضُ مُكَفِّرٌ لَهَا، أَوْ رَافِعٌ لِلدَّرَجَاتِ، وَكَاسِرٌ لِشَمَاخَةِ النَّفْسِ.

وَقَدْ رُوِيَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ امْرَأَةً، فَوَصَفَهَا أَبُوهَا بِالْجَمَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَزِيدُكَ أَنَّهَا لَمْ تَمْرَضْ قَطُّ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا لِهَذِهِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَيْرٍ» ".

[التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ مِنْ الْمَرَضِ]

بَابُ التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ مِنْ الْمَرَضِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ «أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُثْمَانُ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ قَالَ فَقُلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ»

ــ

٤ - بَابُ التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ فِي الْمَرَضِ

١٧٥٤ - ١٧٠٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (خُصَيْفَةَ) - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ -: (أَنَّ عَمْرَو) - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - (ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ) بْنِ مَالِكٍ (السَّلَمِيَّ) - بِفَتْحَتَيْنِ - الْأَنْصَارِيَّ الْمَدَنِيَّ الثِّقَةَ، (أَخْبَرَهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ) بْنِ مُطْعِمٍ الْقُرَشِيَّ النَّوْفَلِيَّ الْمَدَنِيَّ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ (أَخْبَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي) الثَّقَفِيِّ الطَّائِفِيِّ، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الطَّائِفِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بِالْبَصْرَةِ.

(أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عُثْمَانُ: وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ) : قَارَبَ (يُهْلِكُنِي) ، وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُثْمَانَ: " أَنَّهُ شَكَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ "، (قَالَ) عُثْمَانُ: ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ: " «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ» "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ: " «ضَعْ يَمِينَكَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَشْتَكِي، فَامْسَحْ بِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ» "، (وَقُلْ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا " قَبْلَ قَوْلِهِ (أَعُوذُ) : أَعْتَصِمُ ( «بِعِزَّةِ اللَّهِ، وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ» ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " وَأُحَاذِرُ "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ: أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَسْحَةٍ مِنَ السَّبْعِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: " «مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ مِنْ وَجَعِي هَذَا» "، (قَالَ) عُثْمَانُ: (فَقُلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي) مِنَ الْوَجَعِ، (فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ) ; لِأَنَّهُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ

الْإِلَهِيَّةِ، وَالطِّبِّ النَّبَوِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَتَكْرَارُهُ يَكُونُ أَنْجَعَ وَأَبْلَغَ كَتَكْرَارِ الدَّوَاءِ الطَّبِيعِيِّ لِاسْتِقْصَاءِ إِخْرَاجِ الْمَادَّةِ.

وَفِي السَّبْعِ خَاصِّيَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا.

وَقَدْ خَصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّبْعَ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ بِشَرْطِ قُوَّةِ الْيَقِينِ، وَصِدْقِ النِّيَّةِ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ نَحْوَ طِفْلٍ أَنْ يَقُولَ مَنْ يُعَوِّذُهُ: مِنْ شَرِّ مَا يَجِدُ وَيُحَاذِرُ.

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفِثُ قَالَتْ فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا»

ــ

١٧٥٥ - ١٧٠٦ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اشْتَكَى) أَيْ مَرِضَ، وَالشِّكَايَةُ: الْمَرَضُ، (يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ) - بِكَسْرِ الْوَاوِ - الْإِخْلَاصُ مُعَوِّذَةٌ تَغْلِيبًا، وَلِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ إِذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» "، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَلِذَا قَالَ الْحَافِظُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ تَغْلِيبٌ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي يُتَعَوَّذُ بِهَا مِنَ السُّورَتَيْنِ.

(وَيَنْفِثُ) - بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَضَمِّهَا بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ - أَيْ يُخْرِجُ الرِّيحَ مِنْ فَمِهِ فِي يَدِهِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ رِيقِهِ وَيَمْسَحُ جَسَدَهُ.

قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: هُوَ شِبْهُ الْبُزَاقِ بِلَا رِيقٍ، أَيْ يَجْمَعُ يَدَيْهِ، وَيَقْرَأُ فِيهِمَا، وَيَنْفِثُ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا عَلَى مَوْضِعِ الْأَلَمِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: أَيْ يَتْفُلُ بِلَا رِيقٍ، أَوْ مَعَ رِيقٍ خَفِيفٍ، أَيْ يَقْرَأُ مَاسِحًا لِجَسَدِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا.

قَالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: يَنْفِثُ عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، قَالَ عِيَاضٌ: وَفَائِدَةُ النَّفْثِ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ، أَوِ الْهَوَاءِ الَّذِي مَسَّهُ الذِّكْرُ، كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنَ الذِّكْرِ، وَفِيهِ تَفَاؤُلٌ بِزَوَالِ الْأَلَمِ وَانْفِصَالِهِ كَانْفِصَالِ ذَلِكَ النَّفْثِ، وَخَصَّ الْمُعَوِّذَاتِ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.

فَفِي الْإِخْلَاصِ كَمَالُ التَّوْحِيدِ.

وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ مَا يَعُمُّ الْأَشْبَاحَ وَالْأَرْوَاحَ، فَابْتَدَأَ بِالْعَامِّ فِي قَوْلِهِ: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: ٢] ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: " {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ} [الفلق: ٣] " ; لِأَنَّ انْبِثَاثَ الشَّرِّ فِيهِ أَكْثَرُ، وَالتَّجَوُّزَ مِنْهُ أَصْعَبُ، وَوَصَفَ الْمُسْتَعَاذَ بِهِ فِي الثَّالِثَةِ بِالرَّبِّ، ثُمَّ بِالْمَلِكِ، ثُمَّ بِالْإِلَهِ، وَأَضَافَهَا إِلَى النَّاسِ، وَكَرَّرَهُ، وَخَصَّ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ بِالْوَسْوَاسِ الْمَعْنَيُّ بِهِ الْمُوَسْوِسُ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَعُوذُ مِنْ شَرِّ الْمُوَسْوِسِ إِلَى النَّاسِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ، وَهُوَ إِلَهُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ، كَمَا

يَسْتَغِيثُ بَعْضُ الْمَوَالِي إِذَا عَثَرَ بِهِمْ خَطْبٌ بِسَيِّدِهِمْ، وَمَخْدُومِهِمْ، وَوَالِي أَمْرِهِمْ.

(قَالَتْ) عَائِشَةُ: (فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ) فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، (كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ) الْمُعَوِّذَاتِ، (وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَذَا لِيَحْيَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَمْسَحُ عَنْهُ (بِيَمِينِهِ) عَلَى جَسَدِهِ (رَجَاءَ بَرَكَتِهَا) ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: " «فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي» ".

وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: " «فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى: " «فَأَفَاقَ وَهِيَ تَمْسَحُ صَدْرَهُ، وَتَدْعُو بِالشِّفَاءِ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْأَلُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى هَذَا» "، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، ثُمَّ يَقْرَأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] ، وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: ١] ، وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: ١] ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ، وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» "، وَهَذِهِ مُغَايِرَةٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ، وَإِنِ اتَّحَدَ إِسْنَادُهُمَا، فَالَّذِي يَتَرَجَّحُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ إِثْبَاتُ الرُّقَى، وَالرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَالرُّقَى بِالْقُرْآنِ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ ذِكْرٍ، وَإِبَاحَةُ النَّفْثِ فِيهِ، وَالْمَسْحُ بِالْيَدِ عِنْدَ الرُّقْيَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَسْحُهَا عَلَى كُلِّ مَا يُرْجَى بَرَكَتُهُ وَشِفَاؤُهُ وَخَيْرُهُ كَالْمَسْحِ عَلَى رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَالتَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ قِيَاسًا عَلَى فِعْلِ عَائِشَةَ، وَالتَّبَرُّكِ بِالْيُمْنَى دُونَ الشِّمَالِ، وَتَفْضِيلِهَا عَلَيْهَا، وَفِي ذَلِكَ مَعْنَى الْفَأْلِ، انْتَهَى.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمُ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الطِّبِّ، وَيُونُسُ عِنْدَهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَكَذَا تَابَعَهُ زِيَادٌ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا قَائِلًا: كُلُّهُمْ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ نَحْوُ حَدِيثِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ " رَجَاءَ بَرَكَتِهَا " إِلَّا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ، وَزِيَادَةُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ» ".

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتَكِي وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ

ــ

١٧٥٦ - ١٧٠٧ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تَشْتَكِي، وَيَهُودِيَّةٌ

تَرْقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ) الْقُرْآنِ، إِنْ رُجِيَ إِسْلَامُهَا، أَوِ التَّوْرَاةِ إِنْ كَانَتْ مُعْرِبَةً بِالْعَرَبِيِّ، أَوْ أُمِنَ تَغْيِيرُهُمْ لَهَا، فَتَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَبِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَبِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ اعْتِقَادِ أَنَّ الرُّقْيَةَ لَا تُؤَثِّرُ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ.

قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رُقْيَةِ الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ الْمُسْلِمَ، وَبِالْجَوَازِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

قَالَ الرَّبِيعُ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنِ الرُّقْيَةِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَرْقِيَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَبِمَا يُعْرَفُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، قُلْتُ: أَيَرْقِي أَهْلُ الْكِتَابِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا رَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.

وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ الرُّقْيَةِ بِالْحَدِيدَةِ، وَالْمِلْحِ، وَعَقْدِ الْخَيْطِ، وَالَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ.

[تَعَالُجِ الْمَرِيضِ]

بَابُ تَعَالُجِ الْمَرِيضِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ فَنَظَرَا إِلَيْهِ فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمَا أَيُّكُمَا أَطَبُّ فَقَالَا أَوَ فِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ»

ــ

٥ - بَابُ تَعَالُجِ الْمَرِيضِ

١٧٥٧ - ١٧٠٨ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ، (أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابَهُ جُرْحٌ) - بِضَمِّ الْجِيمِ - (فَاحْتَقَنَ) ، أَيِ احْتَبَسَ الْجُرْحُ (الدَّمُ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ فَاضَ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ، (وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَإِسْكَانِ النُّونِ، وَمِيمٍ - بَطْنٌ مِنَ الْعَرَبِ، (فَنَظَرَا إِلَيْهِ فَزَعَمَا) ، أَيْ قَالَا: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمَا: أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟) ، أَيْ أَعْلَمُ بِالطِّبِّ (فَقَالَا: أَوَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ) ، مُثَلَّثُ الطَّاءِ: عِلَاجُ الْجِسْمِ، وَالنَّفْسِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَزَعَمَ) ، أَيْ قَالَ (زَيْدُ) بْنُ أَسْلَمَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَنْزَلَ الدَّوَاءَ» ) : مَا يُتَدَاوَى بِهِ (الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ) ، جَمْعُ دَاءٍ، وَهُوَ الْمَرَضُ، أَيِ الْأَمْرَاضَ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْإِنْزَالِ، فَقِيلَ: إِعْلَامُهُ عِبَادَهُ بِهِ، وَمُنِعَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِعُمُومِ الْإِنْزَالِ لِكُلِّ دَاءٍ، وَدَوَائِهِ، وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِقَوْلِهِ: عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ.

وَقِيلَ: إِنْزَالُهُمَا إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ

بِمُبَاشَرَةِ مَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِ، فَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، فَيُخْبِرُونَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ مَثَلًا، أَوْ إِلْهَامٌ لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: عَامَّةُ الْأَدْوَاءِ وَالْأَدْوِيَةِ بِوَاسِطَةِ إِنْزَالِ الْغَيْثِ الَّذِي تَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْأَغْذِيَةُ وَالْأَدْوِيَةُ وَغَيْرُهُمَا، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ لُطْفِ الرَّبِّ بِخَلْقِهِ، فَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالْأَدْوَاءِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِالْأَدْوِيَةِ، وَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالذُّنُوبِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ.

وَفِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، وَدَاءُ الذُّنُوبِ الِاسْتِغْفَارُ» "، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ إِبَاحَةُ التَّدَاوِي، وَإِتْيَانُ الطَّبِيبِ إِلَى الْعَلِيلِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُمْرِضُ وَالشَّافِي، وَأَنَّهُ أَنْزَلَ الْأَمْرَيْنِ، وَلِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْقِي، وَيَقُولُ: " «اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي يَا رَبِّ لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، اشْفِ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» "، وَهَذَا يُصَحِّحُ أَنَّ الْمُعَالَجَةَ إِنَّمَا هِيَ لِتَطْبِيبِ نَفْسِ الْعَلِيلِ، وَأُنْسِهِ لِلْعِلَاجِ، وَرَجَاءِ أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الشِّفَاءِ كَالتَّسَبُّبِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ الْمَفْرُوغِ مِنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْبُرْءَ لَيْسَ فِي وُسْعِ مَخْلُوقٍ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ حِينِهِ، وَقَدْ رَأَيْنَا الْأَطِبَّاءَ يُعَالِجُ أَحَدُهُمُ اثْنَيْنِ عِلَّتُهُمَا وَاحِدَةٌ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَسِنٍّ وَاحِدٍ، وَبَلَدٍ وَاحِدٍ، وَرُبَّمَا كَانَا تَوْأَمَيْنِ فَيُعَالِجُهُمَا بِعِلَاجٍ وَاحِدٍ، فَيَصِحُّ أَحَدُهُمَا، وَيَمُوتُ الْآخَرُ، أَوْ تَطُولُ عِلَّتُهُ، ثُمَّ يَصِحُّ عِنْدَ الْأَمَدِ الْمَعْدُودِ لَهُ، انْتَهَى.

ثُمَّ حَدِيثُ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا، لَكِنَّ شَوَاهِدَهُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْنَدَةٌ كَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ» "، وَلِأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَفَعَهُ: " «تَدَاوَوْا يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، إِلَّا دَاءً وَاحِدًا: الْهَرَمُ» "، وَفِي لَفْظٍ: " إِلَّا السَّامَ " بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفًا، أَيِ الْمَوْتَ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ، فَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الْحَدِيثِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ دَوَاؤُهُ الطَّاعَةُ لَيْسَ شَيْءٌ، لِأَنَّهَا دَوَاءٌ لِلْمَرَضِ الْمَعْنَوِيِّ كَعُجْبٍ وَكِبْرٍ، لَا الْمَوْتِ.

وَفِي قَوْلِهِ: " بِإِذْنِ اللَّهِ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالدَّوَاءِ إِذَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ، بَلْ قَدْ يَنْقَلِبُ دَاءً.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ اكْتَوَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الذُّبْحَةِ فَمَاتَ»

ــ

١٧٥٨ - ١٧٠٩ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي) ، وَوَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ: (أَنَّ سَعْدَ) - بِسُكُونِ الْعَيْنِ - (ابْنَ زُرَارَةَ) بْنِ عَدَسٍ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، أَخُو أَسْعَدَ، بِأَلِفٍ أَوَّلَهُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ وَالْعَدَوِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى النِّفَاقِ، وَلَعَلَّهُ تَابَ، (اكْتَوَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الذُّبَحَةِ) - بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ - قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَهُمَزَةٍ وَعِنَبَةٍ وَكِسْرَةٍ وَصُبْرَةٍ، وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ، أَوْ دَمٌ يَخْنُقُ فَيَقْتُلُ.

وَفِي النِّهَايَةِ: بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ: وَجَعٌ

يَعْرِضُ فِي الْحَلْقِ مِنَ الدَّمِ، وَقِيلَ: قُرْحَةٌ تَظْهَرُ فِيهِ فَيَنْسَدُّ مَعَهَا، وَيَنْقَطِعُ النَّفَسُ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ: الذُّبْحَةُ وَجَعُ الْحَلْقِ.

وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: قُرْحَةٌ فِي حَلْقِ الْإِنْسَانِ مِثْلُ الزَّبِيبَةِ الَّتِي تَأْخُذُ الْحَمِيرَ، (فَمَاتَ) .

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اكْتَوَى مِنْ اللَّقْوَةِ وَرُقِيَ مِنْ الْعَقْرَبِ

ــ

١٧٥٩ - ١٧١٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اكْتَوَى مِنَ اللَّقْوَةِ) - بِلَامٍ مَفْتُوحَةٍ، فَقَافٍ سَاكِنَةٍ - دَاءٌ يُصِيبُ الْوَجْهَ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ.

(وَرُقِيَ مِنَ الْعَقْرَبِ) لِإِذْنِ الْمُصْطَفَى، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ يُرْقَى بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَالُوا: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا أَرَى بَأْسًا مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ: " «لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ، وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْقِي، قَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» "، وَفِي الْمُوَطَّأِ، ابْنُ وَهْبٍ: أَنَّ الرَّجُلَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ مِنْ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ.

وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْكَيِّ، فَاكْتَوَيْنَا، فَمَا أَفْلَحْنَا، وَمَا أَنْجَحْنَا» "، وَهَذَا مَعَ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، أَوْ خِلَافِ الْأَوْلَى، إِذْ لَوْ حَمَلَهُ عَلَى التَّحْرِيمِ مَا اكْتَوَى، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِغَيْرِ التَّحْرِيمِ حَدِيثُ الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَرَ فِي أَثَرٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكْتَوَى إِلَّا أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ نَسَبَ إِلَى كِتَابِ " أَدَبُ النُّفُوسِ " لِلطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ اكْتَوَى.

وَذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ بِلَفْظِ: " «رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكْتَوَى لِلْجُرْحِ الَّذِي أَصَابَهُ بِأُحُدٍ» "، وَالثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَحْرَقَتْ حَصِيرًا، فَحَشَتْ بِهِ جُرْحَهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْكَيَّ الْمَعْهُودَ، وَجَزَمَ السَّفَاقُسِيُّ بِأَنَّهُ اكْتَوَى، وَابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكْتَوِ.

[الْغَسْلِ بِالْمَاءِ مِنْ الْحُمَّى]

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ وَقَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أَخَذَتْ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا «وَقَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُبْرِدَهَا بِالْمَاءِ»

ــ

٦ - بَابُ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ مِنَ الْحُمَّى

هِيَ حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ، وَتَنْتَشِرُ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ وَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ وَهِيَ قِسْمَانِ: عَرَضِيَّةٌ، وَهِيَ الْحَادِثَةُ عَنْ وَرَمٍ، أَوْ حَرَكَةٍ، أَوْ إِصَابَةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ، أَوِ الْقَبْضِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهَا، وَمَرَضِيَّةٌ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَتَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُسَخِّنُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَ مَبْدَأُ تَعَلُّقِهَا بِالرُّوحِ فَهِيَ حُمَّى يَوْمٍ، لِأَنَّهَا تُقْلِعُ غَالِبًا فِي يَوْمٍ، وَنِهَايَتُهَا إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ، فَهِيَ حُمَّى دَقٍّ، وَهِيَ أَخْطَرُهَا، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَخْلَاطِ، سُمِّيَتْ عَفَنِيَّةً، وَهِيَ بِعَدَدِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَحْتَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ.

١٧٦٠ - ١٧١١ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ) زَوْجَتِهِ بِنْتِ عَمِّهِ (فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ) بْنِ الزُّبَيْرِ: (أَنَّ) جَدَّتَهُمَا (أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ، (كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (بِالْمَرْأَةِ، وَقَدْ حُمَّتْ) - بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ مُشَدَّدَةً - (تَدْعُو لَهَا، أَخَذَتِ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا) ، بَيْنَ الْمَحْمُومَةِ (وَبَيْنَ جَيْبِهَا) - بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: أَيْ بَيْنَ طَوْقِهَا وَجَسَدِهَا، (وَقَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا» ) - بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ مُشَدَّدَةً، (بِالْمَاءِ) الْبَارِدِ.

وَفِي فِعْلِ أَسْمَاءَ صِفَةُ التَّبْرِيدِ الْمُطْلَقِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا تُفَسَّرُ بِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الَّتِي كَانَتْ تَلْزَمُ بَيْتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَتَشْكِيكُ بَعْضِ الضَّالِّينَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّ غَسْلَ الْمَحْمُومِ مُهْلِكٌ، وَأَنَّ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ فَعَلَهُ فَهَلَكَ، أَوْ كَادَ لِجَمْعِهِ الْمَسَامَّ، وَخَنْقِهِ الْبُخَارَ وَعَكْسِهِ الْحَرَارَةَ لِدَاخِلِ الْبَدَنِ، جَهْلٌ قَبِيحٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ فَهْمِ كَلَامِ النُّبُوَّةِ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ: " «إِذَا حُمَّ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُشَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنَ السَّحَرِ» "، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ: كُلُّ مَاءٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ اسْتِعْمَالُهُ لَا الصَّدَقَةُ بِهِ كَمَا ادَّعَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَإِنْ وُجِّهَ بِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ،

فَكَمَا أَخْمَدَ لَهِيبَ الْعَطَشِ عَنِ الظَّمْآنِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَخْمَدَ اللَّهُ عَنْهُ لَهِيبَ الْحُمَّى جَزَاءً وِفَاقًا، وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ.

قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنَّ صَرِيحَ الْأَحَادِيثِ تَرُدُّهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَاءُ زَمْزَمَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ بِمَاءِ زَمْزَمَ» " بِالشَّكِّ.

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ: بِمَاءِ زَمْزَمَ، بِدُونِ شَكٍّ، وَجَمْعٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ لِتَيَسُّرِهِ عِنْدَهُمْ، أَمَّا غَيْرُهُمْ فَكُلُّ مَاءٍ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ القَّعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ»

ــ

١٧٦١ - ١٧١٢ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) مُرْسَلًا عِنْدَ الْجَمِيعِ إِلَّا مَعْنَ بْنَ عِيسَى، فَرَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَيْسَتْ رِوَايَتُهُ بِشَاذَّةٍ ; لِأَنَّهُ تَابَعَهُ ابْنُ وَهَبٍ وَهُوَ مَعْلُومُ الِاتِّصَالِ عِنْدَ أَصْحَابِ هِشَامٍ.

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَخَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَرْبَعَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحٍ» ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ.

وَفِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْبُخَارِيِّ: مِنْ فَوْحٍ، بِالْوَاوِ بَدَلَ الْيَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَنْهُ: مِنْ فَوْرٍ، بِالرَّاءِ بَدَلَ الْحَاءِ، وَالثَّلَاثَةُ بِمَعْنَى (جَهَنَّمَ) ، أَيْ سُطُوعِ حَرِّهَا وَفَوَرَانِهِ حَقِيقَةً، أُرْسِلَتْ إِلَى الدُّنْيَا نَذِيرًا لِلْجَاحِدِينَ، وَبَشِيرًا لِلْمُقَرَّبِينَ، لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ، فَاللَّهَبُ الْحَاصِلُ فِي جِسْمِ الْمَحْمُومِ قِطْعَةٌ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قَدَّرَ اللَّهُ ظُهُورَهَا بِأَسْبَابٍ يَقْضِيهَا، لِيَعْتَبِرَ الْعِبَادُ بِذَلِكَ، كَمَا أَنَّ أَنْوَاعَ الْفَرَحِ وَاللَّذَّةِ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، أَظْهَرَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ عِبْرَةً وَدِلَالَةً، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ، شَبَّهَ اشْتِعَالَ حَرَارَةِ الطَّبِيعَةِ فِي كَوْنِهَا مُذِيبَةً لِلْبَدَنِ وَمُعَذِّبَةً لَهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلنُّفُوسِ عَلَى شِدَّةِ حَرِّ النَّارِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

قَالَ الطَّيْبِيُّ: " مِنْ " لَيْسَتْ بَيَانِيَّةً حَتَّى تَكُونَ تَشْبِيهًا كَقَوْلِهِ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٧) ، فَهِيَ إِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيِ الْحُمَّى نَشَأَتْ وَحَصَلَتْ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ بَعْضٌ مِنْهَا، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا فِي الصَّحِيحِ: " «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ» "، فَكَمَا أَنَّ حَرَارَةَ الصَّيْفِ أَثَرٌ مِنْ فَيْحِهَا، كَذَلِكَ الْحُمَّى، وَهِيَ حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ، وَتَنْتَشِرُ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ وَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ.

(فَابْرُدُوهَا) ، بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ: بَرَدْتُ الْحُمَّى أَبْرُدُهَا بَرْدًا بِوَزْنِ قَتَلْتُهَا أَقْتُلُهَا قَتْلًا، أَيْ

أَسْكَنْتُ حَرَارَتَهَا، وَحُكِيَ كَسْرُ الرَّاءِ مَعَ وَصْلِ الْهَمْزَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ رِوَايَةً بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ: أَبْرَدَ الشَّيْءَ إِذَا عَاجَلَهُ فَصَيَّرَهُ بَارِدًا، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وَقَوْلُ أَبِي الْبَقَاءِ: الصَّوَابُ وَصْلُ الْهَمْزَةِ وَضَمُّ الرَّاءِ، زَادَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ قَطْعَهَا، فِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا رِوَايَةً (بِالْمَاءِ) الْبَارِدِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ " شُرْبًا، وَغَسْلَ أَطْرَافٍ " ; لِأَنَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ رَطْبٌ يَنْسَاغُ لِسُهُولَتِهِ فَيَصِلُ لِلَطَافَتِهِ إِلَى أَمَاكِنِ الْعِلَّةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مُعَاوَنَةِ الطَّبِيعَةِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: اعْتَرَضَ بَعْضُ سُخَفَاءِ الْأَطِبَّاءِ الْحَدِيثَ بِأَنَّ اغْتِسَالَ الْمَحْمُومِ بِالْمَاءِ خَطَرٌ يُقَرِّبُهُ مِنَ الْهَلَاكِ ; لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَسَامَّ، وَيَحْقِنُ الْبُخَارَ الْمُتَحَلِّلَ، وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ إِلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلتَّلَفِ، وَغَلَطَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ فَانْغَمَسَ بِالْمَاءِ، أَصَابَهُ الْحُمَّى فَاحْتَقَنَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَاطِنِ بَدَنِهِ، فَأَصَابَتْهُ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ كَادَتْ تُهْلِكُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّتِهِ قَالَ قَوْلًا سَيِّئًا لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ، وَأوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ جَهْلُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ، وَارْتِيَابُهُ فِي صِدْقِهِ، فَيُقَالُ لَهُ أَوَّلًا: مِنْ أَيْنَ حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ الْكَيْفِيَّةِ فَضْلًا عَنِ اخْتِصَاصِهَا بِالْغُسْلِ، وَإِنَّمَا أَرْشَدَ إِلَى تَبْرِيدِهَا بِالْمَاءِ، فَإِنْ أَظْهَرَ الْوُجُودُ أَوِ اقْتَضَتْ صِنَاعَةُ الطِّبِّ أَنَّ إِغْمَاسَ كُلِّ مَحْمُومٍ فِي الْمَاءِ أَوْ صَبَّهُ إِيَّاهُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ فَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِعْمَالَهُ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَعُ فَيُبْحَثُ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهُوَ كَمَا أَمَرَ الْعَائِنَ بِالِاغْتِسَالِ وَأَطْلَقَ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ أَرَادَ الِاغْتِسَالَ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، لَا مُطْلَقِ الِاغْتِسَالِ، فَكَذَلِكَ هُنَا يُحْمَلُ عَلَى مَا بَيَّنَتْهُ أَسْمَاءُ، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ رَوَاهُ، فَهِيَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهَا.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا شَكَّ أَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ احْتِيَاجًا إِلَى التَّفْصِيلِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ الشَّيْءُ دَوَاءَهُ فِي سَاعَةٍ، ثُمَّ يَصِيرُ دَاءً لَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَلِيهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ كَغَضَبٍ يُحْمِي مِزَاجَهُ مَثَلًا فَيَتَغَيَّرُ عِلَاجُهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، فَإِذَا فُرِضَ وُجُودُ الشِّفَاءِ لِشَخْصٍ بِشَيْءٍ فِي حَالَةٍ لَمْ يَلْزَمْ وُجُودُ الشِّفَاءِ بِهِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ، وَأَجْمَعَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالزَّمَانِ وَالْعَادَةِ وَالْغِذَاءِ الْمُتَقَدَّمِ وَالتَّأْثِيرِ الْمَأْلُوفِ وَقُوَّةِ الطِّبَاعِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا مَرَّ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ الِاغْتِسَالُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَيَكُونُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي اطَّلَعَ عَلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَحْيِ، وَيَضْمَحِلُّ عِنْدَ ذَلِكَ كَلَامُ الْأَطِبَّاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَاكَ لِبَعْضِ الْحُمَّيَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَهَذَا أَوْجَهُ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يُبَيِّنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصِّفَةَ وَالْحَالَةَ، فَمِنْ أَيْنَ أَنَّهُ أَرَادَ الِانْغِمَاسَ، وَالْأَطِبَّاءُ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُبَرَّدُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِ الْمَاءِ الْبَارِدِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، نَعَمْ، وَيَسْقُونَهُ الثَّلْجَ، وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُمَّى وَالْغَسْلَ عَلَى مِثْلِ مَا قَالُوهُ، أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ، وَقَدْ

تَأَوَّلَتْ أَسْمَاءُ الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَاهُ، وَقَدْ شَاهَدَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ عَلَى مَا عُلِمَ، انْتَهَى.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُمَّى أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا يَصْلُحُ لَهُ الْإِبْرَادُ بِالْمَاءِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَصْلُحُ، وَالَّذِي يَصْلُحُ إِبْرَادُهُ بِالْمَاءِ يَخْتَلِفُ أَيْضًا، فَمِنْهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَشَّ بَيْنَ بَدَنِ الْمَحْمُومِ وَجَيْبِهِ، أَوْ يُقَطَّرَ عَلَى صَدْرِهِ مِنَ السِّقَاءِ فَلَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى صَبِّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ بَدَنِهِ، أَوْ إِلَى انْغِمَاسِهِ فِي النَّهْرِ الْجَارِي مَرَّةً فَأَكْثَرَ، وَذَلِكَ بِاخْتِلَافِ نَوْعِ الْمَرَضِ، وَكَمَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ يَخْتَلِفُ أَيْضًا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْفَصْلِ، وَالْقَطْرِ، وَالْمِزَاجِ، فَلَا يُسَوَّى بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَلَا بَيْنَ الشَّامِ وَمِصْرَ، وَلَا بَيْنَ مِصْرَ وَالْحِجَازِ، وَلَا بَيْنَ مَنْ مِزَاجُهُ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَبَيْنَ مَنْ مِزَاجُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، وَلَا بَيْنَ مَنْ بِهِ نَزَلَاتٌ وَتَحَدُّرَاتٌ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، هَذَا هُوَ الْمُقَرَّرُ مِنْ قَوَاعِدِ الطِّبِّ.

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، يَسْتَنْقِعُ فِي نَهْرٍ جَارٍ، وَيَسْتَقْبِلُ جِرْيَتَهُ، وَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ، بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلْيَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمْسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فَخَمْسٌ، وَإِلَّا فَسَبْعٌ، وَإِلَّا فَتِسْعٌ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ» "، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، وَفِي سَنَدِهِ سَعِيدُ بْنُ زُرْعَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهَذَا يَنْزِلُ عَلَى مَنْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَنَزَلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قَوَاعِدِ الطِّبِّ دَخَلَ فِي قِسْمِ الْمُعْجِزَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِيهِ " صَدِّقْ رَسُولَكَ "، وَ " بِإِذْنِ اللَّهِ "؟ قَالَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: عَمِلْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَانْغَمَسْتُ فِي بَحْرِ النِّيلِ فَبَرِئْتُ مِنْهَا، قَالَ وَلَدُهُ: وَلَمْ يُحَمَّ بَعْدَهَا، وَلَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ»

ــ

١٧٦١ - ١٧١٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» ) ، حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَيُؤَيِّدُ الْحَقِيقَةَ حَدِيثُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ سَمُرَةَ يَرْفَعُهُ: " «الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ» "، وَمِثْلُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ: (فَأَطْفِئُوهَا) - بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ - أَمْرًا بِإِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا (بِالْمَاءِ) الْبَارِدِ شُرْبًا، وَغَسْلِ أَطْرَافِ، أَوْ جَمِيعِ الْجَسَدِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالزَّمَانِ وَالْمِزَاجِ وَالْمَكَانِ.

وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: " فَأَبْرِدُوهَا "، فَأَشَارَ أَبُو عُمَرَ إِلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا بِالْمَعْنَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَطَقَ بِاللَّفْظَيْنِ ; لِأَنَّ الْمُخَرِّجَ مُخْتَلِفٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ عُفَيْرٍ، وَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ بِهِ فِي مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ

عَبْدُ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَزَادَ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يُحَدِّثُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَكَذَا عَطَفَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَلَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

[عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ]

بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ الرَّحْمَةَ حَتَّى إِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ فِيهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا

ــ

٧ - بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ

أَصْلُ عِيَادَةٍ عِوَادَةٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا، يُقَالُ: عُدْتُ الْمَرِيضَ أَعُودُهُ عِيَادَةً إِذَا زُرْتَهُ وَسَأَلْتَهُ عَنْ حَالِهِ، وَالطِّيَرَةُ - بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ -: التَّشَاؤُمُ بِالشَّيْءِ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ لِحَاجَةٍ، فَإِنْ رَأَى الطَّيْرَ طَارَ عَنْ يَمِينِهِ تَيَمَّنَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ، وَإِنْ طَارَ عَنْ يَسَارِهِ تَشَاءَمَ بِهِ وَرَجَعَ، وَرُبَّمَا هَيَّجُوا الطَّيْرَ لِيَطِيرَ فَيَعْتَمِدُونَ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ مَعَهُمْ فِي الْغَالِبِ لِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ ذَلِكَ، وَبَقِيَتْ بَقَايَا مِنْ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ.

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، وَالظَّنُّ، وَالْحَسَدُ، فَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعْ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَحَقَّقْ» "، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ، وَلِابْنِ عَدِيِّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَأَمْضُوا، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا» ، ولِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: «مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الطِّيَرَةِ شَيْءٌ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» .

١٧١٤ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ) أَخْرَجَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدَ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ، (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ الرَّحْمَةَ» ) ، شَبَّهَ الرَّحْمَةَ بِالْمَاءِ، إِمَّا فِي الطَّهَارَةِ، وَإِمَّا فِي الشُّيُوعِ وَالشُّمُولِ، وَنَسَبَ إِلَيْهَا مَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الْخَوْضِ (حَتَّى إِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ) ، أَيْ ثَبَتَتْ (فِيهِ أَوْ نَحْوُ هَذَا) شَكٌّ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ جَابِرٍ: " قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا» وَلَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: " «عَائِدُ الْمَرِيضِ يَخُوضُ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، وَمِنْ تَمَامِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ عَلَى يَدِهِ فَيَسْأَلُهُ كَيْفَ هُوَ، وَتَمَامُ تَحِيَّتِكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَةُ» .

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا هَامَ وَلَا صَفَرَ وَلَا يَحُلَّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ وَلْيَحْلُلْ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ أَذًى

ــ

١٧١٥ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُكَيْرٍ) - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ - (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ) - بِالْجِيمِ - الْمَخْزُومِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، نَزِيلِ مِصْرَ مِنَ الثِّقَاتِ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا (عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ) ، كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى وَتَابَعَهُ قَوْمٌ.

وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو مُصْعَبٍ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، أَيْ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ، وَابْنُ عَطِيَّةَ اسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطِيَّةَ، وَيُكَنَّى أَبَا عَطِيَّةَ، قِيلَ: هُوَ مَجْهُولٌ لَكِنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ مِنْ وُجُوهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ بُكَيْرٍ فِي ذِكْرِهِ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ، بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ خَالَفَهُ فِي صَحَابِيِّهِ، فَقَالَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْمُوَطَّآتِ، لَكِنَّهُ وَهْمٌ مِنْ أَبِي هَاشِمٍ الرِّفَاعِيِّ رَاوِيهِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا عَدْوَى» ) ، أَيْ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا، أَيْ لَا يَسْرِي، وَلَا يَتَجَاوَزُ شَيْءٌ مِنَ الْمَرَضِ إِلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ بِهِ، يُقَالُ: أَعْدَى فُلَانٌ فَلَانًا مِنْ عِلَّةٍ بِهِ، وَذَلِكَ عَلَى مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُتَطَبِّبَةُ فِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُدَرِيِّ وَالْحَصْبَاءِ وَالسِّحْرِ وَالرَّمَدِ وَالْأَمْرَاضِ الْوَبَائِيَّةِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ ذَلِكَ وَإِبْطَالُهُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

(وَلَا هَامَ) ، وَفِي لَفْظٍ: " وَلَا هَامَةَ " بِخِفَّةِ الْمِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ ; اسْمُ طَائِرٍ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ، فَيَصُدُّهُمْ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ الْبُومَةُ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ، أَيْ لَا يُتَطَيَّرُ بِهِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَفْيُ زَعْمِهِمْ أَنَّهُ إِذَا قُتِلَ قَتِيلٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسَهُ طَائِرٌ، فَلَا يَزَالُ يَقُولُ: اسْقُونِي حَتَّى يُقْتَلَ قَاتِلُهُ، فَيَطِيرُ، وَقِيلَ: كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ تَصِيرُ هَامَةً، وَقِيلَ: إِنَّ رُوحَهُ تَنْقَلِبُ هَامَةً فَتَطِيرُ وَيُسَمُّونَهَا: الصَّدَى، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا تَفْسِيرُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّوْعَانِ، وَأَنَّهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ.

(وَلَا صَفَرَ) : الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُحَرِّمُهُ، وَتَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ النَّسِيءُ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِرَدِّ ذَلِكَ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُرْوَى عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ صَفَرَ حَيَّةٌ تَكُونُ فِي الْبَطْنِ تَهِيجُ عِنْدَ الْجُوعِ لِلنَّاسِ، وَالْمَاشِيَةِ، وَرُبَّمَا قَتَلَتْ صَاحِبَهَا، وَأَنَّهَا تُعْدِي أَقْوَى مِنَ الْجَرَبِ، فَالْحَدِيثُ لِنَفْيِ ذَلِكَ، أَوْ لِنَفْيِ الْعَدْوَى، بِهِ قَوْلَانِ، وَأُيِّدَ هَذَا التَّفْسِيرُ بِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عبدِ اللهِ فَسَّرَ الصَّفَرَ فَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: حَيَّاتُ الْبَطْنِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ نَفْيٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ شَهْرَ صَفَرٍ تَكْثُرُ فِيهِ الدَّوَاهِي.

(وَلَا يَحُلَّ) - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ - وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُورِدُ (الْمُمْرِضُ) - بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفَتْحِهَا - مِنَ الْإِبِلِ

(عَلَى الْمُصِحِّ) - بِكَسْرِ الصَّادِ - مِنْهَا فَرُبَّمَا يُصَابُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ الَّذِي أَوْرَدَهُ: لَوْ أَنِّي مَا أَحْلَلْتُهُ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحِلَّهُ لَأَصَابَهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ فَنَهَى عَنْهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ غَالِبًا مِنْ وُقُوعِهَا فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» "، وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُذَامَ لَا يُعْدِي، لَكِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا نَفْرَةً وَكَرَاهِيَةً لِمُخَالَطَتِهِ.

وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ» "، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ، فَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ، فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «فَمَا أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ نَفْسٍ، وَكَتَبَ حَالَهَا، وَمُصَابَهَا، وَرِزْقَهَا» "، الْحَدِيثَ، فَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدَرِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ} [الحديد: ٢٢] (سورة الْحَدِيدِ: الْآيَةُ ٢٢) ، الْآيَةَ.

وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ إِيرَادِ الْمُمْرِضِ، فَمِنْ بَابِ اجْتِنَابِ الْأَسْبَابِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَجَعَلَهَا أَسْبَابًا لِلْهَلَاكِ، أَوِ الْأَذَى، وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِاتِّقَاءِ أَسْبَابِ الْبَلَاءِ إِذَا كَانَ فِي عَافِيَةٍ مِنْهَا.

وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِحَائِطٍ مَائِلٍ فَقَالَ: أَخَافُ مَوْتَ الْفَوَاتِ» وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَحْلُلِ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ) ، فَلَهُ نُزُولُ مَحَلَّةِ الْمَرِيضِ إِنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ.

(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّهُ أَذًى) ، أَيْ يَتَأَذَّى بِهِ، لَا أَنَّهُ يُعْدِي، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ، أَوْ غَنَمِهِ الْجَرِبَةِ، فَيَحُلَّ بِهَا عَلَى مَاشِيَةٍ صَحِيحَةٍ.

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: سَمِعْتُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ فِي رَجُلٍ يَكُونُ بِهِ الْجُذَامُ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الصَّحِيحِ يُؤْذِيهِ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي، فَالْأَنْفُسُ تَكْرَهُهُ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّهُ أَذًى، يَعْنِي لَا لِلْعَدْوَى.

وَأَمَّا الصَّحِيحُ، فَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَحَلَّةَ الْمَرِيضِ إِنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ.

[باب الشَّعْرِ] [السُّنَّةِ فِي الشَّعْرِ]

كِتَابُ الشَّعَرِ

بَابُ السُّنَّةِ فِي الشَّعْرِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى»

ــ

٥١ - كِتَابُ الشَّعَرِ

١ - بَابُ السُّنَّةِ فِي الشَّعَرِ

١٧٦٤ - ١٧١٦ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ) الْعَدَوِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، صَدُوقٌ، يُقَالُ: اسْمُهُ عُمَرُ (عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ شَيْخِ الْإِمَامِ، رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ) نَدْبًا وَقِيلَ: وُجُوبًا (بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ) ، أَيْ بِإِزَالَةِ مَا طَالَ مِنْهَا عَلَى الشَّفَتَيْنِ حَتَّى تَبِينَ الشَّفَةُ بَيَانًا ظَاهِرًا كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْإِمَامُ فِيمَا مَرَّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ مَنَعَ حَلْقَ الشَّارِبِ، وَمَنْ قَالَ: يُنْدَبُ حَلْقُهُ، قَالَ: مَعْنَاهُ الِاسْتِئْصَالُ ; لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلُّغَةِ لِأَنَّ الْإِحْفَاءَ أَصْلُهُ الِاسْتِقْصَاءُ، وَهَذَا يَرُدُّهُ حَدِيثُ: " «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» "، فَدَلَّ التَّعْبِيرُ بِمِنِ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَأْصِلُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُصُّ شَارِبَهُ» "، وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْمُغِيرَةِ: " «ضِفْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ شَارِبِي وَفَى فَقَصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ» "، وَفِي الْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ: " فَوَضَعَ السِّوَاكَ تَحْتَ الشَّارِبِ، وَقَصَّ عَلَيْهِ "، وَفِي الْبَزَّارِ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا وَشَارِبُهُ طَوِيلٌ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِمِقَصٍّ وَسِوَاكٍ، فَجَعَلَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِهِ، ثُمَّ أَخَذَ مَا جَاوَزَهُ» "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ: رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ: أَبُو أُمُامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَعُتْبَةُ بْنُ هَوْنٍ السُّلَمِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَامِرٍ الثُّمَالِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، وَلَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ حَلْقَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ كَأَخِي الْحَلْقِ، رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ ; لِأَنَّهُ رَاوِي الْحَدِيثِ مَعَ مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَنِ ; لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِقَوْلِهِ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَدِيثِ الْقَصِّ كَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.

أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

بْنِ أَبِي رَافِعٍ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عُمَرَ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَأَبَا أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَأَبَا رَافِعٍ يُنْهِكُونَ شَوَارِبَهُمْ كَالْحَلْقِ، وَلِذَا ذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ إِلَى التَّخْيِيرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَى قَوْلَ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ، وَنَقَلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْإِحْفَاءَ: الِاسْتِئْصَالُ، قَالَ: دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَلَا تَعَارُضَ، فَالْقَصُّ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ، وَالْإِحْفَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ، فَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ، فَيُخَيَّرُ فِيمَا شَاءَ.

(وَإِعْفَاءِ اللِّحَى) ، بِكَسْرِ اللَّامِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَبِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ: جَمْعُ لِحْيَةٍ بِالْكَسْرِ فَقَطْ، اسْمٌ لِمَا يَنْبُتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ وَالذَّقَنِ، وَمَعْنَاهُ تَوَفُّرُهَا لِتَكْثُرَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.

وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ إِعْفَاءَهَا مِنَ الْإِحْفَاءِ ; لِأَنَّ كَثْرَتَهَا أَيْضًا لَيْسَ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانَا يَأْخُذَانِ مِنَ اللِّحْيَةِ مَا فَضَلَ عَنِ الْقَبْضَةِ.

وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ اللِّحْيَةِ إِذَا طَالَتْ جِدًّا، قَالَ: أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا وَيُقَصَّ، انْتَهَى.

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا بِالسَّوِيَّةِ» "، أَيْ لِيَقْرُبَ مِنَ التَّدْوِيرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ; لِأَنَّ الِاعْتِدَالَ مَحْبُوبٌ، وَالطُّولَ الْمُفْرِطَ قَدْ يُشَوِّهُ الْخَلْقَ، وَيُطْلِقُ أَلْسِنَةَ الْمُغْتَابِينَ، فَفِعْلُ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى تَقْصِيصِ اللِّحْيَةِ، وَجَعْلِهَا طَاقَاتٍ فَيُكْرَهُ، أَوْ يَقْصِدُ الزِّينَةَ وَالتَّحْسِينَ لِنَحْوِ النِّسَاءِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَأَمْرِهِ ; لِأَنَّهُ فِي الْأَخْذِ مِنْهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، أَوْ لِنَحْوِ تَزَيُّنٍ، وَفِعْلُهُ فِيمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ لِتَشَعُّثٍ أَوْ إِفْرَاطِ طُولٍ يُتَأَذَّى بِهِ.

وَقَالَ الطَّيْبِيُّ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَصُّهَا كَالْأَعَاجِمِ، أَوْ وَصْلُهَا كَذَنَبِ الْحِمَارِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الِاسْتِئْصَالُ، أَوْ مَا قَارَبَهُ بِخِلَافِ الْأَخْذِ الْمَذْكُورِ.

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ «يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ»

ــ

١٧٦٥ - ١٧١٧ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ حُمَيْدِ) - بِضَمِّ الْحَاءِ - (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الثَّبْتِ الْحُجَّةِ: (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ الْأُمَوِيَّ (عَامَ حَجَّ) ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) النَّبَوِيِّ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بَعْدَ الْخِلَافَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَآخِرُ حَجَّةٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، (وَتَنَاوَلَ) : أَخَذَ مُعَاوِيَةُ (قُصَّةً) - بِضَمِّ الْقَافِ، وَشَدِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - خُصْلَةً (مِنْ شَعَرٍ) تَزِيدُهَا الْمَرْأَةُ فِي شَعَرِهَا

لِتُوهِمَ كَثْرَتَهُ، (كَانَتِ) الْقُصَّةُ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ، أَيْ ذَلِكَ الشَّعَرُ (فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ) ، بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالرَّاءِ، وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَاتِ، وَتَحْتِيَّةٍ، مِنْ خَدَمِهِ الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: وَجَدْتُ هَذِهِ عِنْدَ أَهْلِي، وَزَعَمُوا أَنَّ النِّسَاءَ يَزِدْنَهُ فِي شُعُورِهِنَّ.

وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ: مَا كُنْتُ أَرَى يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ، (يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) ، أَيْ لِيُسَاعِدُوهُ عَلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ، أَوْ لِيُنْكِرَ هُوَ عَلَيْهِمْ إِهْمَالَهُمْ إِنْكَارَ ذَلِكَ، وَعَدَمَ تَغْيِيرِهِمْ لِذَلِكَ الْمُنْكَرِ.

(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ) الْقُصَّةِ الَّتِي تَصِلُهُ الْمَرْأَةُ بِشَعَرِهَا، (وَيَقُولُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّمَا هَلَكَتْ) ، وَلِمُسْلِمٍ: إِنَّمَا عُذِّبَ (بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ) ، أَيْ مِثْلَ هَذِهِ الْقُصَّةِ، وَوَصَلَهَا بِالشَّعَرِ (نِسَاؤُهُمْ) .

وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ مُعَاوِيَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهُ الزُّورَ» "، يَعْنِي الْوَصْلَةَ فِي الشَّعَرِ، أَيْ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، وَالزُّورُ: الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سُوءٍ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نَهَى عَنِ الزُّورِ» .

قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا وَهَذَا الزُّورُ.

قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ شُعُورَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ الِاعْتِبَارُ وَالْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ لِخَوْفِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْهَلَاكَ كَبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَهُ اسْتَحَقَّهُ، أَوْ يَعْفُو اللَّهُ، وَوُجُوبُ اجْتِنَابِ عَمَلٍ هَلَكَ بِهِ قَوْمٌ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقُصَّةَ لَمْ تُفْشَ فِيهِمْ حَتَّى أَعْلَنُوا بِالْكَبَائِرِ، فَكَأَنَّ الْقُصَّةَ عَلَامَةٌ لَا تَكَادُ تَظْهَرُ إِلَّا فِي أَهْلِ الْفِسْقِ، لَا أَنَّهَا فَعْلَةٌ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا الْهَلَاكَ بِهَا دُونَ أَنْ يُجَامِعَهَا غَيْرُهَا.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ نُهُوا تَحْرِيمًا عَنْ ذَلِكَ، فَاتَّخَذُوهُ اسْتِخْفَافًا، فَهَلَكُوا.

وَالَّذِي مُنِعُوا مِنْهُ جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا مِثْلُهُ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: " «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ، وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» "، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَبَرٌ، فَيَكُونُ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ دُعَاءٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَابْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا: غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: «إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ» .

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ»

قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى شَعَرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ أَوْ شَعَرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ بَأْسٌ

ــ

١٧٦٦ - ١٧١٨ - (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيِّ، نَزِيلِ مَكَّةَ، ثُمَّ الْيَمَنِ، ثِقَةٌ

ثَبْتٍ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ: كَانَ أَثْبَتَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) شَيْخِ الْإِمَامِ، رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ.

(أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَذَا أَرْسَلَهُ رُوَاةُ مَالِكٍ إِلَّا حَمَّادَ بْنَ خَالِدٍ الْخَيَّاطَ، فَأَسْنَدَهُ عَنْ أَنَسٍ فَأَخْطَأَ فِيهِ، وَالصَّوَابُ عَنْ مَالِكٍ، مُرْسَلٌ، وَالصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ( «سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاصِيَتَهُ» ) ، أَيْ أَنْزَلَ شَعَرَهَا عَلَى جَبْهَتِهِ، (مَا شَاءَ اللَّهُ) مُوَافَقَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَتَهُمْ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ لِتَمَسُّكِهِمْ فِي زَمَانِهِ بِبَقَايَا شَرَائِعِ الرُّسُلِ، أَوْ لِاسْتِئْلَافِهِمْ كَمَا تَآلَفَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ قِبْلَتِهِمْ.

(ثُمَّ فَرَقَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ، رُوِيَ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا، أَيْ أَلْقَى شَعَرَهُ إِلَى جَانِبَيْ رَأْسِهِ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى جَبْهَتِهِ.

وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: " ثُمَّ أُمِرَ بِالْفَرْقِ فَفَرَقَ "، وَكَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ (بَعْدَ ذَلِكَ) حِينَ أَسْلَمَ غَالِبُ الْوَثَنِيِّينَ، وَغَلَبَتِ الشِّقْوَةُ عَلَى الْيَهُودِ، وَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ الِاسْتِئْلَافُ فَخَالَفَهُمْ، وَأَمَرَ بِمُخَالَفَتِهِمْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: " «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» "، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ غَيْرُهُ: وَلِأَنَّهُ أَنْظَفُ وَأَبْعَدُ عَنِ السَّرَفِ فِي غَسْلِهِ، وَعَنْ مُشَابَهَةِ النِّسَاءِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْفَرْقِ وَالسَّدْلِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَأَنَّهُ ظَهَرَ الشَّرْعُ بِهِ، لَكِنْ لَا وُجُوبًا ; لِأَنَّ مِنَ الصَّحْبِ مَنْ سَدَلَ بَعْدَهُ، فَلَوْ كَانَ الْفَرْقُ وَاجِبًا مَا سَدَلُوا، وَزَعْمُ نَسْخِهِ يَحْتَاجُ لِبَيَانِ نَاسِخِهِ وَتَأَخُّرِهِ عَنِ الْمَنْسُوخِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ نُسِخَ مَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَوَهُّمُ النَّسْخِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ أَصْلًا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ حُبَّهُ مُوَافَقَتَهُمْ، وَمُخَالَفَتَهُمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مَصْلَحَةً، وَحَدِيثُ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ: إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَهَا، وَإِلَّا تَرَكَهَا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ ; لِأَنَّهُ ذُكِرَ مَعَ أَوْصَافِهِ الدَّائِمَةِ، وَجِبِلَّتِهِ الَّتِي كَانَ مَوْصُوفًا بِهَا، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْفَرْقَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ، انْتَهَى.

وَقَالَ الْحَافِظُ: حَدِيثُ هِنْدٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ أَوَّلًا لِمَا بَيَّنَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْدُلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ» .

(قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى شَعَرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ أَوْ شَعَرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ بِأْسٌ) ، لِجَوَازِ ذَلِكَ بِلَا شَهْوَةٍ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ وَيَقُولُ فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ

ــ

١٧٦٧ - ١٧١٩ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ) ، قِيلَ: صَوَابُهُ الْخِصَاءُ بِ كَسْرِ الْخَاءِ، وَالْمَدِّ، مَصْدَرُ خَصِيَ: سَلَّ الْخُصْيَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ سَيِّدُ الْفُصَحَاءِ.

رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ يَرْفَعُهُ: " «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَنَالُهُمُ الْإِخْصَاءُ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» "، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: ١١٩] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١١٩) ، قَالَ: هُوَ الْإِخْصَاءُ.

وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ مِثْلُهُ.

(وَيَقُولُ فِيهِ) ، أَيْ فِي إِبْقَائِهِ (تَمَامُ الْخَلْقِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَرْكِ الْخِصَاءِ تَمَامٌ، وَرُوِيَ: نَمَاءُ الْخَلْقِ ; يَعْنِي بِالنُّونِ مِنَ النُّمُوِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَخُصُّوا مَا يُنَمِّي خَلْقَ اللَّهِ» "، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخْصَى أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ» "، وَلَعَلَّ وَجْهَ ذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ فِي تَرْجَمَةِ السُّنَّةِ فِي الشَعَرِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخُصَّ نَبْتَ الشَّعَرِ، فَيُؤْمَرُ بِمَا يُؤْمَرُ بِهِ فِيهِ مَنْ لَهُ شَعَرٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ إِذَا اتَّقَى وَأَشَارَ بِإِصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ»

ــ

١٧٦٨ - ١٧٢٠ - (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) - بِضَمِّ السِّينِ - الْمَدَنِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيِّ مَوْلَاهُمْ ثِقَةٌ مُفْتٍ عَابِدٌ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً، (أَنَّهُ بَلَغَهُ) : وَصَلَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أُنَيْسَةَ عَنْ أُمِّ سَعِيدٍ بِنْتِ مُرَّةَ الْبَهْزِيِّ عَنْ أَبِيهَا: ( «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ» ) ، أَيْ لِلْقَيِّمِ بِأَمْرِهِ وَمَصَالِحِهِ هِبَةً مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، (لَهُ) بِأَنْ يَكُونَ جَدًّا أَوْ عَمًّا أَوْ أَخًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَارِبِ، أَوْ يَكُونَ أَبُو الْمَوْلُودِ قَدْ مَاتَ فَقَامَتْ أُمُّهُ مَقَامَهُ، أَوْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَقَامَ أَبُوهُ فِي التَّرْبِيَةِ مَقَامَهَا.

(أَوْ لِغَيْرِهِ) بِأَنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ.

وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «مَنْ كَفَلَ يَتِيمًا ذَا قَرَابَةٍ، أَوْ لَا قَرَابَةَ لَهُ» ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ (فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ) ، إِذَا اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ، نَوَاهِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَتِيمِ، (وَأَشَارَ) عِنْدَ قَوْلِهِ: كَهَاتَيْنِ، قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ بِإِبْهَامِ الْمُشِيرِ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ، وَأَشَارَ مَالِكٌ، وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ بُكَيْرٍ: وَأَشَارَ

النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( «بِإِصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ» ) ، أَيِ السَّبَّابَةِ، وَفِي مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ: بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفِي الْبُخَارِيِّ: " «وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا» "، أَيْ أَنَّ الْكَافِلَ فِي الْجَنَّةِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّ دَرَجَتَهُ لَا تَبْلُغُ دَرَجَتَهُ بَلْ تُقَارِبُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَقٌّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِيَكُونَ رَفِيقَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنَّةِ، وَلَا مَنْزِلَةَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: قُرْبُ الْمَنْزِلَةِ حَالَ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ تَأَيَّمْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي» "، وَرُوَاتُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ: سُرْعَةُ الدُّخُولِ، وَعُلُوُّ الْمَنْزِلَةِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَفَعَهُ: " «أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى مَاتُوا، أَوْ بَانُوا» "، فَهَذَا فِيهِ قَيْدٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ جَابِرٍ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ أَضْرِبُ مِنْهُ يَتِيمِي؟ قَالَ: مَا كُنْتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ غَيْرَ وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ» "، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: " «حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ» "، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ لِلْكَفَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمَدًا، وَمُنَاسَبَةُ التَّشْبِيهِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا، يَعْنِي الْعِرَاقِيَّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبْعَثَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَعْقِلُونَ أَمْرَ دِينِهِمْ، فَيَكُونَ كَافِلًا لَهُمْ، وَمُرْشِدًا وَمُعَلِّمًا، وَكَافِلُ الْيَتِيمِ يَقُومُ بِكَفَالَةِ مَنْ لَا يَعْقِلُ أَمْرَ دِينِهِ، بَلْ وَلَا دُنْيَاهُ فَيُرْشِدُهُ، وَيُعَلِّمُهُ، وَيُحْسِنُ أَدَبَهُ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَلِمَالِكٍ فِي هَذَا إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْغَيْثِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» "، وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ لَعَلَّ وَجْهَ إِيرَادِهِ فِي تَرْجَمَةِ السُّنَّةِ فِي الشَّعَرِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ كَفَالَةِ الْيَتِيمِ إِصْلَاحَ شَعَرِهِ، وَتَسْرِيحَهُ، وَدَهْنَهُ.

[إِصْلَاحِ الشَّعَرِ]

٢ - بَابُ إِصْلَاحِ الشَّعَرِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ لِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا»

ــ

١٧٦٩ - ١٧٢١ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) ، مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ

عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ (الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ لِي جُمَّةً) - بِضَمِّ الْجِيمِ، وَشَدِّ الْمِيمِ -: شَعَرُ الرَّأْسِ إِذَا بَلَغَ الْمَنْكِبَيْنِ، (أَفَأُرَجِّلُهَا؟) - بِالْجِيمِ - أُسَرِّحُهَا، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ) ، رَجِّلْهَا، (وَأَكْرِمْهَا) بِصَوْنِهَا مِنْ نَحْوِ وَسَخٍ وَقَذَرٍ، وَبِتَعَاهُدِهَا بِالتَّنْظِيفِ وَالِادِّهَانِ.

(فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِتَشَعُّثِهَا بِعَمَلٍ، أَوْ غُبَارٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ الْإِعْيَاءَ.

(لِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) ، أَيْ لِقَوْلِهِ: (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ، وَأَكْرِمْهَا) ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَفَعَاهُ: " «إِذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ شَعَرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» ".

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ أَنْ اخْرُجْ كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ»

ــ

١٧٧٠ - ١٧٢٢ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ، وَجَاءَ مَوْصُولًا بِمَعْنَاهُ عَنْ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ، (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ» ) ، بِمُثَلَّثَةٍ، أَيْ شَعِثُهُ، (وَاللِّحْيَةِ) بِتَرْكِ تَعَاهُدِهِمَا بِمَا يُصْلِحُهُمَا مِنْ تَرْجِيلٍ وَغَيْرِهِ.

(فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ) مِنَ الْمَسْجِدِ، (كَأَنَّهُ يَعْنِي) بِذَلِكَ (إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ) ، أَصْلَحَهُمَا، ( «ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟» ) ، فِي قُبْحِ الْمَنْظَرِ عَلَى عُرْفِ الْعَرَبِ فِي تَشْبِيهِ الْقَبِيحِ بِالشَّيْطَانِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرَى لِمَا أَوْقَعَ اللَّهُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ طَلْعَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: ٦٥] (سورة الصَّافَّاتِ: الْآيَةُ ٦٥) .

[مَا جَاءَ فِي صَبْغِ الشَّعَرِ]

٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَبْغِ الشَّعَرِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالَ وَكَانَ جَلِيسًا لَهُمْ وَكَانَ أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ قَالَ فَغَدَا عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ حَمَّرَهُمَا قَالَ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ هَذَا أَحْسَنُ فَقَالَ إِنَّ أُمِّي عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْبَارِحَةَ جَارِيَتَهَا نُخَيْلَةَ فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ لَأَصْبُغَنَّ وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَصْبُغُ

قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي صَبْغِ الشَّعَرِ بِالسَّوَادِ لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَعْلُومًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّبْغِ أَحَبُّ إِلَيَّ قَالَ وَتَرْكُ الصَّبْغِ كُلِّهِ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ ضِيقٌ

قَالَ وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصْبُغْ وَلَوْ صَبَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ

ــ

١٧٧١ - ١٧٢٣ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ) الْقُرَشِيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ الزُّهْرِيَّ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاتَ أَبُوهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَلِذَلِكَ عُدَّ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ.

(قَالَ: وَكَانَ جَلِيسًا لَهُمْ، وَكَانَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدْ حَمَّرَهَا) : صَبَغَهَا بِالْحُمْرَةِ، (قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: هَذَا أَحْسَنُ) مِنَ الْبَيَاضِ (قَالَ: إِنَّ أُمِّي عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْبَارِحَةَ جَارِيَتَهَا نُخَيْلَةَ) بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ مُعْجَمَةً عِنْدَ يَحْيَى مُهْمَلَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ.

(فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ لَأَصْبُغَنَّ) - بِضَمِّ الْبَاءِ، وَكَسْرِهَا -، (وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ - عَنْهُ كَانَ يَصْبُغُ) ، بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا وَفَتْحُهَا.

(قَالَ مَالِكٌ فِي صَبْغِ الشَّعَرِ بِالسَّوَادِ: لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الصَّبْغِ أَحَبُّ إِلَيَّ) كَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، (وَتَرْكُ الصَّبْغِ كُلِّهِ وَاسِعٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَيْسَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ ضِيقٌ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الصَّبْغُ بِغَيْرِ السَّوَادِ سُنَّةٌ.

(قَالَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَصْبُغْ، وَلَوْ صَبَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ) مَعَ قَوْلِهَا: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَصْبُغُ، أَوْ بِدُونِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَنَسٌ كَوْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبَغَ.

«وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ» .

وَقَالَ أَبُو رِمْثَةَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ، وَلَهُ شَعَرٌ قَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ، وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ» ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ.

«وَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَلْ خَضَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَوَافَقَ مَالِكٌ أَنَسًا عَلَى الْإِنْكَارِ.

وَتَأَوَّلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِحَمْلِهِ عَلَى الثِّيَابِ لَا الشَّعَرِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «كَانَ يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ حَتَّى عِمَامَتِهِ» "، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُهُ أَيْضًا: " «كَانَ يُصَفِّرُ بِهِمَا لِحْيَتَهُ» "، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مِمَّا يَتَطَيَّبُ بِهِ لَا أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ بِهِمَا.

وَحَمْلُ أَحَادِيثِ غَيْرِهِ إِنْ صَحَّتْ عَلَى أَنَّ تَلَوُّنَهُ مِنَ الطِّيبِ لَا مِنَ الصَّبْغِ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.

قَالَ رَبِيعَةُ: «رَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ، فَسَأَلْتُ فَقِيلَ: أَحْمَرُ مِنَ الطِّيبِ» .

قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الْمَسْئُولِ الْمُجِيبِ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الْحَاكِمَ رَوَى «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ لِأَنَسٍ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ قَدْ لُوِّنَ فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا الَّذِي لُوِّنَ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي كَانَ يُطَيِّبُ بِهِ شَعَرَهُ فَهُوَ الَّذِي غَيَّرَ لَوْنَهُ» .

فَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَبِيعَةَ سَأَلَ أَنَسًا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ.

وَفِي رِجَالِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَالْغَرَائِبِ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَمَّا مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْئٌ مِنْ شَعَرِهِ، لِيَكُونَ أَبْقَى لَهَا "، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا اسْتَقَامَ إِنْكَارُ أَنَسٍ، وَيَقْبَلُ مَا أَثْبَتَهُ سِوَاهُ التَّأْوِيلَ، وَأُوِّلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ صَبَغَ فِي وَقْتٍ حَقِيقَةً، وَتَرَكَ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ بِمَا رَأَى وَهُوَ صَادِقٌ، فَمَنْ أَثْبَتَهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ، وَيُحْمَلُ نَفْيُ أَنَسٍ عَلَى غَلَبَةِ الشَّيْبِ، حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى خِضَابِهِ، وَلَمْ يُتَّفَقْ أَنَّهُ رَآهُ حِينَ خَضَبَ، وَغَايَةُ مَا يُفِيدُهُ هَذَا عَدَمَ الْحُرْمَةِ ; لِأَنَّهُ يَفْعَلُ الْمَكْرُوهَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ كَالْمُتَعَيَّنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ» "، وَلَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ لِصِحَّتِهِ، وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ، فِيهِ نَظَرٌ، إِذْ هُوَ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلٌ لِلثِّيَابِ وَالشَّعَرِ، وَجَاءَ مَا يُعَيِّنُ الْأَوَّلَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ حَتَّى عِمَامَتِهِ» "، وَلِذَا رَجَّحَهُ عِيَاضٌ.

[مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ التَّعَوُّذِ]

٤ - بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ التَّعَوُّذِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي أُرَوَّعُ فِي مَنَامِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ»

ــ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إِذَا قُلْتَهُنَّ طَفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَى فَقَالَ جِبْرِيلُ فَقُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ اللَّاتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَشَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ»

ــ

١٧٧٣ - ١٧٢٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّهُ قَالَ) مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، السُّلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ، بِالْفَوْقِيَّةِ: الْحَافِظُ هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْجِنِّ أَقْبَلَ عِفْرِيتٌ فِي يَدِهِ شُعْلَةٌ فَذَكَرَهُ، انْتَهَى.

وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ لَيْلَةَ الْجِنِّ هِيَ لَيْلَةُ اسْتِمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ، وَهِيَ غَيْرُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، فَهُمَا حَدِيثَانِ، وَإِنِ اتَّحَدَ لَفْظُ الِاسْتِعَاذَةِ فِيهِمَا.

( «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى عِفْرِيتًا» ) ، هُوَ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ (مِنَ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ) - بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - (مِنْ نَارٍ) ، وَهِيَ شِبْهُ الْجَذْوَةِ - بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ - الْجَمْرَةُ (كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَآهُ)

يَطْلُبُهُ لِقَصْدِ إِيذَائِهِ، لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهِ، (فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إِذَا قُلْتَهُنَّ طَفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ) ، بِالْمُعْجَمَةِ، وَشَدِّ الرَّاءِ: سَقَطَ (لِفِيهِ) ، أَيْ عَلَيْهِ.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَلَى) عَلِّمْنِي، (فَقَالَ جِبْرِيلُ: فَقُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: قَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو بَكْرٍ: هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِي، أُمِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهَا.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمُحَارِبِيُّ: مَعْنَاهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ، (وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ) : صِفَاتِهِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ، وَقِيلَ: الْعِلْمُ لِأَنَّهُ أَعَمُّ الصِّفَاتِ، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: جَمِيعُ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُضَافَ إِلَى الْمَعَارِفِ يَعُمُّ.

(التَّامَّاتِ) ، أَيِ الْكَامِلَةِ، فَلَا يَدْخُلُهَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ، وَقِيلَ: النَّافِعَةُ، وَقِيلَ: الشَّافِيَةُ (اللَّاتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ) ، لَا يَتَعَدَّاهُنَّ (بَرٌّ) - بِفَتْحِ الْبَاءِ - تَقِيٌّ (وَلَا فَاجِرٌ) : مَائِلٌ عَنِ الْحَقِّ، أَيْ لَا يَنْتَهِي عِلْمُ أَحَدٍ إِلَى مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، (مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ) مِنَ الْعُقُوبَاتِ كَالصَّوَاعِقِ، (وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا) مِمَّا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ، وَهُوَ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ.

(وَشَرِّ مَا ذَرَأَ) : خَلَقَ (فِي الْأَرْضِ) عَلَى ظَهْرِهَا.

(وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) مِمَّا خَلَقَهُ فِي بَطْنِهَا، (وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) الْوَاقِعَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَى الظَّرْفِ.

(وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ) : حَوَادِثِهِ الَّتِي تَأْتِي لَيْلًا، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْآتِي نَهَارًا عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ، (إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ) - بِضَمِّ الرَّاءِ - (بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: " فَخَرَّ لَفِيهِ، وَطَفِئَتْ شُعْلَتُهُ ".

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ مَا نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فَقَالَ لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ»

ــ

١٧٧٤ - ١٧٢٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) - بِفَتْحٍ، فَسُكُونٍ: قَبِيلَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ، قَالَ فِيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ» ، (قَالَ: مَا نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟) لَمْ تَنَمْ (فَقَالَ: لَدَغَتْنِي) ، بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، (عَقْرَبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَا) - بِالْفَتْحِ، وَخِفَّةِ الْمِيمِ - (إِنَّكَ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ - إِنْ

جَعَلْتَ أَمَا بِمَعْنَى أَلَا الِاسْتِفْتَاحِيَّةِ، وَبِفَتْحِهَا، إِنْ جَعَلْتَ بِمَعْنَى: حَقًّا، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ، (لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ) ، أَيْ دَخَلْتَ فِي الْمَسَاءِ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: التَّامَّةِ بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وَهُمَا بِمَعْنًى، فَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ: الْجُمْلَةُ، وَبِالْوَاحِدَةِ مَا تَفَرَّقَ فِي الْأُمُورِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَصَفَهَا بِالتَّمَامِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا خَالِصَةٌ مِنَ الرَّيْبِ وَالشُّبَهِ: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: ١١٥] (سورة الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ١١٥) ، {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: ٢] ، أَيْ مِنْ شَرِّ خَلْقِهِ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُونَ مِنْ إِثْمٍ، وَمُضَارَّةِ بَعْضٍ لِبَعْضٍ مِنْ نَحْوِ: ظُلْمٍ وَبَغْيٍ، وَقَتْلٍ وَضَرْبٍ وَشَتْمٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ نَحْوِ: لَدْغٍ وَنَهْشٍ وَعَضٍّ.

(لَمْ يَضُرَّكَ) بِأَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ، وَبَيْنَ كَمَالِ تَأْثِيرِهَا بِحَسَبِ كَمَالِ التَّعَوُّذِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ ; لِأَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْإِلَهِيَّةَ تَمْنَعُ مِنَ الدَّاءِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَتَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهِ، وَإِنْ وَقَعَ لَمْ يَضُرَّ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَرَّبْتُ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ صِدْقًا، تَرَكْتُهُ لَيْلَةً فَلَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَتَفَكَّرْتُ، فَإِذَا أَنَا نَسِيتُ هَذَا التَّعَوُّذَ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَهَذَا، أَيِ التَّعَوُّذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مَقَامُ مَنْ بَقِيَ لَهُ الْتِفَاتٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَمَّا مَنْ تَوَغَّلَ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهَ، لَمْ يَسْتَعِذْ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَمْ يَلْتَجِئْ إِلَّا إِلَيْهِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا يَرْقَى مِنْ هَذَا الْمَقَامِ قَالَ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، وَالرَّجُلُ الْمُخَاطَبُ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا فَقِيلَ لَهُ وَمَا هُنَّ فَقَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ

ــ

١٧٧٥ - ١٧٢٧ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) - بِضَمِّ السِّينِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَدِّ الْيَاءِ - (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنِ الْقَعْقَاعِ) - بِقَافَيْنِ، وَعَيْنَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ - (ابْنِ حَكِيمٍ) - بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ - (أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ) بِمَنْعِ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، وَوَزْنِ الْفِعْلِ، (حِمَارًا) مِنْ سِحْرِهِمْ (فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ فَقَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ) ، بَلْ تَخْضَعُ كُلُّ الْعُظَمَاءِ لِعَظَمَتِهِ.

(وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ) ، أَيْ لَا يَتَعَدَّاهُنَّ مَنْ كَانَ ذَا بِرٍّ، وَذَا فُجُورٍ مِنْ إِنْسٍ وَغَيْرِهِمْ.

(وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا) ، مُؤَنَّثُ الْأَحْسَنِ، (مَا عَلِمْتُ مِنْهَا، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ)

قِيلَ: هُمَا بِمَعْنَى خَلَقَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (٣٠ {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: ٢٩] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٩) ، وَقَالَ: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: ٧٩] (سورة الْمُؤْمِنُونَ: الْآيَةُ ٧٩) ، وَقَالَ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة: ٥٤] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٥٤) ، أَيْ خَالِقِكُمْ، فَذِكْرُهَا لِإِفَادَةِ اتِّحَادِ مَعْنَاهَا، وَقِيلَ: الْبَرْءُ وَالذَّرْءُ يَكُونُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَالْخَلْقُ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ.

[مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ]

٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي»

ــ

١٧٧٦ - ١٧٢٨ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ) بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ أَبِي طُوَالَةَ - بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ - الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَيُقَالُ بَعْدَ ذَلِكَ.

(عَنْ أَبِي الْحُبَابِ) - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَمُوَحَّدَتَيْنِ - (سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ مُتْقِنٌ.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) (سورة الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٤) ، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ) ، نِدَاءُ تَنْوِيهٍ وَإِكْرَامٍ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، أَيِ اسْتِعْظَامٌ (لِجَلَالِي) ، أَيْ لِعَظَمَتِي، أَيْ لِأَجْلِ تَعْظِيمِ حَقِّي وَطَاعَتِي، لَا لِغَرَضِ دُنْيَا، فَخَصَّ الْجَلَالَ بِالذِّكْرِ لِدِلَالَتِهِ عَلَى الْهَيْبَةِ وَالسَّطْوَةِ، أَيِ الْمُنَزَّهُونَ عَنْ شَوَائِبِ الْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فِي الْمَحَبَّةِ، فَلَا تَحَابُّونَ إِلَّا لِأَجْلِي وَلِوَجْهِي، لَا لِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، قِيلَ: التَّحَابُّ لِلْجَلَالِ أَنْ لَا يَزِيدَ الْحُبُّ بِالْبِرِّ، وَلَا يَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ، (الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي) قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إِضَافَةُ خَلْقٍ وَتَشْرِيفٍ لِأَنَّ الظِّلَالَ كُلَّهَا خَلْقُ اللَّهِ، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي ظِلِّ عَرْشِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُظِلُّهُمْ حَقِيقَةً مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ، وَوَهَجِ الْمَوْقِفِ، وَأَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْأَكْثَرِ.

وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: كِنَايَةٌ عَنْ كَنِّهِمْ مِنَ الْمَكَارِهِ، وَجَعْلِهِمْ فِي كَنَفِهِ وَسَتْرِهِ، وَمِنْهُ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.

وَقَوْلُهُمْ: فُلَانٌ فِي ظِلِّ فُلَانٍ، أَيْ فِي كَنَفِهِ وَعِزَّتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الظِّلُّ هُنَا كِنَايَةً عَنِ الرَّاحَةِ، وَالتَّنَعُّمِ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَيْشٌ ظَلِيلٌ، (يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي) أَيْ

ظِلُّ عَرْشِي بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ الْمُتَقَدِّمِ، أَيْ لَا يَكُونُ مَنْ لَهُ ظِلٌّ مَجَازًا كَمَا فِي الدُّنْيَا.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ حَدِيثُ: " «الْمَرْءُ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ» "، وَحَدِيثُ: " «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ» "، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الْقِيَامَةِ ظِلَالًا غَيْرَ ظِلِّ الْعَرْشِ.

أُجِيبَ بِأَنَّ فِيهَا ظِلَالًا بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ تَقِي أَصْحَابَهَا حَرَّ الشَّمْسِ وَالنَّارِ وَأَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ، وَلَكِنْ ظِلُّ الْعَرْشِ أَعْظَمُهَا وَأَشْرَفُهَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَمِنْ جُمْلَتِهِمُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا ظِلُّ الْعَرْشِ يَسْتَظِلُّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ أَجْمَعُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الظِّلَالُ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ، وَكَانَتِ الْأَعْمَالُ تَخْتَلِفُ، حَصَلَ لِكُلِّ عَامِلٍ ظِلٌّ يَخُصُّهُ مِنْ ظِلِّ الْعَرْشِ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وَسَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ شُرَكَاءُ فِي ظِلِّهِ، وَهَذَا كُلُّه عَلَى أَنَّ الِاسْتِظْلَالَ حَقِيقِيٌّ، وَتَقَدَّمَ مَا لِابْنِ دِينَارٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْبِرِّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»

ــ

١٧٧٧ - ١٧٢٩ - (مَالِكٌ عَنْ خُبَيْبِ) ، بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَمُوَحَّدَتَيْنِ، مُصَغَّرٌ (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ حَبِيبٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ أَبِي الْحَارِثِ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.

(عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ) بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) بِالشَّكِّ لِرُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا مُصْعَبًا الزُّبَيْرِيَّ، وَمُوسَى بْنَ طَارِقٍ، فَجَعَلَاهُ عَنْهُمَا بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَشَذَّ فِي ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، قَالَهُ الْحَافِظُ.

وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَنَّ أَبَا مُعَاذٍ الْبَلْخِيَّ عَنْ مَالِكٍ، تَابَعَهُمَا فِي رِوَايَتِهِ بِالْوَاوِ، قَالَ: وَرَوَاهُ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْوَقَّادُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْصٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَحْدَهُ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ خَالِهِ خُبَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ حَفْصٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ.

قَالَ الْحَافِظُ فِي الْأَمَالِي: الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ بِالشَّكِّ وَرِوَايَةُ زَكَرِيَّا خَطَأٌ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ، وَخُبَيْبٌ خَالُهُ وَحَفْصٌ جَدُّهُ، وَلَمْ يَشُكَّ فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى، وَتَابَعَهُ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ خُبَيْبٍ، أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ.

وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ حَفِظَهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ، وَلِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِهِ وَجَدِّهِ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَبْعَةٌ) مِنَ الْأَشْخَاصِ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: (يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ) ، إِضَافَةُ مِلْكٍ، وَكُلُّ ظِلٍّ فَهُوَ مِلْكُهُ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ، وَحَقُّهُ أَوْ يَقُولُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ لِيَحْصُلَ امْتِيَازُ هَذَا عَنْ غَيْرِهِ، كَمَا قِيلَ

لِلْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ مَعَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا مِلْكُهُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ كَرَامَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ فِي ظِلِّ الْمَلِكِ، وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَقَوَّاهُ عِيَاضٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ ظِلُّ عَرْشِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَلْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: " «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ» "، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ اسْتَلْزَمَ كَوْنَهُمْ فِي كَنَفِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَهُوَ أَرْجَحُ، وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْحُدُودِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ ظِلُّ طُوبَى، أَوْ ظِلُّ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّ ظِلَّهُمَا إِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لِجَمِيعِ مَنْ يَدْخُلُهَا، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى امْتِيَازِ أَصْحَابِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، فَتَرَجَّحَ أَنَّ الْمُرَادَ ظِلُّ الْعَرْشِ.

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ» " قَالَهُ الْحَافِظُ.

(يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) ، أَيْ ظِلُّ عَرْشِهِ كَمَا عُلِمَ، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ كَنَاقَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الظِّلِّ إِذْ هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَجْسَامِ، (إِمَامٌ عَادِلٌ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْعَدْلِ، كَمَا رَوَاهُ وَالْأَكْثَرُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَمَنْ كَانَ فِي إِخْوَانِهِ غَيْرَ عَادِلٍ ... فَمَا أَحَدٌ فِي الْعَدْلِ مِنْهُ بِطَامِعِ

وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: عَدْلٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُسَمَّى نَفْسَهُ عَدْلًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ الَّذِي يَتَّبِعُ أَمْرَ اللَّهِ بِوَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ بِغَيْرِ إِفْرَاطٍ، وَلَا تَفْرِيطٍ، أَوِ الْجَامِعُ لِلْكَمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ: الْحِكْمَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعِفَّةُ الَّتِي هُوَ أَوْسَاطُ الْقُوَى الثَّلَاثَةِ: الْعَقْلِيَّةُ، وَالْغَضَبِيَّةُ، وَالشَّهْوَانِيَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ صَاحِبُ الْوِلَايَةِ الْعُظْمَى، وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَعَدَلَ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَرَفَعَهُ: " «أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ وَمَا وَلُوا» "، وَقَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّ نَفْعَهُ أَعَمُّ.

وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْإِمَامُ الْعَادِلُ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ» "، (وَشَابٌّ نَشَأَ) نَبَتَ وَابْتَدَأَ (فِي عِبَادَةِ اللَّهِ) ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْوَةٌ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " بِعِبَادَةِ اللَّهِ "، بِالْبَاءِ بِمَعْنَى فِي، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ: حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ.

وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ: " أَفْنَى شَبَابَهُ، وَنَشَاطَهُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ "، وَخَصَّ الشَّبَابَ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الْبَاعِثِ عَلَى مُتَابَعَةِ الْهَوَى، فَإِنَّ مُلَازَمَةَ الْعِبَادَةِ مَعَ ذَلِكَ أَشَدُّ، وَأَدَلُّ عَلَى غَلَبَةِ التَّقْوَى.

( «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ» ) بِفَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الْمِيمِ، وَكَسْرِ اللَّامِ، مِنَ الْعَلَاقَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحُبِّ (بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ) ، زَادَ فِي

حَدِيثِ سَلْمَانَ: " مِنْ حُبِّهَا "، وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ إِيَّاهَا» "، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا آثَرَ طَاعَةَ اللَّهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّهُ صَارَ قَلْبُهُ مُلْتَفِتًا إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُحِبُّ الْبَرَاحَ عَنْهُ، لِوِجْدَانِهِ فِيهِ رُوحَ الْقُرْبَةِ، وَحَلَاوَةَ الطَّاعَةِ.

وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ حَبِيبٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُعَلَّقٌ بِدُونِ تَاءٍ، قَالَ الْحَافِظُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنَ التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ فِي الْمَسْجِدِ كَالْقِنْدِيلِ، إِشَارَةً إِلَى طُولِ الْمُلَازَمَةِ بِقَلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ جَسَدُهُ خَارِجًا عَنْهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْجَوْزَقِيِّ: " «كَأَنَّمَا قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ» "، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَلَاقَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحُبِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ: " «مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ» "، وَكَذَا رِوَايَةُ " مُتَعَلِّقٌ " بِزِيَادَةِ الْفَوْقِيَّةِ، زَادَ سَلْمَانُ: مِنْ حُبِّهَا، ( «وَرَجُلَانِ تَحَابَّا» ) بِشِدَّةِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَصْلُهُ تَحَابَبَا أَيِ اشْتَرَكَا فِي جِنْسِ الْمَحَبَّةِ، وَأَحَبَّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ حَقِيقَةً لَا إِظْهَارًا فَقَطْ.

وَفِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ: " «وَرَجُلَانِ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ» "، فَصَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ.

(فِي اللَّهِ) ، أَيْ فِي طَلَبِ رِضَاهُ، أَوْ لِأَجْلِهِ لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، (اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ) الْحُبِّ الْمَذْكُورِ، (وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) ، كَمَا زِيدَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: أَيِ اسْتَمَرَّا عَلَى الْمَحَبَّةِ الدِّينِيَّةِ، وَلَمْ يَقْطَعَاهَا بِعَارِضٍ دُنْيَوِيٍّ سَوَاءٌ اجْتَمَعَا حَقِيقَةً، أَمْ لَا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ يَحْفَظَانِ الْحُبَّ فِيهِ فِي الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ.

وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ: اجْتَمَعَا عَلَى خَيْرٍ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الصَّحِيحَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسْتَخْرَجَاتِ، وَهِيَ عِنْدِي تَحْرِيفٌ، وَعُدَّتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ وَاحِدَةً مَعَ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا اثْنَانِ ; لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاثْنَيْنِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُتَحَابَّانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَغْنَى عَدُّ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ عَدُّ الْخِصَالِ لَا عَدُّ جَمِيعِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا.

(وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ) بِقَلْبِهِ مِنَ التَّذَكُّرِ، أَوْ لِسَانِهِ مِنَ الذِّكْرِ، (خَالِيًا) مِنَ الْخَلْوَةِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَأَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ، أَوْ خَالِيًا مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ فِي مَلَأٍ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ: ذَكَرَ اللَّهَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةٌ لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ، أَيْ مَوْضِعٍ خَالٍ وَهِيَ أَصَحُّ.

(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) ، أَيْ فَاضَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنِهِ، وَأَسْنَدَ الْفَيْضَ إِلَى الْعَيْنِ مُبَالَغَةً كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَاضَتْ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفَيْضُ الْعَيْنِ بِحَسَبِ حَالَةِ الذَّاكِرِ، وَبِحَسَبِ مَا يَنْكَشِفُ لَهُ، فَفِي حَالِ أَوْصَافِ الْجَلَالِ يَكُونُ الْبُكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَفِي حَالِ أَوْصَافِ الْجَمَالِ يَكُونُ مِنَ الشَّوْقِ إِلَيْهِ، قَالَ الْحَافِظُ: قَدْ خُصَّ بِالْأَوَّلِ فِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ، والْبَيْهَقِيِّ: فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.

وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يُصِيبَ الْأَرْضَ مِنْ

دُمُوعِهِ لَمْ يُعَذَّبْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

(وَرَجُلٌ دَعَتْهُ) ، أَيْ طَلَبَتْهُ، وَبِهِ عُبِّرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: (ذَاتُ) بَيَّنَ الْمَوْصُوفَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَحْمَدَ فَقَالَ: امْرَأَةٌ ذَاتُ (حَسَبٍ) ، أَيْ أَصْلٍ أَوْ مَالٍ ; لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: ذَاتُ مَنْصِبٍ، أَيْ أَصْلٍ أَوْ شَرَفٍ، (وَجَمَالٍ) ، أَيْ مَزِيدِ حُسْنٍ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: إِلَى نَفْسِهَا.

وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ "، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى الْفَاحِشَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى التَّزْوِيجِ بِهَا، فَخَافَ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنِ الْعِبَادَةِ بِالِافْتِتَانِ بِهَا، أَوْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ بِحَقِّهَا لِشُغْلِهِ بِالْعِبَادَةِ عَنِ التَّكَسُّبِ بِمَا يَلِيقُ بِهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ الْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ إِلَى نَفْسِهَا، وَلَوْ أُرِيدَ التَّزْوِيجُ لَصَرَّحَ بِهِ.

(فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: " رَبَّ الْعَالَمِينَ "، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ، إِمَّا لِيَزْجُرَهَا عَنِ الْفَاحِشَةِ، أَوْ لِيَعْتَذِرَ إِلَيْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَهُ بِقَلْبِهِ، قَالَهُ عِيَاضٌ، وَإِنَّمَا يَصْدُرُ هَذَا عَنْ شِدَّةِ خَوْفٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَتِينِ تَقْوَى وَحَيَاءٍ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ; لِأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَوْصُوفَةِ بِأَكْمَلِ الْأَوْصَافِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ لِمَنْ هِيَ فِيهَا، وَهُوَ الْحَسَبُ وَالْمَنْصِبُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْجَاهِ وَالْمَالِ مَعَ الْجَمَالِ، وَقَلَّ مَنْ يَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ مِنْ أَكْمَلِ الْمَرَاتِبِ، لِكَثْرَةِ الرَّغْبَةِ فِي مِثْلِهَا، وَعُسْرِ تَحْصِيلِهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَغْنَتْ مِنْ مَشَاقِّ التَّوَصُّلِ إِلَيْهَا بِمُرَاوَدَةٍ وَنَحْوِهَا.

( «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا» ) ، أَيْ كَتَمَهَا عَنِ النَّاسِ، وَنَكِرَهَا لِيَشْمَلَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْمَنْدُوبَةَ وَالْمَفْرُوضَةَ، لَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ إِظْهَارَ الْمَفْرُوضَةِ أَوْلَى مِنْ إِخْفَائِهَا (حَتَّى لَا تَعْلَمَ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ نَحْوَ: سِرْتُ حَتَّى مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَضَمِّهَا نَحْوَ: مَرِضَ حَتَّى لَا يَرْجُونَهُ، (شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ) ، أَيْ لَوْ قَدَّرْتَ شِمَالَهُ رَجُلًا مُتَيَقِّظًا لَمَا عَلِمَ صَدَقَةَ الْيَمِينِ، ذَكَرَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الْإِخْفَاءِ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِمَا لِقُرْبِهِمَا وَمُلَازَمَتِهِمَا، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْجَوْزَقِيِّ: تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ كَأَنَّمَا أَخْفَى يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ، أَوْ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، أَيْ مَلَكُ شِمَالِهِ، أَوْ مَنْ عَلَى شِمَالِهِ مِنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مُجَاوِرُ شِمَالِهِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِشِمَالِهِ نَفْسُهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ، فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ نَفْسُهُ مَا تُنْفِقُ نَفْسُهُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ: لَا يُرَائِي بِصَدَقَتِهِ، وَلَا يَكْتُبُهَا كَاتِبُ الشِّمَالِ.

وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الضَّعِيفِ الْمُكْتَسِبُ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ لِتَرْوِيجِ سِلْعَتِهِ، أَوْ رَفْعِ قِيمَتِهَا، وَاسْتَحْسَنَهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إِنْ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مُرَادُ الْحَدِيثِ خَاصَّةً، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا مِنْ صُوَرِ الصَّدَقَةِ الْخَفِيَّةِ فَمُسَلَّمٌ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ: " «حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» "، قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ

مُسْلِمٍ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا، وَهُوَ مَقْلُوبٌ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الصَّدَقَةِ إِعْطَاؤُهَا بِالْيَمِينِ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ " بَابُ الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ "، قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنَّ الْوَهْمَ فِيهِ مِمَّنْ دُونَ مُسْلِمٍ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا نُوَزِعَ فِيهِ، وَعَارَضَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ دُونَهُ وَلَا مِنْهُ، بَلْ مِنْ شَيْخِهِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو حَامِدِ بْنُ السُّرَاقِيِّ، وَفِي جَزْمِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ يَحْيَى عَلَى الصَّوَابِ، وَأَطَالَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ.

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ: رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْحَدِيدُ، قَالَتْ: فَهَلْ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ النَّارُ، قَالَتْ: فَهَلْ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْمَاءُ، قَالَتْ: فَهَلْ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ الرِّيحُ، قَالَتْ: فَهَلْ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمْ ابْنُ آدَمَ، يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، فَيُخْفِيهَا عَنْ شِمَالِهِ» "، وَذِكْرُ الرَّجُلِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ فَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى مِثْلُهُ، إِلَّا فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَيُمْكِنُ دُخُولُ الْمَرْأَةِ فِي الْإِمَامِ الْعَادِلِ حَيْثُ تَكُونُ رَبَّةَ عِيَالٍ، فَتَعْدِلُ فِيهِمْ وَإِلَّا فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْمُشَارَكَةُ حَاصِلَةٌ لَهُنَّ، حَتَّى الَّذِي دَعَتْهُ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي امْرَأَةٍ دَعَاهَا مَلِكٌ جَمِيلٌ مَثَلًا، فَامْتَنَعَتْ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ مَعَ حَاجَتِهَا، أَوْ شَابٌّ جَمِيلٌ دَعَاهُ مَلِكٌ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ مَثَلًا، فَخَشِيَ أَنْ يَرْتَكِبَ مِنْهُ الْفَاحِشَةَ، فَامْتَنَعَ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ.

وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَوَجَّهَهُ الكِرْمَانِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ: إِنَّ الطَّاعَةَ إِمَّا بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، فَالْأَوَّلُ بِاللِّسَانِ، وَهُوَ الذَّاكِرُ، أَوْ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الْمُعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ بِالْبَدَنِ، وَهُوَ النَّاشِىءُ بِالْعِبَادَةِ.

وَالثَّانِي عَامٌّ وَهُوَ الْعَادِلُ، أَوْ خَاصٌّ بِالْقَلْبِ وَهُوَ التَّحَابُّ، أَوْ بِالْمَالِ وَهُوَ الصَّدَقَةُ، أَوْ بِالْبَدَنِ وَهُوَ الْعِفَّةُ، انْتَهَى.

لَكِنْ دَلَّ اسْتِقْرَاءُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ بَدَلَ " «وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ» "،: «وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مَعَ قَوْمٍ فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَانْكَشَفُوا فَحَمَى آثَارَهُمْ» ، وَفِي لَفْظٍ: أَدْبَارَهُمْ حَتَّى نَجَوْا أَوْ نَجَا أَوِ اسْتُشْهِدَ، قَالَ الْحَافِظُ: حَسَنٌ غَرِيبٌ جِدًّا.

وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، والْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَبْدَلَ الشَّابَّ بِقَوْلِهِ: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فِي صِغَرِهِ، فَهُوَ يَتْلُوهُ فِي كِبَرِهِ» .

وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْقُوفًا، وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ، إِذْ لَا يُقَالُ رَأْيًا، فَقَالَ بَدَلَ الْإِمَامِ وَالشَّابِّ: وَرَجُلٌ يُرَاعِي الشَّمْسَ لِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَرَجُلٌ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَنْ حِلْمٍ.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: «أَرْبَعَةٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ، فَقَدْ عَدَّ الشَّابَّ، وَالْمُتَصَدِّقَ، وَالْإِمَامَ، قَالَ: وَرَجُلٌ تَاجِرٌ اشْتَرَى، وَبَاعَ فَلَمْ يَقُلْ إِلَّا

حَقًّا» ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ عَنْ سُلَيْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» "، وَفِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ عَنْ عُثْمَانَ رَفَعَهُ: " «أَظَلَّ اللَّهُ عَبْدًا فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ تَرَكَ لِغَارِمٍ» "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ شَدَّادٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْمُعْسِرِ أَسْهَلُ مِنَ الْوَضْعِ عَنْهُ فَهِيَ غَيْرُهَا.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «أَظَلَّ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ أَعَانَ أَخْرَقَ» "، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَالْأَخْرَقُ مَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَعَلَّمَ صَنْعَةً.

وَلِأَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ، وَغَيْرِهِمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ لَهُ إِلَّا ظِلُّهُ» "، وَإِعَانَةُ الْغَارِمِ غَيْرُ التَّرْكِ لَهُ ; لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ إِعَانَتِهِ فَهَذِهِ عِشْرُونَ.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ، وَصَحَّحَهُ الضِّيَاءُ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَظَلَّ رَأْسَ غَازٍ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَلِأَبِي الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْوُضُوءُ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ، وَإِطْعَامُ الْجَائِعِ» "، قَالَ الْحَافِظُ: غَرِيبٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ فِي التَّرْغِيبِ فِي كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَحَادِيثُ قَوِيَّةٌ.

وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ أَطْعَمَ الْجَائِعَ حَتَّى يَشْبَعَ أَظَلَّهُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ» "، وَإِشْبَاعُ الْجَائِعِ أَخَصُّ مِنْ طَلْقِ إِطْعَامِهِ.

وَلِأَبِي الشَّيْخِ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا: " «فَمَنْ لَزِمَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، فَلَا يَذُمُّ إِذَا اشْتَرَى، وَلَا يَحْمَدُ إِذَا بَاعَ، وَلْيَصْدُقِ الْحَدِيثَ، وَيُؤَدِّ الْأَمَانَةَ، وَلَا يَتَمَنَّى لِلْمُؤْمِنِينَ الْغَلَاءَ» "، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَحَدَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الصِّدْقِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهَا خَصْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَهِيَ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنَّ كَلِمَتِي سَبَقَتْ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ أَنْ أُظِلَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِي» "، وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «وَمَنْ كَفَلَ يَتِيمًا أَوْ أَرْمَلَةً، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُ إِلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» "، قَالَ الْحَافِظُ: غَرِيبٌ وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ.

وَلِلْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: " «الْحَزِينُ فِي ظِلِّ اللَّهِ» " غَرِيبٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ.

وَلِابْنِ شَاهِينَ وَغَيْرِهِ عَنِ الصِّدِّيقِ رَفَعَهُ: " «الْوَالِي الْعَادِلُ ظِلُّ اللَّهِ وَرُمْحُهُ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ نَصَحَهُ فِي نَفْسِهِ، وَفِي عِبَادِ اللَّهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ بِظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» "، وَلِأَبِي الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ عَنِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُظِلَّهُ اللَّهُ بِظِلِّهِ، فَلَا يَكُنْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ غَلِيظًا، وَلْيُكَنْ بِالْمُؤْمِنِينَ

رَحِيمًا» "، وَلِابْنِ السُّنِّيِّ، وَالدَّيْلَمِيِّ بِإِسْنَادٍ وَاهٍ عَنِ الصِّدِّيقِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَا: " «قَالَ مُوسَى لِرَبِّهِ: مَا جَزَاءُ مَنْ عَزَّى الثَّكْلَى؟ قَالَ: أُظِلُّهُ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» وَلِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: " بَلَغَنِي أَنَّ مُوسَى قَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ يُظَلُّ تَحْتَ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَعُودُونَ الْمَرْضَى، وَيُشَيِّعُونَ الْهَلْكَى، وَيُعَزُّونَ الثَّكْلَى وَلِأَبِي سَعِيدٍ السُّكَّرِيِّ بِإِسْنَادٍ وَاهٍ جِدًّا عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: " «السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لَهُمْ، قَالَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: شِيعَتُكَ يَا عَلِيُّ وَمَحِبُّوكَ» وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " «قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ مَنْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَنْظُرُونَ بِأَعْيُنِهِمُ الزِّنَى، وَلَا يَبْتَغُونَ فِي أَمْوَالِهِمُ الرِّبَا، وَلَا يَأْخُذُونَ عَلَى أَحْكَامِهِمُ الرِّشَا» قَالَ الْحَافِظُ: غَرِيبٌ لَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مَنِ اتَّفَقَ عَلَى تَرْكِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ الرَّفْعُ ; لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَالتَّيْمِيُّ فِي تَرْغِيبِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ آمِنِينَ، وَالنَّاسُ فِي الْحِسَابِ: رَجُلٌ لَمْ يَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَرَجُلٌ لَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَرَجُلٌ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَا حَرُمَ عَلَيْهِ» "، وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَوَّلَ الْأَنْعَامِ إِلَى وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ نَزَلَ إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ أَعْمَالِهِمْ» " الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: " «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ: امْشِ فِي ظِلِّي» ".

وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «ثَلَاثَةٌ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: وَاصِلُ الرَّحِمِ، وَامْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ أَيْتَامًا صِغَارًا، فَقَالَتْ: لَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى يَمُوتُوا أَوْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ، وَعَبْدٌ صَنَعَ طَعَامًا، فَأَطَابَ صُنْعَهُ، وَأَحْسَنَ نَفَقَتَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ فَأَطْعَمَهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ» وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: " «ثَلَاثَةٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ حَيْثُ تَوَجَّهَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ إِلَى نَفْسِهَا، فَتَرَكَهَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ يُحِبُّ النَّاسَ لِجَلَالِ اللَّهِ فِيهِ» "، مَتْرُوكٌ.

وَرَوَى الْخَطِيبُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ مِمَّنْ يُظَلُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَأَفْرَدَ الْمُؤَذِّنَ عَنْ مُرَاعِي الشَّمْسِ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ مُؤَذِّنًا.

وَالدَّيْلَمِيُّ بِلَا سَنَدٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثٌ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: مَنْ فَرَّجَ عَنْ مَكْرُوبٍ مِنْ أُمَّتِي، وَأَحْيَا سُنَّتِي، وَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ» وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ فِي ظِلِّ اللَّهِ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ» "، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ حَمَلَهُ كَوْنُهُ تَعَلَّمَهُ فِي صِغَرِهِ فَهِيَ غَيْرُ السَّابِقَةِ.

وَلِأَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «إِنَّ الْمَرِيضَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» ".

وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «أَهْلُ الْجُوعِ فِي الدُّنْيَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ يَسْتَظِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: " «يُوضَعُ لِلصَّائِمِينَ مَوَائِدُ مِنْ ذَهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» وَفِي أَمَالِي ابْنِ نَاصِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ

يَوْمًا وَضَعَ اللَّهُ لَهُ مَائِدَةً فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» "، وَهُوَ شَدِيدُ الْوَهَى، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْمَغْرِبِ قَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةَ، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يُحْجَبُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ» "، وَهَذَا مُنْكَرٌ.

وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ» وَالطَّبَرَانِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ» وَلِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ وَهْبٍ: " «قَالَ مُوسَى: إِلَهِي مَنْ ذَكَرَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ؟ قَالَ: أُظِلُّهُ بِظِلِّ عَرْشِي» وَلِابْنِ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى: الَّذِي لَا يَحْسُدُ النَّاسَ، وَلَا يَعُقُّ وَالِدَيْهِ، وَلَا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: " «أَنَّ مُوسَى سَأَلَ اللَّهَ مَنْ تُؤْوِيهِ فِي ظِلِّ عَرْشِكَ؟ قَالَ: هُمُ الطَّاهِرَةُ قُلُوبُهُمُ الْبَرِيَّةُ أَبْدَانُهُمْ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرُوا بِي، وَإِذَا ذُكِرُوا ذُكِرْتُ بِهِمْ، الَّذِينَ يُنِيبُونَ إِلَى ذِكْرِي وَيَغُضُّونَ لِمَحَارِمِي، وَيَكْلَفُونَ بِحُبِّي» زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: " «الَّذِينَ يَعْمُرُونَ مَسَاجِدِي، وَيَسْتَغْفِرُونِي بِالْأَسْحَارِ» وَلِأَبِي نُعَيْمٍ: " «إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى: الَّذِينَ أَذْكُرُهُمْ وَيَذْكُرُونِي فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «يَقُولُ اللَّهُ: قَرِّبُوا أَهْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ ظِلِّ عَرْشِي، فَإِنِّي أُحِبُّهُمْ» وَالْمُرَادُ: خِيَارُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ.

وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: " «الشُّهَدَاءُ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» وَلِأَبِي دَاوُدَ صَحِيحًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُعَلِّمِينَ، وَأَطِلْ أَعْمَارَهُمْ، وَأَظِلَّهُمْ تَحْتَ ظِلِّكَ، فَإِنَّهُمْ يُعَلِّمُونَ كِتَابَكَ» قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: مَوْضُوعٌ.

وَلِأَبِي الشَّيْخِ، وَالدَّيْلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ، وَالْأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ يُنَادِي أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» وَلِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ عَنِ التَّوْرَاةِ: " مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَاعَتِي، فَلَهُ صُحْبَتِي فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْقَبْرِ، وَفِي الْقِيَامَةِ ظِلِّي وَفِي أَمَالِي ابْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «أَنَا فِي ظِلِّ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَيُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أَنَّهُ يَسِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِوَاءِ الْحَمْدِ وَهُوَ حَامِلُهُ، وَالْحَسَنُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْحُسَيْنُ عَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى يَقِفَ بَيْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: " «أَنَا وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قُبَّةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» "، وَاعْلَمْ أَنَّ عَدَّ نَبِيِّنَا وَإِبْرَاهِيمَ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحُسَيْنِ، لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَصْفِيَاءِ، كَمَا أَنَّ عَدَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ ; لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ أَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ، وَشُهَدَاءِ أُحُدٍ لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الشُّهَدَاءِ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي مُؤَلَّفِهِ قَائِلًا: هَذَا مَا يَسَّرَ اللَّهُ لِيَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فِي

مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحَصْرِ فِيهِ، بَلْ بَابُ الْفَضْلِ مَفْتُوحٌ، وَوَقَفَ بِهَا السُّيُوطِيُّ إِلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ، وَنَظَمَهَا، وَاعْتَرَضَهُ السَّخَاوِيُّ بِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَا لَا تَصْرِيحَ فِيهِ بِالْمُرَادِ مِنْهُ فِي أَحَادِيثِهِ، وَإِنْ أَشْعَرَتْ بِهِ كَالزُّهْدِ، وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ، وَصَالِحِ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَامِ الْمُرْتَضَى لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ أُرِيدَ اسْتِيفَاءُ مَا شَابَهَ ذَلِكَ لَزَادَتْ كَثِيرًا، وَأَطَالَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ، وَقَدْ كُنْتُ لَخَّصْتُ تَأْلِيفَ السَّخَاوِيِّ فِي وُرَيْقَاتٍ، وَنَظَمْتُ هَذِهِ الْخِصَالَ تَذْيِيلًا عَلَى بَيْتِ أَبِي شَامَةَ، وَأَبْيَاتِ الْحَافِظِ فَقُلْتُ:

أَتَى فِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ سَبْعَةٌ ... يُظِلُّهُمُ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِظِلِّهِ

أَشَارَ لَهُمْ نَظْمًا إِمَامُ زَمَانِهِ ... أَبُو شَامَةَ إِذْ قَالَ فِي بَيْتِ وَصْلِهِ

مُحِبٌّ عَفِيفٌ نَاشِىءٌ مُتَصَدِّقٌ ... وَبَاكٍ مُصَلٍّ وَالْإِمَامُ بِعَدْلِهِ

وَزَادَ عَلَيْهِ الْعَسْقَلَانِيُّ بَعْدَهُ ... ثَلَاثًا مِنَ السَّبْعَاتِ نَظْمًا بِقَوْلِهِ

وَزِدْ سَبْعَةً إِظْلَالُ غَازٍ وَعَوْنُهُ ... وَإِنْظَارُ ذِي عُسْرٍ وَتَخْفِيفُ حَمْلِهِ

وَحَامِي غُزَاةٍ حِينَ وَلَّوْا وَعَوْنُ ذِي ... غَرَامَةِ حَقٍّ مَعَ مُكَاتَبِ أَهْلِهِ

وَزِدْ مَعَ ضَعْفٍ سَبْعَتَيْنِ إِعَانَةً ... لَا خَرْقَ مَعَ أَخْذِ الْحَقِّ وَبَذْلِهِ

وَكُرْهُ وُضُوءٍ ثُمَّ مَشْيٌ لِمَسْجِدٍ ... وَتَحْسِينُ خُلْقٍ ثُمَّ مُطْعِمُ فَضْلِهِ

وَكَافِلُ ذِي يُتْمٍ وَأَرْمَلَةٍ وَهَتْ ... وَتَاجِرُ صِدْقٍ فِي الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ

وَحُزْنٌ وَتَصْبِيرٌ وَنُصْحٌ وَرَأْفَةٌ ... تُرَبَّعُ بِهَا السَّبْعَاتُ مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ

وَقَدْ زَادَهَا سِتًّا بِضَعْفٍ وَلَمْ تَقَعْ ... مُنَظَّمَةً مِنْهُ فَخُذْ نَظْمَ جُمَلِهِ

فَحُبُّ عَلِىٍّ ثُمَّ تَرْكُ الرِّشْوَةِ ... زِنًا وَرِبًا حُكْمٌ لِغَيْرٍ كَمِثْلِهِ

وَمِنْ أَوَّلِ الْأَنْعَامِ آيٍ ثَلَاثَةٍ ... عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ غَايَةُ نَفْلِهِ

وَأَوْصَلَهَا الشَّيْخُ السَّخَاوِيُّ أَرْبَعًا ... وَتِسْعِينَ مَعَ ضَعْفٍ لِإِسْنَادِ جُلِّهِ

مُرَاقِبُ شَمْسٍ لِلْمَوَاقِيتِ سَاكِتٌ ... بِحِلْمٍ وَعَنْ عِلْمٍ يَقُولُ وَعَقْلِهِ

وَمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ حَالَةَ صِغَرِهِ ... وَفِي كِبَرٍ يَتْلُو وَحَامِلُ كُلِّهِ

مَرِيضٌ وَتَشْيِيعٌ لِمَيْتٍ عِيَادَةٌ ... شَهِيدٌ وَمَنْ فِي أُحُدٍ فَازَ بِقَتْلِهِ

وَعَلِمَ بِأَنَّ اللَّهَ مَعَهُ وَتَاجِرٌ ... أَمِينٌ بِلَا مَدْحٍ وَذَمٍّ لِرَحْلِهِ

وَمَنْ لَمْ يَمُدَّ الْيَدَ نَحْوَ مُحَرَّمٍ ... عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى غَيْرِ حِلِّهِ

مُحْسِنٌ طَعِمٌ لِلْفَقِيرِ مُصَدِّقٌ ... عَلَى مُعْسِرٍ تَرَكَ الْغَرِيمَ لِعُسْرِهِ

وَكَافِلَةٌ أَيْتَامَهَا بَعْدَ زَوْجِهَا ... وَمُشْبِعُ جُوعٍ ثُمَّ وَاصِلُ أَهْلِهِ

مُحِبُّ الْأَنَاسِيِّ لِلْجَلَالِ مُؤَذِّنٌ ... وَمَنْ لَمْ يَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمًا لِعَدْلِهِ

كَذَا رَحِمٌ ثُمَّ الْأَمَانَةُ بَعْدَهَا ... خِيَارُ ذَوِي التَّوْحِيدِ طَيِّبُ فِعْلِهِ

مُفَرِّجُ كُرَبٍ ثُمَّ مُحْيٍ لِسُنَّةٍ ... مُصَلٍّ عَلَى الْهَادِي كَثِيرًا بِأَجْلِهِ

قِرَانٌ وَأَهْلُ الْجُوعِ خَوْفًا وَصَائِمٌ ... ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ رَجَبِ حَوْلِهِ

وَمَنْ يَقْرَأِ الْإِخْلَاصَ مِنْ بَعْدِ مَغْرِبٍ ... ثَلَاثِينَ فِي ثِنْتَيْنِ مِنْ بَعْدِ نَفْلِهِ

وَأَطْفَالُ ذِي الْإِيمَانِ نَجْلِ نَبِيِّنَا ... وَغَيْرُ حَسُودٍ لَا يَعُقُّ لِأَصْلِهِ

وَطَاهِرُ قَلْبٍ لَيْسَ يَمْشِي نَمِيمَةً ... بَرِيءٌ وَمَكْلُوفٌ بِحُبٍّ لِرَبِّهِ

مُنِيبٌ وَمَذْكُورٌ بِذِكْرِ إِلَهِهِ ... لِحُرْمَتِهِ غَضْبَانُ دَاعٍ لِسُبْلِهِ

وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ لِمُنْكَرٍ ... وَذِكْرٌ بِقَلْبٍ مَعَ لِسَانٍ لِنُبْلِهِ

وَمُسْتَغْفِرُ الْأَسْحَارِ عَمَّارُ مَسْجِدٍ ... كَذَلِكَ سَوَّامٌ مُعَلِّمُ طِفْلِهِ

وَمَنْ يَذْكُرُ الرَّحْمَنَ مَعَ ذِكْرِهِمْ لَهُ ... كَذَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ مَعَ أَهْلِ صَفْوِهِ

خَلِيلُ إِلَهِ الْعَرْشِ فَاطِمَةٌ كَذَا ... عَلِيٌّ وَنَجْلَاهُ وَخَاتَمُ رُسْلِهِ

عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَعَ سَلَامٍ بِهِ نَرَى ... بِحُرْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامِ بِظِلِّهِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ»

قَالَ مَالِكٌ لَا أَحْسِبُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ

ــ

١٧٧٨ - ١٧٣٠ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ) - بِضَمِّ السِّينِ - (ابْنِ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ» ) ، أَيْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَرَادَ بِهِ خَيْرًا وَهَدَاهُ وَوَفَّقَهُ، قَالَ عِيَاضٌ: الْمَحَبَّةُ: الْمَيْلُ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، فَالْمَعْنَى إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ، وَإِيصَالُهُ إِلَيْهِ، انْتَهَى.

فَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ إِلَى صِفَةِ مَعْنًى، هِيَ الْإِرَادَةُ، وَالثَّانِي إِلَى صِفَةِ فِعْلٍ، هِيَ الْإِيصَالُ.

(قَالَ لِجِبْرِيلَ: قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ) أَنْتَ يَا جِبْرِيلُ، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَفَتْحِ

الْمُوَحَّدَةِ، ثَقِيلَةٍ بِإِدْغَامِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ، وَالْأَصْلُ: فَأَحْبِبْهُ.

(فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي) بِأَمْرِ اللَّهِ، إِذْ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يُؤْمَرُونَ (فِي أَهْلِ السَّمَاءِ) ، زَادَ فِي مُسْلِمٍ: فَيَقُولُ: ( «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ» ) ، مَا قَابَلَ الْأَرْضَ، فَالْمُرَادُ: السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا إِعْلَامٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَأَمْرُهُ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِهِ وَتَشْرِيفٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَلَأِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ.

قَالَ عِيَاضٌ: مَحَبَّةُ جِبْرِيلَ، وَالْمَلَائِكَةِ تَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ مِنَ الْمَيْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا ثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ.

(ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولَ) - بِفَتْحِ الْقَافِ -: الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَى، وَمَيْلُ النَّفْسِ (فِي) أَهْلِ (الْأَرْضِ) ، أَيْ يُحْدِثُ لَهُ فِي الْقُلُوبِ مَوَدَّةً، وَيَزْرَعُ لَهُ فِيهَا مَهَابَةً، فَتُحِبُّهُ الْقُلُوبُ، وَتَرْضَى عَنْهُ النُّفُوسُ مِنْ غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنْهُ، وَلَا تَعَرُّضٍ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا مَوَدَّاتِ الْقُلُوبِ مِنْ قَرَابَةٍ، أَوْ صَدَاقَةٍ، أَوِ اصْطِنَاعِ مَعْرُوفٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِرَاعٌ مِنْهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً، تَخْصِيصًا مِنْهُ لِأَوْلِيَائِهِ بِكَرَامَةٍ خَاصَّةٍ، كَمَا يَقْذِفُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ الرُّعْبَ وَالْهَيْبَةَ إِعْظَامًا لَهُمْ، وَإِجْلَالًا لِمَكَانِهِمْ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ يَبْتَدِئُ الْمَحَبَّةَ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: ٩٦] (سورة مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٩٦) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى النَّاسِ، انْتَهَى.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَنْشَأُ عِنْدَهُمْ هَيْبَتُهُ وَإِعْزَازُهُمْ لَهُ: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: ٨] (سورة الْمُنَافِقُونَ: الْآيَةُ ٨) ، قَالَ الْأَبِيُّ: وَلَا يُشْكَلُ عَلَى الْحَدِيثِ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ لَا يَعْرِفُ فَضْلًا عَنْ وَضْعِ الْقَبُولِ لَهُ بِدَلِيلِ خَبَرِ: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ» ; لِأَنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَحَبَّهُ قَدْ يَضَعُ، فَالْقَضِيَّةُ مُهْمَلَةٌ فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ ; لِأَنَّ " إِذَا وَإِنْ " إِهْمَالٌ فِي الشَّرْطِيَّاتِ، لَا كُلِّيَّةٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمَنْطِقِ.

( «وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ» ) ، أَيْ أَرَادَ بِهِ شَرًّا وَأَبْعَدَهُ عَنِ الْهِدَايَةِ،

(قَالَ مَالِكٌ: لَا أَحْسِبُهُ) ، لَا أَظُنُّ سُهَيْلًا (إِلَّا قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ جَمَاعَةٌ لَمْ يَشُكُّوا، مِنْهُمْ: مَعْمَرٌ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْبُغْضَ، انْتَهَى.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ بِسَنَدِهِ فَقَالَ: " «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ» "، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ

الْقَارِيِّ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَالْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبُغْضِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللَّهَ يُحِبُّ عُمَرَ، قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، قَالَ: بِأَبِيكَ! أَنْتَ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ بِدُونِ ذِكْرِ الْبُغْضِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي قَالَ فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ فَقَالَ أَللَّهِ فَقُلْتُ أَللَّهِ فَقَالَ أَللَّهِ فَقُلْتُ أَللَّهِ فَقَالَ أَللَّهِ فَقُلْتُ أَللَّهِ قَالَ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ»

ــ

١٧٧٩ - ١٧٣١ (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ) - بِمُهْمَلَةٍ، وَزَايٍ - سَلَمَةَ (ابْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) ، اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ، ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ (الْخَوْلَانِيِّ) التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ، وُلِدَ عَامَ حُنَيْنٍ، (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ) ، بِكَسْرِ الدَّالِّ، وَفَتْحِ الْمِيمِ بِالشَّامِ، (فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا) ، أَيْ أَبْيَضُ الثَّغْرِ حَسَنُهُ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَثِيرُ التَّبَسُّمِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، وَفِي أُخْرَى: وَضِيءُ الْوَجْهِ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عِشْرُونَ، وَفِي أُخْرَى: ثَلَاثُونَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ فَوْقَ الْعِشْرِينَ وَدُونَ ثَلَاثِينَ.

(إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إِلَيْهِ) ، أَيْ صَعِدُوا إِلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَقِفُونَ عِنْدَ قَوْلِهِ: مَأْخُوذٌ، مِنْ أَسْنَدَ إِلَى الْجَبَلِ إِذَا صَعِدَ فِيهِ، وَفِيهِ لُطْفٌ هُنَا ; لِأَنَّهُ جَبَلُ عِلْمٍ بِنَصِّ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» "، (وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ) ، وَلِقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ: فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ فَقَالَ قَوْلًا، انْتَهَوْا إِلَى قَوْلِهِ.

(فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ) ، أَيِ التَّبْكِيرِ إِلَى كُلِّ صَلَاةٍ، لِحَدِيثِ: " «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» "، وَلَمْ يُرِدِ الْخُرُوجَ فِي الْهَاجِرَةِ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: وَهِيَ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ.

(وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ) ، أَيْ أَتَمَّهَا، (ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ) : جِهَةِ (وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ) لَا

لِغَرَضٍ (فَقَالَ: آللَّهِ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ، وَالْخَفْضِ، (فَقُلْتُ: آللَّهِ، قَالَ) أَبُو إِدْرِيسَ، (فَقَالَ مُعَاذٌ) ثَانِيًا: (آللَّهِ، فَقُلْتُ: آللَّهِ، قَالَ) أَبُو إِدْرِيسَ: (فَأَخَذَ) مُعَاذٌ (بِحُبْوِ رِدَائِي) - بِضَمِّ الْحَاءِ، وَإِسْكَانِ الْبَاءِ - أَيْ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُحْتَبَى بِهِ مِنَ الرِّدَاءِ، فَالْحُبْوَةُ: ضَمُّ السَّاقَيْنِ إِلَى الْبَطْنِ بِثَوْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مَالِكٍ: فَأَخَذَ بِحُبْوَتِي، لَمْ يَقُلْ: رِدَائِي، (فَجَبَذَنِي) ، تَقْدِيمُ الْبَاءِ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ بِمَعْنَى: جَذَبَنِي بِتَقْدِيمِ الذَّالِ، وَلَيْسَتْ مَقْلُوبَةً كَمَا زَعَمَ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ ابْنُ السَّرَّاجِ، فَقَالَ: لَيْسَ أَحَدُهُمَا مَأْخُوذًا مِنَ الْآخَرِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُتَصَرِّفٌ فِي نَفْسِهِ، أَيْ جَرَّنِي وَسَحَبَنِي.

(وَقَالَ: أَبْشِرْ) ، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، ( «فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ» ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ: حَقَّتْ (مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ) ، بِلَفْظِ الْجَمْعِ هُنَا، وَفِيمَا بَعْدَهُ (فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ) ، أَيْ يَتَجَالَسُونَ فِي مَحَبَّتِي بِذِكْرِي، وَكَانَ الْجُنَيْدُ مَشْغُولًا فِي خَلْوَتِهِ، فَإِذَا جَاءَ إِخْوَانُهُ خَرَجَ وَقَعَدَ مَعَهُمْ، وَيَقُولُ: لَوْ أَعْلَمُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ مُجَالَسَتِكُمْ مَا خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ لِمُجَالَسَةِ الْخَوَاصِّ أَثَرًا فِي صَفَاءِ الْحُضُورِ، وَنَشْرِ الْعُلُومِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ.

(وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الَّذِينَ يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ يَبْذُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ نَفْسَهُ، وَمَالَهُ فِي مُهِمَّاتِهِ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ فِي اللَّهِ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ بِبَذْلِ نَفْسِهِ لَيْلَةَ الْغَارِ، وَبَذْلِ مَالِهِ.

(وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ) ، لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَا أُخْرَوِيٍّ.

زَاد الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْمُتَصَادِقِينَ فِيَّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَهَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ، فَتَعَلَّقَتْ بِتَوْحِيدِهِ فَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ بِرُوحِهِ، وَرُوحُ الْجَلَالِ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنْ أَنْ يُوصَفَ، فَإِذَا وَجَدَتْ قُلُوبُهُمْ نَسِيمَ رُوحِ الْجَلَالِ كَادَتْ تَطِيرُ فِي أَمَاكِنِهَا شَوْقًا إِلَيْهِ، فَهُمْ مَحْبُوسُونَ بِهَذَا الْهَيْكَلِ، فَصَارُوا فِي اللِّقَاءِ يَهِشُّ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ائْتِلَافًا، وَتَلَذُّذًا، وَشَوْقًا لِمَحْبُوبِهِمُ الْأَعْظَمِ، فَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ لَهُمُ الْحُبُّ فَفَازُوا بِكَمَالِ الْقُرْبِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، قَالَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ لِقَاءُ أَبِي إِدْرِيسَ لِمُعَاذٍ، وَأَنْكَرَتْهُ طَائِفَةٌ لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ: أَدْرَكْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا وَفَاتَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَلِذَا قَالَ قَوْمٌ وَهِمَ مَالِكٌ، فَأَسْقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ أَبَا مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ، وَزَعَمُوا أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاذٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: غَلِطَ أَبُو حَازِمٍ فِي قَوْلِهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ مُعَاذٍ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ

الصَّامِتِ، وَهَذَا كُلُّهُ تَخَرُّصٌ، وَظَنٌّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَجَاءَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى غَيْرِ أَبِي حَازِمٍ مِنْهُمُ: الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، كِلَاهُمَا عِنْدَ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ، وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: حَدَّثَنِي عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ لَقِيَ مُعَاذًا، وَسَمِعَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ فِي هَذَا عَلَى مَالِكٍ، وَلَا عَلَى أَبِي حَازِمٍ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ: فَاتَنِي مُعَاذٌ، عَلَى فَوَاتِ لُزُومٍ وَطُولِ مُجَالَسَتِهِ، أَوْ فَاتَنِي فِي حَدِيثِ كَذَا، أَوْ مَعْنَى كَذَا، وَلَيْسَ سَمَاعُهُ مِنْهُ بِمُنْكَرٍ، فَإِنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَمَاتَ مُعَاذٌ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ عُبَادَةَ، لِجَوَازِ أَنَّ عُبَادَةَ وَمُعَاذًا وَغَيْرَهُمَا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْقَصْدُ وَالتُّؤَدَةُ وَحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ

ــ

١٧٨٠ - ١٧٣٢ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ) مَوْقُوفًا، وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، إِذْ هُوَ لَا يُقَالُ رَأْيًا.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرَخْسَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (الْقَصْدُ) أَيِ التَّوَسُّطُ فِي الْأُمُورِ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، (وَالتُّؤَدَةُ) ، بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ، وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيِ الرِّفْقُ وَالتَّأَنِّي، (وَحُسْنُ السَّمْتِ) : الْهَيْئَةُ وَالْمَنْظَرُ، وَأَصْلُ السَّمْتِ: الطَّرِيقُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلزِّيِّ الْحَسَنِ، وَالْهَيْئَةِ الْمُثْلَى فِي الْمَلْبَسِ وَغَيْرِهِ، (جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَصِفَاتِهِمُ الَّتِي طُبِعُوا عَلَيْهَا، وَأُمِرُوا بِهَا، وَجُبِلُوا عَلَى الْتِزَامِهَا، قَالَ: وَنَعْتَقِدُ هَذِهِ التَّجْزِئَةَ، وَلَا نَدْرِي وَجْهَهَا، يَعْنِي: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّةِ، فَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ، وَالِاسْتِنْبَاطُ مَسْدُودٌ.

[باب الرُّؤْيَا]

كِتَابُ الرُّؤْيَا

بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ»

ــ

٥٢ - كِتَابُ الرُّؤْيَا

١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا

بِالْقَصْرِ مَصْدَرٌ كَالْبُشْرَى مُخْتَصَّةٌ غَالِبًا بِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ يُرَى مَنَامًا كَذَا قَالَهُ جَمْعٌ.

وَقَالَ آخَرُونَ: الرُّؤْيَا كَالرُّؤْيَةِ جُعِلَتْ أَلِفُ التَّأْنِيثِ فِيهَا مَكَانَ تَاءِ التَّأْنِيثِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ وَالْيَقْظَانُ.

١٧٨١ - ١٧٣٣ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) ، زَيْدٍ (الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ) ، أَيِ الصَّادِقَةُ، أَوِ الْمُبَشِّرَةُ احْتِمَالَانِ لِلْبَاجِيِّ (مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ اتِّفَاقًا، حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْمُرَادُ غَالِبُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ، وَإِلَّا فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الْأَضْغَاثَ، وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ.

(جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) ، مَجَازًا لَا حَقِيقَةً ; لِأَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجُزْءُ النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ نُبُوَّةً، كَمَا أَنَّ جُزْءَ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ صَلَاةً، نَعَمْ إِنْ وَقَعَتْ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً، وَقِيلَ: إِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِهِ، فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهَا، وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا بَاقٍ، وَتُعِقِّبَ بِقَوْلِ مَالِكٍ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حِينَ سُئِلَ: أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ؟ ثُمَّ قَالَ: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقِيَةٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ النُّبُوَّةَ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِلَا عِلْمٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ الرُّؤْيَا بِالنُّبُوَّةِ، وَجُزْءُ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ وَصْفِهِ لَهُ، كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنًا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَفْهُومُهُ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الصَّالِحِ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّهَا كَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَجَ

عَلَى جَوَابِ سَائِلٍ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي مُرْسَلِ عَطَاءٍ الْآتِي: يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ، فَعَمَّ قَوْلُهُ يَرَى الصَّالِحُ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرُّؤْيَا نَوْعٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَلَى ضُرُوبٍ، وَأَنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّ فِيهَا مَا يُعْجِزُ كَالطَّيَرَانِ، وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ، وَذَلِكَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ النُّبُوَّةِ، أَوْ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ ; لِأَنَّ الرَّائِيَ يُخْبِرُ بِعِلْمِ مَا غَابَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَأَشْبَهُ بِالْأُصُولِ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إِلَّا مَلِكٌ، أَوْ نَبِيٌّ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانَهُ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّ فِيهَا اطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ مَا، وَأَمَّا تَفْصِيلُ النِّسْبَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ مِمَّا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَالِمَ أَنْ يَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ جُمْلَةً، وَتَفْصِيلًا، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْعَالِمِ حَدًّا يَقِفُ عِنْدَهُ، فَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ الْمُرَادُ بِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَمِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا، وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ السَّفَاقُسِيِّ: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ فِي الْمَنَامِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَقَظَةً بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ، وَنِسْبَتُهَا إِلَى الْوَحْيِ فِي الْمَنَامِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا بَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَبْقَى حَدِيثُ سَبْعِينَ جُزْءًا لَا مَعْنَى لَهُ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا تَحْتَمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ، وَالْعَدَدِ، فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ خَبَرًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ أَثَرًا، وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ فِيهِ خَبَرًا، فَكَأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَأَيَّامِ الصِّيَامِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إِلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي مُوجِبِ اعْتِقَادِنَا لِلِزُومِهَا، قَالَ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، لَكِنَّهُ يَلْحَقُ بِهَا سَائِرُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي أُوحِيَ إِلَيْهِ فِيهَا مَنَامًا فِي طُولِ الْمُدَّةِ، كَرُؤْيَا أُحُدٍ وَدُخُولِ مَكَّةَ، فَتُلَفَّقُ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةٌ أُخْرَى تُزَادُ فِي الْحِسَابِ، فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا.

وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ، وَحْيُ الْمَنَامِ الْمُتَابِعُ، فَمَا وَقَعَ فِي غُضُونِ وَحْيِ الْيَقَظَةِ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَحْيِ الْيَقَظَةِ، فَهُوَ مَغْمُورٌ فِي جَانِبِ وَحْيِهَا فَلَمْ تُعْتَبَرْ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرُوا مُنَاسَبَاتٍ غَيْرَ ذَلِكَ يَطُولُ ذِكْرُهَا.

وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ "، وَلَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ: " مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ "، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.

وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: " جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ "، وَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ "، وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي رَزِينٍ: " جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ "، وَلِابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عُبَادَةَ:

" جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ "، وَابْنِ النَّجَّارِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ "، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: وَفِي رِوَايَةِ عُبَادَةَ: " مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ "، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا، فَالْجُمْلَةُ عَشْرُ رِوَايَاتٍ، وَالْمَشْهُورُ " سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ "، وَهُوَ مَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنِ اخْتِلَافِ الْأَعْدَادِ بِأَنَّهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّثَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ لَمَّا أَكْمَلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ مَجِيءِ الْوَحْيِ إِلَيْهِ، حَدَّثَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ وَقْتَ الْهِجْرَةِ، وَلَمَّا أَكْمَلَ عِشْرِينَ حَدَّثَ بِأَرْبَعِينَ، وَلَمَّا أَكْمَلَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، حَدَّثَ بِأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ بَعْدَهَا بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ حَدَّثَ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فَضَعِيفٌ.

وَرِوَايَةُ خَمْسِينَ يُحْتَمَلُ جَبْرُ الْكَسْرِ وَالسَبْعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَعَبَّرَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَ الرِّسَالَةِ لِأَنَّهَا تَزِيدُ بِالتَّبْلِيغِ بِخِلَافِ النُّبُوَّةِ، فَاطِّلَاعٌ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَا، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِلْكَافِرِ مِنْهَا نَصِيبٌ كَرُؤْيَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ، وَرُؤْيَا مَلِكِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ جَالِينُوسَ عَرَضَ لَهُ وَرَمٌ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَتَّصِلُ مِنْهُ بِالْحِجَابِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ فِي الْمَنَامِ بِفَصْدِ الْعِرْقِ الضَّارِبِ مِنْ كَفِّهِ الْيُسْرَى فَبَرَأَ.

بِأَنَّ الْكَافِرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لَهَا، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرَى مَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِخَيْرِ دُنْيَاهُ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا، ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي الرُّؤْيَا ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: الْأَنْبِيَاءُ وَرُؤْيَاهُمْ كُلُّهَا صِدْقٌ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ.

وَالصَّالِحُونَ، وَالْغَالِبُ عَلَى رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَمَا عَدَاهُمْ يَقَعُ فِي رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ.

وَالْأَضْغَاثُ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ مَسْتُورُونَ، فَالْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْحَالِ فِي حَقِّهِمْ، وَفَسَقَةٌ وَالْغَالِبُ عَلَى رُؤْيَاهُمُ الْأَضْغَاثُ وَيَقِلُّ فِيهَا الصِّدْقُ، وَكُفَّارٌ وَيَنْدُرُ فِيهَا الصِّدْقُ جِدًّا.

وَيُرْشِدُ لِذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: " «وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا» "، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ

ــ

١٧٨١ - ١٧٣٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ) ، الَّذِي رَوَاهُ إِسْحَاقُ عَنْ أَنَسٍ، وَالْحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ جَاءَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا وَيَقُولُ لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ»

ــ

١٧٨٢ - ١٧٣٥ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ زُفَرَ) ، بِضَمِّ الزَّايِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ، (ابْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ) ، وَهُمَا ثِقَتَانِ مَدَنِيَّانِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا أَعْلَمُ لِزُفَرَ وَلَا لِأَبِيهِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ

وَفِي رِوَايَةِ مَعْنٍ عَنْ زُفَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْقَاطٍ عَنْ أَبِيهِ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ كَمَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) - بِالْمُعْجَمَةِ - أَيِ الصُّبْحِ (يَقُولُ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ: " فَنَقُصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقَصَّ ".

وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: " أَنَّهُ أَقَامَ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَرَكَ السُّؤَالَ، فَكَانَ يَعْبُرُ لِمَنْ قَصَّ مُتَبَرِّعًا "، قِيلَ: سَبَبُ تَرْكِهِ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ، وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أَنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ فَرَأَيْنَا الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

قَالُوا: فَمِنْ حِينَئِذٍ لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا إِيثَارًا لِسَتْرِ الْعَوَاقِبِ، وَإِخْفَاءِ الْمَرَاتِبِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا كَاشِفَةً لِمَنَازِلِهِمْ، مُبَيِّنَةً لِفَضْلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي التَّعْيِينِ، خَشِيَ أَنْ يَتَوَاتَرَ وَيَتَوَالَى مَا هُوَ أَبْلَغُ فِي الْكَشْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلِلَّهِ فِي سَتْرِ خَلْقِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَمَشِيئَةٌ نَافِذَةٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

(وَيَقُولُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ) أَلْ عَهْدِيَّةٌ، أَيْ نُبُوَّتِهِ، (إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ، أَيِ الْحَسَنَةُ، أَوِ الصَّادِقَةُ الْمُنْتَظِمَةُ الْوَاقِعَةُ عَلَى شُرُوطِهَا الصَّحِيحَةِ، وَهِيَ مَا فِيهِ بِشَارَةٌ، أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى غَفْلَةٍ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الصَّالِحَةُ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلرُّؤْيَا لِأَنَّ غَيْرَهَا يُسَمَّى بِالْحُلْمِ، أَوْ مُخَصِّصَةٌ وَالصَّلَاحُ بِاعْتِبَارِ صَوْتِهَا، أَوْ تَعْبِيرِهَا، وَفِيهِ نَدْبُ التَّعْبِيرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَرُدُّ قَوْلَ بَعْضِ أَهْلِ التَّعْبِيرِ: الْمُسْتَحَبُّ أَنَّهُ مِنْ طُلُوعِهَا إِلَى الرَّابِعَةِ، وَمِنَ الْعَصْرِ إِلَى قُرْبِ الْمَغْرِبِ.

وَرَدٌّ عَلَى مَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِهِمْ، قَالَ: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى امْرَأَةٍ، وَلَا تُخْبِرْ بِهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ لِحِفْظِ صَاحِبِهَا لَهَا، لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِهَا قَبْلَ مَا يَعْرِضُ لَهُ نِسْيَانُهَا، وَلِحُضُورِ ذِهْنِ الْعَابِرِ، وَقِلَّةِ شُغْلِهِ بِالْفِكْرَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعَاشِهِ، وَلِيَعْرِفَ الرَّائِي مَا يَعْرِضُ لَهُ بِسَبَبِ رُؤْيَاهُ فَيَسْتَبْشِرَ

بِالْخَيْرِ وَيَحْذَرَ مِنَ الشَّرِّ وَيَتَأَهَّب لِذَلِكَ، فَرُبَّمَا كَانَ فِيهَا تَحْذِيرٌ مِنْ مَعْصِيَةٍ فَيَكُفُّ عَنْهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ إِنْذَارًا لِأَمْرٍ فَيَكُونُ لَهُ مُتَرَقِّبًا، قَالَ: فَهَذِهِ عِدَّةُ فَوَائِدَ لِتَعْبِيرِهَا أَوَّلَ النَّهَارِ اه.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ فَقَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ»

ــ

١٧٨٣ - ١٧٣٦ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مُرْسَلٌ، وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ» ) - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ - جَمْعُ مُبَشِّرَةٍ، اسْمُ فَاعِلٍ لِلْمُؤَنَّثِ مِنَ الْبِشْرِ، وَهُوَ إِدْخَالُ السُّرُورِ، وَالْفَرَحِ عَلَى الْمُبَشَّرِ بِالْفَتْحِ، وَلَيْسَ جَمْعَ الْبُشْرَى لِأَنَّهَا اسْمٌ بِمَعْنَى الْبِشَارَةِ.

وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: " لَمْ " الَّتِي تَقْلِبُ الْمُضَارِعَ إِلَى الْمُضِيِّ بَدَلَ لَنْ، لَكِنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُضِيِّ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ.

قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: الْمَقَامُ مُقْتَضٍ لِلنَّفْيِ بِلَنْ لِدَلَالَتِهَا عَلَى النَّفْيِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، يَعْنِي أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ اه.

وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ، وَاللَّامُ عَهْدِيَّةٌ وَالْمُرَادُ: نُبُوَّتُهُ، أَيْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَفْظُهُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَشَفَ السِّتَارَةَ وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلَفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» "، وَلِلنَّسَائِيِّ أَنَّهُ: " «لَيْسَ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» "، وَهَذَا يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ.

وَلِأَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «أَنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، وَلَا نَبِيَّ وَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَكِنْ بَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ "، (فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ) بِنَفْسِهِ، (أَوْ تُرَى لَهُ) » - بِضَمِّ التَّاءِ - أَيْ يَرَاهَا لَهُ غَيْرُهُ، (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) ، ظَاهِرُ هَذَا مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الرُّؤْيَا نُبُوَّةٌ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ أَمْرِ الرُّؤْيَا بِالنُّبُوَّةِ ; لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ وَصْفِهِ كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنًا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَذَّنَ وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَذَانِ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَائِمٌ، لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ كُرْزٍ - بِضَمِّ الْكَافِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ - الْكَعْبِيَّةِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ» "، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا

حَاصِلُهُ: التَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ مَخْرِجَ الْأَغْلَبِ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ، لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْإِلْهَامُ، فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ، وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا، وَيَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى مُحَدَّثُونَ، وَفُسِّرَ الْمُحَدَّثُ - بِفَتْحِ الدَّالِّ - بِالْمُلْهَمِ - بِفَتْحِ الْهَاءِ - وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا.

وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَصْرَ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَلُ آحَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ، فَيَخْتَصُّ بِالْبَعْضِ، وَمَعَ اخْتِصَاصِهِ فَإِنَّهُ نَادِرٌ، فَإِنَّمَا ذُكِرَ الْمَنَامُ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» "، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي نَدُورِ الْإِلْهَامِ فِي زَمَنِهِ، وَكَثْرَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ غَلَبَةُ الْوَحْيِ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَقَظَةِ، وَإِرَادَةُ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ مِنْهُ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَقَعَ لِغَيْرِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْقَطَعَ الْوَحْيُ بِمَوْتِهِ وَقَعَ الْإِلْهَامُ لِمَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ لِلْأَمْنِ مِنَ اللَّبْسِ فِي ذَلِكَ، وَفِي إِنْكَارِ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِ وَاشْتِهَارِهِ، مُكَابَرَةٌ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ، قَالَهُ الْحَافِظُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَقُولُ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْتُ أُبَالِيهَا

ــ

١٧٨٤ - ١٧٣٧ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ عَوْفٍ: (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) الْحَارِثَ، أَوِ النُّعْمَانَ، أَوْ عَمْرَو (بْنَ رِبْعِيٍّ) ، بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَتَحْتِيَّةٍ الْأَنْصَارِيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) الْمُنْتَظِمَةُ الْوَاقِعَةُ عَلَى شُرُوطِهَا الصَّحِيحَةِ، وَهِيَ مَا فِيهَا بِشَارَةٌ، أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى غَفْلَةٍ.

وَقَالَ الكِرْمَانِيُّ: الصَّالِحَةُ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ ; لِأَنَّ غَيْرَهَا يُسَمَّى بِالْحُلْمِ، أَوْ مُخَصِّصَةٌ وَالصَّلَاحُ بِاعْتِبَارِ صُورَتِهَا أَوْ تَعْبِيرِهَا.

وَقَالَ عِيَاضٌ تَبَعًا لِلْبَاجِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى الصَّالِحَةِ وَالْحَسَنَةِ حُسْنُ ظَاهِرِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ صِحَّتُهَا، (مِنَ اللَّهِ) ، أَيْ بُشْرَى وَتَحْذِيرٌ وَإِنْذَارٌ.

(وَالْحُلْمُ) ، بِضَمِّ الْحَاءِ، وَسُكُونِ اللَّامِ أَوْ ضَمِّهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا: الرُّؤْيَةُ حَسَنَةٌ، أَوْ مَكْرُوهَةٌ، وَهِيَ الْمُرَادُ هُنَا.

قَالَ عِيَاضٌ: وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ سُوءَ التَّأْوِيلِ (مِنَ الشَّيْطَانِ) ، أَيْ مِنْ إِلْقَائِهِ يُخَوِّفُ وَيُحْزِنُ الْإِنْسَانَ بِهَا، قَالَ عِيَاضٌ: إِضَافَةٌ أَيْ نِسْبَةُ الرُّؤْيَا إِلَى اللَّهِ إِضَافَةُ تَكْرِيمٍ وَتَشْرِيفٍ لِطَهَارَتِهَا مِنْ حُضُورِ الشَّيْطَانِ، وَإِفْسَادِهِ لَهَا، وَسَلَامَتِهَا مِنَ الْأَضْغَاثِ، أَيِ التَّخْلِيطِ، وَجَمْعِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهَةِ، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِإِرَادَتِهِ، وَلَا فِعْلَ

لِلشَّيْطَانِ فِيهَا لَكِنَّهُ يَحْضُرُهَا وَيَرْتَضِيهَا وَيُسَرُّ بِهَا فَلِذَا نُسِبَتْ إِلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ عَلَى طَبْعِهِ مِنَ التَّحْذِيرِ، وَالْكَرَاهَةِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّهَا تُوَافِقُهُ وَيَسْتَحْسِنُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ شُغْلِ بَالِ الْمُسْلِمِ وَتَضَرُّرِهِ بِهَا.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالتَّحْذِيرُ وَإِنْ كَانَ غَالِبًا مِنَ الشَّيْطَانِ فَقَدْ يَكُونُ فِي الصَّالِحَةِ إِنْذَارٌ مِنَ اللَّهِ، وَاعْتِنَاءٌ مِنْهُ بِعَبْدِهِ لِئَلَّا يَفْجَأَهُ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ وَأُهْبَةٍ، كَمَا أَنَّ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا أَضْغَاثٌ نَادِرَةُ الْعَوَارِضِ مِنْ وَسْوَسَةِ نَفْسٍ، وَحَدِيثِهَا، أَوْ غَلَبَةِ خَاطِرٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الرُّؤْيَا وَالْحُلْمُ وَاحِدٌ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ خَصَّ الْخَيْرَ بِاسْمِ الرُّؤْيَا، وَالشَّرَّ بِاسْمِ الْحُلْمِ.

وَقَالَ التُّورِبِشَتِيُّ: الْحُلْمُ عِنْدَ الْعَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الرُّؤْيَا، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُعْطَهَا بَلِيغٌ، وَلَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهَا حَكِيمٌ، بَلْ سَنَّهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.

كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُسَمِّيَ مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الشَّيْطَانِ بِاسْمٍ وَاحِدٍ، فَجَعَلَ الْحُلْمَ عِبَارَةً عَمَّا كَانَ مِنَ الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ إِلَّا فِيمَا يُخَيَّلُ لِلْحَالِمِ فِي نَوْمِهِ مِنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ.

(فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ) - بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا - طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا (عَنْ يَسَارِهِ) ، لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا، (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) لِلتَّأْكِيدِ.

وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ: " فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ "، وَفِي أُخْرَى: " فَلْيَتْفُلْ "، قَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ فِي التَّفْلِ وَالنَّفْثِ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَلَا يَكُونَانِ إِلَّا بِرِيقٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي التُّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ، وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ وَقِيلَ: عَكْسُهُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فَلْيَنْفُثْ، وَهُوَ النَّفْخُ اللَّطِيفُ بِلَا رِيقٍ، فَيَكُونُ التَّفْلُ وَالْبَصْقُ مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ طَرْدُ الشَّيْطَانِ، وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ كَمَا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ عِيَاضٍ كَمَا مَرَّ، فَالَّذِي يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ الْحَمْلُ عَلَى التَّفْلِ، فَإِنَّهُ نَفْخٌ مَعَهُ رِيقٌ لَطِيفٌ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى النَّفْخِ قِيلَ لَهُ: نَفْثٌ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى التَّفْلِ قِيلَ لَهُ: بَصْقٌ، (إِذَا اسْتَيْقَظَ) مِنْ نَوْمِهِ، (وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ: " وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ "، قَالَ الْحَافِظُ: وَرَدَ فِي صِفَةِ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الرُّؤْيَا أَثَرٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: " «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُلْ إِذَا اسْتَيْقَظَ: أَعُوذُ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ مِنْ شَرِّ رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنْ يُصِيبَنِي فِيهَا مَا أَكْرَهُ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ» "، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَسَيِّئَاتِ الْأَحْلَامِ» "، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، زَادَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: " وَلَا

يُحَدِّثُ بِهَا أَحَدًا وَزَادَ مُسْلِمُ عَنْ جَابِرٍ: " وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَزَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ (فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ; لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَا ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ الْمُتَرَقَّبِ مِنَ الرُّؤْيَا، كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ، وَأَنَّهَا تَدْفَعُ الْبَلَاءَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مُصَدِّقًا مُتَّكِلًا عَلَى اللَّهِ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ.

وَأَمَّا التَّحَوُّلُ فَلِلتَّفَاؤُلِ بِتَحَوُّلِ تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا وَيَعْمَلَ بِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا أَجْزَأَتْهُ فِي دَفْعِ ضَرَرِهَا، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ أَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ كَافِيَةٌ فِي دَفْعِ شَرِّهَا، انْتَهَى.

وَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ، وَبَصَقَ وَنَفَثَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ، وَاسْتَعَاذَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فِي أَقْرَبِ الْأَحْوَالِ إِلَيْهِ، فَيَكْفِيهِ اللَّهُ شَرَّهَا.

وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ: " وَلَا يَقْرُبُكَ شَيْطَانٌ فَمُتَّجِهٌ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صِلَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ.

وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ: " فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ وَفِي التِّرْمِذِيِّ: " لَا يُحَدِّثُ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا "، أَيْ لِأَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهَا مَنْ لَا يُحِبُّ قَدْ يُفَسِّرُهَا بِمَا لَا يُحِبُّ، إِمَّا بُغْضًا، وَإِمَّا حَسَدًا، فَقَدْ يَقَعُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، أَوْ يَتَعَجَّلُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حُزْنًا وَنَكَدًا، فَأُمِرَ بِتَرْكِ تَحْدِيثِ مَنْ لَا يُحِبُّ لِسَبَبِ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: " «الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ» "، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ رَفَعَهُ: " «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلٍ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ» قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ الْعَابِرُ الْأَوَّلُ عَالِمًا، فَعَبَرَ وَأَصَابَ وَجْهَ التَّعْبِيرِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَصَابَ بَعْدَهُ، إِذْ لَيْسَ الْمَدَارُ إِلَّا عَلَى إِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي تَعْبِيرِ الْمَنَامِ، لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا ضَرَبَ مِنَ الْمَثَلِ، فَإِذَا أَصَابَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فَلْيُسْأَلِ الثَّانِيَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ، وَيَبَيِّنَ مَا جَهِلَ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ بَحْثٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ.

(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (إِنْ كُنْتُ لَأَرَى) - بِاللَّامِ - (الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنَ الْجَبَلِ) - بِالْجِيمِ - وَاحِدُ الْجِبَالِ، (فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ) مِنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَجَوَابُ لَمَّا مَحْذُوفٌ، أَيْ خَفَّ عَلَيَّ مَا أَرَاهُ، (فَمَا كُنْتُ أُبَالِيهَا) ، أَيْ لَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَلَا أُلْقِي لَهَا بَالًا.

وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا

كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فَذَكَرَهُ.

وَتَابَعَ مَالِكًا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ أَخُوهُ عَبْدُ رَبِّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، كُلُّ ذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، نَحْوَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ {لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] قَالَ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ

ــ

١٧٨٥ - ١٧٣٨ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] ) (سورة يُونُسَ: الْآيَةَ: ٦٤) ، بِالْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ، (قَالَ: هِيَ) ، أَيِ الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا، (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ) ، وَهَذَا قَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ "، وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّهُ قَالَ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، أَوْ أَحَدٌ قَبْلَكَ تِلْكَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ» "، وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: ٦٤] الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يُسَرُّ بِهَا الْمُؤْمِنُ "، وَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] قَالَ: هِيَ فِي الدُّنْيَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْعَبْدُ، أَوْ تُرَى لَهُ وَفِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ» ".

[فِي النَّرْدِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّرْدِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»

ــ

٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّرْدِ

بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مَعْنَاهُ بِلُغَةِ الْفُرْسِ: حُلْوٌ، وَيُسَمَّى الْكِعَابَ وَالْأَرِقَ والنَّرْدَشِيرَ، قِيلَ: إِنَّ الْأَوَائِلَ لَمَّا نَظَرُوا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَجَدُوهَا عَلَى أُسْلُوبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يَجْرِي بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ، فَوَضَعُوا لَهُ النَّرْدَ لِتَشْعُرَ النَّفْسُ بِهِ.

وَالثَّانِي: مَا يَجْرِي بِحُكْمِ السَّعْيِ، وَالتَّحَيُّلِ، فَوَضَعُوا لَهُ الشَّطْرَنْجَ، لِتَشْعُرَ النَّفْسُ بِذَلِكَ، وَتَنْهَضَ الْخَوَاطِرُ إِلَى عَمَلِ مِثْلِهِ مِنَ الْمَطْلُوبَاتِ، وَيُقَالُ: إِنَّ وَاضِعَ النَّرْدِ وَضَعَهُ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِ الْجَبْرِ، وَوَاضِعَ الشَّطْرَنْجِ وَضَعَهُ عَلَى رَأْيِ الْقَدَرِيَّةِ.

١٧٨٦ - ١٧٣٩ - (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ) الدِّيلِيِّ - بِكَسْرِ الدَّالِّ، وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ - مَوْلَاهُمْ أَبِي عُرْوَةَ الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ، أَثْنَى عَلَيْهِ مَالِكٌ وَوَصَفَهُ بِالْفَضْلِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.

(عَنْ سَعِيدِ) - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - (ابْنِ أَبِي هِنْدٍ) الْفَزَارِيِّ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا.

(عَنْ أَبِي مُوسَى) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ (الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ) - بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ - قِطَعٌ مُلَوَّنَةٌ مِنْ خَشَبِ الْبَقْسِ، وَعَظْمِ الْفِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهَ) ; لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ، وَالْبَغْضَاءَ، وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَيَشْغَلُ الْقَلْبَ، فَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِهِ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ، بَلْ حَكَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ وَنُوزِعَ.

وَقِيلَ: سَبَبُ حُرْمَتِهِ أَنَّ وَاضِعَهُ سَابُورُ بْنُ أَرْدَشِيرَ أَوَّلُ مُلُوكِ سَاسَانَ، شَبَّهَ رُقْعَتَهُ بِوَجْهِ الْأَرْضِ، وَالتَّقْسِيمَ الرُّبَاعِيَّ بِالْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَالشُّخُوصَ الثَلَاثِينَ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَالسَّوَادَ وَالْبَيَاضَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْبُيُوتَ الِاثْنَيْ عَشَرَ بِشُهُورِ السَّنَةِ، وَالْكِعَابَ الثَّلَاثَةَ بِالْأَقْضِيَةِ السَّمَاوِيَّةِ فِي مَا لِلْإِنْسَانِ وَعَلَيْهِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَالْخِصَالَ بِالْأَغْرَاضِ الَّتِي يَسْعَى الْإِنْسَانُ لِأَجْلِهَا، وَاللَّعِبَ بِهَا بِالْكَسْبِ، فَصَارَ مَنْ يَلْعَبُ بِهِ حَقِيقًا بِالْوَعِيدِ لِاجْتِهَادِهِ فِي إِحْيَاءِ سُنَّةِ الْمَجُوسِ الْمُسْتَكْبِرَةِ عَلَى اللَّهِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ.

وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لِمُسْلِمٍ.

إِنَّمَا رُوِيَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» "، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ فِي حَالِ أَكْلِهِ مِنْهُ، فَشَبَّهَ اللَّعِبَ بِتَحْرِيمِ أَكْلِهِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَذْكِيَتِهِ، وَهِيَ حَرَامٌ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِهِ، وَهُوَ نَصُّ حَدِيثِ مَالِكٍ: " فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ".

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ فِي دَارِهَا كَانُوا سُكَّانًا فِيهَا وَعِنْدَهُمْ نَرْدٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجُوهَا لَأُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ دَارِي وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ

ــ

١٧٨٦ - ١٧٤٠ - (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) الْعَلَّامَةِ الثِّقَةِ (عَنْ أُمِّهِ) مَرْجَانَةَ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ، مَقْبُولَةٌ (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ فِي دَارِهَا كَانُوا سُكَّانًا فِيهَا، وَعِنْدَهُمْ نَرْدٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجُوهَا) ، أَيِ النَّرْدَ، (لَأُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ دَارِي، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ) ; لِأَنَّهُ حَرَامٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ضَرَبَهُ وَكَسَرَهَا

قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ لَا خَيْرَ فِي الشَّطْرَنْجِ وَكَرِهَهَا وَسَمِعْتُهُ يَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْبَاطِلِ وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: ٣٢]

ــ

١٧٨٧ - ١٧٤١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ضَرَبَهُ) ، تَعْزِيرًا عَلَى فِعْلِهِ الْحَرَامِ (وَكَسَرَهَا) ، لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى اللَّعِبِ بِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ.

(قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي الشَّطْرَنْجِ) ، بِكَسْرِ السِّينِ، وَفَتْحِهَا مَعَ الْإِعْجَامِ وَالْإِهْمَالِ، أَرْبَعُ لُغَاتٍ حَكَاهَا ابْنُ مَالِكٍ، فَالْإِعْجَامُ مِنَ الْمُشَاطَرَةِ، كَأَنَّ كُلَّ لَاعِبٍ لَهُ شَطْرٌ مِنَ الْقِطَعِ، وَالْإِهْمَالِ مِنْ تَسْطِيرِ الرُّقْعَةِ بُيُوتًا عِنْدَ التَّعْبِيَةِ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ بَرِّيٍّ بِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْأَعْجَمِيَّةَ لَا تُشْتَقُّ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِأَنَّهَا خُمَاسِيَّةٌ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الشَّطْرِ يُوجِبُ أَنَّهَا ثُلَاثِيَّةٌ، فَتَكُونُ النُّونُ وَالْجِيمُ زَائِدَتَيْنِ، وَهَذَا بَيِّنُ الْفَسَادِ.

(وَكَرِهَهَا) تَحْرِيمًا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَنُوزِعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي إِبْقَاءِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّنْزِيهِ.

(وَسَمِعْتُهُ يَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا مِنَ الْبَاطِلِ، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ) اسْتِدْلَالًا: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: ٣٢] ، اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، أَيْ لَيْسَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ، فَمَنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ وَقَعَ فِي الضَّلَالِ.

وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ الشَّطْرَنْجِ، وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.

وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: فَمَنْ نَقَلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ فَهُوَ غَالِطٌ، فَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ يَنْقُلُ أَقْوَالًا بِلَا إِسْنَادٍ، وَإِجْمَاعُهُمْ كَافٍ فِي الْحُجَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا ضَعْفٌ وَإِرْسَالٌ، فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ وَالِاعْتِبَارِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ الطُّرُقِ وَاشْتِهَارِهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا صَالِحًا فَهُوَ حُجَّةٌ بِانْفِرَادِهِ، وَمَا كَانَ مُعَلَّلًا فَإِنَّهُ يَقْوَى بِتَعَدُّدٍ طُرُقِهِ، وَتَغَايُرِ شُيُوخِ مُرْسِلِهِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى النَّرْدِ بِجَامِعِ الضِّدِّ، بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُهُمَا شَرٌّ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِفْسَادِ الْقُلُوبِ مِنَ النَّرْدِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى فِكْرٍ، وَتَقْدِيرٍ وَحِسَابِ النَّقَلَاتِ قَبْلَ النَّقْلِ، بِخِلَافِ النَّرْدِ يَلْعَبُ صَاحِبُهُ ثُمَّ يَحْسِبُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى كَرَاهَتِهِ تَنْزِيهًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ، مَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا، وَتُعْتَبَرْ بِالْعُرْفِ، وَلَمْ يَلْعَبْ مَعَ مُعْتَقِدِ تَحْرِيمِهِ، أَوْ يَكُنْ عَلَى شَكْلِ الْحَيَوَانِ، أَوْ يَهْذِي عَلَيْهَا، بَلْ حَفِظَ اللِّسَانَ عَنِ الْخَنَا، وَالْفُحْشِ، وَالسَّفَهِ، وَمَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ قِمَارٌ، وَلَمْ يَلْعَبْهُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَلَمْ يُؤَخِّرْ بِهِ صَلَاةً، وَإِلَّا حُرِّمَ فِي الْجَمِيعِ، زَادَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَمَا لَمْ يَلْعَبْهُ مَعَ الْأَرَاذِلِ، وَلَمْ يُؤْثِرْ نَحْوَ حِقْدٍ، أَوْ ضَغِينَةٍ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى إِشَارَةٍ لِلَّفْظِ لَا يُرْضِي.

[باب السلام] [الْعَمَلِ فِي السَّلَامِ]

كِتَابُ السَّلَامِ

بَابُ الْعَمَلِ فِي السَّلَامِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَإِذَا سَلَّمَ مِنْ الْقَوْمِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ»

ــ

٥٣ - كِتَابُ السَّلَامِ

١ - بَابُ الْعَمَلِ فِي السَّلَامِ

١٧٨٨ - ١٧٤٢ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مُرْسَلٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُسَلِّمُ) ، أَيْ لِيُسَلِّمْ (الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي) ، أَيْ يَبْدَؤُهُ بِالسَّلَامِ لِئَلَّا يَتَكَبَّرَ بِرُكُوبِهِ، فَيَرْجِعَ إِلَى التَّوَاضُعِ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّ لِلرَّاكِبِ مَزِيَّةً عَلَى الْمَاشِي فَعُوِّضَ أَنْ يَبْدَأَهُ الرَّاكِبُ احْتِفَاظًا عَلَيْهِ مِنَ الزَّهْوِ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ وَضْعَ السَّلَامِ إِنَّمَا هُوَ لِحِكْمَةِ إِزَالَةِ الْخَوْفِ مِنَ الْمُلْتَقِيَيْنِ، إِذَا الْتَقَيَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِمَعْنَى التَّوَاضُعِ الْمُنَاسِبِ لِحَالِ الْمُؤْمِنِ، أَوْ لِلتَّعْظِيمِ ; لِأَنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا اكْتِسَابُ وُدٍّ، أَوِ اسْتِدْفَاعُ مَكْرُوهٍ، وَهَذَا مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا بِزِيَادَةِ: " وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ ".

(وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ) الرَّاكِبِينَ، أَوِ الْمَاشِينَ، أَوِ الْقَلِيلِينَ، أَوِ الصِّغَارِ (وَاحِدٌ) مِنْهُمْ (أَجْزَأَ عَنْهُمْ) فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ فَهُوَ أَصْلٌ لِلْإِجْمَاعِ، عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالسَّلَامِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ إِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ، كَفَى.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمُرَادُ بِالسَّلَامِ هُنَا الرَّدُّ ; لِأَنَّ الرَّادَّ مُسْلِمٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: أَجَزَأَ فِيمَا وَاجِبٌ، وَالِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ، وَالرَّدُّ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا فِيهِمَا، فَبَطَلَ تَأْوِيلُ الطَّحَاوِيِّ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ ابْتَدَأَ السَّلَامَ نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ أَنَّ رَدَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «يُجْزِئُ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرَّتْ أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْقُعُودِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» "، فَسَوَّى بَيْنَ الِابْتِدَاءِ، وَالرَّدِّ أَنَّهُمَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ لَا مُعَارِضَ لَهُ.

وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ الرَّدَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَشَبَّهَهُ الشَّافِعِيُّ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، والتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَالْجِهَادِ، وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَمَعْنَى إِجْزَائِهِ فِي الِابْتِدَاءِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ لِلْإِجْمَاعِ، عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهِ سُنَّةٌ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَا فَهِمَهُ الطَّحَاوِيُّ، لَكِنْ

يُحْمَلُ قَوْلُهُ: أَجْزَأَ، أَيْ فِي السُّنَّةِ، كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ أَبُو عُمَرَ آخِرًا، وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ أَنَّ الرَّدَّ فَرْضُ عَيْنٍ.

وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»

ــ

٦ - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ

١٦٥٣ - ١٦٠٥ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) مُرْسَلًا عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَّطَأِ، وَمَرَّ قَرِيبًا أَنَّ مَالِكًا رَوَاهُ عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ) ظَهَرَ (لَهُ أُحُدٌ) لَمَّا رَجَعَ مِنْ خَيْبَرَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ تَبُوكَ أَيْضًا كَمَا قُيِّدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ (فَقَالَ هَذَا) مُشِيرًا لَهُ (جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) حَقِيقَةً كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَحَمَلُوا عَلَيْهِ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مِثْلِهِ نَحْوَهُ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} [الدخان: ٢٩] [سُورَةُ الدُّخَانِ: الْآيَةُ ٢٩] وَ {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: ١١] [سُورَةُ فُصِّلَتْ: الْآيَةُ ١١] وَ {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: ٧٧] [سُورَةُ الْكَهْفِ: الْآيَةُ ٧٧] وَ {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: ١٠] [سُورَةُ سَبَأٍ: الْآيَةُ ١٠] ، أَيْ: سَبِّحِي.

وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي الْحَدِيثِ أَكْثَرُ لَا يَكَادُ يُحْصَى.

وَقِيلَ: مَجَازٌ، أَيْ: يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَنُحِبُّهُمْ، فَكَنَّى بِالْجَبَلِ عَنْهُمْ، وَأُضِيفَ الْحُبَّ إِلَى الْجَبَلِ لِمَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ كَقَوْلِهِ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: ٨٢] [سُورَةُ يُوسُفَ: الْآيَةُ ٨٢] ، أَيْ: أَهْلَهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمُرْسَلُهُ مَزِيدٌ وَأَنَّ جَمَاعَةً رَجَّحُوا الْحَقِيقَةَ هُنَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْتَى أَبَدًا بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى الدَّوَاءُ فَيَطْعَمَهُ أَوْ يَشْرَبَهُ إِلَّا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَنَعَّمَنَا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرٍّ فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ فَنَسْأَلُكَ تَمَامَهَا وَشُكْرَهَا لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ إِلَهَ الصَّالِحِينَ وَرَبَّ الْعَالَمِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ مَعَ غُلَامِهَا فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنْ الرِّجَالِ قَالَ وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ

ــ

١٧٤٠ - ١٦٩١ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْتَى بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ) مَاءٍ أَوْ

لَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (حَتَّى الدَّوَاءُ فَيَطْعَمَهُ أَوْ يَشْرَبَهُ) - بِنَصْبِ الْفِعْلَيْنِ - (إِلَّا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) ; لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى النِّعَمِ يَرْتَبِطُ بِهِ الْعَبِيدُ، وَيُسْتَجْلَبُ بِهِ الْمَزِيدُ، فَلَحَظَ وَقْتَ حُضُورِ الْغَدَاءِ إِلَى أَجَلِّ النِّعَمِ، فَقَالَ: (الَّذِي هَدَانَا) ، إِذِ الْهِدَايَةُ لِلْإِيمَانِ أَعْظَمُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ، فَشُكْرُهُ عَلَيْهَا مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهَا، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالْحَامِدِ أَنْ لَا يُجَرِّدَ حَمْدَهُ إِلَى دَقَائِقِ النِّعَمِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى جَلَائِلِهَا فَيَحْمَدُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحَمْدَ مِنْ نَتَائِجِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ.

(وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا) : قَدَّمَ الطَّعَامَ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ، حَتَّى كَأَنَّ السَّقْيَ مِنْ تَتِمَتِّهِ، وَتَابِعٌ لَهُ لِأَنَّ الْأَكْلَ يَسْتَدْعِي الشُّرْبَ.

(وَنَعَّمَنَا) بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى.

(اللَّهُ أَكْبَرُ) ، سُرُورًا بِهَذِهِ النِّعَمِ، (اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا) : وَجَدَتْنَا، (نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرٍّ) مِنَ التَّقْصِيرِ فِي عِبَادَتِكَ وَشُكْرِكَ، (فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ) مِنْ فَضْلِكَ، وَلَمْ تُعَامِلْنَا بِتَقْصِيرِنَا.

(نَسْأَلُكَ تَمَامَهَا) ، لَعَلَّهُ اسْتَعْمَلَهُ بِمَعْنَى إِدَامَتِهَا، أَيِ النِّعَمِ، (وَشُكْرِهَا) فَإِنَّا لَا نَبْلُغُهُ إِلَّا بِفَضْلِكَ، إِذْ هُوَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ.

(لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ) فَإِنَّهُ بِيَدِكَ دُونَ غَيْرِكَ.

(وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ) ، يُرْجَى لِكَشْفِ الضُّرِّ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الشُّكْرِ.

(إِلَهَ) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ، (الصَّالِحِينَ) الْمُسْلِمِينَ، (وَرَبَّ الْعَالَمِينَ) ، أَيْ مَالِكَ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ مِنْهَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَالَمٌ يُقَالُ: عَالَمُ الْإِنْسِ، وَعَالَمُ الْجِنِّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَغَلَبَ فِي جَمْعِهِ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ أُولَى الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنَ الْعَلَامَةِ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى مُوجِدِهِ.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، جُمْلَةٌ قُصِدَ بِهَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِمَضْمُونِهَا مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ مِنَ الْخَلْقِ، وَمُسْتَحِقٌّ لِأَنْ يُحْمَدَ.

(وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ، أَتَى بِهِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُعْجِبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: ٣٩] (سورة الْكَهْفِ: الْآيَةُ ٣٩) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، انْتَهَى.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: " كَانَ مَالِكٌ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، قُلْتُ لَهُ: لِمَ تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ، وَتَلَا الْآيَةَ، وَجَاءَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ»(اللَّهُمَّ بَارِكْ) : أَتِمَّ وَزِدْ (لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) بِعَدَمِ دُخُولِهَا.

(سُئِلَ مَالِكٌ، هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ مَعَ غُلَامِهَا؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ) ، أَيْ يَجُوزُ (إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ) بِأَنْ كَانَ ثَمَّ مَحْرَمٌ، كَمَا (قَالَ: وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا، وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ، أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ) تَحْرِيمًا (لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ) ، أَيْ قَرَابَةُ نَسَبٍ، أَوْ صِهْرٍ، أَوْ رَضَاعٍ.

[مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ]

باب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ

١٧٨٨ - ١٧٤٢ وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ

ــ

١١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ

١٧٤٢ - ١٦٩٢ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ) ، أَيِ اجْتَنِبُوا الْإِكْثَارَ مِنْ أَكْلِهِ، (فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً) - بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ - مَصْدَرُ ضَرِيَ كَعَلِمَ، (كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ) ، أَيْ عَادَةً يَدْعُو إِلَيْهَا، وَيَشُقُّ تَرْكُهَا لِمَنْ أَلِفَهَا، فَلَا يَصْبِرُ عَنْهُ مَنِ اعْتَادَهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَقَالَ عُمَرُ أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ أَوْ ابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: ٢٠]

ــ

١٧٤٢ - ١٦٩٣ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ -: مَا حَمَلَهُ الْحَامِلُ، كَذَا ضَبَطَهُ السُّيُوطِيُّ، وَهُوَ فِي نُسَخٍ عَتِيقَةٍ: حَمَّالُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْمِيمِ ثَقِيلَةً - أَيْ شَخْصٌ حَمَّالُ لَحْمٍ، فَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ أَيْضًا.

(فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا) ، بِفَتْحِ الْقَافِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، فَمِيمٌ، أَيِ اشْتَدَّتْ شَهْوَتُنَا (إِلَى اللَّحْمِ) ، وَفِي

الْحَدِيثِ: كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْقَرْمِ بِمَعْنَى شِدَّةِ الشَّهْوَةِ إِلَى اللَّحْمِ حَتَّى لَا يَصْبِرَ عَنْهُ، يُقَالُ: قَرِمْتُ إِلَى اللَّحْمِ، وَعِمْتُ إِلَى اللَّبَنِ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ.

(فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا) - بِالْفَتْحِ، وَخِفَّةِ الْمِيمِ - (يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ، أَوِ ابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ تَذْهَبُ) : تَغِيبُ عَنْكُمْ (هَذِهِ الْآيَةُ: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} [الأحقاف: ٢٠] (بِاشْتِغَالِكُمْ بِلَذَّاتِكُمْ) {فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: ٢٠] ، أَيْ تَمَتَّعْتُمْ.

[مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَبَذَهُ وَقَالَ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا قَالَ فَنَبَذَ النَّاسُ بِخَوَاتِيمِهِمْ»

ــ

١٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ

١٧٤٣ - ١٦٩٤ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ (عَنْ) مَوْلَاهُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ» ) ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «اتَّخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَلَبِسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» "، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ: " «أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ أَلْقَاهُ» "، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: مِنْ وَرِقٍ، وَهْمًا مِنَ الزُّهْرِيِّ، جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَفْظُ وَرِقٍ كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَصَوَابُهُ: مِنْ ذَهَبٍ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّ قَوْلَ أَنَسٍ: يَوْمًا وَاحِدًا، ظَرْفٌ لِرُؤْيَةِ أَنَسٍ لَا لِمُدَّةِ اللُّبْسِ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ظَرْفٌ لِمُدَّةِ اللُّبْسِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا وَهْمَ جُمِعَ بِأَنَّ مُدَّةَ لُبْسِ الذَّهَبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمُدَّةَ خَاتَمِ الْفِضَّةِ يَوْمٌ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ أَنَسٌ، وَلَا يُنَافِيهِ رِوَايَةُ الصَّحِيحِ: " «سُئِلَ أَنَسٌ، هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا؟ فَقَالَ: أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيضِ خَاتَمِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا، ثُمَّ طَرَحَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ» "، أَفَادَهُ الْحَافِظُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَنَبَذَهُ) ، أَيْ طَرَحَهُ، (وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) ، لِتَحْرِيمِ

لُبْسِ الذَّهَبِ حِينَئِذٍ عَلَى الرِّجَالِ، أَوْ لِكَرَاهَةِ مُشَارَكَتِهِمْ لَهُ أَوْ لِمَا رَأَى مِنْ زَهْوِهِمْ بِلُبْسِهِ.

(قَالَ: فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ) ، تَبَعًا لَهُ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ فَرَمَى بِهِ، وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِمَ الْفِضَّةِ» ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.

وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِأَتَمَّ مِنْهُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ فَقَالَ الْبَسْهُ وَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنِّي أَفْتَيْتُكَ بِذَلِكَ

ــ

١٧٤٤ - ١٦٩٥ - (مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ) الْجَزَرِيِّ، نَزِيلِ مَكَّةَ ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ (أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ) ، أَيْ خَاتَمِ الْفِضَّةِ، فَإِنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ كَرِهَ لُبْسَهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ لِذِي سُلْطَانٍ، (فَقَالَ: الْبَسْهُ، وَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنِّي أَفْتَيْتُكَ بِلُبْسِهِ) ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ: " «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، فَضَعَّفَهُ مَالِكٌ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ.

[مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنْ الْعَيْنِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنْ الْعَيْنِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَالَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ لَا تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»

قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِك يَقُولُ أَرَى ذَلِكَ مِنْ الْعَيْنِ

ــ

١٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ، وَالْجَرَسِ مِنَ الْعُنُقِ

الْجَرَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، مَعْرُوفٌ وَحَكَى عِيَاضٌ إِسْكَانَ الرَّاءِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ بِفَتْحِهَا: اسْمُ الْآلَةِ، وَبِسُكُونِهَا: اسْمُ الصَّوْتِ.

١٧٤٥ - ١٦٩٦ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ التَّابِعِيِّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) الْمَازِنِيِّ التَّابِعِيِّ، وَقِيلَ: لَهُ رُؤْيَةٌ (أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ (الْأَنْصَارِيَّ) ، زَادَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ: السَّاعِدِيَّ، عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، فَمَنْ قَالَ

الْمَازِنِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، شَهِدَ الْخَنْدَقَ.

وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِيمَنْ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ اسْمَهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ الْحُرَيْرِ بِمُهْمَلَاتٍ مُصَغَّرٌ ابْنُ عُمَرَ، وَعَاشَ إِلَى بَعْدَ السِّتِّينَ، وَشَهِدَ الْحَرَّةَ، وَجُرِحَ بِهَا، وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ، يُقَالُ: جَازَ الْمِائَةَ.

(أَخْبَرَهُ) ، أَيَ عَبَّادٌ (أَنَّهُ) ، أَيْ أَبَا بَشِيرٍ (كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) ، قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِمَا، (قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا) فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ: " فَأَرْسَلَ زَيْدًا مَوْلَاهُ "، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِيمَا ظَهَرَ لِي، (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) شَيْخُ الْإِمَامِ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) ، أَيْ عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، (قَالَ وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ) قَالَ الْحَافِظُ: كَأَنَّهُ شَكَّ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَلَمْ أَرَهَا مِنْ طَرِيقِهِ إِلَّا هَكَذَا، (لَا تَبْقَيَنَّ) بِفَوْقِيَّةٍ وَقَافٍ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ، نُونُ تَوْكِيدٍ، (فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ) ، بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رُبَّمَا صَحَّفَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ وَبَرٌ بِمُوَحَّدَةِ، يَعْنِي كَالدَّاوُدِيِّ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَقَالَ: هُوَ مَا يُنْزَعُ عَنِ الْجِمَالِ يُشْبِهُ الصُّوفَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فَصُحِّفَ، (أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ) ، قَالَ الْحَافِظُ: أَوْ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: وَلَا قِلَادَةٌ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُهَلَّبُ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، أَيِ الشَّكَّ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقِلَادَةِ، فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ بِكَرَاهَتِهَا إِلَّا فِي الْوَتَرِ، (قَالَ مَالِكٌ: أَرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ) ، أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَلِّدُونَ الْإِبِلَ أَوْتَارًا لِئَلَّا تُصِيبَهَا الْعَيْنُ بِزَعْمِهِمْ، فَأُمِرُوا بِقَطْعِهَا إِعْلَامًا بِأَنَّ الْأَوْتَارَ لَا تَرُدُّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتَّمِيمَةُ: مَا عُلِّقَ مِنَ الْقَلَائِدِ خَشْيَةَ الْعَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِذَا اعْتَقَدَ الَّذِي قَلَّدَهَا أَنَّهَا تَرُدُّ الْعَيْنَ، فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرُدُّ الْقَدَرَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ.

وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَنِقَ الدَّابَّةُ بِهَا عِنْدَ الرَّكْضِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ يُرَجِّحُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّوَابَّ تَتَأَذَّى بِهِ، وَتُضَيِّقُ عَلَيْهَا نَفَسَهَا وَرَعْيَهَا، وَرُبَّمَا تَعَلَّقَتْ بِشَجَرَةٍ فَاخْتَنَقَتْ أَوْ تَعَوَّقَتْ عَنِ السَّيْرِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْوَتَرِ: الْجَرَسُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّقُونَ الْأَجْرَاسَ فِيهَا، حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْجَمَةُ الْإِمَامِ بِالْجَرَسِ، وَكَذَا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ الْحَدِيثَ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: " «لَا تَبْقَيَنَّ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ وَلَا جَرَسٌ فِي عُنُقِ بَعِيرٍ إِلَّا قُطِعَ» "، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَبَانَ أَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا

فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ» "، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ إِلَّا هَذَا الْقَوْلَ الثَّالِثَ، فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَعْلِيقِ الْجَرَسِ فِي رِقَابِ الْخَيْلِ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ رَفَعَهُ: " «ارْكَبُوا الْخَيْلَ، وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ» "، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِلْإِبِلِ، وَحَمَلَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْأَوْتَارَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى النَّارِ كَالْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَعِيفٌ، وَإِلَى قَوْلِ النَّضْرِ جَنَحَ وَكِيعٌ فَقَالَ: الْمَعْنَى لَا تَرْكَبُوا الْخَيْلَ فِي الْفِتَنِ، فَإِنَّ مَنْ رَكِبَهَا لَمْ يَسْلَمْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وَتَرٌ يُطْلَبُ بِهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الْجُمْهُورُ: أَنَّ النَّهْيَ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَقِيلَ: لِلتَّحْرِيمِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مِنْهُ بِلَا حَاجَةٍ وَيَجُوزُ لَهَا.

وَعَنْ مَالِكٍ: تَخْصِيصُ كَرَاهَةِ الْقَلَائِدِ بِالْوَتَرِ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهَا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ دَفْعَ الْعَيْنِ هَذَا كُلُّهُ فِي تَعْلِيقِ تَمَائِمَ وَغَيْرِهَا لَا قُرْآنَ فِيهَا وَنَحْوَهُ.

فَأَمَّا مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَلَا يُنْهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُجْعَلُ لِلْبَرَكَةِ بِهِ، وَالتَّعَوُّذِ بِأَسْمَائِهِ وَذِكْرِهِ، انْتَهَى.

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ فِي اللِّبَاسِ عَنْ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[باب العين والمرض] [الْوُضُوءِ مِنْ الْعَيْنِ]

كِتَابُ الْعَيْنِ

بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ الْعَيْنِ

وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ «اغْتَسَلَ أَبِي سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ قَالَ وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ قَالَ فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ قَالَ فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ عَامِرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَّا بَرَّكْتَ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأْ لَهُ فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ»

ــ

٥ - كِتَابُ الْعَيْنِ

١ - بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْعَيْنِ

١٧٤٦ - ١٦٩٧ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ - مُصَغَّرٌ الْأَنْصَارِيِّ الثِّقَةِ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) أَبَا أُمَامَةَ، وَاسْمُهُ أَسْعَدُ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاسْمِ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ، وَكَنَّاهُ بِكُنْيَتِهِ لَمَّا وُلِدَ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَنَتَيْنِ، وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ (يَقُولُ: اغْتَسَلَ أَبِي) سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْبَدْرِيُّ وَظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ، فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ اغْتَسَلَ (بِالْخَرَّارِ) - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ الْأُولَى الشَّدِيدَةِ - مَوْضِعٌ قُرْبَ الْجُحْفَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: مِنْ أَوْدِيَتِهَا، انْتَهَى.

وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ، (فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْعَنْزِيُّ - بِسُكُونِ النُّونِ - حَلِيفُ الْخَطَّابِ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ، وَشَهِدَ بَدْرًا، مَاتَ لَيَالِيَ قَتْلِ عُثْمَانَ (يَنْظُرُ) إِلَيْهِ، (قَالَ) أَبُو أُمَامَةَ: (وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ) مَلِيحَ (الْجِلْدِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ عَذْرَاءَ) ، أَيْ بِكْرٌ (قَالَ: فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ) قَوِيَ (وَعْكُهُ) ، أَيْ أَلَمُهُ.

وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِي: فَلُبِطَ، أَيْ صُرِعَ فَكَأَنَّهُ صُرِعَ مِنْ شِدَّةِ الْوَعْكِ.

(فَأُتِيَ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - (رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) لِعَدَمِ

اسْتِطَاعَتِهِ بِشِدَّةِ الْوَعْكِ.

(فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) ، أَيْ نَظَرِهِ إِلَيْهِ، وَقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَقَالَ (عَلَامَ) بِمَعْنَى لِمَ، وَفِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ، (يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) فِي الدِّينِ، زَادَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ قَتْلِهِ.

(أَلَّا) بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى هَلَّا، وَبِهَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ (بَرَّكْتَ) ، أَيْ قُلْتَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنَ الْعَيْنِ، وَيُذْهِبُ تَأْثِيرَهُ.

قَالَ الْبَاجِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَقُولُ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ أَنْ يُبَارِكَ، فَإِذَا دَعَا بِالْبَرَكَةِ صُرِفَ الْمَحْذُورُ لَا مَحَالَةَ، انْتَهَى.

وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَافَ أَنْ يُصِيبَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ» "، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ، وَابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ» "، ( «إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ» ) ، أَيِ الْإِصَابَةُ بِهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْوُجُودِ مُقْضًى بِهِ فِي الْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ لَا شُبْهَةَ فِي تَأْثِيرِهِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْأُمَّةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ مُبْتَدِعَةٌ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْهُ فِي الْوُجُودِ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ أَدْخَلَتْهُ الْعَيْنُ الْقَبْرَ، وَكَمْ مِنْ جَمَلٍ أَدْخَلَتْهُ الْقِدْرَ لَكِنْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مُعْرِضٍ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ يَتَمَسَّكُ بِاسْتِبْعَادٍ لَا أَصْلَ لَهُ، فَإِنَّا نُشَاهِدُ مِنْ خَوَاصِّ الْأَحْجَارِ، وَتَأْثِيرِ السِّحْرِ مَا يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبَ، وَيُحَقِّقُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ بِسَبَبِ كُلِّ سَبَبٍ، انْتَهَى.

(تَوَضَّأَ لَهُ) الْوُضُوءُ الْمَذْكُورُ فِي الطَّرِيقِ التَّالِيَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِاغْتَسَلَ، لَيْسَ عَلَى صِفَةِ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ، وَغَيْرِهِ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي لِلْوُجُوبِ، وَيَبْعُدُ الْخِلَافُ فِيهِ إِذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعِينِ الْهَلَاكَ، وَكَانَ وُضُوءُ الْعَائِنِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْبُرْءِ بِهِ، أَوْ كَانَ الشَّرْعُ أَخْبَرَ بِهِ خَبَرًا عَامًّا، وَلَمْ يَكُنْ زَوَالُ الْهَلَاكِ إِلَّا بِوُضُوءِ الْعَائِنِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَابِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِحْيَاءُ نَفْسٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلَاكِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ، فَهَذَا أَوْلَى، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ.

(فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ) عَلَى الصِّفَةِ الْآتِيَةِ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى سَهْلٍ، (فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) ، أَيْ شِدَّةٌ لِزَوَالِ وَعْكِهِ الَّذِي صَرَعَهُ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى الْمُغْتَسِلِ مَا لَمْ تَكُنْ عَوْرَةٌ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لِعَامِرٍ: لِمَ نَظَرْتَ إِلَيْهِ، إِنَّمَا لَامَهُ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ يَسْتَحِبُّ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْإِنْسَانُ إِلَى الْمُغْتَسِلِ خَوْفَ أَنْ

يَرَى عَوْرَتَهُ، وَإِنَّ مِنَ الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ الْإِعْجَابَ بِالشَّيْءِ الْحَسَنِ، وَالْحَسَدَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ، فَلِذَا لَمْ يُعَاتَبْ عَامِرٌ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ الَّذِي فِي وُسْعِهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَقْتُلُ، وَتَوْبِيخُ مَنْ كَانَ مِنْهُ أَوْ بِسَبَبِهِ سُوءٌ، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ تَحْتَ الْقَدَرِ السَّابِقِ بِذَلِكَ كَالْقَاتِلِ يَقْتُلُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ يَمُوتُ بِأَجْلِهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ إِنَّمَا تَعْدُو إِذَا لَمْ يَبِرِّكْ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ أَنْ يُبَارِكَ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَوْ أَتْلَفَ الْعَائِنُ شَيْئًا ضَمِنَهُ، وَلَوْ قَتَلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عَادَةً، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالسَّاحِرِ الْقَاتِلِ بِسِحْرِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْتُلُهُ كُفْرًا، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَيُقْتَلُ، قَتَلَ بِسِحْرِهِ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يُقْتَلُ الْعَائِنُ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُنْضَبَطٍ عَامٍّ دُونَ مَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ النَّاسِ، وَبَعْضِ الْأَحْوَالِ مِمَّا لَا انْضِبَاطَ لَهُ، كَيْفَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِعْلٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ حَسَدٌ وَتَمَنٍّ لِزَوَالِ النِّعْمَةِ، وَأَيْضًا فَالَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ حُصُولُ مَكْرُوهٍ لِذَلِكَ الشَّخْصِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ فِي إِزَالَةِ الْحَيَاةِ، فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَثَرِ الْعَيْنِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحُكْمُ بِقَتْلِ السَّاحِرِ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَسِرٌ.

وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مَنْعُ الْعَائِنِ إِذَا عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ مُدَاخَلَةِ النَّاسِ، وَيَأْمُرُهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رَزَقَهُ مَا يَكْفِيهِ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ آكِلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ الَّذِي مَنَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ الِاخْتِلَاطَ بِالنَّاسِ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمُؤْذِيَاتِ مِنَ الْمَوَاشِي الَّذِي يُؤْمَرُ بِإِبْعَادِهَا إِلَى حَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِهَا أَحَدٌ.

قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ «رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخْبَأَةٍ فَلُبِطَ سَهْلٌ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَقَالَ هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا قَالُوا نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَّا بَرَّكْتَ اغْتَسِلْ لَهُ فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ»

ــ

١٧٤٧ - ١٦٩٨ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) ، ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ لَكِنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ وَالِدِهِ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَبَابَةٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَامِرًا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ (يَغْتَسِلُ) ، وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ، وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوًا مَا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، (فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ) » - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَمُوَحَّدَةٍ، وَالْهَمْزِ - وَهِيَ

الْمُخَدَّرَةُ الْمَكْنُونَةُ الَّتِي لَا تَرَاهَا الْعُيُونُ، وَلَا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَتُغَيِّرُهَا، يَعْنِي أَنَّ جِلْدَ سَهْلٍ كَجِلْدِ الْمُخَبَّأَةِ إِعْجَابًا بِحُسْنِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتِ:

ذَكَّرَتْنِي الْمُخَبَّآتُ لَدَى الْحِجْ ... رِ يُنَازِعْنَنِي سُجُوفَ الْحِجَالِ

وَمَرَّ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ: وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ بَدَلَ مُخَبَّأَةٍ، فَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَقَالَ: عَذْرَاءُ مُخَبَّأَةٌ فَاقْتَصَرَ كُلُّ رَاءٍ عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنْهُ، أَوْ إِحْدَاهُمَا بِالْمَعْنَى، لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ مُخَبَّأَةً أَخَصُّ.

(فَلُبِطَ) - بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ - أَيْ صُرِعَ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ (بِسَهْلٍ) ، يُقَالُ مِنْهُ لُبِطَ بِهِ يَلْبِطُ لَبَطًا.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لُبِطَ: وُعِكَ وَكَأَنَّهُ فَسَرَّهُ بِالرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا لِاتِّحَادِ الْقِصَّةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنَّ سُقُوطَهُ مِنْ شِدَّةِ وَعْكِهِ، كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَهَذَا أَوْلَى إِبْقَاءُ لِلَّفْظَيْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا.

زَادَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَتَّى مَا يَعْقِلَ لِشِدَّةِ الْوَجَعِ، ( «فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ» ) مِنْ شِدَّةِ الْوَعْكِ وَالصَّرَعِ، (فَقَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا؟) عَانَهُ، (قَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ) ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا ذَلِكَ ذَهَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى سَهْلٍ لِتَثَبُّتِ الْخَبَرِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: " فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ "، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الطَّرِيقِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: هَلْ تَتَّهِمُونَ. . . إِلَخْ، فَفِي كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ اخْتِصَارٌ.

(قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَامَ) ، أَيْ لِمَ (يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) ، أَيْ يَكُونُ سَبَبًا فِي قَتْلِهِ بِالْعَيْنِ (أَلَّا) ، وَفِي رِوَايَةٍ: هَلَّا (بَرَّكْتَ) ، أَيْ دَعَوْتَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ.

، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: " «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ» "، وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ السُّنِّيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ (اغْتَسِلْ لَهُ) وُجُوبًا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَتُهُ الْوُجُوبُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَخَاهُ مَا يَنْفَعُهُ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بِسَبَبِهِ، وَكَانَ هُوَ الْجَانِيَ عَلَيْهِ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَائِنِ الْغُسْلُ عَنْهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

(فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: بَدَلَ هَذَا، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ، (وَمَرْفِقَيْهِ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَغَسَلَ صَدْرَهُ، (وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ) ، هِيَ الْحَقْوُ تُجْعَلُ مِنْ تَحْتِ الْإِزَارِ فِي طَرَفِهِ، ثُمَّ يُشَدُّ عَلَيْهِ الْإِزْرَةُ، قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: هِيَ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَضَعُهُ الْمُؤْتَزِرُ أَوَّلًا عَلَى حَقْوِهِ الْأَيْمَنِ.

وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ الْجَانِبُ الْأَيْسَرُ مِنَ الْإِزَارِ الَّذِي تَعْطِفُهُ إِلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ يُشَدُّ الْإِزَارُ قَالَهُ ابْنُ

عَبْدِ الْبَرِّ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنَ الْمِئْزَرِ، وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ مِنَ الْجَسَدِ، وَقِيلَ: مَذَاكِيرُهُ، كَمَا يُقَالُ: عَفِيفُ الْإِزَارِ، أَيِ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: وِرْكُهُ إِذْ هُوَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ.

(قَدَحٍ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ، قَالَ: وَحَسِبْتُهُ قَالَ، وَأَمَرَ فَحَسَا مِنْهُ حَسَوَاتٍ، (ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) لِزَوَالِ عِلَّتِهِ.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: هَذَا مِنَ الْعِلْمِ يَغْتَسِلُ الْعَائِنُ فِي قَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ، فَيُمَضْمِضُ وَيَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ فِيهِ، ثُمَّ يَصُبُّ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ بِالْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى، فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مِرْفَقِ يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مِرْفَقِ يَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ الْيُمْنَى فَيَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى، فَيَغْسِلُ الرُّكْبَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْخُذُ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً، وَيَضَعُ الْقَدَحَ حَتَّى يَفْرَغَ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا فُسِّرَ بِهِ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَاوِي الْحَدِيثِ.

وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ هَذَا: يَصُبُّ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً يَجْرِي عَلَى جَسَدِهِ، وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا، وَدَاخِلَةُ الْإِزَارِ فِي الْقَدَحِ، قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ.

زَادَ فِي الْإِكْمَالِ: أَنَّ الزُّهْرِيَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْعُلَمَاءَ يَصِفُونَهُ، وَاسْتَحْسَنَهُ عُلَمَاؤُنَا وَمَضَى بِهِ الْعَمَلُ.

قَالَ: وَجَاءَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ عَقِيلٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ الِابْتِدَاءَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ، وَفِيهِ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ، أَنَّهُ لَا يَغْسِلُ جَمِيعَهُمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ أُصُولِ أَصَابِعِهِ وَالْيُسْرَى كَذَلِكَ اه.

وَهُوَ أَقْرَبُ لِقَوْلِ الْحَدِيثِ: وَأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ، وَهَذَا الْغَسْلُ يَنْفَعُ بَعْدَ اسْتِحْكَامِ النَّظْرَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْإِصَابَةِ بِهِ، وَقَبْلَ الِاسْتِحْكَامِ، فَقَدْ أَرْشَدَ الشَّارِعُ إِلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ: أَلَّا بَرَّكْتَ؟ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ، وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْعَقْلِ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَسْرَارِ جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، فَلَا يُرَدُّ لِكَوْنِهِ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُتَشَرِّعٌ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ عَضَّدَتْهُ التَّجْرِبَةُ، وَصَدَّقَتْهُ الْمُعَايَنَةُ، أَوْ مُتَفَلْسِفٌ فَالرَّدُّ عَلَيْهِ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تَفْعَلُ بِقُوَاهَا بِمَعْنًى لَا يُدْرَكُ، وَيُسَمُّونَ مَا هَذَا سَبِيلُهُ الْخَوَاصَّ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ أَنْكَرَهَا، وَلَا مَنْ سَخِرَ مِنْهَا، وَلَا مَنْ شَكَّ فِيهَا، أَوْ فَعَلَهَا مُجَرِّبًا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ وَإِذَا كَانَ فِي الطَّبِيعَةِ خَوَاصٌّ لَا تَعْرِفُ الْأَطِبَّاءُ عِلَلَهَا، بَلْ هِيَ عِنْدَهُمْ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا تُفْعَلُ بِالْخَاصِّيَّةِ، فَمَا الَّذِي يُنْكِرُهُ جَهَلَتُهُمْ مِنَ الْخَوَاصِّ الشَّرْعِيَّةِ؟ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالِاغْتِسَالِ مُنَاسَبَةٌ لَا تَلْقَاهَا الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ، فَهَذَا تِرْيَاقُ سُمِّ الْحَيَّةِ، يُؤْخَذُ مِنْ لَحْمِهَا، وَهَذَا عِلَاجُ النَّفْسِ الْغَضَبِيَّةِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى بَدَنِ الْغَضْبَانِ، فَيَسْكُنُ فَكَانَ أَثَرُ تِلْكَ

الْعَيْنِ كَشُعْلَةِ نَارٍ وَقَعَتْ عَلَى جَسَدٍ، فَفِي الِاغْتِسَالِ إِطْفَاءٌ لِتِلْكَ الشُّعْلَةِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الْخَبِيثَةُ تَظْهَرُ فِي الْمَوَاضِعِ الرَّقِيقَةِ مِنَ الْجَسَدِ لِشَدَّةِ الْمَنْفُوذِ فِيهَا، وَلَا شَيْءَ أَرَقُّ مِنَ الْمُعَايِنِ، فَكَانَ فِي غَسْلِهَا إِبْطَالٌ لِعَمَلِهَا، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ لِلْأَرْوَاحِ الشَّيْطَانِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ اخْتِصَاصًا، وَفِيهِ أَيْضًا وُصُولُ أَثَرِ الْغَسْلِ إِلَى الْقَلْبِ مِنْ أَرَقِّ الْمَوَاضِعِ وَأَسْرَعِهَا نَفَاذًا، فَتُطْفِئُ تِلْكَ النَّارَ الَّتِي أَثَارَتْهَا الْعَيْنُ بِهَذَا الْمَاءِ اه.

وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعَائِنَ إِذَا عُرِفَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالِاغْتِسَالِ، وَأَنَّهُ مِنَ النُّشْرَةِ النَّافِعَةِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ تَكُونُ مَعَ الْإِعْجَابِ بِغَيْرِ حَسَدٍ، وَلَوْ مِنَ الرَّجُلِ الْمُحِبِّ، وَمِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَأَنَّ الَّذِي يُعْجِبُهُ الشَّيُ يُبَادِرُ إِلَى الدُّعَاءِ لِمَنْ أَعْجَبَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ رُقْيَةً مِنْهُ، وَأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ، وَأَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ قَدْ تَقْتُلُ، وَفِي الْقِصَاصِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.

[الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ]

بَابُ الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ أَنَّهُ قَالَ «دُخِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا مَا لِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ تَسْرَعُ إِلَيْهِمَا الْعَيْنُ وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إِلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُكَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَرْقُوا لَهُمَا فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ»

ــ

٢ - بَابُ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ

١٧٤٨ - ١٦٩٩ - (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ) الْقَارِئِ الْأَعْرَجِ: (أَنَّهُ قَالَ) مُعْضِلًا.

وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ بِهِ مُرْسَلًا، وَجَاءَ مَوْصُولًا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، (دُخِلَ) - بِضَمِّ الدَّالِ - (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) الْهَاشِمِيِّ الْأَمِيرِ الْمُسْتَشْهَدِ بِمُؤْتَةَ، أَسَنُّ مِنْ شَقِيقِهِ عَلِيٍّ بِعَشْرِ سِنِينَ، (فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا) ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمُّهُمَا أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَهَا، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، (مَالِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ) - بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ - أَيْ نَحِيلَيِ الْجِسْمِ، ( «فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمَا الْعَيْنُ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إِلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُكَ مِنْ ذَلِكَ» ) ، وَرَوَى قَاسِمُ بْنُ أَصْبُغَ عَنْ جَابِرٍ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: مَا شَأْنُ أَجْسَامِ بَنِي أَخِي ضَارِعَةٌ أَتُصِيبُهُمْ حَاجَةٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ تُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ أَفَنَرْقِيهِمْ؟ قَالَ: وَبِمَ ذَا؟ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ارْقِيهِمْ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

اسْتَرْقُوا) » - بِسُكُونِ الْقَافِ - مِنَ الرُّقْيَةِ، وَهِيَ الْعُوذَةُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - مَا يُرْقَى بِهِ مِنَ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ: أَيِ اطْلُبُوا (لَهُمَا) مَنْ يَرْقِيهِمَا، (فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ) - بِفَتْحَتَيْنِ - أَيْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ لِشَيْءٍ قُوَّةً بِحَيْثُ يَسْبِقُ الْقَدَرَ، (لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) ، لَكِنَّهَا لَا تَسْبِقُ الْقَدَرَ فَكَيْفَ غَيْرُهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَوْ مُبَالَغَةٌ فِي تَحْقِيقِ إِصَابَةِ الْعَيْنِ جَرَى مَجْرَى التَّمْثِيلِ، إِذْ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ سَابِقِ عَلَمِ اللَّهِ، وَنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ، وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: لَأَطْلُبَنَّكَ وَلَوْ تَحْتَ الثَّرَى، وَلَوْ صَعِدْتَ السَّمَاءَ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ إِصَابَةَ الْعَيْنِ لَهَا تَأْثِيرٌ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُعَاجِلَ الْقَدَرَ شَيْءٌ، فَيُؤَثِّرَ فِي إِفْنَاءِ شَيْءٍ وَزَوَالِهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الْمُقَدَّرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ بِالْأَنْفُسِ» "، قَالَ الرَّاوِي يَعْنِي بِالْعَيْنِ.

وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَصِحَّةُ أَمْرِ الْعَيْنِ، وَأَنَّهَا قَوِيَّةُ الضَّرَرِ، وَالْأَمْرُ بِالرُّقَى وَأَنَّهَا نَافِعَةٌ، وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْهَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ كَخَبَرِ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ; لِأَنَّ الرُّقْيَةَ الْمَأْذُونَ فِيهَا مَا كَانَتْ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، أَوْ بِمَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، وَيَجُوزُ شَرْعًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا، بَلْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهَا مَا فُقِدَ فِيهَا شَرْعًا مِنْ ذَلِكَ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ يَبْكِي فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ قَالَ عُرْوَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنْ الْعَيْنِ»

ــ

١٧٤٩ - ١٧٠٠ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ الْمَدَنِيِّ) ، وَفِيهِ رِوَايَةُ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ: (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ) مُرْسَلًا، قَالَ أَبُو عُمَرَ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ صَحِيحٌ يُسْتَنَدُ مَعْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: « (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ) - لَمْ يُسَمَّ - (يَبْكِي فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ، قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ؟) » وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ: اسْتَرَقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا لَنَظْرَةً» ، " بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَضُمُّ، وَعَيْنٍ مُهْمِلَةٍ سَوَادٌ أَوْ حُمْرَةٌ يَعْلُوهَا سَوَادٌ أَوْ

صُفْرَةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّ السَّفْعَةَ أَدْرَكَتْهَا مِنْ جِهَةِ النَّظْرَةِ، وَبَادِئَ الرَّأْيِ أَنَّهَا قِصَّةٌ غَيْرُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ، وَيُحْتَمَلُ اتِّحَادُهُمَا، وَهُوَ الْأَصْلُ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، وَالصَّبِيُّ يُطْلَقُ عَلَى الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ، وَالْبُكَا عَنْ تَأَلُّمِهَا بِالسَّفْعَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْعَيْنِ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِأَنَّ بِهِ الْعَيْنَ قَالَ: فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ تَصْدِيقًا لَهُمْ وَتَعْلِيلًا لِأَمْرِهِ بِالرُّقْيَةِ فَلَا خُلْفَ.

[مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ فَقَالَ انْظُرَا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاءُوهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبْدِلَ لَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ»

ــ

٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ

١٧٥٠ - ١٧٠١ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) ، وَصَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ الْمَكِّيِّ، قَالَ: وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ) الْمُسْلِمُ، أَيْ عَرَضَ لِبَدَنِهِ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ الِاعْتِدَالِ الْخَاصِّ بِهِ، فَأَوْجَبَ الْخَلَلَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، (بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ، فَقَالَ: انْظُرُوا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ) ، جَمْعُ عَائِدٍ (فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاءُوهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَهُوَ أَعْلَمُ) بِذَلِكَ مِنْهُمَا، وَمِنْ غَيْرِهِمَا فَإِنَّمَا الصَّدُّ: الْحَثُّ عَلَى الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْإِخْبَارُ بِجَزَاءِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ.

(فَيَقُولُ) اللَّهُ: (لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ) أَمَتُّهُ، (أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) بِلَا عَذَابٍ، أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ، (وَإِنْ أَنَا أَشَفَيْتُهُ) عَافَيْتُهُ مِنْ مَرَضِهِ، (أَنْ أُبْدِلَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ، وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) الصَّغَائِرَ كُلَّهَا، وَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ مِنْ شَرْطِ الصَّبْرِ، إِنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِهَذَا الثَّوَابِ الْمَخْصُوصِ، فَلَا يُنَافِي خَبَرَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» "، الْمُقْتَضَى تَرَتُّبُ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ عَلَى الْمَرَضِ سَوَاءٌ انْضَمَّ لَهُ صَبْرٌ أَمْ لَا.

وَاشْتِرَاطُ الْقُرْطُبِيِّ الصَّبْرَ مُنِعَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَاحْتِجَاجُهُ بِوُقُوعِ التَّقْيِيدِ بِالصَّبْرِ فِي أَخْبَارٍ لَا تَنْهَضُ ; لِأَنَّ مَا صَحَّ مِنْهَا مُقَيَّدٌ بِثَوَابٍ مَخْصُوصٍ فَاعْتُبِرَ فِيهَا الصَّبْرُ لِحُصُولِهِ، وَلَنْ نَجِدَ حَدِيثًا صَحِيحًا تَرَتَّبَ فِيهِ مُطْلَقٌ

التَّكْفِيرِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَرَضِ مَعَ اعْتِبَارِ الصَّبْرِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ فَتَحَرَّرَ لِي مَا ذَكَرْتُهُ، قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ فِي تَالِيهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوْكَةُ إِلَّا قُصَّ بِهَا أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» لَا يَدْرِي يَزِيدُ أَيُّهُمَا قَالَ عُرْوَةُ

ــ

١٧٥١ - ١٧٠٢ - (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ) - بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ - (ابْنِ خُصَيْفَةَ) - بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ - مُصَغَّرٌ، نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُصَيْفَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ، (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ) أَصْلُهَا الرَّمْيُ بِالسَّهْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: " أَصَابَ " يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [التوبة: ٥٠] (سورة التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ٥٠) ، الْآيَةَ.

وَقِيلَ: الْإِصَابَةُ فِي الْخَيْرِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَّوْبِ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَفِي الشَّرِّ مَأْخُوذَةٌ مِنْ إِصَابَةِ السَّهْمِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُصِيبَةُ لُغَةً: مَا يَنْزِلُ بِالْإِنْسَانِ مُطْلَقًا، وَعُرْفًا: مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ خَاصَّةً، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.

وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَيُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ: " مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ "، وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: " مَا مِنْ وَجَعٍ أَوْ مَرَضٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ "، (حَتَّى الشَّوْكَةُ) الْمَرَّةُ مِنْ مَصْدَرِ " شَاكَهُ " بِدَلِيلِ جَعْلِهَا غَايَةً لِلْمَعَانِي، وَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ: يُشَاكُهَا، وَلَوْ أَرَادَ الْوَاحِدَةَ مِنَ النَّبَاتِ، لَقَالَ: يُشَاكُ بِهَا، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: جَوَّزُوا فِيهِ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثَ، فَالْجَرُّ بِمَعْنَى الْغَايَةِ، أَيْ يَنْتَهِي إِلَى الشَّوْكَةِ، أَوْ عَطْفًا عَنْ لَفْظِ " مُصِيبَةٍ "، وَالنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ عَامِلٍ، أَيْ حَتَّى وِجْدَانِهِ الشَّوْكَةَ، وَالرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي " يُصِيبُ ".

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَيَّدَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَحَلِّ (إِلَّا قُصَّ) بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أُخِذَ (بِهَا) ، وَأَصْلُ الْقَصِّ: الْأَخْذُ، وَمِنْهُ الْقِصَاصُ، أَخْذُ حَقِّ الْمُقْتَصِّ لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: " نُقِصَ " وَهُمَا مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى، قَالَهُ عِيَاضٌ.

(أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، لَا يَدْرِي يَزِيدُ) بْنُ خُصَيْفَةَ (أَيُّهُمَا) ، أَيُّ اللَّفْظَيْنِ: قُصَّ أَوْ كُفِّرَ، (قَالَ عُرْوَةُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: " إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ "، أَيْ لِكَوْنِ ذَلِكَ عُقُوبَةً بِسَبَبِ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلِكَوْنِ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذَنْبِهِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً "، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا: حُصُولُ الثَّوَابِ، وَرَفْعُ الْعِقَابِ،

وَشَاهِدُهُ مَا لِلطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: " «مَا ضُرِبَ عَلَى مُؤْمِنٍ عِرْقٌ قَطُّ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ حَسَنَةً، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً» "، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ.

وَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْهَا: " إِلَّا كَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً "، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ " أَوْ " شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، وَيُحْتَمَلُ التَّنْوِيعُ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ بِهَا حَسَنَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَطَايَا، أَوْ حَطَّ عَنْهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ خَطَايَا، وَعَلَى هَذَا فَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ يُزَادُ فِي رَفْعِ دَرَجَتِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَالْفَضْلُ وَاسِعٌ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعَقُّبٌ عَلَى قَوْلِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَنَّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّ الْمُصَابَ مَأْجُورٌ، وَهُوَ خَطَأٌ صَرِيحٌ، فَإِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكَسْبِ، وَالْمَصَائِبُ لَيْسَتْ مِنْهَا، بَلِ الْأَجْرُ عَلَى الصَّبْرِ وَالرِّضَا، وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ صَرِيحَةٌ فِي ثُبُوتِ الْأَجْرِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْمُصِيبَةِ، وَأَمَّا الصَّبْرُ وَالرِّضَا، فَقَدْرٌ زَائِدٌ يُمْكِنُ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِمَا زِيَادَةً عَلَى ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ.

قَالَ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ: الْمَصَائِبُ كَفَّارَاتٌ جَزْمًا، سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِهَا الرِّضَا، أَمْ لَا، لَكِنْ إِنِ اقْتَرَنَ الرِّضَا عَظُمَ التَّكْفِيرُ وَإِلَّا فَلَا، كَذَا قَالَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةٌ لِذَنْبٍ يُوَازِيهَا وَبِالرِّضَا يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَابِ ذَنْبٌ عُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ بِمَا يُوَازِيهِ.

وَزَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِلْمُصَابِ: جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً لِذَنْبِكَ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ جَعَلَهَا كَفَّارَةً، فَسُؤَالُ التَّكْفِيرِ طَلَبٌ لِحُصُولِ الْحَاصِلِ وَهُوَ إِسَاءَةُ أَدَبٍ عَلَى الشَّارِعِ، وَتُعُقِّبَ بِمَا وَرَدَ مِنْ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِمَا هُوَ وَاقِعٌ كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ لَهُ.

وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فَهُوَ مَشْرُوعٌ لِيُثَابَ مَنِ امْتَثَلَ الْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ.

وَلِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ الْعَبْدَرِيِّ: " «أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَقَهُ وَجَعٌ فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِهِ وَيَشْتَكِي، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَوْ صَنَعَ هَذَا بَعْضُنَا لَوَجِدْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ الصَّالِحِينَ يُشَدَّدُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ نَكْبَةٌ مِنْ شَوْكَةٍ» "، الْحَدِيثَ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»

ــ

١٧٥٢ - ١٧٠٣ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) - بِمُهْمَلَاتٍ - الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ) - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَخِفَّةِ الْمُوَحَّدَةِ -

(سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) الْمَدَنِيَّ الثِّقَةَ الْمُتْقِنَ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا) ، أَيْ جَمِيعَ الْخَيْرَاتِ، أَوْ خَيْرًا عَظِيمًا (يُصِبْ مِنْهُ) ، بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ، وَكَسْرِ الصَّادِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: سَمِعْتُ ابْنَ الْخَشَّابِ يَقْرَؤُهُ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ أَحْسَنُ وَأَلْيَقُ.

قَالَ الطَّيْبِيُّ: أَلْيَقُ بِالْأَدَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: ٨٠] (سورة الشُّعَرَاءِ: الْآيَةُ ٨٠) ، وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِرُوَاةٍ ثِقَاتٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رَفَعَهُ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ مَحْمُودٍ مِنَ الْمُصْطَفَى وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، مَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ» "، وَمَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ: يَنَلْ مِنْهُ بِالْمَصَائِبِ، وَيَبْتَلِيهِ بِهَا لِيُثِيبَهُ عَلَيْهَا، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ يُوَصِّلُ إِلَيْهِ الْمَصَائِبَ لِيُطَهِّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَرْفَعَ دَرَجَتَهُ، وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَكْرُوهٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْمَصَائِبِ طِبٌّ إِلَهِيٌّ يُدَاوَى بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرَاضِ الذُّنُوبِ الْمُهْلِكَةِ، وَيَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ " يُصِبْ " إِلَى " مَنْ "، وَضَمِيرِ " مِنْهُ " إِلَى " اللَّهُ "، أَوْ إِلَى الْخَيْرِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ فَلَا شَاهِدَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الشَّرَّ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ ذَكَرَ الْخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ ; لِأَنَّ تَرْكَ ذِكْرِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِوُضُوحِهِ ; لِأَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ مُرَادٌ لِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ مُخْتَارٌ مَرْضِيٌّ بِهِ إِذَا كَانَ بِإِرَادَةِ الْغَيْرِ لَا مِنْ نَفْسِهِ، فَلِأَنْ يَكُونَ مَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ إِرَادَةٍ وَرِضًا أَوْلَى، وَفِيهِ بُشْرَى عَظِيمَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ; لِأَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَنْفَكُّ غَالِبًا مِنْ أَلَمٍ بِسَبَبِ مَرَضٍ، أَوْ هَمٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الطِّبِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْحَكَ وَمَا يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ يُكَفِّرُ بِهِ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ»

ــ

١٧٥٣ - ١٧٠٤ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ: (أَنَّ رَجُلًا) - لَمْ يُسَمَّ - (جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ) - لَمْ يُسَمَّ - (هَنِيئًا لَهُ، مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَيْحَكَ) كَلِمَةُ رَحْمَةٍ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، كَمَا أَنَّ وَيْلَ كَلِمَةُ عَذَابٍ لِمَنْ

يَسْتَحِقُّهُ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ (وَمَا يُدْرِيكَ) : يُعْلِمُكَ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ) فَإِنَّ غَيْرَ الْمَعْصُومِ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ مُوَاقَعَةِ السَّيِّئَاتِ، فَالْمَرَضُ مُكَفِّرٌ لَهَا، أَوْ رَافِعٌ لِلدَّرَجَاتِ، وَكَاسِرٌ لِشَمَاخَةِ النَّفْسِ.

وَقَدْ رُوِيَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ امْرَأَةً، فَوَصَفَهَا أَبُوهَا بِالْجَمَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَزِيدُكَ أَنَّهَا لَمْ تَمْرَضْ قَطُّ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا لِهَذِهِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَيْرٍ» ".

[التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ مِنْ الْمَرَضِ]

بَابُ التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ مِنْ الْمَرَضِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ «أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُثْمَانُ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ قَالَ فَقُلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ»

ــ

٤ - بَابُ التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ فِي الْمَرَضِ

١٧٥٤ - ١٧٠٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (خُصَيْفَةَ) - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ -: (أَنَّ عَمْرَو) - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - (ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ) بْنِ مَالِكٍ (السَّلَمِيَّ) - بِفَتْحَتَيْنِ - الْأَنْصَارِيَّ الْمَدَنِيَّ الثِّقَةَ، (أَخْبَرَهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ) بْنِ مُطْعِمٍ الْقُرَشِيَّ النَّوْفَلِيَّ الْمَدَنِيَّ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ (أَخْبَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي) الثَّقَفِيِّ الطَّائِفِيِّ، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الطَّائِفِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بِالْبَصْرَةِ.

(أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عُثْمَانُ: وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ) : قَارَبَ (يُهْلِكُنِي) ، وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُثْمَانَ: " أَنَّهُ شَكَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ "، (قَالَ) عُثْمَانُ: ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ: " «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ» "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ: " «ضَعْ يَمِينَكَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَشْتَكِي، فَامْسَحْ بِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ» "، (وَقُلْ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا " قَبْلَ قَوْلِهِ (أَعُوذُ) : أَعْتَصِمُ ( «بِعِزَّةِ اللَّهِ، وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ» ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " وَأُحَاذِرُ "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ: أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَسْحَةٍ مِنَ السَّبْعِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: " «مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ مِنْ وَجَعِي هَذَا» "، (قَالَ) عُثْمَانُ: (فَقُلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي) مِنَ الْوَجَعِ، (فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ) ; لِأَنَّهُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ

الْإِلَهِيَّةِ، وَالطِّبِّ النَّبَوِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَتَكْرَارُهُ يَكُونُ أَنْجَعَ وَأَبْلَغَ كَتَكْرَارِ الدَّوَاءِ الطَّبِيعِيِّ لِاسْتِقْصَاءِ إِخْرَاجِ الْمَادَّةِ.

وَفِي السَّبْعِ خَاصِّيَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا.

وَقَدْ خَصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّبْعَ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ بِشَرْطِ قُوَّةِ الْيَقِينِ، وَصِدْقِ النِّيَّةِ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ نَحْوَ طِفْلٍ أَنْ يَقُولَ مَنْ يُعَوِّذُهُ: مِنْ شَرِّ مَا يَجِدُ وَيُحَاذِرُ.

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفِثُ قَالَتْ فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا»

ــ

١٧٥٥ - ١٧٠٦ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اشْتَكَى) أَيْ مَرِضَ، وَالشِّكَايَةُ: الْمَرَضُ، (يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ) - بِكَسْرِ الْوَاوِ - الْإِخْلَاصُ مُعَوِّذَةٌ تَغْلِيبًا، وَلِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ إِذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» "، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَلِذَا قَالَ الْحَافِظُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ تَغْلِيبٌ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي يُتَعَوَّذُ بِهَا مِنَ السُّورَتَيْنِ.

(وَيَنْفِثُ) - بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَضَمِّهَا بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ - أَيْ يُخْرِجُ الرِّيحَ مِنْ فَمِهِ فِي يَدِهِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ رِيقِهِ وَيَمْسَحُ جَسَدَهُ.

قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: هُوَ شِبْهُ الْبُزَاقِ بِلَا رِيقٍ، أَيْ يَجْمَعُ يَدَيْهِ، وَيَقْرَأُ فِيهِمَا، وَيَنْفِثُ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا عَلَى مَوْضِعِ الْأَلَمِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: أَيْ يَتْفُلُ بِلَا رِيقٍ، أَوْ مَعَ رِيقٍ خَفِيفٍ، أَيْ يَقْرَأُ مَاسِحًا لِجَسَدِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا.

قَالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: يَنْفِثُ عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، قَالَ عِيَاضٌ: وَفَائِدَةُ النَّفْثِ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ، أَوِ الْهَوَاءِ الَّذِي مَسَّهُ الذِّكْرُ، كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنَ الذِّكْرِ، وَفِيهِ تَفَاؤُلٌ بِزَوَالِ الْأَلَمِ وَانْفِصَالِهِ كَانْفِصَالِ ذَلِكَ النَّفْثِ، وَخَصَّ الْمُعَوِّذَاتِ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.

فَفِي الْإِخْلَاصِ كَمَالُ التَّوْحِيدِ.

وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ مَا يَعُمُّ الْأَشْبَاحَ وَالْأَرْوَاحَ، فَابْتَدَأَ بِالْعَامِّ فِي قَوْلِهِ: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: ٢] ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: " {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ} [الفلق: ٣] " ; لِأَنَّ انْبِثَاثَ الشَّرِّ فِيهِ أَكْثَرُ، وَالتَّجَوُّزَ مِنْهُ أَصْعَبُ، وَوَصَفَ الْمُسْتَعَاذَ بِهِ فِي الثَّالِثَةِ بِالرَّبِّ، ثُمَّ بِالْمَلِكِ، ثُمَّ بِالْإِلَهِ، وَأَضَافَهَا إِلَى النَّاسِ، وَكَرَّرَهُ، وَخَصَّ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ بِالْوَسْوَاسِ الْمَعْنَيُّ بِهِ الْمُوَسْوِسُ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَعُوذُ مِنْ شَرِّ الْمُوَسْوِسِ إِلَى النَّاسِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ، وَهُوَ إِلَهُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ، كَمَا

يَسْتَغِيثُ بَعْضُ الْمَوَالِي إِذَا عَثَرَ بِهِمْ خَطْبٌ بِسَيِّدِهِمْ، وَمَخْدُومِهِمْ، وَوَالِي أَمْرِهِمْ.

(قَالَتْ) عَائِشَةُ: (فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ) فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، (كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ) الْمُعَوِّذَاتِ، (وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَذَا لِيَحْيَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَمْسَحُ عَنْهُ (بِيَمِينِهِ) عَلَى جَسَدِهِ (رَجَاءَ بَرَكَتِهَا) ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: " «فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي» ".

وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: " «فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى: " «فَأَفَاقَ وَهِيَ تَمْسَحُ صَدْرَهُ، وَتَدْعُو بِالشِّفَاءِ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْأَلُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى هَذَا» "، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، ثُمَّ يَقْرَأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] ، وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: ١] ، وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: ١] ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ، وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» "، وَهَذِهِ مُغَايِرَةٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ، وَإِنِ اتَّحَدَ إِسْنَادُهُمَا، فَالَّذِي يَتَرَجَّحُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ إِثْبَاتُ الرُّقَى، وَالرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَالرُّقَى بِالْقُرْآنِ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ ذِكْرٍ، وَإِبَاحَةُ النَّفْثِ فِيهِ، وَالْمَسْحُ بِالْيَدِ عِنْدَ الرُّقْيَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَسْحُهَا عَلَى كُلِّ مَا يُرْجَى بَرَكَتُهُ وَشِفَاؤُهُ وَخَيْرُهُ كَالْمَسْحِ عَلَى رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَالتَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ قِيَاسًا عَلَى فِعْلِ عَائِشَةَ، وَالتَّبَرُّكِ بِالْيُمْنَى دُونَ الشِّمَالِ، وَتَفْضِيلِهَا عَلَيْهَا، وَفِي ذَلِكَ مَعْنَى الْفَأْلِ، انْتَهَى.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمُ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الطِّبِّ، وَيُونُسُ عِنْدَهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَكَذَا تَابَعَهُ زِيَادٌ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا قَائِلًا: كُلُّهُمْ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ نَحْوُ حَدِيثِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ " رَجَاءَ بَرَكَتِهَا " إِلَّا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ، وَزِيَادَةُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ» ".

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتَكِي وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ

ــ

١٧٥٦ - ١٧٠٧ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تَشْتَكِي، وَيَهُودِيَّةٌ

تَرْقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ) الْقُرْآنِ، إِنْ رُجِيَ إِسْلَامُهَا، أَوِ التَّوْرَاةِ إِنْ كَانَتْ مُعْرِبَةً بِالْعَرَبِيِّ، أَوْ أُمِنَ تَغْيِيرُهُمْ لَهَا، فَتَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَبِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَبِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ اعْتِقَادِ أَنَّ الرُّقْيَةَ لَا تُؤَثِّرُ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ.

قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رُقْيَةِ الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ الْمُسْلِمَ، وَبِالْجَوَازِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

قَالَ الرَّبِيعُ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنِ الرُّقْيَةِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَرْقِيَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَبِمَا يُعْرَفُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، قُلْتُ: أَيَرْقِي أَهْلُ الْكِتَابِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا رَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.

وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ الرُّقْيَةِ بِالْحَدِيدَةِ، وَالْمِلْحِ، وَعَقْدِ الْخَيْطِ، وَالَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ.

[تَعَالُجِ الْمَرِيضِ]

بَابُ تَعَالُجِ الْمَرِيضِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ فَنَظَرَا إِلَيْهِ فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمَا أَيُّكُمَا أَطَبُّ فَقَالَا أَوَ فِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ»

ــ

٥ - بَابُ تَعَالُجِ الْمَرِيضِ

١٧٥٧ - ١٧٠٨ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ، (أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابَهُ جُرْحٌ) - بِضَمِّ الْجِيمِ - (فَاحْتَقَنَ) ، أَيِ احْتَبَسَ الْجُرْحُ (الدَّمُ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ فَاضَ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ، (وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَإِسْكَانِ النُّونِ، وَمِيمٍ - بَطْنٌ مِنَ الْعَرَبِ، (فَنَظَرَا إِلَيْهِ فَزَعَمَا) ، أَيْ قَالَا: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمَا: أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟) ، أَيْ أَعْلَمُ بِالطِّبِّ (فَقَالَا: أَوَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ) ، مُثَلَّثُ الطَّاءِ: عِلَاجُ الْجِسْمِ، وَالنَّفْسِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَزَعَمَ) ، أَيْ قَالَ (زَيْدُ) بْنُ أَسْلَمَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَنْزَلَ الدَّوَاءَ» ) : مَا يُتَدَاوَى بِهِ (الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ) ، جَمْعُ دَاءٍ، وَهُوَ الْمَرَضُ، أَيِ الْأَمْرَاضَ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْإِنْزَالِ، فَقِيلَ: إِعْلَامُهُ عِبَادَهُ بِهِ، وَمُنِعَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِعُمُومِ الْإِنْزَالِ لِكُلِّ دَاءٍ، وَدَوَائِهِ، وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِقَوْلِهِ: عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ.

وَقِيلَ: إِنْزَالُهُمَا إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ

بِمُبَاشَرَةِ مَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِ، فَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، فَيُخْبِرُونَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ مَثَلًا، أَوْ إِلْهَامٌ لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: عَامَّةُ الْأَدْوَاءِ وَالْأَدْوِيَةِ بِوَاسِطَةِ إِنْزَالِ الْغَيْثِ الَّذِي تَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْأَغْذِيَةُ وَالْأَدْوِيَةُ وَغَيْرُهُمَا، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ لُطْفِ الرَّبِّ بِخَلْقِهِ، فَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالْأَدْوَاءِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِالْأَدْوِيَةِ، وَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالذُّنُوبِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ.

وَفِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، وَدَاءُ الذُّنُوبِ الِاسْتِغْفَارُ» "، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ إِبَاحَةُ التَّدَاوِي، وَإِتْيَانُ الطَّبِيبِ إِلَى الْعَلِيلِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُمْرِضُ وَالشَّافِي، وَأَنَّهُ أَنْزَلَ الْأَمْرَيْنِ، وَلِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْقِي، وَيَقُولُ: " «اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي يَا رَبِّ لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، اشْفِ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» "، وَهَذَا يُصَحِّحُ أَنَّ الْمُعَالَجَةَ إِنَّمَا هِيَ لِتَطْبِيبِ نَفْسِ الْعَلِيلِ، وَأُنْسِهِ لِلْعِلَاجِ، وَرَجَاءِ أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الشِّفَاءِ كَالتَّسَبُّبِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ الْمَفْرُوغِ مِنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْبُرْءَ لَيْسَ فِي وُسْعِ مَخْلُوقٍ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ حِينِهِ، وَقَدْ رَأَيْنَا الْأَطِبَّاءَ يُعَالِجُ أَحَدُهُمُ اثْنَيْنِ عِلَّتُهُمَا وَاحِدَةٌ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَسِنٍّ وَاحِدٍ، وَبَلَدٍ وَاحِدٍ، وَرُبَّمَا كَانَا تَوْأَمَيْنِ فَيُعَالِجُهُمَا بِعِلَاجٍ وَاحِدٍ، فَيَصِحُّ أَحَدُهُمَا، وَيَمُوتُ الْآخَرُ، أَوْ تَطُولُ عِلَّتُهُ، ثُمَّ يَصِحُّ عِنْدَ الْأَمَدِ الْمَعْدُودِ لَهُ، انْتَهَى.

ثُمَّ حَدِيثُ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا، لَكِنَّ شَوَاهِدَهُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْنَدَةٌ كَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ» "، وَلِأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَفَعَهُ: " «تَدَاوَوْا يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، إِلَّا دَاءً وَاحِدًا: الْهَرَمُ» "، وَفِي لَفْظٍ: " إِلَّا السَّامَ " بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفًا، أَيِ الْمَوْتَ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ، فَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الْحَدِيثِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ دَوَاؤُهُ الطَّاعَةُ لَيْسَ شَيْءٌ، لِأَنَّهَا دَوَاءٌ لِلْمَرَضِ الْمَعْنَوِيِّ كَعُجْبٍ وَكِبْرٍ، لَا الْمَوْتِ.

وَفِي قَوْلِهِ: " بِإِذْنِ اللَّهِ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالدَّوَاءِ إِذَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ، بَلْ قَدْ يَنْقَلِبُ دَاءً.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ اكْتَوَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الذُّبْحَةِ فَمَاتَ»

ــ

١٧٥٨ - ١٧٠٩ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي) ، وَوَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ: (أَنَّ سَعْدَ) - بِسُكُونِ الْعَيْنِ - (ابْنَ زُرَارَةَ) بْنِ عَدَسٍ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، أَخُو أَسْعَدَ، بِأَلِفٍ أَوَّلَهُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ وَالْعَدَوِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى النِّفَاقِ، وَلَعَلَّهُ تَابَ، (اكْتَوَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الذُّبَحَةِ) - بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ - قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَهُمَزَةٍ وَعِنَبَةٍ وَكِسْرَةٍ وَصُبْرَةٍ، وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ، أَوْ دَمٌ يَخْنُقُ فَيَقْتُلُ.

وَفِي النِّهَايَةِ: بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ: وَجَعٌ

يَعْرِضُ فِي الْحَلْقِ مِنَ الدَّمِ، وَقِيلَ: قُرْحَةٌ تَظْهَرُ فِيهِ فَيَنْسَدُّ مَعَهَا، وَيَنْقَطِعُ النَّفَسُ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ: الذُّبْحَةُ وَجَعُ الْحَلْقِ.

وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: قُرْحَةٌ فِي حَلْقِ الْإِنْسَانِ مِثْلُ الزَّبِيبَةِ الَّتِي تَأْخُذُ الْحَمِيرَ، (فَمَاتَ) .

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اكْتَوَى مِنْ اللَّقْوَةِ وَرُقِيَ مِنْ الْعَقْرَبِ

ــ

١٧٥٩ - ١٧١٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اكْتَوَى مِنَ اللَّقْوَةِ) - بِلَامٍ مَفْتُوحَةٍ، فَقَافٍ سَاكِنَةٍ - دَاءٌ يُصِيبُ الْوَجْهَ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ.

(وَرُقِيَ مِنَ الْعَقْرَبِ) لِإِذْنِ الْمُصْطَفَى، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ يُرْقَى بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَالُوا: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا أَرَى بَأْسًا مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ: " «لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ، وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْقِي، قَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» "، وَفِي الْمُوَطَّأِ، ابْنُ وَهْبٍ: أَنَّ الرَّجُلَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ مِنْ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ.

وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْكَيِّ، فَاكْتَوَيْنَا، فَمَا أَفْلَحْنَا، وَمَا أَنْجَحْنَا» "، وَهَذَا مَعَ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، أَوْ خِلَافِ الْأَوْلَى، إِذْ لَوْ حَمَلَهُ عَلَى التَّحْرِيمِ مَا اكْتَوَى، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِغَيْرِ التَّحْرِيمِ حَدِيثُ الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَرَ فِي أَثَرٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكْتَوَى إِلَّا أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ نَسَبَ إِلَى كِتَابِ " أَدَبُ النُّفُوسِ " لِلطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ اكْتَوَى.

وَذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ بِلَفْظِ: " «رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكْتَوَى لِلْجُرْحِ الَّذِي أَصَابَهُ بِأُحُدٍ» "، وَالثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَحْرَقَتْ حَصِيرًا، فَحَشَتْ بِهِ جُرْحَهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْكَيَّ الْمَعْهُودَ، وَجَزَمَ السَّفَاقُسِيُّ بِأَنَّهُ اكْتَوَى، وَابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكْتَوِ.

[الْغَسْلِ بِالْمَاءِ مِنْ الْحُمَّى]

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ وَقَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أَخَذَتْ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا «وَقَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُبْرِدَهَا بِالْمَاءِ»

ــ

٦ - بَابُ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ مِنَ الْحُمَّى

هِيَ حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ، وَتَنْتَشِرُ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ وَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ وَهِيَ قِسْمَانِ: عَرَضِيَّةٌ، وَهِيَ الْحَادِثَةُ عَنْ وَرَمٍ، أَوْ حَرَكَةٍ، أَوْ إِصَابَةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ، أَوِ الْقَبْضِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهَا، وَمَرَضِيَّةٌ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَتَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُسَخِّنُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَ مَبْدَأُ تَعَلُّقِهَا بِالرُّوحِ فَهِيَ حُمَّى يَوْمٍ، لِأَنَّهَا تُقْلِعُ غَالِبًا فِي يَوْمٍ، وَنِهَايَتُهَا إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ، فَهِيَ حُمَّى دَقٍّ، وَهِيَ أَخْطَرُهَا، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَخْلَاطِ، سُمِّيَتْ عَفَنِيَّةً، وَهِيَ بِعَدَدِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَحْتَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ.

١٧٦٠ - ١٧١١ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ) زَوْجَتِهِ بِنْتِ عَمِّهِ (فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ) بْنِ الزُّبَيْرِ: (أَنَّ) جَدَّتَهُمَا (أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ، (كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (بِالْمَرْأَةِ، وَقَدْ حُمَّتْ) - بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ مُشَدَّدَةً - (تَدْعُو لَهَا، أَخَذَتِ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا) ، بَيْنَ الْمَحْمُومَةِ (وَبَيْنَ جَيْبِهَا) - بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: أَيْ بَيْنَ طَوْقِهَا وَجَسَدِهَا، (وَقَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا» ) - بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ مُشَدَّدَةً، (بِالْمَاءِ) الْبَارِدِ.

وَفِي فِعْلِ أَسْمَاءَ صِفَةُ التَّبْرِيدِ الْمُطْلَقِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا تُفَسَّرُ بِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الَّتِي كَانَتْ تَلْزَمُ بَيْتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَتَشْكِيكُ بَعْضِ الضَّالِّينَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّ غَسْلَ الْمَحْمُومِ مُهْلِكٌ، وَأَنَّ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ فَعَلَهُ فَهَلَكَ، أَوْ كَادَ لِجَمْعِهِ الْمَسَامَّ، وَخَنْقِهِ الْبُخَارَ وَعَكْسِهِ الْحَرَارَةَ لِدَاخِلِ الْبَدَنِ، جَهْلٌ قَبِيحٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ فَهْمِ كَلَامِ النُّبُوَّةِ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ: " «إِذَا حُمَّ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُشَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنَ السَّحَرِ» "، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ: كُلُّ مَاءٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ اسْتِعْمَالُهُ لَا الصَّدَقَةُ بِهِ كَمَا ادَّعَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَإِنْ وُجِّهَ بِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ،

فَكَمَا أَخْمَدَ لَهِيبَ الْعَطَشِ عَنِ الظَّمْآنِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَخْمَدَ اللَّهُ عَنْهُ لَهِيبَ الْحُمَّى جَزَاءً وِفَاقًا، وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ.

قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنَّ صَرِيحَ الْأَحَادِيثِ تَرُدُّهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَاءُ زَمْزَمَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ بِمَاءِ زَمْزَمَ» " بِالشَّكِّ.

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ: بِمَاءِ زَمْزَمَ، بِدُونِ شَكٍّ، وَجَمْعٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ لِتَيَسُّرِهِ عِنْدَهُمْ، أَمَّا غَيْرُهُمْ فَكُلُّ مَاءٍ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ القَّعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ»

ــ

١٧٦١ - ١٧١٢ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) مُرْسَلًا عِنْدَ الْجَمِيعِ إِلَّا مَعْنَ بْنَ عِيسَى، فَرَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَيْسَتْ رِوَايَتُهُ بِشَاذَّةٍ ; لِأَنَّهُ تَابَعَهُ ابْنُ وَهَبٍ وَهُوَ مَعْلُومُ الِاتِّصَالِ عِنْدَ أَصْحَابِ هِشَامٍ.

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَخَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَرْبَعَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحٍ» ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ.

وَفِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْبُخَارِيِّ: مِنْ فَوْحٍ، بِالْوَاوِ بَدَلَ الْيَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَنْهُ: مِنْ فَوْرٍ، بِالرَّاءِ بَدَلَ الْحَاءِ، وَالثَّلَاثَةُ بِمَعْنَى (جَهَنَّمَ) ، أَيْ سُطُوعِ حَرِّهَا وَفَوَرَانِهِ حَقِيقَةً، أُرْسِلَتْ إِلَى الدُّنْيَا نَذِيرًا لِلْجَاحِدِينَ، وَبَشِيرًا لِلْمُقَرَّبِينَ، لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ، فَاللَّهَبُ الْحَاصِلُ فِي جِسْمِ الْمَحْمُومِ قِطْعَةٌ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قَدَّرَ اللَّهُ ظُهُورَهَا بِأَسْبَابٍ يَقْضِيهَا، لِيَعْتَبِرَ الْعِبَادُ بِذَلِكَ، كَمَا أَنَّ أَنْوَاعَ الْفَرَحِ وَاللَّذَّةِ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، أَظْهَرَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ عِبْرَةً وَدِلَالَةً، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ، شَبَّهَ اشْتِعَالَ حَرَارَةِ الطَّبِيعَةِ فِي كَوْنِهَا مُذِيبَةً لِلْبَدَنِ وَمُعَذِّبَةً لَهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلنُّفُوسِ عَلَى شِدَّةِ حَرِّ النَّارِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

قَالَ الطَّيْبِيُّ: " مِنْ " لَيْسَتْ بَيَانِيَّةً حَتَّى تَكُونَ تَشْبِيهًا كَقَوْلِهِ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٧) ، فَهِيَ إِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيِ الْحُمَّى نَشَأَتْ وَحَصَلَتْ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ بَعْضٌ مِنْهَا، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا فِي الصَّحِيحِ: " «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ» "، فَكَمَا أَنَّ حَرَارَةَ الصَّيْفِ أَثَرٌ مِنْ فَيْحِهَا، كَذَلِكَ الْحُمَّى، وَهِيَ حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ، وَتَنْتَشِرُ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ وَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ.

(فَابْرُدُوهَا) ، بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ: بَرَدْتُ الْحُمَّى أَبْرُدُهَا بَرْدًا بِوَزْنِ قَتَلْتُهَا أَقْتُلُهَا قَتْلًا، أَيْ

أَسْكَنْتُ حَرَارَتَهَا، وَحُكِيَ كَسْرُ الرَّاءِ مَعَ وَصْلِ الْهَمْزَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ رِوَايَةً بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ: أَبْرَدَ الشَّيْءَ إِذَا عَاجَلَهُ فَصَيَّرَهُ بَارِدًا، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وَقَوْلُ أَبِي الْبَقَاءِ: الصَّوَابُ وَصْلُ الْهَمْزَةِ وَضَمُّ الرَّاءِ، زَادَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ قَطْعَهَا، فِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا رِوَايَةً (بِالْمَاءِ) الْبَارِدِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ " شُرْبًا، وَغَسْلَ أَطْرَافٍ " ; لِأَنَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ رَطْبٌ يَنْسَاغُ لِسُهُولَتِهِ فَيَصِلُ لِلَطَافَتِهِ إِلَى أَمَاكِنِ الْعِلَّةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مُعَاوَنَةِ الطَّبِيعَةِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: اعْتَرَضَ بَعْضُ سُخَفَاءِ الْأَطِبَّاءِ الْحَدِيثَ بِأَنَّ اغْتِسَالَ الْمَحْمُومِ بِالْمَاءِ خَطَرٌ يُقَرِّبُهُ مِنَ الْهَلَاكِ ; لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَسَامَّ، وَيَحْقِنُ الْبُخَارَ الْمُتَحَلِّلَ، وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ إِلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلتَّلَفِ، وَغَلَطَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ فَانْغَمَسَ بِالْمَاءِ، أَصَابَهُ الْحُمَّى فَاحْتَقَنَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَاطِنِ بَدَنِهِ، فَأَصَابَتْهُ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ كَادَتْ تُهْلِكُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّتِهِ قَالَ قَوْلًا سَيِّئًا لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ، وَأوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ جَهْلُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ، وَارْتِيَابُهُ فِي صِدْقِهِ، فَيُقَالُ لَهُ أَوَّلًا: مِنْ أَيْنَ حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ الْكَيْفِيَّةِ فَضْلًا عَنِ اخْتِصَاصِهَا بِالْغُسْلِ، وَإِنَّمَا أَرْشَدَ إِلَى تَبْرِيدِهَا بِالْمَاءِ، فَإِنْ أَظْهَرَ الْوُجُودُ أَوِ اقْتَضَتْ صِنَاعَةُ الطِّبِّ أَنَّ إِغْمَاسَ كُلِّ مَحْمُومٍ فِي الْمَاءِ أَوْ صَبَّهُ إِيَّاهُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ فَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِعْمَالَهُ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَعُ فَيُبْحَثُ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهُوَ كَمَا أَمَرَ الْعَائِنَ بِالِاغْتِسَالِ وَأَطْلَقَ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ أَرَادَ الِاغْتِسَالَ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، لَا مُطْلَقِ الِاغْتِسَالِ، فَكَذَلِكَ هُنَا يُحْمَلُ عَلَى مَا بَيَّنَتْهُ أَسْمَاءُ، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ رَوَاهُ، فَهِيَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهَا.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا شَكَّ أَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ احْتِيَاجًا إِلَى التَّفْصِيلِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ الشَّيْءُ دَوَاءَهُ فِي سَاعَةٍ، ثُمَّ يَصِيرُ دَاءً لَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَلِيهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ كَغَضَبٍ يُحْمِي مِزَاجَهُ مَثَلًا فَيَتَغَيَّرُ عِلَاجُهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، فَإِذَا فُرِضَ وُجُودُ الشِّفَاءِ لِشَخْصٍ بِشَيْءٍ فِي حَالَةٍ لَمْ يَلْزَمْ وُجُودُ الشِّفَاءِ بِهِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ، وَأَجْمَعَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالزَّمَانِ وَالْعَادَةِ وَالْغِذَاءِ الْمُتَقَدَّمِ وَالتَّأْثِيرِ الْمَأْلُوفِ وَقُوَّةِ الطِّبَاعِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا مَرَّ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ الِاغْتِسَالُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَيَكُونُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي اطَّلَعَ عَلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَحْيِ، وَيَضْمَحِلُّ عِنْدَ ذَلِكَ كَلَامُ الْأَطِبَّاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَاكَ لِبَعْضِ الْحُمَّيَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَهَذَا أَوْجَهُ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يُبَيِّنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصِّفَةَ وَالْحَالَةَ، فَمِنْ أَيْنَ أَنَّهُ أَرَادَ الِانْغِمَاسَ، وَالْأَطِبَّاءُ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُبَرَّدُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِ الْمَاءِ الْبَارِدِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، نَعَمْ، وَيَسْقُونَهُ الثَّلْجَ، وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُمَّى وَالْغَسْلَ عَلَى مِثْلِ مَا قَالُوهُ، أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ، وَقَدْ

تَأَوَّلَتْ أَسْمَاءُ الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَاهُ، وَقَدْ شَاهَدَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ عَلَى مَا عُلِمَ، انْتَهَى.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُمَّى أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا يَصْلُحُ لَهُ الْإِبْرَادُ بِالْمَاءِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَصْلُحُ، وَالَّذِي يَصْلُحُ إِبْرَادُهُ بِالْمَاءِ يَخْتَلِفُ أَيْضًا، فَمِنْهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَشَّ بَيْنَ بَدَنِ الْمَحْمُومِ وَجَيْبِهِ، أَوْ يُقَطَّرَ عَلَى صَدْرِهِ مِنَ السِّقَاءِ فَلَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى صَبِّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ بَدَنِهِ، أَوْ إِلَى انْغِمَاسِهِ فِي النَّهْرِ الْجَارِي مَرَّةً فَأَكْثَرَ، وَذَلِكَ بِاخْتِلَافِ نَوْعِ الْمَرَضِ، وَكَمَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ يَخْتَلِفُ أَيْضًا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْفَصْلِ، وَالْقَطْرِ، وَالْمِزَاجِ، فَلَا يُسَوَّى بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَلَا بَيْنَ الشَّامِ وَمِصْرَ، وَلَا بَيْنَ مِصْرَ وَالْحِجَازِ، وَلَا بَيْنَ مَنْ مِزَاجُهُ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَبَيْنَ مَنْ مِزَاجُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، وَلَا بَيْنَ مَنْ بِهِ نَزَلَاتٌ وَتَحَدُّرَاتٌ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، هَذَا هُوَ الْمُقَرَّرُ مِنْ قَوَاعِدِ الطِّبِّ.

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، يَسْتَنْقِعُ فِي نَهْرٍ جَارٍ، وَيَسْتَقْبِلُ جِرْيَتَهُ، وَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ، بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلْيَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمْسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فَخَمْسٌ، وَإِلَّا فَسَبْعٌ، وَإِلَّا فَتِسْعٌ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ» "، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، وَفِي سَنَدِهِ سَعِيدُ بْنُ زُرْعَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهَذَا يَنْزِلُ عَلَى مَنْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَنَزَلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قَوَاعِدِ الطِّبِّ دَخَلَ فِي قِسْمِ الْمُعْجِزَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِيهِ " صَدِّقْ رَسُولَكَ "، وَ " بِإِذْنِ اللَّهِ "؟ قَالَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: عَمِلْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَانْغَمَسْتُ فِي بَحْرِ النِّيلِ فَبَرِئْتُ مِنْهَا، قَالَ وَلَدُهُ: وَلَمْ يُحَمَّ بَعْدَهَا، وَلَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ»

ــ

١٧٦١ - ١٧١٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» ) ، حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَيُؤَيِّدُ الْحَقِيقَةَ حَدِيثُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ سَمُرَةَ يَرْفَعُهُ: " «الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ» "، وَمِثْلُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ: (فَأَطْفِئُوهَا) - بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ - أَمْرًا بِإِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا (بِالْمَاءِ) الْبَارِدِ شُرْبًا، وَغَسْلِ أَطْرَافِ، أَوْ جَمِيعِ الْجَسَدِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالزَّمَانِ وَالْمِزَاجِ وَالْمَكَانِ.

وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: " فَأَبْرِدُوهَا "، فَأَشَارَ أَبُو عُمَرَ إِلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا بِالْمَعْنَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَطَقَ بِاللَّفْظَيْنِ ; لِأَنَّ الْمُخَرِّجَ مُخْتَلِفٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ عُفَيْرٍ، وَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ بِهِ فِي مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ

عَبْدُ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَزَادَ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يُحَدِّثُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَكَذَا عَطَفَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَلَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

[عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ]

بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ الرَّحْمَةَ حَتَّى إِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ فِيهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا

ــ

٧ - بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ

أَصْلُ عِيَادَةٍ عِوَادَةٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا، يُقَالُ: عُدْتُ الْمَرِيضَ أَعُودُهُ عِيَادَةً إِذَا زُرْتَهُ وَسَأَلْتَهُ عَنْ حَالِهِ، وَالطِّيَرَةُ - بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ -: التَّشَاؤُمُ بِالشَّيْءِ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ لِحَاجَةٍ، فَإِنْ رَأَى الطَّيْرَ طَارَ عَنْ يَمِينِهِ تَيَمَّنَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ، وَإِنْ طَارَ عَنْ يَسَارِهِ تَشَاءَمَ بِهِ وَرَجَعَ، وَرُبَّمَا هَيَّجُوا الطَّيْرَ لِيَطِيرَ فَيَعْتَمِدُونَ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ مَعَهُمْ فِي الْغَالِبِ لِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ ذَلِكَ، وَبَقِيَتْ بَقَايَا مِنْ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ.

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، وَالظَّنُّ، وَالْحَسَدُ، فَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعْ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَحَقَّقْ» "، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ، وَلِابْنِ عَدِيِّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَأَمْضُوا، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا» ، ولِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: «مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الطِّيَرَةِ شَيْءٌ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» .

١٧١٤ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ) أَخْرَجَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدَ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ، (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ الرَّحْمَةَ» ) ، شَبَّهَ الرَّحْمَةَ بِالْمَاءِ، إِمَّا فِي الطَّهَارَةِ، وَإِمَّا فِي الشُّيُوعِ وَالشُّمُولِ، وَنَسَبَ إِلَيْهَا مَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الْخَوْضِ (حَتَّى إِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ) ، أَيْ ثَبَتَتْ (فِيهِ أَوْ نَحْوُ هَذَا) شَكٌّ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ جَابِرٍ: " قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا» وَلَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: " «عَائِدُ الْمَرِيضِ يَخُوضُ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، وَمِنْ تَمَامِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ عَلَى يَدِهِ فَيَسْأَلُهُ كَيْفَ هُوَ، وَتَمَامُ تَحِيَّتِكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَةُ» .

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا هَامَ وَلَا صَفَرَ وَلَا يَحُلَّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ وَلْيَحْلُلْ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ أَذًى

ــ

١٧١٥ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُكَيْرٍ) - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ - (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ) - بِالْجِيمِ - الْمَخْزُومِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، نَزِيلِ مِصْرَ مِنَ الثِّقَاتِ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا (عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ) ، كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى وَتَابَعَهُ قَوْمٌ.

وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو مُصْعَبٍ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، أَيْ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ، وَابْنُ عَطِيَّةَ اسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطِيَّةَ، وَيُكَنَّى أَبَا عَطِيَّةَ، قِيلَ: هُوَ مَجْهُولٌ لَكِنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ مِنْ وُجُوهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ بُكَيْرٍ فِي ذِكْرِهِ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ، بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ خَالَفَهُ فِي صَحَابِيِّهِ، فَقَالَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْمُوَطَّآتِ، لَكِنَّهُ وَهْمٌ مِنْ أَبِي هَاشِمٍ الرِّفَاعِيِّ رَاوِيهِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا عَدْوَى» ) ، أَيْ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا، أَيْ لَا يَسْرِي، وَلَا يَتَجَاوَزُ شَيْءٌ مِنَ الْمَرَضِ إِلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ بِهِ، يُقَالُ: أَعْدَى فُلَانٌ فَلَانًا مِنْ عِلَّةٍ بِهِ، وَذَلِكَ عَلَى مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُتَطَبِّبَةُ فِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُدَرِيِّ وَالْحَصْبَاءِ وَالسِّحْرِ وَالرَّمَدِ وَالْأَمْرَاضِ الْوَبَائِيَّةِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ ذَلِكَ وَإِبْطَالُهُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

(وَلَا هَامَ) ، وَفِي لَفْظٍ: " وَلَا هَامَةَ " بِخِفَّةِ الْمِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ ; اسْمُ طَائِرٍ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ، فَيَصُدُّهُمْ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ الْبُومَةُ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ، أَيْ لَا يُتَطَيَّرُ بِهِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَفْيُ زَعْمِهِمْ أَنَّهُ إِذَا قُتِلَ قَتِيلٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسَهُ طَائِرٌ، فَلَا يَزَالُ يَقُولُ: اسْقُونِي حَتَّى يُقْتَلَ قَاتِلُهُ، فَيَطِيرُ، وَقِيلَ: كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ تَصِيرُ هَامَةً، وَقِيلَ: إِنَّ رُوحَهُ تَنْقَلِبُ هَامَةً فَتَطِيرُ وَيُسَمُّونَهَا: الصَّدَى، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا تَفْسِيرُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّوْعَانِ، وَأَنَّهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ.

(وَلَا صَفَرَ) : الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُحَرِّمُهُ، وَتَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ النَّسِيءُ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِرَدِّ ذَلِكَ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُرْوَى عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ صَفَرَ حَيَّةٌ تَكُونُ فِي الْبَطْنِ تَهِيجُ عِنْدَ الْجُوعِ لِلنَّاسِ، وَالْمَاشِيَةِ، وَرُبَّمَا قَتَلَتْ صَاحِبَهَا، وَأَنَّهَا تُعْدِي أَقْوَى مِنَ الْجَرَبِ، فَالْحَدِيثُ لِنَفْيِ ذَلِكَ، أَوْ لِنَفْيِ الْعَدْوَى، بِهِ قَوْلَانِ، وَأُيِّدَ هَذَا التَّفْسِيرُ بِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عبدِ اللهِ فَسَّرَ الصَّفَرَ فَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: حَيَّاتُ الْبَطْنِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ نَفْيٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ شَهْرَ صَفَرٍ تَكْثُرُ فِيهِ الدَّوَاهِي.

(وَلَا يَحُلَّ) - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ - وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُورِدُ (الْمُمْرِضُ) - بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفَتْحِهَا - مِنَ الْإِبِلِ

(عَلَى الْمُصِحِّ) - بِكَسْرِ الصَّادِ - مِنْهَا فَرُبَّمَا يُصَابُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ الَّذِي أَوْرَدَهُ: لَوْ أَنِّي مَا أَحْلَلْتُهُ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحِلَّهُ لَأَصَابَهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ فَنَهَى عَنْهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ غَالِبًا مِنْ وُقُوعِهَا فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» "، وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُذَامَ لَا يُعْدِي، لَكِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا نَفْرَةً وَكَرَاهِيَةً لِمُخَالَطَتِهِ.

وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ» "، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ، فَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ، فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «فَمَا أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ نَفْسٍ، وَكَتَبَ حَالَهَا، وَمُصَابَهَا، وَرِزْقَهَا» "، الْحَدِيثَ، فَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدَرِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ} [الحديد: ٢٢] (سورة الْحَدِيدِ: الْآيَةُ ٢٢) ، الْآيَةَ.

وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ إِيرَادِ الْمُمْرِضِ، فَمِنْ بَابِ اجْتِنَابِ الْأَسْبَابِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَجَعَلَهَا أَسْبَابًا لِلْهَلَاكِ، أَوِ الْأَذَى، وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِاتِّقَاءِ أَسْبَابِ الْبَلَاءِ إِذَا كَانَ فِي عَافِيَةٍ مِنْهَا.

وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِحَائِطٍ مَائِلٍ فَقَالَ: أَخَافُ مَوْتَ الْفَوَاتِ» وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَحْلُلِ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ) ، فَلَهُ نُزُولُ مَحَلَّةِ الْمَرِيضِ إِنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ.

(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّهُ أَذًى) ، أَيْ يَتَأَذَّى بِهِ، لَا أَنَّهُ يُعْدِي، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ، أَوْ غَنَمِهِ الْجَرِبَةِ، فَيَحُلَّ بِهَا عَلَى مَاشِيَةٍ صَحِيحَةٍ.

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: سَمِعْتُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ فِي رَجُلٍ يَكُونُ بِهِ الْجُذَامُ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الصَّحِيحِ يُؤْذِيهِ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي، فَالْأَنْفُسُ تَكْرَهُهُ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّهُ أَذًى، يَعْنِي لَا لِلْعَدْوَى.

وَأَمَّا الصَّحِيحُ، فَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَحَلَّةَ الْمَرِيضِ إِنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ.

[باب الشَّعْرِ] [السُّنَّةِ فِي الشَّعْرِ]

كِتَابُ الشَّعَرِ

بَابُ السُّنَّةِ فِي الشَّعْرِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى»

ــ

٥١ - كِتَابُ الشَّعَرِ

١ - بَابُ السُّنَّةِ فِي الشَّعَرِ

١٧٦٤ - ١٧١٦ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ) الْعَدَوِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، صَدُوقٌ، يُقَالُ: اسْمُهُ عُمَرُ (عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ شَيْخِ الْإِمَامِ، رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ) نَدْبًا وَقِيلَ: وُجُوبًا (بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ) ، أَيْ بِإِزَالَةِ مَا طَالَ مِنْهَا عَلَى الشَّفَتَيْنِ حَتَّى تَبِينَ الشَّفَةُ بَيَانًا ظَاهِرًا كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْإِمَامُ فِيمَا مَرَّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ مَنَعَ حَلْقَ الشَّارِبِ، وَمَنْ قَالَ: يُنْدَبُ حَلْقُهُ، قَالَ: مَعْنَاهُ الِاسْتِئْصَالُ ; لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلُّغَةِ لِأَنَّ الْإِحْفَاءَ أَصْلُهُ الِاسْتِقْصَاءُ، وَهَذَا يَرُدُّهُ حَدِيثُ: " «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» "، فَدَلَّ التَّعْبِيرُ بِمِنِ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَأْصِلُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُصُّ شَارِبَهُ» "، وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْمُغِيرَةِ: " «ضِفْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ شَارِبِي وَفَى فَقَصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ» "، وَفِي الْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ: " فَوَضَعَ السِّوَاكَ تَحْتَ الشَّارِبِ، وَقَصَّ عَلَيْهِ "، وَفِي الْبَزَّارِ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا وَشَارِبُهُ طَوِيلٌ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِمِقَصٍّ وَسِوَاكٍ، فَجَعَلَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِهِ، ثُمَّ أَخَذَ مَا جَاوَزَهُ» "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ: رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ: أَبُو أُمُامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَعُتْبَةُ بْنُ هَوْنٍ السُّلَمِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَامِرٍ الثُّمَالِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، وَلَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ حَلْقَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ كَأَخِي الْحَلْقِ، رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ ; لِأَنَّهُ رَاوِي الْحَدِيثِ مَعَ مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَنِ ; لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِقَوْلِهِ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَدِيثِ الْقَصِّ كَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.

أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

بْنِ أَبِي رَافِعٍ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عُمَرَ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَأَبَا أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَأَبَا رَافِعٍ يُنْهِكُونَ شَوَارِبَهُمْ كَالْحَلْقِ، وَلِذَا ذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ إِلَى التَّخْيِيرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَى قَوْلَ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ، وَنَقَلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْإِحْفَاءَ: الِاسْتِئْصَالُ، قَالَ: دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَلَا تَعَارُضَ، فَالْقَصُّ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ، وَالْإِحْفَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ، فَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ، فَيُخَيَّرُ فِيمَا شَاءَ.

(وَإِعْفَاءِ اللِّحَى) ، بِكَسْرِ اللَّامِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَبِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ: جَمْعُ لِحْيَةٍ بِالْكَسْرِ فَقَطْ، اسْمٌ لِمَا يَنْبُتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ وَالذَّقَنِ، وَمَعْنَاهُ تَوَفُّرُهَا لِتَكْثُرَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.

وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ إِعْفَاءَهَا مِنَ الْإِحْفَاءِ ; لِأَنَّ كَثْرَتَهَا أَيْضًا لَيْسَ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانَا يَأْخُذَانِ مِنَ اللِّحْيَةِ مَا فَضَلَ عَنِ الْقَبْضَةِ.

وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ اللِّحْيَةِ إِذَا طَالَتْ جِدًّا، قَالَ: أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا وَيُقَصَّ، انْتَهَى.

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا بِالسَّوِيَّةِ» "، أَيْ لِيَقْرُبَ مِنَ التَّدْوِيرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ; لِأَنَّ الِاعْتِدَالَ مَحْبُوبٌ، وَالطُّولَ الْمُفْرِطَ قَدْ يُشَوِّهُ الْخَلْقَ، وَيُطْلِقُ أَلْسِنَةَ الْمُغْتَابِينَ، فَفِعْلُ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى تَقْصِيصِ اللِّحْيَةِ، وَجَعْلِهَا طَاقَاتٍ فَيُكْرَهُ، أَوْ يَقْصِدُ الزِّينَةَ وَالتَّحْسِينَ لِنَحْوِ النِّسَاءِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَأَمْرِهِ ; لِأَنَّهُ فِي الْأَخْذِ مِنْهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، أَوْ لِنَحْوِ تَزَيُّنٍ، وَفِعْلُهُ فِيمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ لِتَشَعُّثٍ أَوْ إِفْرَاطِ طُولٍ يُتَأَذَّى بِهِ.

وَقَالَ الطَّيْبِيُّ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَصُّهَا كَالْأَعَاجِمِ، أَوْ وَصْلُهَا كَذَنَبِ الْحِمَارِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الِاسْتِئْصَالُ، أَوْ مَا قَارَبَهُ بِخِلَافِ الْأَخْذِ الْمَذْكُورِ.

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ «يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ»

ــ

١٧٦٥ - ١٧١٧ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ حُمَيْدِ) - بِضَمِّ الْحَاءِ - (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الثَّبْتِ الْحُجَّةِ: (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ الْأُمَوِيَّ (عَامَ حَجَّ) ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) النَّبَوِيِّ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بَعْدَ الْخِلَافَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَآخِرُ حَجَّةٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، (وَتَنَاوَلَ) : أَخَذَ مُعَاوِيَةُ (قُصَّةً) - بِضَمِّ الْقَافِ، وَشَدِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - خُصْلَةً (مِنْ شَعَرٍ) تَزِيدُهَا الْمَرْأَةُ فِي شَعَرِهَا

لِتُوهِمَ كَثْرَتَهُ، (كَانَتِ) الْقُصَّةُ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ، أَيْ ذَلِكَ الشَّعَرُ (فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ) ، بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالرَّاءِ، وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَاتِ، وَتَحْتِيَّةٍ، مِنْ خَدَمِهِ الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: وَجَدْتُ هَذِهِ عِنْدَ أَهْلِي، وَزَعَمُوا أَنَّ النِّسَاءَ يَزِدْنَهُ فِي شُعُورِهِنَّ.

وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ: مَا كُنْتُ أَرَى يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ، (يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) ، أَيْ لِيُسَاعِدُوهُ عَلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ، أَوْ لِيُنْكِرَ هُوَ عَلَيْهِمْ إِهْمَالَهُمْ إِنْكَارَ ذَلِكَ، وَعَدَمَ تَغْيِيرِهِمْ لِذَلِكَ الْمُنْكَرِ.

(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ) الْقُصَّةِ الَّتِي تَصِلُهُ الْمَرْأَةُ بِشَعَرِهَا، (وَيَقُولُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّمَا هَلَكَتْ) ، وَلِمُسْلِمٍ: إِنَّمَا عُذِّبَ (بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ) ، أَيْ مِثْلَ هَذِهِ الْقُصَّةِ، وَوَصَلَهَا بِالشَّعَرِ (نِسَاؤُهُمْ) .

وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ مُعَاوِيَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهُ الزُّورَ» "، يَعْنِي الْوَصْلَةَ فِي الشَّعَرِ، أَيْ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، وَالزُّورُ: الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سُوءٍ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نَهَى عَنِ الزُّورِ» .

قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا وَهَذَا الزُّورُ.

قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ شُعُورَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ الِاعْتِبَارُ وَالْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ لِخَوْفِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْهَلَاكَ كَبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَهُ اسْتَحَقَّهُ، أَوْ يَعْفُو اللَّهُ، وَوُجُوبُ اجْتِنَابِ عَمَلٍ هَلَكَ بِهِ قَوْمٌ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقُصَّةَ لَمْ تُفْشَ فِيهِمْ حَتَّى أَعْلَنُوا بِالْكَبَائِرِ، فَكَأَنَّ الْقُصَّةَ عَلَامَةٌ لَا تَكَادُ تَظْهَرُ إِلَّا فِي أَهْلِ الْفِسْقِ، لَا أَنَّهَا فَعْلَةٌ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا الْهَلَاكَ بِهَا دُونَ أَنْ يُجَامِعَهَا غَيْرُهَا.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ نُهُوا تَحْرِيمًا عَنْ ذَلِكَ، فَاتَّخَذُوهُ اسْتِخْفَافًا، فَهَلَكُوا.

وَالَّذِي مُنِعُوا مِنْهُ جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا مِثْلُهُ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: " «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ، وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» "، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَبَرٌ، فَيَكُونُ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ دُعَاءٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَابْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا: غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: «إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ» .

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ»

قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى شَعَرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ أَوْ شَعَرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ بَأْسٌ

ــ

١٧٦٦ - ١٧١٨ - (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيِّ، نَزِيلِ مَكَّةَ، ثُمَّ الْيَمَنِ، ثِقَةٌ

ثَبْتٍ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ: كَانَ أَثْبَتَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) شَيْخِ الْإِمَامِ، رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ.

(أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَذَا أَرْسَلَهُ رُوَاةُ مَالِكٍ إِلَّا حَمَّادَ بْنَ خَالِدٍ الْخَيَّاطَ، فَأَسْنَدَهُ عَنْ أَنَسٍ فَأَخْطَأَ فِيهِ، وَالصَّوَابُ عَنْ مَالِكٍ، مُرْسَلٌ، وَالصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ( «سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاصِيَتَهُ» ) ، أَيْ أَنْزَلَ شَعَرَهَا عَلَى جَبْهَتِهِ، (مَا شَاءَ اللَّهُ) مُوَافَقَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَتَهُمْ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ لِتَمَسُّكِهِمْ فِي زَمَانِهِ بِبَقَايَا شَرَائِعِ الرُّسُلِ، أَوْ لِاسْتِئْلَافِهِمْ كَمَا تَآلَفَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ قِبْلَتِهِمْ.

(ثُمَّ فَرَقَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ، رُوِيَ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا، أَيْ أَلْقَى شَعَرَهُ إِلَى جَانِبَيْ رَأْسِهِ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى جَبْهَتِهِ.

وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: " ثُمَّ أُمِرَ بِالْفَرْقِ فَفَرَقَ "، وَكَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ (بَعْدَ ذَلِكَ) حِينَ أَسْلَمَ غَالِبُ الْوَثَنِيِّينَ، وَغَلَبَتِ الشِّقْوَةُ عَلَى الْيَهُودِ، وَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ الِاسْتِئْلَافُ فَخَالَفَهُمْ، وَأَمَرَ بِمُخَالَفَتِهِمْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: " «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» "، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ غَيْرُهُ: وَلِأَنَّهُ أَنْظَفُ وَأَبْعَدُ عَنِ السَّرَفِ فِي غَسْلِهِ، وَعَنْ مُشَابَهَةِ النِّسَاءِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْفَرْقِ وَالسَّدْلِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَأَنَّهُ ظَهَرَ الشَّرْعُ بِهِ، لَكِنْ لَا وُجُوبًا ; لِأَنَّ مِنَ الصَّحْبِ مَنْ سَدَلَ بَعْدَهُ، فَلَوْ كَانَ الْفَرْقُ وَاجِبًا مَا سَدَلُوا، وَزَعْمُ نَسْخِهِ يَحْتَاجُ لِبَيَانِ نَاسِخِهِ وَتَأَخُّرِهِ عَنِ الْمَنْسُوخِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ نُسِخَ مَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَوَهُّمُ النَّسْخِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ أَصْلًا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ حُبَّهُ مُوَافَقَتَهُمْ، وَمُخَالَفَتَهُمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مَصْلَحَةً، وَحَدِيثُ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ: إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَهَا، وَإِلَّا تَرَكَهَا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ ; لِأَنَّهُ ذُكِرَ مَعَ أَوْصَافِهِ الدَّائِمَةِ، وَجِبِلَّتِهِ الَّتِي كَانَ مَوْصُوفًا بِهَا، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْفَرْقَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ، انْتَهَى.

وَقَالَ الْحَافِظُ: حَدِيثُ هِنْدٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ أَوَّلًا لِمَا بَيَّنَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْدُلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ» .

(قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى شَعَرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ أَوْ شَعَرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ بِأْسٌ) ، لِجَوَازِ ذَلِكَ بِلَا شَهْوَةٍ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ وَيَقُولُ فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ

ــ

١٧٦٧ - ١٧١٩ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ) ، قِيلَ: صَوَابُهُ الْخِصَاءُ بِ كَسْرِ الْخَاءِ، وَالْمَدِّ، مَصْدَرُ خَصِيَ: سَلَّ الْخُصْيَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ سَيِّدُ الْفُصَحَاءِ.

رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ يَرْفَعُهُ: " «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَنَالُهُمُ الْإِخْصَاءُ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» "، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: ١١٩] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١١٩) ، قَالَ: هُوَ الْإِخْصَاءُ.

وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ مِثْلُهُ.

(وَيَقُولُ فِيهِ) ، أَيْ فِي إِبْقَائِهِ (تَمَامُ الْخَلْقِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَرْكِ الْخِصَاءِ تَمَامٌ، وَرُوِيَ: نَمَاءُ الْخَلْقِ ; يَعْنِي بِالنُّونِ مِنَ النُّمُوِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَخُصُّوا مَا يُنَمِّي خَلْقَ اللَّهِ» "، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخْصَى أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ» "، وَلَعَلَّ وَجْهَ ذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ فِي تَرْجَمَةِ السُّنَّةِ فِي الشَعَرِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخُصَّ نَبْتَ الشَّعَرِ، فَيُؤْمَرُ بِمَا يُؤْمَرُ بِهِ فِيهِ مَنْ لَهُ شَعَرٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ إِذَا اتَّقَى وَأَشَارَ بِإِصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ»

ــ

١٧٦٨ - ١٧٢٠ - (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) - بِضَمِّ السِّينِ - الْمَدَنِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيِّ مَوْلَاهُمْ ثِقَةٌ مُفْتٍ عَابِدٌ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً، (أَنَّهُ بَلَغَهُ) : وَصَلَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أُنَيْسَةَ عَنْ أُمِّ سَعِيدٍ بِنْتِ مُرَّةَ الْبَهْزِيِّ عَنْ أَبِيهَا: ( «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ» ) ، أَيْ لِلْقَيِّمِ بِأَمْرِهِ وَمَصَالِحِهِ هِبَةً مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، (لَهُ) بِأَنْ يَكُونَ جَدًّا أَوْ عَمًّا أَوْ أَخًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَارِبِ، أَوْ يَكُونَ أَبُو الْمَوْلُودِ قَدْ مَاتَ فَقَامَتْ أُمُّهُ مَقَامَهُ، أَوْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَقَامَ أَبُوهُ فِي التَّرْبِيَةِ مَقَامَهَا.

(أَوْ لِغَيْرِهِ) بِأَنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ.

وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «مَنْ كَفَلَ يَتِيمًا ذَا قَرَابَةٍ، أَوْ لَا قَرَابَةَ لَهُ» ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ (فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ) ، إِذَا اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ، نَوَاهِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَتِيمِ، (وَأَشَارَ) عِنْدَ قَوْلِهِ: كَهَاتَيْنِ، قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ بِإِبْهَامِ الْمُشِيرِ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ، وَأَشَارَ مَالِكٌ، وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ بُكَيْرٍ: وَأَشَارَ

النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( «بِإِصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ» ) ، أَيِ السَّبَّابَةِ، وَفِي مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ: بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفِي الْبُخَارِيِّ: " «وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا» "، أَيْ أَنَّ الْكَافِلَ فِي الْجَنَّةِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّ دَرَجَتَهُ لَا تَبْلُغُ دَرَجَتَهُ بَلْ تُقَارِبُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَقٌّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِيَكُونَ رَفِيقَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنَّةِ، وَلَا مَنْزِلَةَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: قُرْبُ الْمَنْزِلَةِ حَالَ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ تَأَيَّمْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي» "، وَرُوَاتُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ: سُرْعَةُ الدُّخُولِ، وَعُلُوُّ الْمَنْزِلَةِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَفَعَهُ: " «أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى مَاتُوا، أَوْ بَانُوا» "، فَهَذَا فِيهِ قَيْدٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ جَابِرٍ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ أَضْرِبُ مِنْهُ يَتِيمِي؟ قَالَ: مَا كُنْتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ غَيْرَ وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ» "، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: " «حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ» "، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ لِلْكَفَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمَدًا، وَمُنَاسَبَةُ التَّشْبِيهِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا، يَعْنِي الْعِرَاقِيَّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبْعَثَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَعْقِلُونَ أَمْرَ دِينِهِمْ، فَيَكُونَ كَافِلًا لَهُمْ، وَمُرْشِدًا وَمُعَلِّمًا، وَكَافِلُ الْيَتِيمِ يَقُومُ بِكَفَالَةِ مَنْ لَا يَعْقِلُ أَمْرَ دِينِهِ، بَلْ وَلَا دُنْيَاهُ فَيُرْشِدُهُ، وَيُعَلِّمُهُ، وَيُحْسِنُ أَدَبَهُ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَلِمَالِكٍ فِي هَذَا إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْغَيْثِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» "، وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ لَعَلَّ وَجْهَ إِيرَادِهِ فِي تَرْجَمَةِ السُّنَّةِ فِي الشَّعَرِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ كَفَالَةِ الْيَتِيمِ إِصْلَاحَ شَعَرِهِ، وَتَسْرِيحَهُ، وَدَهْنَهُ.

[إِصْلَاحِ الشَّعَرِ]

٢ - بَابُ إِصْلَاحِ الشَّعَرِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ لِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا»

ــ

١٧٦٩ - ١٧٢١ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) ، مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ

عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ (الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ لِي جُمَّةً) - بِضَمِّ الْجِيمِ، وَشَدِّ الْمِيمِ -: شَعَرُ الرَّأْسِ إِذَا بَلَغَ الْمَنْكِبَيْنِ، (أَفَأُرَجِّلُهَا؟) - بِالْجِيمِ - أُسَرِّحُهَا، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ) ، رَجِّلْهَا، (وَأَكْرِمْهَا) بِصَوْنِهَا مِنْ نَحْوِ وَسَخٍ وَقَذَرٍ، وَبِتَعَاهُدِهَا بِالتَّنْظِيفِ وَالِادِّهَانِ.

(فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِتَشَعُّثِهَا بِعَمَلٍ، أَوْ غُبَارٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ الْإِعْيَاءَ.

(لِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) ، أَيْ لِقَوْلِهِ: (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ، وَأَكْرِمْهَا) ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَفَعَاهُ: " «إِذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ شَعَرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» ".

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ أَنْ اخْرُجْ كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ»

ــ

١٧٧٠ - ١٧٢٢ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ، وَجَاءَ مَوْصُولًا بِمَعْنَاهُ عَنْ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ، (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ» ) ، بِمُثَلَّثَةٍ، أَيْ شَعِثُهُ، (وَاللِّحْيَةِ) بِتَرْكِ تَعَاهُدِهِمَا بِمَا يُصْلِحُهُمَا مِنْ تَرْجِيلٍ وَغَيْرِهِ.

(فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ) مِنَ الْمَسْجِدِ، (كَأَنَّهُ يَعْنِي) بِذَلِكَ (إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ) ، أَصْلَحَهُمَا، ( «ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟» ) ، فِي قُبْحِ الْمَنْظَرِ عَلَى عُرْفِ الْعَرَبِ فِي تَشْبِيهِ الْقَبِيحِ بِالشَّيْطَانِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرَى لِمَا أَوْقَعَ اللَّهُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ طَلْعَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: ٦٥] (سورة الصَّافَّاتِ: الْآيَةُ ٦٥) .

[مَا جَاءَ فِي صَبْغِ الشَّعَرِ]

٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَبْغِ الشَّعَرِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالَ وَكَانَ جَلِيسًا لَهُمْ وَكَانَ أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ قَالَ فَغَدَا عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ حَمَّرَهُمَا قَالَ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ هَذَا أَحْسَنُ فَقَالَ إِنَّ أُمِّي عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْبَارِحَةَ جَارِيَتَهَا نُخَيْلَةَ فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ لَأَصْبُغَنَّ وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَصْبُغُ

قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي صَبْغِ الشَّعَرِ بِالسَّوَادِ لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَعْلُومًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّبْغِ أَحَبُّ إِلَيَّ قَالَ وَتَرْكُ الصَّبْغِ كُلِّهِ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ ضِيقٌ

قَالَ وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصْبُغْ وَلَوْ صَبَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ

ــ

١٧٧١ - ١٧٢٣ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ) الْقُرَشِيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ الزُّهْرِيَّ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاتَ أَبُوهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَلِذَلِكَ عُدَّ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ.

(قَالَ: وَكَانَ جَلِيسًا لَهُمْ، وَكَانَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدْ حَمَّرَهَا) : صَبَغَهَا بِالْحُمْرَةِ، (قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: هَذَا أَحْسَنُ) مِنَ الْبَيَاضِ (قَالَ: إِنَّ أُمِّي عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْبَارِحَةَ جَارِيَتَهَا نُخَيْلَةَ) بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ مُعْجَمَةً عِنْدَ يَحْيَى مُهْمَلَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ.

(فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ لَأَصْبُغَنَّ) - بِضَمِّ الْبَاءِ، وَكَسْرِهَا -، (وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ - عَنْهُ كَانَ يَصْبُغُ) ، بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا وَفَتْحُهَا.

(قَالَ مَالِكٌ فِي صَبْغِ الشَّعَرِ بِالسَّوَادِ: لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الصَّبْغِ أَحَبُّ إِلَيَّ) كَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، (وَتَرْكُ الصَّبْغِ كُلِّهِ وَاسِعٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَيْسَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ ضِيقٌ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الصَّبْغُ بِغَيْرِ السَّوَادِ سُنَّةٌ.

(قَالَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَصْبُغْ، وَلَوْ صَبَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ) مَعَ قَوْلِهَا: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَصْبُغُ، أَوْ بِدُونِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَنَسٌ كَوْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبَغَ.

«وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ» .

وَقَالَ أَبُو رِمْثَةَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ، وَلَهُ شَعَرٌ قَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ، وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ» ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ.

«وَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَلْ خَضَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَوَافَقَ مَالِكٌ أَنَسًا عَلَى الْإِنْكَارِ.

وَتَأَوَّلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِحَمْلِهِ عَلَى الثِّيَابِ لَا الشَّعَرِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «كَانَ يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ حَتَّى عِمَامَتِهِ» "، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُهُ أَيْضًا: " «كَانَ يُصَفِّرُ بِهِمَا لِحْيَتَهُ» "، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مِمَّا يَتَطَيَّبُ بِهِ لَا أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ بِهِمَا.

وَحَمْلُ أَحَادِيثِ غَيْرِهِ إِنْ صَحَّتْ عَلَى أَنَّ تَلَوُّنَهُ مِنَ الطِّيبِ لَا مِنَ الصَّبْغِ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.

قَالَ رَبِيعَةُ: «رَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ، فَسَأَلْتُ فَقِيلَ: أَحْمَرُ مِنَ الطِّيبِ» .

قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الْمَسْئُولِ الْمُجِيبِ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الْحَاكِمَ رَوَى «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ لِأَنَسٍ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ قَدْ لُوِّنَ فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا الَّذِي لُوِّنَ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي كَانَ يُطَيِّبُ بِهِ شَعَرَهُ فَهُوَ الَّذِي غَيَّرَ لَوْنَهُ» .

فَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَبِيعَةَ سَأَلَ أَنَسًا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ.

وَفِي رِجَالِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَالْغَرَائِبِ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَمَّا مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْئٌ مِنْ شَعَرِهِ، لِيَكُونَ أَبْقَى لَهَا "، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا اسْتَقَامَ إِنْكَارُ أَنَسٍ، وَيَقْبَلُ مَا أَثْبَتَهُ سِوَاهُ التَّأْوِيلَ، وَأُوِّلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ صَبَغَ فِي وَقْتٍ حَقِيقَةً، وَتَرَكَ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ بِمَا رَأَى وَهُوَ صَادِقٌ، فَمَنْ أَثْبَتَهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ، وَيُحْمَلُ نَفْيُ أَنَسٍ عَلَى غَلَبَةِ الشَّيْبِ، حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى خِضَابِهِ، وَلَمْ يُتَّفَقْ أَنَّهُ رَآهُ حِينَ خَضَبَ، وَغَايَةُ مَا يُفِيدُهُ هَذَا عَدَمَ الْحُرْمَةِ ; لِأَنَّهُ يَفْعَلُ الْمَكْرُوهَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ كَالْمُتَعَيَّنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ» "، وَلَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ لِصِحَّتِهِ، وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ، فِيهِ نَظَرٌ، إِذْ هُوَ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلٌ لِلثِّيَابِ وَالشَّعَرِ، وَجَاءَ مَا يُعَيِّنُ الْأَوَّلَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ حَتَّى عِمَامَتِهِ» "، وَلِذَا رَجَّحَهُ عِيَاضٌ.

[مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ التَّعَوُّذِ]

٤ - بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ التَّعَوُّذِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي أُرَوَّعُ فِي مَنَامِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ»

ــ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إِذَا قُلْتَهُنَّ طَفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَى فَقَالَ جِبْرِيلُ فَقُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ اللَّاتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَشَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ»

ــ

١٧٧٣ - ١٧٢٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّهُ قَالَ) مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، السُّلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ، بِالْفَوْقِيَّةِ: الْحَافِظُ هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْجِنِّ أَقْبَلَ عِفْرِيتٌ فِي يَدِهِ شُعْلَةٌ فَذَكَرَهُ، انْتَهَى.

وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ لَيْلَةَ الْجِنِّ هِيَ لَيْلَةُ اسْتِمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ، وَهِيَ غَيْرُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، فَهُمَا حَدِيثَانِ، وَإِنِ اتَّحَدَ لَفْظُ الِاسْتِعَاذَةِ فِيهِمَا.

( «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى عِفْرِيتًا» ) ، هُوَ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ (مِنَ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ) - بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - (مِنْ نَارٍ) ، وَهِيَ شِبْهُ الْجَذْوَةِ - بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ - الْجَمْرَةُ (كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَآهُ)

يَطْلُبُهُ لِقَصْدِ إِيذَائِهِ، لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهِ، (فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إِذَا قُلْتَهُنَّ طَفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ) ، بِالْمُعْجَمَةِ، وَشَدِّ الرَّاءِ: سَقَطَ (لِفِيهِ) ، أَيْ عَلَيْهِ.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَلَى) عَلِّمْنِي، (فَقَالَ جِبْرِيلُ: فَقُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: قَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو بَكْرٍ: هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِي، أُمِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهَا.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمُحَارِبِيُّ: مَعْنَاهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ، (وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ) : صِفَاتِهِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ، وَقِيلَ: الْعِلْمُ لِأَنَّهُ أَعَمُّ الصِّفَاتِ، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: جَمِيعُ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُضَافَ إِلَى الْمَعَارِفِ يَعُمُّ.

(التَّامَّاتِ) ، أَيِ الْكَامِلَةِ، فَلَا يَدْخُلُهَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ، وَقِيلَ: النَّافِعَةُ، وَقِيلَ: الشَّافِيَةُ (اللَّاتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ) ، لَا يَتَعَدَّاهُنَّ (بَرٌّ) - بِفَتْحِ الْبَاءِ - تَقِيٌّ (وَلَا فَاجِرٌ) : مَائِلٌ عَنِ الْحَقِّ، أَيْ لَا يَنْتَهِي عِلْمُ أَحَدٍ إِلَى مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، (مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ) مِنَ الْعُقُوبَاتِ كَالصَّوَاعِقِ، (وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا) مِمَّا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ، وَهُوَ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ.

(وَشَرِّ مَا ذَرَأَ) : خَلَقَ (فِي الْأَرْضِ) عَلَى ظَهْرِهَا.

(وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) مِمَّا خَلَقَهُ فِي بَطْنِهَا، (وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) الْوَاقِعَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَى الظَّرْفِ.

(وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ) : حَوَادِثِهِ الَّتِي تَأْتِي لَيْلًا، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْآتِي نَهَارًا عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ، (إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ) - بِضَمِّ الرَّاءِ - (بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: " فَخَرَّ لَفِيهِ، وَطَفِئَتْ شُعْلَتُهُ ".

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ مَا نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فَقَالَ لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ»

ــ

١٧٧٤ - ١٧٢٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) - بِفَتْحٍ، فَسُكُونٍ: قَبِيلَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ، قَالَ فِيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ» ، (قَالَ: مَا نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟) لَمْ تَنَمْ (فَقَالَ: لَدَغَتْنِي) ، بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، (عَقْرَبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَا) - بِالْفَتْحِ، وَخِفَّةِ الْمِيمِ - (إِنَّكَ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ - إِنْ

جَعَلْتَ أَمَا بِمَعْنَى أَلَا الِاسْتِفْتَاحِيَّةِ، وَبِفَتْحِهَا، إِنْ جَعَلْتَ بِمَعْنَى: حَقًّا، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ، (لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ) ، أَيْ دَخَلْتَ فِي الْمَسَاءِ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: التَّامَّةِ بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وَهُمَا بِمَعْنًى، فَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ: الْجُمْلَةُ، وَبِالْوَاحِدَةِ مَا تَفَرَّقَ فِي الْأُمُورِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَصَفَهَا بِالتَّمَامِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا خَالِصَةٌ مِنَ الرَّيْبِ وَالشُّبَهِ: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: ١١٥] (سورة الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ١١٥) ، {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: ٢] ، أَيْ مِنْ شَرِّ خَلْقِهِ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُونَ مِنْ إِثْمٍ، وَمُضَارَّةِ بَعْضٍ لِبَعْضٍ مِنْ نَحْوِ: ظُلْمٍ وَبَغْيٍ، وَقَتْلٍ وَضَرْبٍ وَشَتْمٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ نَحْوِ: لَدْغٍ وَنَهْشٍ وَعَضٍّ.

(لَمْ يَضُرَّكَ) بِأَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ، وَبَيْنَ كَمَالِ تَأْثِيرِهَا بِحَسَبِ كَمَالِ التَّعَوُّذِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ ; لِأَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْإِلَهِيَّةَ تَمْنَعُ مِنَ الدَّاءِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَتَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهِ، وَإِنْ وَقَعَ لَمْ يَضُرَّ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَرَّبْتُ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ صِدْقًا، تَرَكْتُهُ لَيْلَةً فَلَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَتَفَكَّرْتُ، فَإِذَا أَنَا نَسِيتُ هَذَا التَّعَوُّذَ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَهَذَا، أَيِ التَّعَوُّذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مَقَامُ مَنْ بَقِيَ لَهُ الْتِفَاتٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَمَّا مَنْ تَوَغَّلَ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهَ، لَمْ يَسْتَعِذْ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَمْ يَلْتَجِئْ إِلَّا إِلَيْهِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا يَرْقَى مِنْ هَذَا الْمَقَامِ قَالَ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، وَالرَّجُلُ الْمُخَاطَبُ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا فَقِيلَ لَهُ وَمَا هُنَّ فَقَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ

ــ

١٧٧٥ - ١٧٢٧ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) - بِضَمِّ السِّينِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَدِّ الْيَاءِ - (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنِ الْقَعْقَاعِ) - بِقَافَيْنِ، وَعَيْنَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ - (ابْنِ حَكِيمٍ) - بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ - (أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ) بِمَنْعِ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، وَوَزْنِ الْفِعْلِ، (حِمَارًا) مِنْ سِحْرِهِمْ (فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ فَقَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ) ، بَلْ تَخْضَعُ كُلُّ الْعُظَمَاءِ لِعَظَمَتِهِ.

(وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ) ، أَيْ لَا يَتَعَدَّاهُنَّ مَنْ كَانَ ذَا بِرٍّ، وَذَا فُجُورٍ مِنْ إِنْسٍ وَغَيْرِهِمْ.

(وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا) ، مُؤَنَّثُ الْأَحْسَنِ، (مَا عَلِمْتُ مِنْهَا، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ)

قِيلَ: هُمَا بِمَعْنَى خَلَقَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (٣٠ {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: ٢٩] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٩) ، وَقَالَ: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: ٧٩] (سورة الْمُؤْمِنُونَ: الْآيَةُ ٧٩) ، وَقَالَ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة: ٥٤] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٥٤) ، أَيْ خَالِقِكُمْ، فَذِكْرُهَا لِإِفَادَةِ اتِّحَادِ مَعْنَاهَا، وَقِيلَ: الْبَرْءُ وَالذَّرْءُ يَكُونُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَالْخَلْقُ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ.

[مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ]

٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي»

ــ

١٧٧٦ - ١٧٢٨ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ) بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ أَبِي طُوَالَةَ - بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ - الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَيُقَالُ بَعْدَ ذَلِكَ.

(عَنْ أَبِي الْحُبَابِ) - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَمُوَحَّدَتَيْنِ - (سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ مُتْقِنٌ.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) (سورة الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٤) ، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ) ، نِدَاءُ تَنْوِيهٍ وَإِكْرَامٍ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، أَيِ اسْتِعْظَامٌ (لِجَلَالِي) ، أَيْ لِعَظَمَتِي، أَيْ لِأَجْلِ تَعْظِيمِ حَقِّي وَطَاعَتِي، لَا لِغَرَضِ دُنْيَا، فَخَصَّ الْجَلَالَ بِالذِّكْرِ لِدِلَالَتِهِ عَلَى الْهَيْبَةِ وَالسَّطْوَةِ، أَيِ الْمُنَزَّهُونَ عَنْ شَوَائِبِ الْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فِي الْمَحَبَّةِ، فَلَا تَحَابُّونَ إِلَّا لِأَجْلِي وَلِوَجْهِي، لَا لِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، قِيلَ: التَّحَابُّ لِلْجَلَالِ أَنْ لَا يَزِيدَ الْحُبُّ بِالْبِرِّ، وَلَا يَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ، (الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي) قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إِضَافَةُ خَلْقٍ وَتَشْرِيفٍ لِأَنَّ الظِّلَالَ كُلَّهَا خَلْقُ اللَّهِ، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي ظِلِّ عَرْشِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُظِلُّهُمْ حَقِيقَةً مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ، وَوَهَجِ الْمَوْقِفِ، وَأَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْأَكْثَرِ.

وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: كِنَايَةٌ عَنْ كَنِّهِمْ مِنَ الْمَكَارِهِ، وَجَعْلِهِمْ فِي كَنَفِهِ وَسَتْرِهِ، وَمِنْهُ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.

وَقَوْلُهُمْ: فُلَانٌ فِي ظِلِّ فُلَانٍ، أَيْ فِي كَنَفِهِ وَعِزَّتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الظِّلُّ هُنَا كِنَايَةً عَنِ الرَّاحَةِ، وَالتَّنَعُّمِ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَيْشٌ ظَلِيلٌ، (يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي) أَيْ

ظِلُّ عَرْشِي بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ الْمُتَقَدِّمِ، أَيْ لَا يَكُونُ مَنْ لَهُ ظِلٌّ مَجَازًا كَمَا فِي الدُّنْيَا.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ حَدِيثُ: " «الْمَرْءُ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ» "، وَحَدِيثُ: " «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ» "، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الْقِيَامَةِ ظِلَالًا غَيْرَ ظِلِّ الْعَرْشِ.

أُجِيبَ بِأَنَّ فِيهَا ظِلَالًا بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ تَقِي أَصْحَابَهَا حَرَّ الشَّمْسِ وَالنَّارِ وَأَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ، وَلَكِنْ ظِلُّ الْعَرْشِ أَعْظَمُهَا وَأَشْرَفُهَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَمِنْ جُمْلَتِهِمُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا ظِلُّ الْعَرْشِ يَسْتَظِلُّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ أَجْمَعُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الظِّلَالُ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ، وَكَانَتِ الْأَعْمَالُ تَخْتَلِفُ، حَصَلَ لِكُلِّ عَامِلٍ ظِلٌّ يَخُصُّهُ مِنْ ظِلِّ الْعَرْشِ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وَسَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ شُرَكَاءُ فِي ظِلِّهِ، وَهَذَا كُلُّه عَلَى أَنَّ الِاسْتِظْلَالَ حَقِيقِيٌّ، وَتَقَدَّمَ مَا لِابْنِ دِينَارٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْبِرِّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»

ــ

١٧٧٧ - ١٧٢٩ - (مَالِكٌ عَنْ خُبَيْبِ) ، بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَمُوَحَّدَتَيْنِ، مُصَغَّرٌ (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ حَبِيبٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ أَبِي الْحَارِثِ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.

(عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ) بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) بِالشَّكِّ لِرُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا مُصْعَبًا الزُّبَيْرِيَّ، وَمُوسَى بْنَ طَارِقٍ، فَجَعَلَاهُ عَنْهُمَا بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَشَذَّ فِي ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، قَالَهُ الْحَافِظُ.

وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَنَّ أَبَا مُعَاذٍ الْبَلْخِيَّ عَنْ مَالِكٍ، تَابَعَهُمَا فِي رِوَايَتِهِ بِالْوَاوِ، قَالَ: وَرَوَاهُ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْوَقَّادُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْصٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَحْدَهُ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ خَالِهِ خُبَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ حَفْصٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ.

قَالَ الْحَافِظُ فِي الْأَمَالِي: الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ بِالشَّكِّ وَرِوَايَةُ زَكَرِيَّا خَطَأٌ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ، وَخُبَيْبٌ خَالُهُ وَحَفْصٌ جَدُّهُ، وَلَمْ يَشُكَّ فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى، وَتَابَعَهُ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ خُبَيْبٍ، أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ.

وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ حَفِظَهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ، وَلِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِهِ وَجَدِّهِ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَبْعَةٌ) مِنَ الْأَشْخَاصِ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: (يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ) ، إِضَافَةُ مِلْكٍ، وَكُلُّ ظِلٍّ فَهُوَ مِلْكُهُ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ، وَحَقُّهُ أَوْ يَقُولُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ لِيَحْصُلَ امْتِيَازُ هَذَا عَنْ غَيْرِهِ، كَمَا قِيلَ

لِلْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ مَعَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا مِلْكُهُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ كَرَامَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ فِي ظِلِّ الْمَلِكِ، وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَقَوَّاهُ عِيَاضٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ ظِلُّ عَرْشِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَلْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: " «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ» "، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ اسْتَلْزَمَ كَوْنَهُمْ فِي كَنَفِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَهُوَ أَرْجَحُ، وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْحُدُودِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ ظِلُّ طُوبَى، أَوْ ظِلُّ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّ ظِلَّهُمَا إِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لِجَمِيعِ مَنْ يَدْخُلُهَا، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى امْتِيَازِ أَصْحَابِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، فَتَرَجَّحَ أَنَّ الْمُرَادَ ظِلُّ الْعَرْشِ.

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ» " قَالَهُ الْحَافِظُ.

(يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) ، أَيْ ظِلُّ عَرْشِهِ كَمَا عُلِمَ، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ كَنَاقَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الظِّلِّ إِذْ هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَجْسَامِ، (إِمَامٌ عَادِلٌ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْعَدْلِ، كَمَا رَوَاهُ وَالْأَكْثَرُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَمَنْ كَانَ فِي إِخْوَانِهِ غَيْرَ عَادِلٍ ... فَمَا أَحَدٌ فِي الْعَدْلِ مِنْهُ بِطَامِعِ

وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: عَدْلٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُسَمَّى نَفْسَهُ عَدْلًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ الَّذِي يَتَّبِعُ أَمْرَ اللَّهِ بِوَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ بِغَيْرِ إِفْرَاطٍ، وَلَا تَفْرِيطٍ، أَوِ الْجَامِعُ لِلْكَمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ: الْحِكْمَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعِفَّةُ الَّتِي هُوَ أَوْسَاطُ الْقُوَى الثَّلَاثَةِ: الْعَقْلِيَّةُ، وَالْغَضَبِيَّةُ، وَالشَّهْوَانِيَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ صَاحِبُ الْوِلَايَةِ الْعُظْمَى، وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَعَدَلَ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَرَفَعَهُ: " «أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ وَمَا وَلُوا» "، وَقَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّ نَفْعَهُ أَعَمُّ.

وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْإِمَامُ الْعَادِلُ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ» "، (وَشَابٌّ نَشَأَ) نَبَتَ وَابْتَدَأَ (فِي عِبَادَةِ اللَّهِ) ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْوَةٌ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " بِعِبَادَةِ اللَّهِ "، بِالْبَاءِ بِمَعْنَى فِي، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ: حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ.

وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ: " أَفْنَى شَبَابَهُ، وَنَشَاطَهُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ "، وَخَصَّ الشَّبَابَ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الْبَاعِثِ عَلَى مُتَابَعَةِ الْهَوَى، فَإِنَّ مُلَازَمَةَ الْعِبَادَةِ مَعَ ذَلِكَ أَشَدُّ، وَأَدَلُّ عَلَى غَلَبَةِ التَّقْوَى.

( «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ» ) بِفَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الْمِيمِ، وَكَسْرِ اللَّامِ، مِنَ الْعَلَاقَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحُبِّ (بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ) ، زَادَ فِي

حَدِيثِ سَلْمَانَ: " مِنْ حُبِّهَا "، وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ إِيَّاهَا» "، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا آثَرَ طَاعَةَ اللَّهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّهُ صَارَ قَلْبُهُ مُلْتَفِتًا إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُحِبُّ الْبَرَاحَ عَنْهُ، لِوِجْدَانِهِ فِيهِ رُوحَ الْقُرْبَةِ، وَحَلَاوَةَ الطَّاعَةِ.

وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ حَبِيبٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُعَلَّقٌ بِدُونِ تَاءٍ، قَالَ الْحَافِظُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنَ التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ فِي الْمَسْجِدِ كَالْقِنْدِيلِ، إِشَارَةً إِلَى طُولِ الْمُلَازَمَةِ بِقَلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ جَسَدُهُ خَارِجًا عَنْهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْجَوْزَقِيِّ: " «كَأَنَّمَا قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ» "، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَلَاقَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحُبِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ: " «مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ» "، وَكَذَا رِوَايَةُ " مُتَعَلِّقٌ " بِزِيَادَةِ الْفَوْقِيَّةِ، زَادَ سَلْمَانُ: مِنْ حُبِّهَا، ( «وَرَجُلَانِ تَحَابَّا» ) بِشِدَّةِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَصْلُهُ تَحَابَبَا أَيِ اشْتَرَكَا فِي جِنْسِ الْمَحَبَّةِ، وَأَحَبَّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ حَقِيقَةً لَا إِظْهَارًا فَقَطْ.

وَفِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ: " «وَرَجُلَانِ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ» "، فَصَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ.

(فِي اللَّهِ) ، أَيْ فِي طَلَبِ رِضَاهُ، أَوْ لِأَجْلِهِ لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، (اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ) الْحُبِّ الْمَذْكُورِ، (وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) ، كَمَا زِيدَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: أَيِ اسْتَمَرَّا عَلَى الْمَحَبَّةِ الدِّينِيَّةِ، وَلَمْ يَقْطَعَاهَا بِعَارِضٍ دُنْيَوِيٍّ سَوَاءٌ اجْتَمَعَا حَقِيقَةً، أَمْ لَا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ يَحْفَظَانِ الْحُبَّ فِيهِ فِي الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ.

وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ: اجْتَمَعَا عَلَى خَيْرٍ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الصَّحِيحَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسْتَخْرَجَاتِ، وَهِيَ عِنْدِي تَحْرِيفٌ، وَعُدَّتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ وَاحِدَةً مَعَ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا اثْنَانِ ; لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاثْنَيْنِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُتَحَابَّانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَغْنَى عَدُّ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ عَدُّ الْخِصَالِ لَا عَدُّ جَمِيعِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا.

(وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ) بِقَلْبِهِ مِنَ التَّذَكُّرِ، أَوْ لِسَانِهِ مِنَ الذِّكْرِ، (خَالِيًا) مِنَ الْخَلْوَةِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَأَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ، أَوْ خَالِيًا مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ فِي مَلَأٍ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ: ذَكَرَ اللَّهَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةٌ لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ، أَيْ مَوْضِعٍ خَالٍ وَهِيَ أَصَحُّ.

(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) ، أَيْ فَاضَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنِهِ، وَأَسْنَدَ الْفَيْضَ إِلَى الْعَيْنِ مُبَالَغَةً كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَاضَتْ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفَيْضُ الْعَيْنِ بِحَسَبِ حَالَةِ الذَّاكِرِ، وَبِحَسَبِ مَا يَنْكَشِفُ لَهُ، فَفِي حَالِ أَوْصَافِ الْجَلَالِ يَكُونُ الْبُكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَفِي حَالِ أَوْصَافِ الْجَمَالِ يَكُونُ مِنَ الشَّوْقِ إِلَيْهِ، قَالَ الْحَافِظُ: قَدْ خُصَّ بِالْأَوَّلِ فِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ، والْبَيْهَقِيِّ: فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.

وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يُصِيبَ الْأَرْضَ مِنْ

دُمُوعِهِ لَمْ يُعَذَّبْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

(وَرَجُلٌ دَعَتْهُ) ، أَيْ طَلَبَتْهُ، وَبِهِ عُبِّرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: (ذَاتُ) بَيَّنَ الْمَوْصُوفَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَحْمَدَ فَقَالَ: امْرَأَةٌ ذَاتُ (حَسَبٍ) ، أَيْ أَصْلٍ أَوْ مَالٍ ; لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: ذَاتُ مَنْصِبٍ، أَيْ أَصْلٍ أَوْ شَرَفٍ، (وَجَمَالٍ) ، أَيْ مَزِيدِ حُسْنٍ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: إِلَى نَفْسِهَا.

وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ "، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى الْفَاحِشَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى التَّزْوِيجِ بِهَا، فَخَافَ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنِ الْعِبَادَةِ بِالِافْتِتَانِ بِهَا، أَوْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ بِحَقِّهَا لِشُغْلِهِ بِالْعِبَادَةِ عَنِ التَّكَسُّبِ بِمَا يَلِيقُ بِهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ الْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ إِلَى نَفْسِهَا، وَلَوْ أُرِيدَ التَّزْوِيجُ لَصَرَّحَ بِهِ.

(فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: " رَبَّ الْعَالَمِينَ "، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ، إِمَّا لِيَزْجُرَهَا عَنِ الْفَاحِشَةِ، أَوْ لِيَعْتَذِرَ إِلَيْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَهُ بِقَلْبِهِ، قَالَهُ عِيَاضٌ، وَإِنَّمَا يَصْدُرُ هَذَا عَنْ شِدَّةِ خَوْفٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَتِينِ تَقْوَى وَحَيَاءٍ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ; لِأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَوْصُوفَةِ بِأَكْمَلِ الْأَوْصَافِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ لِمَنْ هِيَ فِيهَا، وَهُوَ الْحَسَبُ وَالْمَنْصِبُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْجَاهِ وَالْمَالِ مَعَ الْجَمَالِ، وَقَلَّ مَنْ يَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ مِنْ أَكْمَلِ الْمَرَاتِبِ، لِكَثْرَةِ الرَّغْبَةِ فِي مِثْلِهَا، وَعُسْرِ تَحْصِيلِهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَغْنَتْ مِنْ مَشَاقِّ التَّوَصُّلِ إِلَيْهَا بِمُرَاوَدَةٍ وَنَحْوِهَا.

( «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا» ) ، أَيْ كَتَمَهَا عَنِ النَّاسِ، وَنَكِرَهَا لِيَشْمَلَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْمَنْدُوبَةَ وَالْمَفْرُوضَةَ، لَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ إِظْهَارَ الْمَفْرُوضَةِ أَوْلَى مِنْ إِخْفَائِهَا (حَتَّى لَا تَعْلَمَ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ نَحْوَ: سِرْتُ حَتَّى مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَضَمِّهَا نَحْوَ: مَرِضَ حَتَّى لَا يَرْجُونَهُ، (شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ) ، أَيْ لَوْ قَدَّرْتَ شِمَالَهُ رَجُلًا مُتَيَقِّظًا لَمَا عَلِمَ صَدَقَةَ الْيَمِينِ، ذَكَرَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الْإِخْفَاءِ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِمَا لِقُرْبِهِمَا وَمُلَازَمَتِهِمَا، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْجَوْزَقِيِّ: تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ كَأَنَّمَا أَخْفَى يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ، أَوْ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، أَيْ مَلَكُ شِمَالِهِ، أَوْ مَنْ عَلَى شِمَالِهِ مِنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مُجَاوِرُ شِمَالِهِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِشِمَالِهِ نَفْسُهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ، فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ نَفْسُهُ مَا تُنْفِقُ نَفْسُهُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ: لَا يُرَائِي بِصَدَقَتِهِ، وَلَا يَكْتُبُهَا كَاتِبُ الشِّمَالِ.

وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الضَّعِيفِ الْمُكْتَسِبُ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ لِتَرْوِيجِ سِلْعَتِهِ، أَوْ رَفْعِ قِيمَتِهَا، وَاسْتَحْسَنَهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إِنْ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مُرَادُ الْحَدِيثِ خَاصَّةً، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا مِنْ صُوَرِ الصَّدَقَةِ الْخَفِيَّةِ فَمُسَلَّمٌ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ: " «حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» "، قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ

مُسْلِمٍ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا، وَهُوَ مَقْلُوبٌ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الصَّدَقَةِ إِعْطَاؤُهَا بِالْيَمِينِ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ " بَابُ الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ "، قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنَّ الْوَهْمَ فِيهِ مِمَّنْ دُونَ مُسْلِمٍ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا نُوَزِعَ فِيهِ، وَعَارَضَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ دُونَهُ وَلَا مِنْهُ، بَلْ مِنْ شَيْخِهِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو حَامِدِ بْنُ السُّرَاقِيِّ، وَفِي جَزْمِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ يَحْيَى عَلَى الصَّوَابِ، وَأَطَالَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ.

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ: رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْحَدِيدُ، قَالَتْ: فَهَلْ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ النَّارُ، قَالَتْ: فَهَلْ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْمَاءُ، قَالَتْ: فَهَلْ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ الرِّيحُ، قَالَتْ: فَهَلْ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمْ ابْنُ آدَمَ، يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، فَيُخْفِيهَا عَنْ شِمَالِهِ» "، وَذِكْرُ الرَّجُلِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ فَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى مِثْلُهُ، إِلَّا فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَيُمْكِنُ دُخُولُ الْمَرْأَةِ فِي الْإِمَامِ الْعَادِلِ حَيْثُ تَكُونُ رَبَّةَ عِيَالٍ، فَتَعْدِلُ فِيهِمْ وَإِلَّا فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْمُشَارَكَةُ حَاصِلَةٌ لَهُنَّ، حَتَّى الَّذِي دَعَتْهُ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي امْرَأَةٍ دَعَاهَا مَلِكٌ جَمِيلٌ مَثَلًا، فَامْتَنَعَتْ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ مَعَ حَاجَتِهَا، أَوْ شَابٌّ جَمِيلٌ دَعَاهُ مَلِكٌ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ مَثَلًا، فَخَشِيَ أَنْ يَرْتَكِبَ مِنْهُ الْفَاحِشَةَ، فَامْتَنَعَ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ.

وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَوَجَّهَهُ الكِرْمَانِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ: إِنَّ الطَّاعَةَ إِمَّا بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، فَالْأَوَّلُ بِاللِّسَانِ، وَهُوَ الذَّاكِرُ، أَوْ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الْمُعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ بِالْبَدَنِ، وَهُوَ النَّاشِىءُ بِالْعِبَادَةِ.

وَالثَّانِي عَامٌّ وَهُوَ الْعَادِلُ، أَوْ خَاصٌّ بِالْقَلْبِ وَهُوَ التَّحَابُّ، أَوْ بِالْمَالِ وَهُوَ الصَّدَقَةُ، أَوْ بِالْبَدَنِ وَهُوَ الْعِفَّةُ، انْتَهَى.

لَكِنْ دَلَّ اسْتِقْرَاءُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ بَدَلَ " «وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ» "،: «وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مَعَ قَوْمٍ فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَانْكَشَفُوا فَحَمَى آثَارَهُمْ» ، وَفِي لَفْظٍ: أَدْبَارَهُمْ حَتَّى نَجَوْا أَوْ نَجَا أَوِ اسْتُشْهِدَ، قَالَ الْحَافِظُ: حَسَنٌ غَرِيبٌ جِدًّا.

وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، والْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَبْدَلَ الشَّابَّ بِقَوْلِهِ: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فِي صِغَرِهِ، فَهُوَ يَتْلُوهُ فِي كِبَرِهِ» .

وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْقُوفًا، وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ، إِذْ لَا يُقَالُ رَأْيًا، فَقَالَ بَدَلَ الْإِمَامِ وَالشَّابِّ: وَرَجُلٌ يُرَاعِي الشَّمْسَ لِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَرَجُلٌ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَنْ حِلْمٍ.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: «أَرْبَعَةٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ، فَقَدْ عَدَّ الشَّابَّ، وَالْمُتَصَدِّقَ، وَالْإِمَامَ، قَالَ: وَرَجُلٌ تَاجِرٌ اشْتَرَى، وَبَاعَ فَلَمْ يَقُلْ إِلَّا

حَقًّا» ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ عَنْ سُلَيْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» "، وَفِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ عَنْ عُثْمَانَ رَفَعَهُ: " «أَظَلَّ اللَّهُ عَبْدًا فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ تَرَكَ لِغَارِمٍ» "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ شَدَّادٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْمُعْسِرِ أَسْهَلُ مِنَ الْوَضْعِ عَنْهُ فَهِيَ غَيْرُهَا.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «أَظَلَّ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ أَعَانَ أَخْرَقَ» "، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَالْأَخْرَقُ مَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَعَلَّمَ صَنْعَةً.

وَلِأَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ، وَغَيْرِهِمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ لَهُ إِلَّا ظِلُّهُ» "، وَإِعَانَةُ الْغَارِمِ غَيْرُ التَّرْكِ لَهُ ; لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ إِعَانَتِهِ فَهَذِهِ عِشْرُونَ.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ، وَصَحَّحَهُ الضِّيَاءُ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَظَلَّ رَأْسَ غَازٍ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَلِأَبِي الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: " «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْوُضُوءُ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ، وَإِطْعَامُ الْجَائِعِ» "، قَالَ الْحَافِظُ: غَرِيبٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ فِي التَّرْغِيبِ فِي كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَحَادِيثُ قَوِيَّةٌ.

وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ أَطْعَمَ الْجَائِعَ حَتَّى يَشْبَعَ أَظَلَّهُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ» "، وَإِشْبَاعُ الْجَائِعِ أَخَصُّ مِنْ طَلْقِ إِطْعَامِهِ.

وَلِأَبِي الشَّيْخِ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا: " «فَمَنْ لَزِمَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، فَلَا يَذُمُّ إِذَا اشْتَرَى، وَلَا يَحْمَدُ إِذَا بَاعَ، وَلْيَصْدُقِ الْحَدِيثَ، وَيُؤَدِّ الْأَمَانَةَ، وَلَا يَتَمَنَّى لِلْمُؤْمِنِينَ الْغَلَاءَ» "، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَحَدَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الصِّدْقِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهَا خَصْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَهِيَ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنَّ كَلِمَتِي سَبَقَتْ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ أَنْ أُظِلَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِي» "، وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «وَمَنْ كَفَلَ يَتِيمًا أَوْ أَرْمَلَةً، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُ إِلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» "، قَالَ الْحَافِظُ: غَرِيبٌ وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ.

وَلِلْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: " «الْحَزِينُ فِي ظِلِّ اللَّهِ» " غَرِيبٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ.

وَلِابْنِ شَاهِينَ وَغَيْرِهِ عَنِ الصِّدِّيقِ رَفَعَهُ: " «الْوَالِي الْعَادِلُ ظِلُّ اللَّهِ وَرُمْحُهُ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ نَصَحَهُ فِي نَفْسِهِ، وَفِي عِبَادِ اللَّهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ بِظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» "، وَلِأَبِي الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ عَنِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُظِلَّهُ اللَّهُ بِظِلِّهِ، فَلَا يَكُنْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ غَلِيظًا، وَلْيُكَنْ بِالْمُؤْمِنِينَ

رَحِيمًا» "، وَلِابْنِ السُّنِّيِّ، وَالدَّيْلَمِيِّ بِإِسْنَادٍ وَاهٍ عَنِ الصِّدِّيقِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَا: " «قَالَ مُوسَى لِرَبِّهِ: مَا جَزَاءُ مَنْ عَزَّى الثَّكْلَى؟ قَالَ: أُظِلُّهُ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» وَلِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: " بَلَغَنِي أَنَّ مُوسَى قَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ يُظَلُّ تَحْتَ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَعُودُونَ الْمَرْضَى، وَيُشَيِّعُونَ الْهَلْكَى، وَيُعَزُّونَ الثَّكْلَى وَلِأَبِي سَعِيدٍ السُّكَّرِيِّ بِإِسْنَادٍ وَاهٍ جِدًّا عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: " «السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لَهُمْ، قَالَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: شِيعَتُكَ يَا عَلِيُّ وَمَحِبُّوكَ» وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " «قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ مَنْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَنْظُرُونَ بِأَعْيُنِهِمُ الزِّنَى، وَلَا يَبْتَغُونَ فِي أَمْوَالِهِمُ الرِّبَا، وَلَا يَأْخُذُونَ عَلَى أَحْكَامِهِمُ الرِّشَا» قَالَ الْحَافِظُ: غَرِيبٌ لَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مَنِ اتَّفَقَ عَلَى تَرْكِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ الرَّفْعُ ; لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَالتَّيْمِيُّ فِي تَرْغِيبِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ آمِنِينَ، وَالنَّاسُ فِي الْحِسَابِ: رَجُلٌ لَمْ يَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَرَجُلٌ لَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَرَجُلٌ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَا حَرُمَ عَلَيْهِ» "، وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَوَّلَ الْأَنْعَامِ إِلَى وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ نَزَلَ إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ أَعْمَالِهِمْ» " الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: " «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ: امْشِ فِي ظِلِّي» ".

وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «ثَلَاثَةٌ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: وَاصِلُ الرَّحِمِ، وَامْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ أَيْتَامًا صِغَارًا، فَقَالَتْ: لَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى يَمُوتُوا أَوْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ، وَعَبْدٌ صَنَعَ طَعَامًا، فَأَطَابَ صُنْعَهُ، وَأَحْسَنَ نَفَقَتَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ فَأَطْعَمَهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ» وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: " «ثَلَاثَةٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ حَيْثُ تَوَجَّهَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ إِلَى نَفْسِهَا، فَتَرَكَهَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ يُحِبُّ النَّاسَ لِجَلَالِ اللَّهِ فِيهِ» "، مَتْرُوكٌ.

وَرَوَى الْخَطِيبُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ مِمَّنْ يُظَلُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَأَفْرَدَ الْمُؤَذِّنَ عَنْ مُرَاعِي الشَّمْسِ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ مُؤَذِّنًا.

وَالدَّيْلَمِيُّ بِلَا سَنَدٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثٌ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: مَنْ فَرَّجَ عَنْ مَكْرُوبٍ مِنْ أُمَّتِي، وَأَحْيَا سُنَّتِي، وَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ» وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ فِي ظِلِّ اللَّهِ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ» "، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ حَمَلَهُ كَوْنُهُ تَعَلَّمَهُ فِي صِغَرِهِ فَهِيَ غَيْرُ السَّابِقَةِ.

وَلِأَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «إِنَّ الْمَرِيضَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» ".

وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «أَهْلُ الْجُوعِ فِي الدُّنْيَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ يَسْتَظِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: " «يُوضَعُ لِلصَّائِمِينَ مَوَائِدُ مِنْ ذَهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» وَفِي أَمَالِي ابْنِ نَاصِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ

يَوْمًا وَضَعَ اللَّهُ لَهُ مَائِدَةً فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» "، وَهُوَ شَدِيدُ الْوَهَى، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْمَغْرِبِ قَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةَ، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يُحْجَبُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ» "، وَهَذَا مُنْكَرٌ.

وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ» وَالطَّبَرَانِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ» وَلِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ وَهْبٍ: " «قَالَ مُوسَى: إِلَهِي مَنْ ذَكَرَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ؟ قَالَ: أُظِلُّهُ بِظِلِّ عَرْشِي» وَلِابْنِ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى: الَّذِي لَا يَحْسُدُ النَّاسَ، وَلَا يَعُقُّ وَالِدَيْهِ، وَلَا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: " «أَنَّ مُوسَى سَأَلَ اللَّهَ مَنْ تُؤْوِيهِ فِي ظِلِّ عَرْشِكَ؟ قَالَ: هُمُ الطَّاهِرَةُ قُلُوبُهُمُ الْبَرِيَّةُ أَبْدَانُهُمْ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرُوا بِي، وَإِذَا ذُكِرُوا ذُكِرْتُ بِهِمْ، الَّذِينَ يُنِيبُونَ إِلَى ذِكْرِي وَيَغُضُّونَ لِمَحَارِمِي، وَيَكْلَفُونَ بِحُبِّي» زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: " «الَّذِينَ يَعْمُرُونَ مَسَاجِدِي، وَيَسْتَغْفِرُونِي بِالْأَسْحَارِ» وَلِأَبِي نُعَيْمٍ: " «إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى: الَّذِينَ أَذْكُرُهُمْ وَيَذْكُرُونِي فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «يَقُولُ اللَّهُ: قَرِّبُوا أَهْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ ظِلِّ عَرْشِي، فَإِنِّي أُحِبُّهُمْ» وَالْمُرَادُ: خِيَارُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ.

وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: " «الشُّهَدَاءُ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» وَلِأَبِي دَاوُدَ صَحِيحًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ» وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُعَلِّمِينَ، وَأَطِلْ أَعْمَارَهُمْ، وَأَظِلَّهُمْ تَحْتَ ظِلِّكَ، فَإِنَّهُمْ يُعَلِّمُونَ كِتَابَكَ» قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: مَوْضُوعٌ.

وَلِأَبِي الشَّيْخِ، وَالدَّيْلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ، وَالْأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ يُنَادِي أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» وَلِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ عَنِ التَّوْرَاةِ: " مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَاعَتِي، فَلَهُ صُحْبَتِي فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْقَبْرِ، وَفِي الْقِيَامَةِ ظِلِّي وَفِي أَمَالِي ابْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «أَنَا فِي ظِلِّ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَيُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أَنَّهُ يَسِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِوَاءِ الْحَمْدِ وَهُوَ حَامِلُهُ، وَالْحَسَنُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْحُسَيْنُ عَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى يَقِفَ بَيْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: " «أَنَا وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قُبَّةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» "، وَاعْلَمْ أَنَّ عَدَّ نَبِيِّنَا وَإِبْرَاهِيمَ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحُسَيْنِ، لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَصْفِيَاءِ، كَمَا أَنَّ عَدَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ ; لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ أَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ، وَشُهَدَاءِ أُحُدٍ لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الشُّهَدَاءِ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي مُؤَلَّفِهِ قَائِلًا: هَذَا مَا يَسَّرَ اللَّهُ لِيَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فِي

مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحَصْرِ فِيهِ، بَلْ بَابُ الْفَضْلِ مَفْتُوحٌ، وَوَقَفَ بِهَا السُّيُوطِيُّ إِلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ، وَنَظَمَهَا، وَاعْتَرَضَهُ السَّخَاوِيُّ بِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَا لَا تَصْرِيحَ فِيهِ بِالْمُرَادِ مِنْهُ فِي أَحَادِيثِهِ، وَإِنْ أَشْعَرَتْ بِهِ كَالزُّهْدِ، وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ، وَصَالِحِ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَامِ الْمُرْتَضَى لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ أُرِيدَ اسْتِيفَاءُ مَا شَابَهَ ذَلِكَ لَزَادَتْ كَثِيرًا، وَأَطَالَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ، وَقَدْ كُنْتُ لَخَّصْتُ تَأْلِيفَ السَّخَاوِيِّ فِي وُرَيْقَاتٍ، وَنَظَمْتُ هَذِهِ الْخِصَالَ تَذْيِيلًا عَلَى بَيْتِ أَبِي شَامَةَ، وَأَبْيَاتِ الْحَافِظِ فَقُلْتُ:

أَتَى فِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ سَبْعَةٌ ... يُظِلُّهُمُ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِظِلِّهِ

أَشَارَ لَهُمْ نَظْمًا إِمَامُ زَمَانِهِ ... أَبُو شَامَةَ إِذْ قَالَ فِي بَيْتِ وَصْلِهِ

مُحِبٌّ عَفِيفٌ نَاشِىءٌ مُتَصَدِّقٌ ... وَبَاكٍ مُصَلٍّ وَالْإِمَامُ بِعَدْلِهِ

وَزَادَ عَلَيْهِ الْعَسْقَلَانِيُّ بَعْدَهُ ... ثَلَاثًا مِنَ السَّبْعَاتِ نَظْمًا بِقَوْلِهِ

وَزِدْ سَبْعَةً إِظْلَالُ غَازٍ وَعَوْنُهُ ... وَإِنْظَارُ ذِي عُسْرٍ وَتَخْفِيفُ حَمْلِهِ

وَحَامِي غُزَاةٍ حِينَ وَلَّوْا وَعَوْنُ ذِي ... غَرَامَةِ حَقٍّ مَعَ مُكَاتَبِ أَهْلِهِ

وَزِدْ مَعَ ضَعْفٍ سَبْعَتَيْنِ إِعَانَةً ... لَا خَرْقَ مَعَ أَخْذِ الْحَقِّ وَبَذْلِهِ

وَكُرْهُ وُضُوءٍ ثُمَّ مَشْيٌ لِمَسْجِدٍ ... وَتَحْسِينُ خُلْقٍ ثُمَّ مُطْعِمُ فَضْلِهِ

وَكَافِلُ ذِي يُتْمٍ وَأَرْمَلَةٍ وَهَتْ ... وَتَاجِرُ صِدْقٍ فِي الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ

وَحُزْنٌ وَتَصْبِيرٌ وَنُصْحٌ وَرَأْفَةٌ ... تُرَبَّعُ بِهَا السَّبْعَاتُ مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ

وَقَدْ زَادَهَا سِتًّا بِضَعْفٍ وَلَمْ تَقَعْ ... مُنَظَّمَةً مِنْهُ فَخُذْ نَظْمَ جُمَلِهِ

فَحُبُّ عَلِىٍّ ثُمَّ تَرْكُ الرِّشْوَةِ ... زِنًا وَرِبًا حُكْمٌ لِغَيْرٍ كَمِثْلِهِ

وَمِنْ أَوَّلِ الْأَنْعَامِ آيٍ ثَلَاثَةٍ ... عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ غَايَةُ نَفْلِهِ

وَأَوْصَلَهَا الشَّيْخُ السَّخَاوِيُّ أَرْبَعًا ... وَتِسْعِينَ مَعَ ضَعْفٍ لِإِسْنَادِ جُلِّهِ

مُرَاقِبُ شَمْسٍ لِلْمَوَاقِيتِ سَاكِتٌ ... بِحِلْمٍ وَعَنْ عِلْمٍ يَقُولُ وَعَقْلِهِ

وَمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ حَالَةَ صِغَرِهِ ... وَفِي كِبَرٍ يَتْلُو وَحَامِلُ كُلِّهِ

مَرِيضٌ وَتَشْيِيعٌ لِمَيْتٍ عِيَادَةٌ ... شَهِيدٌ وَمَنْ فِي أُحُدٍ فَازَ بِقَتْلِهِ

وَعَلِمَ بِأَنَّ اللَّهَ مَعَهُ وَتَاجِرٌ ... أَمِينٌ بِلَا مَدْحٍ وَذَمٍّ لِرَحْلِهِ

وَمَنْ لَمْ يَمُدَّ الْيَدَ نَحْوَ مُحَرَّمٍ ... عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى غَيْرِ حِلِّهِ

مُحْسِنٌ طَعِمٌ لِلْفَقِيرِ مُصَدِّقٌ ... عَلَى مُعْسِرٍ تَرَكَ الْغَرِيمَ لِعُسْرِهِ

وَكَافِلَةٌ أَيْتَامَهَا بَعْدَ زَوْجِهَا ... وَمُشْبِعُ جُوعٍ ثُمَّ وَاصِلُ أَهْلِهِ

مُحِبُّ الْأَنَاسِيِّ لِلْجَلَالِ مُؤَذِّنٌ ... وَمَنْ لَمْ يَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمًا لِعَدْلِهِ

كَذَا رَحِمٌ ثُمَّ الْأَمَانَةُ بَعْدَهَا ... خِيَارُ ذَوِي التَّوْحِيدِ طَيِّبُ فِعْلِهِ

مُفَرِّجُ كُرَبٍ ثُمَّ مُحْيٍ لِسُنَّةٍ ... مُصَلٍّ عَلَى الْهَادِي كَثِيرًا بِأَجْلِهِ

قِرَانٌ وَأَهْلُ الْجُوعِ خَوْفًا وَصَائِمٌ ... ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ رَجَبِ حَوْلِهِ

وَمَنْ يَقْرَأِ الْإِخْلَاصَ مِنْ بَعْدِ مَغْرِبٍ ... ثَلَاثِينَ فِي ثِنْتَيْنِ مِنْ بَعْدِ نَفْلِهِ

وَأَطْفَالُ ذِي الْإِيمَانِ نَجْلِ نَبِيِّنَا ... وَغَيْرُ حَسُودٍ لَا يَعُقُّ لِأَصْلِهِ

وَطَاهِرُ قَلْبٍ لَيْسَ يَمْشِي نَمِيمَةً ... بَرِيءٌ وَمَكْلُوفٌ بِحُبٍّ لِرَبِّهِ

مُنِيبٌ وَمَذْكُورٌ بِذِكْرِ إِلَهِهِ ... لِحُرْمَتِهِ غَضْبَانُ دَاعٍ لِسُبْلِهِ

وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ لِمُنْكَرٍ ... وَذِكْرٌ بِقَلْبٍ مَعَ لِسَانٍ لِنُبْلِهِ

وَمُسْتَغْفِرُ الْأَسْحَارِ عَمَّارُ مَسْجِدٍ ... كَذَلِكَ سَوَّامٌ مُعَلِّمُ طِفْلِهِ

وَمَنْ يَذْكُرُ الرَّحْمَنَ مَعَ ذِكْرِهِمْ لَهُ ... كَذَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ مَعَ أَهْلِ صَفْوِهِ

خَلِيلُ إِلَهِ الْعَرْشِ فَاطِمَةٌ كَذَا ... عَلِيٌّ وَنَجْلَاهُ وَخَاتَمُ رُسْلِهِ

عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَعَ سَلَامٍ بِهِ نَرَى ... بِحُرْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامِ بِظِلِّهِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ»

قَالَ مَالِكٌ لَا أَحْسِبُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ

ــ

١٧٧٨ - ١٧٣٠ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ) - بِضَمِّ السِّينِ - (ابْنِ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ» ) ، أَيْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَرَادَ بِهِ خَيْرًا وَهَدَاهُ وَوَفَّقَهُ، قَالَ عِيَاضٌ: الْمَحَبَّةُ: الْمَيْلُ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، فَالْمَعْنَى إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ، وَإِيصَالُهُ إِلَيْهِ، انْتَهَى.

فَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ إِلَى صِفَةِ مَعْنًى، هِيَ الْإِرَادَةُ، وَالثَّانِي إِلَى صِفَةِ فِعْلٍ، هِيَ الْإِيصَالُ.

(قَالَ لِجِبْرِيلَ: قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ) أَنْتَ يَا جِبْرِيلُ، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَفَتْحِ

الْمُوَحَّدَةِ، ثَقِيلَةٍ بِإِدْغَامِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ، وَالْأَصْلُ: فَأَحْبِبْهُ.

(فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي) بِأَمْرِ اللَّهِ، إِذْ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يُؤْمَرُونَ (فِي أَهْلِ السَّمَاءِ) ، زَادَ فِي مُسْلِمٍ: فَيَقُولُ: ( «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ» ) ، مَا قَابَلَ الْأَرْضَ، فَالْمُرَادُ: السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا إِعْلَامٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَأَمْرُهُ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِهِ وَتَشْرِيفٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَلَأِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ.

قَالَ عِيَاضٌ: مَحَبَّةُ جِبْرِيلَ، وَالْمَلَائِكَةِ تَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ مِنَ الْمَيْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا ثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ.

(ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولَ) - بِفَتْحِ الْقَافِ -: الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَى، وَمَيْلُ النَّفْسِ (فِي) أَهْلِ (الْأَرْضِ) ، أَيْ يُحْدِثُ لَهُ فِي الْقُلُوبِ مَوَدَّةً، وَيَزْرَعُ لَهُ فِيهَا مَهَابَةً، فَتُحِبُّهُ الْقُلُوبُ، وَتَرْضَى عَنْهُ النُّفُوسُ مِنْ غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنْهُ، وَلَا تَعَرُّضٍ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا مَوَدَّاتِ الْقُلُوبِ مِنْ قَرَابَةٍ، أَوْ صَدَاقَةٍ، أَوِ اصْطِنَاعِ مَعْرُوفٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِرَاعٌ مِنْهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً، تَخْصِيصًا مِنْهُ لِأَوْلِيَائِهِ بِكَرَامَةٍ خَاصَّةٍ، كَمَا يَقْذِفُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ الرُّعْبَ وَالْهَيْبَةَ إِعْظَامًا لَهُمْ، وَإِجْلَالًا لِمَكَانِهِمْ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ يَبْتَدِئُ الْمَحَبَّةَ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: ٩٦] (سورة مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٩٦) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى النَّاسِ، انْتَهَى.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَنْشَأُ عِنْدَهُمْ هَيْبَتُهُ وَإِعْزَازُهُمْ لَهُ: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: ٨] (سورة الْمُنَافِقُونَ: الْآيَةُ ٨) ، قَالَ الْأَبِيُّ: وَلَا يُشْكَلُ عَلَى الْحَدِيثِ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ لَا يَعْرِفُ فَضْلًا عَنْ وَضْعِ الْقَبُولِ لَهُ بِدَلِيلِ خَبَرِ: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ» ; لِأَنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَحَبَّهُ قَدْ يَضَعُ، فَالْقَضِيَّةُ مُهْمَلَةٌ فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ ; لِأَنَّ " إِذَا وَإِنْ " إِهْمَالٌ فِي الشَّرْطِيَّاتِ، لَا كُلِّيَّةٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمَنْطِقِ.

( «وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ» ) ، أَيْ أَرَادَ بِهِ شَرًّا وَأَبْعَدَهُ عَنِ الْهِدَايَةِ،

(قَالَ مَالِكٌ: لَا أَحْسِبُهُ) ، لَا أَظُنُّ سُهَيْلًا (إِلَّا قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ جَمَاعَةٌ لَمْ يَشُكُّوا، مِنْهُمْ: مَعْمَرٌ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْبُغْضَ، انْتَهَى.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ بِسَنَدِهِ فَقَالَ: " «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ» "، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ

الْقَارِيِّ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَالْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبُغْضِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللَّهَ يُحِبُّ عُمَرَ، قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، قَالَ: بِأَبِيكَ! أَنْتَ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ بِدُونِ ذِكْرِ الْبُغْضِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي قَالَ فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ فَقَالَ أَللَّهِ فَقُلْتُ أَللَّهِ فَقَالَ أَللَّهِ فَقُلْتُ أَللَّهِ فَقَالَ أَللَّهِ فَقُلْتُ أَللَّهِ قَالَ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ»

ــ

١٧٧٩ - ١٧٣١ (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ) - بِمُهْمَلَةٍ، وَزَايٍ - سَلَمَةَ (ابْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) ، اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ، ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ (الْخَوْلَانِيِّ) التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ، وُلِدَ عَامَ حُنَيْنٍ، (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ) ، بِكَسْرِ الدَّالِّ، وَفَتْحِ الْمِيمِ بِالشَّامِ، (فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا) ، أَيْ أَبْيَضُ الثَّغْرِ حَسَنُهُ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَثِيرُ التَّبَسُّمِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، وَفِي أُخْرَى: وَضِيءُ الْوَجْهِ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عِشْرُونَ، وَفِي أُخْرَى: ثَلَاثُونَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ فَوْقَ الْعِشْرِينَ وَدُونَ ثَلَاثِينَ.

(إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إِلَيْهِ) ، أَيْ صَعِدُوا إِلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَقِفُونَ عِنْدَ قَوْلِهِ: مَأْخُوذٌ، مِنْ أَسْنَدَ إِلَى الْجَبَلِ إِذَا صَعِدَ فِيهِ، وَفِيهِ لُطْفٌ هُنَا ; لِأَنَّهُ جَبَلُ عِلْمٍ بِنَصِّ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» "، (وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ) ، وَلِقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ: فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ فَقَالَ قَوْلًا، انْتَهَوْا إِلَى قَوْلِهِ.

(فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ) ، أَيِ التَّبْكِيرِ إِلَى كُلِّ صَلَاةٍ، لِحَدِيثِ: " «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» "، وَلَمْ يُرِدِ الْخُرُوجَ فِي الْهَاجِرَةِ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: وَهِيَ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ.

(وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ) ، أَيْ أَتَمَّهَا، (ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ) : جِهَةِ (وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ) لَا

لِغَرَضٍ (فَقَالَ: آللَّهِ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ، وَالْخَفْضِ، (فَقُلْتُ: آللَّهِ، قَالَ) أَبُو إِدْرِيسَ، (فَقَالَ مُعَاذٌ) ثَانِيًا: (آللَّهِ، فَقُلْتُ: آللَّهِ، قَالَ) أَبُو إِدْرِيسَ: (فَأَخَذَ) مُعَاذٌ (بِحُبْوِ رِدَائِي) - بِضَمِّ الْحَاءِ، وَإِسْكَانِ الْبَاءِ - أَيْ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُحْتَبَى بِهِ مِنَ الرِّدَاءِ، فَالْحُبْوَةُ: ضَمُّ السَّاقَيْنِ إِلَى الْبَطْنِ بِثَوْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مَالِكٍ: فَأَخَذَ بِحُبْوَتِي، لَمْ يَقُلْ: رِدَائِي، (فَجَبَذَنِي) ، تَقْدِيمُ الْبَاءِ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ بِمَعْنَى: جَذَبَنِي بِتَقْدِيمِ الذَّالِ، وَلَيْسَتْ مَقْلُوبَةً كَمَا زَعَمَ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ ابْنُ السَّرَّاجِ، فَقَالَ: لَيْسَ أَحَدُهُمَا مَأْخُوذًا مِنَ الْآخَرِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُتَصَرِّفٌ فِي نَفْسِهِ، أَيْ جَرَّنِي وَسَحَبَنِي.

(وَقَالَ: أَبْشِرْ) ، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، ( «فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ» ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ: حَقَّتْ (مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ) ، بِلَفْظِ الْجَمْعِ هُنَا، وَفِيمَا بَعْدَهُ (فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ) ، أَيْ يَتَجَالَسُونَ فِي مَحَبَّتِي بِذِكْرِي، وَكَانَ الْجُنَيْدُ مَشْغُولًا فِي خَلْوَتِهِ، فَإِذَا جَاءَ إِخْوَانُهُ خَرَجَ وَقَعَدَ مَعَهُمْ، وَيَقُولُ: لَوْ أَعْلَمُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ مُجَالَسَتِكُمْ مَا خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ لِمُجَالَسَةِ الْخَوَاصِّ أَثَرًا فِي صَفَاءِ الْحُضُورِ، وَنَشْرِ الْعُلُومِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ.

(وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الَّذِينَ يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ يَبْذُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ نَفْسَهُ، وَمَالَهُ فِي مُهِمَّاتِهِ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ فِي اللَّهِ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ بِبَذْلِ نَفْسِهِ لَيْلَةَ الْغَارِ، وَبَذْلِ مَالِهِ.

(وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ) ، لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَا أُخْرَوِيٍّ.

زَاد الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْمُتَصَادِقِينَ فِيَّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَهَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ، فَتَعَلَّقَتْ بِتَوْحِيدِهِ فَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ بِرُوحِهِ، وَرُوحُ الْجَلَالِ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنْ أَنْ يُوصَفَ، فَإِذَا وَجَدَتْ قُلُوبُهُمْ نَسِيمَ رُوحِ الْجَلَالِ كَادَتْ تَطِيرُ فِي أَمَاكِنِهَا شَوْقًا إِلَيْهِ، فَهُمْ مَحْبُوسُونَ بِهَذَا الْهَيْكَلِ، فَصَارُوا فِي اللِّقَاءِ يَهِشُّ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ائْتِلَافًا، وَتَلَذُّذًا، وَشَوْقًا لِمَحْبُوبِهِمُ الْأَعْظَمِ، فَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ لَهُمُ الْحُبُّ فَفَازُوا بِكَمَالِ الْقُرْبِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، قَالَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ لِقَاءُ أَبِي إِدْرِيسَ لِمُعَاذٍ، وَأَنْكَرَتْهُ طَائِفَةٌ لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ: أَدْرَكْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا وَفَاتَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَلِذَا قَالَ قَوْمٌ وَهِمَ مَالِكٌ، فَأَسْقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ أَبَا مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ، وَزَعَمُوا أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاذٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: غَلِطَ أَبُو حَازِمٍ فِي قَوْلِهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ مُعَاذٍ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ

الصَّامِتِ، وَهَذَا كُلُّهُ تَخَرُّصٌ، وَظَنٌّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَجَاءَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى غَيْرِ أَبِي حَازِمٍ مِنْهُمُ: الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، كِلَاهُمَا عِنْدَ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ، وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: حَدَّثَنِي عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ لَقِيَ مُعَاذًا، وَسَمِعَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ فِي هَذَا عَلَى مَالِكٍ، وَلَا عَلَى أَبِي حَازِمٍ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ: فَاتَنِي مُعَاذٌ، عَلَى فَوَاتِ لُزُومٍ وَطُولِ مُجَالَسَتِهِ، أَوْ فَاتَنِي فِي حَدِيثِ كَذَا، أَوْ مَعْنَى كَذَا، وَلَيْسَ سَمَاعُهُ مِنْهُ بِمُنْكَرٍ، فَإِنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَمَاتَ مُعَاذٌ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ عُبَادَةَ، لِجَوَازِ أَنَّ عُبَادَةَ وَمُعَاذًا وَغَيْرَهُمَا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْقَصْدُ وَالتُّؤَدَةُ وَحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ

ــ

١٧٨٠ - ١٧٣٢ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ) مَوْقُوفًا، وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، إِذْ هُوَ لَا يُقَالُ رَأْيًا.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرَخْسَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (الْقَصْدُ) أَيِ التَّوَسُّطُ فِي الْأُمُورِ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، (وَالتُّؤَدَةُ) ، بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ، وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيِ الرِّفْقُ وَالتَّأَنِّي، (وَحُسْنُ السَّمْتِ) : الْهَيْئَةُ وَالْمَنْظَرُ، وَأَصْلُ السَّمْتِ: الطَّرِيقُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلزِّيِّ الْحَسَنِ، وَالْهَيْئَةِ الْمُثْلَى فِي الْمَلْبَسِ وَغَيْرِهِ، (جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَصِفَاتِهِمُ الَّتِي طُبِعُوا عَلَيْهَا، وَأُمِرُوا بِهَا، وَجُبِلُوا عَلَى الْتِزَامِهَا، قَالَ: وَنَعْتَقِدُ هَذِهِ التَّجْزِئَةَ، وَلَا نَدْرِي وَجْهَهَا، يَعْنِي: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّةِ، فَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ، وَالِاسْتِنْبَاطُ مَسْدُودٌ.

[باب الرُّؤْيَا]

كِتَابُ الرُّؤْيَا

بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ»

ــ

٥٢ - كِتَابُ الرُّؤْيَا

١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا

بِالْقَصْرِ مَصْدَرٌ كَالْبُشْرَى مُخْتَصَّةٌ غَالِبًا بِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ يُرَى مَنَامًا كَذَا قَالَهُ جَمْعٌ.

وَقَالَ آخَرُونَ: الرُّؤْيَا كَالرُّؤْيَةِ جُعِلَتْ أَلِفُ التَّأْنِيثِ فِيهَا مَكَانَ تَاءِ التَّأْنِيثِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ وَالْيَقْظَانُ.

١٧٨١ - ١٧٣٣ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) ، زَيْدٍ (الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ) ، أَيِ الصَّادِقَةُ، أَوِ الْمُبَشِّرَةُ احْتِمَالَانِ لِلْبَاجِيِّ (مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ اتِّفَاقًا، حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْمُرَادُ غَالِبُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ، وَإِلَّا فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الْأَضْغَاثَ، وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ.

(جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) ، مَجَازًا لَا حَقِيقَةً ; لِأَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجُزْءُ النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ نُبُوَّةً، كَمَا أَنَّ جُزْءَ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ صَلَاةً، نَعَمْ إِنْ وَقَعَتْ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً، وَقِيلَ: إِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِهِ، فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهَا، وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا بَاقٍ، وَتُعِقِّبَ بِقَوْلِ مَالِكٍ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حِينَ سُئِلَ: أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ؟ ثُمَّ قَالَ: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقِيَةٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ النُّبُوَّةَ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِلَا عِلْمٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ الرُّؤْيَا بِالنُّبُوَّةِ، وَجُزْءُ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ وَصْفِهِ لَهُ، كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنًا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَفْهُومُهُ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الصَّالِحِ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّهَا كَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَجَ

عَلَى جَوَابِ سَائِلٍ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي مُرْسَلِ عَطَاءٍ الْآتِي: يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ، فَعَمَّ قَوْلُهُ يَرَى الصَّالِحُ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرُّؤْيَا نَوْعٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَلَى ضُرُوبٍ، وَأَنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّ فِيهَا مَا يُعْجِزُ كَالطَّيَرَانِ، وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ، وَذَلِكَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ النُّبُوَّةِ، أَوْ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ ; لِأَنَّ الرَّائِيَ يُخْبِرُ بِعِلْمِ مَا غَابَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَأَشْبَهُ بِالْأُصُولِ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إِلَّا مَلِكٌ، أَوْ نَبِيٌّ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانَهُ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّ فِيهَا اطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ مَا، وَأَمَّا تَفْصِيلُ النِّسْبَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ مِمَّا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَالِمَ أَنْ يَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ جُمْلَةً، وَتَفْصِيلًا، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْعَالِمِ حَدًّا يَقِفُ عِنْدَهُ، فَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ الْمُرَادُ بِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَمِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا، وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ السَّفَاقُسِيِّ: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ فِي الْمَنَامِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَقَظَةً بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ، وَنِسْبَتُهَا إِلَى الْوَحْيِ فِي الْمَنَامِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا بَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَبْقَى حَدِيثُ سَبْعِينَ جُزْءًا لَا مَعْنَى لَهُ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا تَحْتَمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ، وَالْعَدَدِ، فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ خَبَرًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ أَثَرًا، وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ فِيهِ خَبَرًا، فَكَأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَأَيَّامِ الصِّيَامِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إِلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي مُوجِبِ اعْتِقَادِنَا لِلِزُومِهَا، قَالَ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، لَكِنَّهُ يَلْحَقُ بِهَا سَائِرُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي أُوحِيَ إِلَيْهِ فِيهَا مَنَامًا فِي طُولِ الْمُدَّةِ، كَرُؤْيَا أُحُدٍ وَدُخُولِ مَكَّةَ، فَتُلَفَّقُ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةٌ أُخْرَى تُزَادُ فِي الْحِسَابِ، فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا.

وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ، وَحْيُ الْمَنَامِ الْمُتَابِعُ، فَمَا وَقَعَ فِي غُضُونِ وَحْيِ الْيَقَظَةِ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَحْيِ الْيَقَظَةِ، فَهُوَ مَغْمُورٌ فِي جَانِبِ وَحْيِهَا فَلَمْ تُعْتَبَرْ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرُوا مُنَاسَبَاتٍ غَيْرَ ذَلِكَ يَطُولُ ذِكْرُهَا.

وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ "، وَلَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا "، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ: " مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ "، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.

وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: " جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ "، وَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ "، وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي رَزِينٍ: " جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ "، وَلِابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عُبَادَةَ:

" جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ "، وَابْنِ النَّجَّارِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ "، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: وَفِي رِوَايَةِ عُبَادَةَ: " مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ "، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا، فَالْجُمْلَةُ عَشْرُ رِوَايَاتٍ، وَالْمَشْهُورُ " سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ "، وَهُوَ مَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنِ اخْتِلَافِ الْأَعْدَادِ بِأَنَّهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّثَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ لَمَّا أَكْمَلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ مَجِيءِ الْوَحْيِ إِلَيْهِ، حَدَّثَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ وَقْتَ الْهِجْرَةِ، وَلَمَّا أَكْمَلَ عِشْرِينَ حَدَّثَ بِأَرْبَعِينَ، وَلَمَّا أَكْمَلَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، حَدَّثَ بِأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ بَعْدَهَا بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ حَدَّثَ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فَضَعِيفٌ.

وَرِوَايَةُ خَمْسِينَ يُحْتَمَلُ جَبْرُ الْكَسْرِ وَالسَبْعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَعَبَّرَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَ الرِّسَالَةِ لِأَنَّهَا تَزِيدُ بِالتَّبْلِيغِ بِخِلَافِ النُّبُوَّةِ، فَاطِّلَاعٌ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَا، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِلْكَافِرِ مِنْهَا نَصِيبٌ كَرُؤْيَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ، وَرُؤْيَا مَلِكِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ جَالِينُوسَ عَرَضَ لَهُ وَرَمٌ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَتَّصِلُ مِنْهُ بِالْحِجَابِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ فِي الْمَنَامِ بِفَصْدِ الْعِرْقِ الضَّارِبِ مِنْ كَفِّهِ الْيُسْرَى فَبَرَأَ.

بِأَنَّ الْكَافِرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لَهَا، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرَى مَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِخَيْرِ دُنْيَاهُ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا، ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي الرُّؤْيَا ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: الْأَنْبِيَاءُ وَرُؤْيَاهُمْ كُلُّهَا صِدْقٌ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ.

وَالصَّالِحُونَ، وَالْغَالِبُ عَلَى رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَمَا عَدَاهُمْ يَقَعُ فِي رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ.

وَالْأَضْغَاثُ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ مَسْتُورُونَ، فَالْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْحَالِ فِي حَقِّهِمْ، وَفَسَقَةٌ وَالْغَالِبُ عَلَى رُؤْيَاهُمُ الْأَضْغَاثُ وَيَقِلُّ فِيهَا الصِّدْقُ، وَكُفَّارٌ وَيَنْدُرُ فِيهَا الصِّدْقُ جِدًّا.

وَيُرْشِدُ لِذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: " «وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا» "، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ

ــ

١٧٨١ - ١٧٣٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ) ، الَّذِي رَوَاهُ إِسْحَاقُ عَنْ أَنَسٍ، وَالْحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ جَاءَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا وَيَقُولُ لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ»

ــ

١٧٨٢ - ١٧٣٥ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ زُفَرَ) ، بِضَمِّ الزَّايِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ، (ابْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ) ، وَهُمَا ثِقَتَانِ مَدَنِيَّانِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا أَعْلَمُ لِزُفَرَ وَلَا لِأَبِيهِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ

وَفِي رِوَايَةِ مَعْنٍ عَنْ زُفَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْقَاطٍ عَنْ أَبِيهِ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ كَمَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) - بِالْمُعْجَمَةِ - أَيِ الصُّبْحِ (يَقُولُ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ: " فَنَقُصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقَصَّ ".

وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: " أَنَّهُ أَقَامَ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَرَكَ السُّؤَالَ، فَكَانَ يَعْبُرُ لِمَنْ قَصَّ مُتَبَرِّعًا "، قِيلَ: سَبَبُ تَرْكِهِ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ، وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أَنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ فَرَأَيْنَا الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

قَالُوا: فَمِنْ حِينَئِذٍ لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا إِيثَارًا لِسَتْرِ الْعَوَاقِبِ، وَإِخْفَاءِ الْمَرَاتِبِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا كَاشِفَةً لِمَنَازِلِهِمْ، مُبَيِّنَةً لِفَضْلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي التَّعْيِينِ، خَشِيَ أَنْ يَتَوَاتَرَ وَيَتَوَالَى مَا هُوَ أَبْلَغُ فِي الْكَشْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلِلَّهِ فِي سَتْرِ خَلْقِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَمَشِيئَةٌ نَافِذَةٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

(وَيَقُولُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ) أَلْ عَهْدِيَّةٌ، أَيْ نُبُوَّتِهِ، (إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ، أَيِ الْحَسَنَةُ، أَوِ الصَّادِقَةُ الْمُنْتَظِمَةُ الْوَاقِعَةُ عَلَى شُرُوطِهَا الصَّحِيحَةِ، وَهِيَ مَا فِيهِ بِشَارَةٌ، أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى غَفْلَةٍ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الصَّالِحَةُ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلرُّؤْيَا لِأَنَّ غَيْرَهَا يُسَمَّى بِالْحُلْمِ، أَوْ مُخَصِّصَةٌ وَالصَّلَاحُ بِاعْتِبَارِ صَوْتِهَا، أَوْ تَعْبِيرِهَا، وَفِيهِ نَدْبُ التَّعْبِيرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَرُدُّ قَوْلَ بَعْضِ أَهْلِ التَّعْبِيرِ: الْمُسْتَحَبُّ أَنَّهُ مِنْ طُلُوعِهَا إِلَى الرَّابِعَةِ، وَمِنَ الْعَصْرِ إِلَى قُرْبِ الْمَغْرِبِ.

وَرَدٌّ عَلَى مَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِهِمْ، قَالَ: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى امْرَأَةٍ، وَلَا تُخْبِرْ بِهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ لِحِفْظِ صَاحِبِهَا لَهَا، لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِهَا قَبْلَ مَا يَعْرِضُ لَهُ نِسْيَانُهَا، وَلِحُضُورِ ذِهْنِ الْعَابِرِ، وَقِلَّةِ شُغْلِهِ بِالْفِكْرَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعَاشِهِ، وَلِيَعْرِفَ الرَّائِي مَا يَعْرِضُ لَهُ بِسَبَبِ رُؤْيَاهُ فَيَسْتَبْشِرَ

بِالْخَيْرِ وَيَحْذَرَ مِنَ الشَّرِّ وَيَتَأَهَّب لِذَلِكَ، فَرُبَّمَا كَانَ فِيهَا تَحْذِيرٌ مِنْ مَعْصِيَةٍ فَيَكُفُّ عَنْهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ إِنْذَارًا لِأَمْرٍ فَيَكُونُ لَهُ مُتَرَقِّبًا، قَالَ: فَهَذِهِ عِدَّةُ فَوَائِدَ لِتَعْبِيرِهَا أَوَّلَ النَّهَارِ اه.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ فَقَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ»

ــ

١٧٨٣ - ١٧٣٦ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مُرْسَلٌ، وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ» ) - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ - جَمْعُ مُبَشِّرَةٍ، اسْمُ فَاعِلٍ لِلْمُؤَنَّثِ مِنَ الْبِشْرِ، وَهُوَ إِدْخَالُ السُّرُورِ، وَالْفَرَحِ عَلَى الْمُبَشَّرِ بِالْفَتْحِ، وَلَيْسَ جَمْعَ الْبُشْرَى لِأَنَّهَا اسْمٌ بِمَعْنَى الْبِشَارَةِ.

وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: " لَمْ " الَّتِي تَقْلِبُ الْمُضَارِعَ إِلَى الْمُضِيِّ بَدَلَ لَنْ، لَكِنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُضِيِّ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ.

قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: الْمَقَامُ مُقْتَضٍ لِلنَّفْيِ بِلَنْ لِدَلَالَتِهَا عَلَى النَّفْيِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، يَعْنِي أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ اه.

وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ، وَاللَّامُ عَهْدِيَّةٌ وَالْمُرَادُ: نُبُوَّتُهُ، أَيْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَفْظُهُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَشَفَ السِّتَارَةَ وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلَفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» "، وَلِلنَّسَائِيِّ أَنَّهُ: " «لَيْسَ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» "، وَهَذَا يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ.

وَلِأَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «أَنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، وَلَا نَبِيَّ وَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَكِنْ بَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ "، (فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ) بِنَفْسِهِ، (أَوْ تُرَى لَهُ) » - بِضَمِّ التَّاءِ - أَيْ يَرَاهَا لَهُ غَيْرُهُ، (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) ، ظَاهِرُ هَذَا مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الرُّؤْيَا نُبُوَّةٌ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ أَمْرِ الرُّؤْيَا بِالنُّبُوَّةِ ; لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ وَصْفِهِ كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنًا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَذَّنَ وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَذَانِ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَائِمٌ، لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ كُرْزٍ - بِضَمِّ الْكَافِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ - الْكَعْبِيَّةِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ» "، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا

حَاصِلُهُ: التَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ مَخْرِجَ الْأَغْلَبِ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ، لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْإِلْهَامُ، فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ، وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا، وَيَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى مُحَدَّثُونَ، وَفُسِّرَ الْمُحَدَّثُ - بِفَتْحِ الدَّالِّ - بِالْمُلْهَمِ - بِفَتْحِ الْهَاءِ - وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا.

وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَصْرَ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَلُ آحَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ، فَيَخْتَصُّ بِالْبَعْضِ، وَمَعَ اخْتِصَاصِهِ فَإِنَّهُ نَادِرٌ، فَإِنَّمَا ذُكِرَ الْمَنَامُ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» "، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي نَدُورِ الْإِلْهَامِ فِي زَمَنِهِ، وَكَثْرَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ غَلَبَةُ الْوَحْيِ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَقَظَةِ، وَإِرَادَةُ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ مِنْهُ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَقَعَ لِغَيْرِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْقَطَعَ الْوَحْيُ بِمَوْتِهِ وَقَعَ الْإِلْهَامُ لِمَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ لِلْأَمْنِ مِنَ اللَّبْسِ فِي ذَلِكَ، وَفِي إِنْكَارِ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِ وَاشْتِهَارِهِ، مُكَابَرَةٌ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ، قَالَهُ الْحَافِظُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَقُولُ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْتُ أُبَالِيهَا

ــ

١٧٨٤ - ١٧٣٧ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ عَوْفٍ: (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) الْحَارِثَ، أَوِ النُّعْمَانَ، أَوْ عَمْرَو (بْنَ رِبْعِيٍّ) ، بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَتَحْتِيَّةٍ الْأَنْصَارِيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) الْمُنْتَظِمَةُ الْوَاقِعَةُ عَلَى شُرُوطِهَا الصَّحِيحَةِ، وَهِيَ مَا فِيهَا بِشَارَةٌ، أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى غَفْلَةٍ.

وَقَالَ الكِرْمَانِيُّ: الصَّالِحَةُ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ ; لِأَنَّ غَيْرَهَا يُسَمَّى بِالْحُلْمِ، أَوْ مُخَصِّصَةٌ وَالصَّلَاحُ بِاعْتِبَارِ صُورَتِهَا أَوْ تَعْبِيرِهَا.

وَقَالَ عِيَاضٌ تَبَعًا لِلْبَاجِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى الصَّالِحَةِ وَالْحَسَنَةِ حُسْنُ ظَاهِرِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ صِحَّتُهَا، (مِنَ اللَّهِ) ، أَيْ بُشْرَى وَتَحْذِيرٌ وَإِنْذَارٌ.

(وَالْحُلْمُ) ، بِضَمِّ الْحَاءِ، وَسُكُونِ اللَّامِ أَوْ ضَمِّهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا: الرُّؤْيَةُ حَسَنَةٌ، أَوْ مَكْرُوهَةٌ، وَهِيَ الْمُرَادُ هُنَا.

قَالَ عِيَاضٌ: وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ سُوءَ التَّأْوِيلِ (مِنَ الشَّيْطَانِ) ، أَيْ مِنْ إِلْقَائِهِ يُخَوِّفُ وَيُحْزِنُ الْإِنْسَانَ بِهَا، قَالَ عِيَاضٌ: إِضَافَةٌ أَيْ نِسْبَةُ الرُّؤْيَا إِلَى اللَّهِ إِضَافَةُ تَكْرِيمٍ وَتَشْرِيفٍ لِطَهَارَتِهَا مِنْ حُضُورِ الشَّيْطَانِ، وَإِفْسَادِهِ لَهَا، وَسَلَامَتِهَا مِنَ الْأَضْغَاثِ، أَيِ التَّخْلِيطِ، وَجَمْعِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهَةِ، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِإِرَادَتِهِ، وَلَا فِعْلَ

لِلشَّيْطَانِ فِيهَا لَكِنَّهُ يَحْضُرُهَا وَيَرْتَضِيهَا وَيُسَرُّ بِهَا فَلِذَا نُسِبَتْ إِلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ عَلَى طَبْعِهِ مِنَ التَّحْذِيرِ، وَالْكَرَاهَةِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّهَا تُوَافِقُهُ وَيَسْتَحْسِنُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ شُغْلِ بَالِ الْمُسْلِمِ وَتَضَرُّرِهِ بِهَا.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالتَّحْذِيرُ وَإِنْ كَانَ غَالِبًا مِنَ الشَّيْطَانِ فَقَدْ يَكُونُ فِي الصَّالِحَةِ إِنْذَارٌ مِنَ اللَّهِ، وَاعْتِنَاءٌ مِنْهُ بِعَبْدِهِ لِئَلَّا يَفْجَأَهُ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ وَأُهْبَةٍ، كَمَا أَنَّ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا أَضْغَاثٌ نَادِرَةُ الْعَوَارِضِ مِنْ وَسْوَسَةِ نَفْسٍ، وَحَدِيثِهَا، أَوْ غَلَبَةِ خَاطِرٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الرُّؤْيَا وَالْحُلْمُ وَاحِدٌ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ خَصَّ الْخَيْرَ بِاسْمِ الرُّؤْيَا، وَالشَّرَّ بِاسْمِ الْحُلْمِ.

وَقَالَ التُّورِبِشَتِيُّ: الْحُلْمُ عِنْدَ الْعَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الرُّؤْيَا، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُعْطَهَا بَلِيغٌ، وَلَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهَا حَكِيمٌ، بَلْ سَنَّهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.

كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُسَمِّيَ مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الشَّيْطَانِ بِاسْمٍ وَاحِدٍ، فَجَعَلَ الْحُلْمَ عِبَارَةً عَمَّا كَانَ مِنَ الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ إِلَّا فِيمَا يُخَيَّلُ لِلْحَالِمِ فِي نَوْمِهِ مِنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ.

(فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ) - بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا - طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا (عَنْ يَسَارِهِ) ، لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا، (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) لِلتَّأْكِيدِ.

وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ: " فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ "، وَفِي أُخْرَى: " فَلْيَتْفُلْ "، قَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ فِي التَّفْلِ وَالنَّفْثِ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَلَا يَكُونَانِ إِلَّا بِرِيقٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي التُّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ، وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ وَقِيلَ: عَكْسُهُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فَلْيَنْفُثْ، وَهُوَ النَّفْخُ اللَّطِيفُ بِلَا رِيقٍ، فَيَكُونُ التَّفْلُ وَالْبَصْقُ مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ طَرْدُ الشَّيْطَانِ، وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ كَمَا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ عِيَاضٍ كَمَا مَرَّ، فَالَّذِي يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ الْحَمْلُ عَلَى التَّفْلِ، فَإِنَّهُ نَفْخٌ مَعَهُ رِيقٌ لَطِيفٌ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى النَّفْخِ قِيلَ لَهُ: نَفْثٌ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى التَّفْلِ قِيلَ لَهُ: بَصْقٌ، (إِذَا اسْتَيْقَظَ) مِنْ نَوْمِهِ، (وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ: " وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ "، قَالَ الْحَافِظُ: وَرَدَ فِي صِفَةِ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الرُّؤْيَا أَثَرٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: " «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُلْ إِذَا اسْتَيْقَظَ: أَعُوذُ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ مِنْ شَرِّ رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنْ يُصِيبَنِي فِيهَا مَا أَكْرَهُ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ» "، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَسَيِّئَاتِ الْأَحْلَامِ» "، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، زَادَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: " وَلَا

يُحَدِّثُ بِهَا أَحَدًا وَزَادَ مُسْلِمُ عَنْ جَابِرٍ: " وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَزَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ (فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ; لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَا ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ الْمُتَرَقَّبِ مِنَ الرُّؤْيَا، كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ، وَأَنَّهَا تَدْفَعُ الْبَلَاءَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مُصَدِّقًا مُتَّكِلًا عَلَى اللَّهِ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ.

وَأَمَّا التَّحَوُّلُ فَلِلتَّفَاؤُلِ بِتَحَوُّلِ تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا وَيَعْمَلَ بِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا أَجْزَأَتْهُ فِي دَفْعِ ضَرَرِهَا، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ أَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ كَافِيَةٌ فِي دَفْعِ شَرِّهَا، انْتَهَى.

وَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ، وَبَصَقَ وَنَفَثَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ، وَاسْتَعَاذَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فِي أَقْرَبِ الْأَحْوَالِ إِلَيْهِ، فَيَكْفِيهِ اللَّهُ شَرَّهَا.

وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ: " وَلَا يَقْرُبُكَ شَيْطَانٌ فَمُتَّجِهٌ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صِلَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ.

وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ: " فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ وَفِي التِّرْمِذِيِّ: " لَا يُحَدِّثُ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا "، أَيْ لِأَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهَا مَنْ لَا يُحِبُّ قَدْ يُفَسِّرُهَا بِمَا لَا يُحِبُّ، إِمَّا بُغْضًا، وَإِمَّا حَسَدًا، فَقَدْ يَقَعُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، أَوْ يَتَعَجَّلُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حُزْنًا وَنَكَدًا، فَأُمِرَ بِتَرْكِ تَحْدِيثِ مَنْ لَا يُحِبُّ لِسَبَبِ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: " «الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ» "، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ رَفَعَهُ: " «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلٍ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ» قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ الْعَابِرُ الْأَوَّلُ عَالِمًا، فَعَبَرَ وَأَصَابَ وَجْهَ التَّعْبِيرِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَصَابَ بَعْدَهُ، إِذْ لَيْسَ الْمَدَارُ إِلَّا عَلَى إِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي تَعْبِيرِ الْمَنَامِ، لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا ضَرَبَ مِنَ الْمَثَلِ، فَإِذَا أَصَابَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فَلْيُسْأَلِ الثَّانِيَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ، وَيَبَيِّنَ مَا جَهِلَ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ بَحْثٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ.

(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (إِنْ كُنْتُ لَأَرَى) - بِاللَّامِ - (الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنَ الْجَبَلِ) - بِالْجِيمِ - وَاحِدُ الْجِبَالِ، (فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ) مِنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَجَوَابُ لَمَّا مَحْذُوفٌ، أَيْ خَفَّ عَلَيَّ مَا أَرَاهُ، (فَمَا كُنْتُ أُبَالِيهَا) ، أَيْ لَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَلَا أُلْقِي لَهَا بَالًا.

وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا

كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فَذَكَرَهُ.

وَتَابَعَ مَالِكًا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ أَخُوهُ عَبْدُ رَبِّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، كُلُّ ذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، نَحْوَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ {لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] قَالَ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ

ــ

١٧٨٥ - ١٧٣٨ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] ) (سورة يُونُسَ: الْآيَةَ: ٦٤) ، بِالْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ، (قَالَ: هِيَ) ، أَيِ الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا، (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ) ، وَهَذَا قَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ "، وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّهُ قَالَ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، أَوْ أَحَدٌ قَبْلَكَ تِلْكَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ» "، وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: ٦٤] الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يُسَرُّ بِهَا الْمُؤْمِنُ "، وَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٤] قَالَ: هِيَ فِي الدُّنْيَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْعَبْدُ، أَوْ تُرَى لَهُ وَفِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ» ".

[فِي النَّرْدِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّرْدِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»

ــ

٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّرْدِ

بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مَعْنَاهُ بِلُغَةِ الْفُرْسِ: حُلْوٌ، وَيُسَمَّى الْكِعَابَ وَالْأَرِقَ والنَّرْدَشِيرَ، قِيلَ: إِنَّ الْأَوَائِلَ لَمَّا نَظَرُوا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَجَدُوهَا عَلَى أُسْلُوبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يَجْرِي بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ، فَوَضَعُوا لَهُ النَّرْدَ لِتَشْعُرَ النَّفْسُ بِهِ.

وَالثَّانِي: مَا يَجْرِي بِحُكْمِ السَّعْيِ، وَالتَّحَيُّلِ، فَوَضَعُوا لَهُ الشَّطْرَنْجَ، لِتَشْعُرَ النَّفْسُ بِذَلِكَ، وَتَنْهَضَ الْخَوَاطِرُ إِلَى عَمَلِ مِثْلِهِ مِنَ الْمَطْلُوبَاتِ، وَيُقَالُ: إِنَّ وَاضِعَ النَّرْدِ وَضَعَهُ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِ الْجَبْرِ، وَوَاضِعَ الشَّطْرَنْجِ وَضَعَهُ عَلَى رَأْيِ الْقَدَرِيَّةِ.

١٧٨٦ - ١٧٣٩ - (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ) الدِّيلِيِّ - بِكَسْرِ الدَّالِّ، وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ - مَوْلَاهُمْ أَبِي عُرْوَةَ الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ، أَثْنَى عَلَيْهِ مَالِكٌ وَوَصَفَهُ بِالْفَضْلِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.

(عَنْ سَعِيدِ) - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - (ابْنِ أَبِي هِنْدٍ) الْفَزَارِيِّ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا.

(عَنْ أَبِي مُوسَى) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ (الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ) - بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ - قِطَعٌ مُلَوَّنَةٌ مِنْ خَشَبِ الْبَقْسِ، وَعَظْمِ الْفِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهَ) ; لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ، وَالْبَغْضَاءَ، وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَيَشْغَلُ الْقَلْبَ، فَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِهِ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ، بَلْ حَكَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ وَنُوزِعَ.

وَقِيلَ: سَبَبُ حُرْمَتِهِ أَنَّ وَاضِعَهُ سَابُورُ بْنُ أَرْدَشِيرَ أَوَّلُ مُلُوكِ سَاسَانَ، شَبَّهَ رُقْعَتَهُ بِوَجْهِ الْأَرْضِ، وَالتَّقْسِيمَ الرُّبَاعِيَّ بِالْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَالشُّخُوصَ الثَلَاثِينَ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَالسَّوَادَ وَالْبَيَاضَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْبُيُوتَ الِاثْنَيْ عَشَرَ بِشُهُورِ السَّنَةِ، وَالْكِعَابَ الثَّلَاثَةَ بِالْأَقْضِيَةِ السَّمَاوِيَّةِ فِي مَا لِلْإِنْسَانِ وَعَلَيْهِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَالْخِصَالَ بِالْأَغْرَاضِ الَّتِي يَسْعَى الْإِنْسَانُ لِأَجْلِهَا، وَاللَّعِبَ بِهَا بِالْكَسْبِ، فَصَارَ مَنْ يَلْعَبُ بِهِ حَقِيقًا بِالْوَعِيدِ لِاجْتِهَادِهِ فِي إِحْيَاءِ سُنَّةِ الْمَجُوسِ الْمُسْتَكْبِرَةِ عَلَى اللَّهِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ.

وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لِمُسْلِمٍ.

إِنَّمَا رُوِيَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» "، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ فِي حَالِ أَكْلِهِ مِنْهُ، فَشَبَّهَ اللَّعِبَ بِتَحْرِيمِ أَكْلِهِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَذْكِيَتِهِ، وَهِيَ حَرَامٌ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِهِ، وَهُوَ نَصُّ حَدِيثِ مَالِكٍ: " فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ".

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ فِي دَارِهَا كَانُوا سُكَّانًا فِيهَا وَعِنْدَهُمْ نَرْدٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجُوهَا لَأُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ دَارِي وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ

ــ

١٧٨٦ - ١٧٤٠ - (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) الْعَلَّامَةِ الثِّقَةِ (عَنْ أُمِّهِ) مَرْجَانَةَ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ، مَقْبُولَةٌ (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ فِي دَارِهَا كَانُوا سُكَّانًا فِيهَا، وَعِنْدَهُمْ نَرْدٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجُوهَا) ، أَيِ النَّرْدَ، (لَأُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ دَارِي، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ) ; لِأَنَّهُ حَرَامٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ضَرَبَهُ وَكَسَرَهَا

قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ لَا خَيْرَ فِي الشَّطْرَنْجِ وَكَرِهَهَا وَسَمِعْتُهُ يَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْبَاطِلِ وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: ٣٢]

ــ

١٧٨٧ - ١٧٤١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ضَرَبَهُ) ، تَعْزِيرًا عَلَى فِعْلِهِ الْحَرَامِ (وَكَسَرَهَا) ، لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى اللَّعِبِ بِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ.

(قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي الشَّطْرَنْجِ) ، بِكَسْرِ السِّينِ، وَفَتْحِهَا مَعَ الْإِعْجَامِ وَالْإِهْمَالِ، أَرْبَعُ لُغَاتٍ حَكَاهَا ابْنُ مَالِكٍ، فَالْإِعْجَامُ مِنَ الْمُشَاطَرَةِ، كَأَنَّ كُلَّ لَاعِبٍ لَهُ شَطْرٌ مِنَ الْقِطَعِ، وَالْإِهْمَالِ مِنْ تَسْطِيرِ الرُّقْعَةِ بُيُوتًا عِنْدَ التَّعْبِيَةِ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ بَرِّيٍّ بِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْأَعْجَمِيَّةَ لَا تُشْتَقُّ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِأَنَّهَا خُمَاسِيَّةٌ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الشَّطْرِ يُوجِبُ أَنَّهَا ثُلَاثِيَّةٌ، فَتَكُونُ النُّونُ وَالْجِيمُ زَائِدَتَيْنِ، وَهَذَا بَيِّنُ الْفَسَادِ.

(وَكَرِهَهَا) تَحْرِيمًا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَنُوزِعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي إِبْقَاءِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّنْزِيهِ.

(وَسَمِعْتُهُ يَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا مِنَ الْبَاطِلِ، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ) اسْتِدْلَالًا: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: ٣٢] ، اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، أَيْ لَيْسَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ، فَمَنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ وَقَعَ فِي الضَّلَالِ.

وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ الشَّطْرَنْجِ، وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.

وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: فَمَنْ نَقَلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ فَهُوَ غَالِطٌ، فَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ يَنْقُلُ أَقْوَالًا بِلَا إِسْنَادٍ، وَإِجْمَاعُهُمْ كَافٍ فِي الْحُجَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا ضَعْفٌ وَإِرْسَالٌ، فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ وَالِاعْتِبَارِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ الطُّرُقِ وَاشْتِهَارِهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا صَالِحًا فَهُوَ حُجَّةٌ بِانْفِرَادِهِ، وَمَا كَانَ مُعَلَّلًا فَإِنَّهُ يَقْوَى بِتَعَدُّدٍ طُرُقِهِ، وَتَغَايُرِ شُيُوخِ مُرْسِلِهِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى النَّرْدِ بِجَامِعِ الضِّدِّ، بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُهُمَا شَرٌّ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِفْسَادِ الْقُلُوبِ مِنَ النَّرْدِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى فِكْرٍ، وَتَقْدِيرٍ وَحِسَابِ النَّقَلَاتِ قَبْلَ النَّقْلِ، بِخِلَافِ النَّرْدِ يَلْعَبُ صَاحِبُهُ ثُمَّ يَحْسِبُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى كَرَاهَتِهِ تَنْزِيهًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ، مَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا، وَتُعْتَبَرْ بِالْعُرْفِ، وَلَمْ يَلْعَبْ مَعَ مُعْتَقِدِ تَحْرِيمِهِ، أَوْ يَكُنْ عَلَى شَكْلِ الْحَيَوَانِ، أَوْ يَهْذِي عَلَيْهَا، بَلْ حَفِظَ اللِّسَانَ عَنِ الْخَنَا، وَالْفُحْشِ، وَالسَّفَهِ، وَمَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ قِمَارٌ، وَلَمْ يَلْعَبْهُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَلَمْ يُؤَخِّرْ بِهِ صَلَاةً، وَإِلَّا حُرِّمَ فِي الْجَمِيعِ، زَادَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَمَا لَمْ يَلْعَبْهُ مَعَ الْأَرَاذِلِ، وَلَمْ يُؤْثِرْ نَحْوَ حِقْدٍ، أَوْ ضَغِينَةٍ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى إِشَارَةٍ لِلَّفْظِ لَا يُرْضِي.

[باب السلام] [الْعَمَلِ فِي السَّلَامِ]

كِتَابُ السَّلَامِ

بَابُ الْعَمَلِ فِي السَّلَامِ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَإِذَا سَلَّمَ مِنْ الْقَوْمِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ»

ــ

٥٣ - كِتَابُ السَّلَامِ

١ - بَابُ الْعَمَلِ فِي السَّلَامِ

١٧٨٨ - ١٧٤٢ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مُرْسَلٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُسَلِّمُ) ، أَيْ لِيُسَلِّمْ (الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي) ، أَيْ يَبْدَؤُهُ بِالسَّلَامِ لِئَلَّا يَتَكَبَّرَ بِرُكُوبِهِ، فَيَرْجِعَ إِلَى التَّوَاضُعِ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّ لِلرَّاكِبِ مَزِيَّةً عَلَى الْمَاشِي فَعُوِّضَ أَنْ يَبْدَأَهُ الرَّاكِبُ احْتِفَاظًا عَلَيْهِ مِنَ الزَّهْوِ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ وَضْعَ السَّلَامِ إِنَّمَا هُوَ لِحِكْمَةِ إِزَالَةِ الْخَوْفِ مِنَ الْمُلْتَقِيَيْنِ، إِذَا الْتَقَيَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِمَعْنَى التَّوَاضُعِ الْمُنَاسِبِ لِحَالِ الْمُؤْمِنِ، أَوْ لِلتَّعْظِيمِ ; لِأَنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا اكْتِسَابُ وُدٍّ، أَوِ اسْتِدْفَاعُ مَكْرُوهٍ، وَهَذَا مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا بِزِيَادَةِ: " وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ ".

(وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ) الرَّاكِبِينَ، أَوِ الْمَاشِينَ، أَوِ الْقَلِيلِينَ، أَوِ الصِّغَارِ (وَاحِدٌ) مِنْهُمْ (أَجْزَأَ عَنْهُمْ) فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ فَهُوَ أَصْلٌ لِلْإِجْمَاعِ، عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالسَّلَامِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ إِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ، كَفَى.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمُرَادُ بِالسَّلَامِ هُنَا الرَّدُّ ; لِأَنَّ الرَّادَّ مُسْلِمٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: أَجَزَأَ فِيمَا وَاجِبٌ، وَالِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ، وَالرَّدُّ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا فِيهِمَا، فَبَطَلَ تَأْوِيلُ الطَّحَاوِيِّ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ ابْتَدَأَ السَّلَامَ نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ أَنَّ رَدَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «يُجْزِئُ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرَّتْ أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْقُعُودِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» "، فَسَوَّى بَيْنَ الِابْتِدَاءِ، وَالرَّدِّ أَنَّهُمَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ لَا مُعَارِضَ لَهُ.

وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ الرَّدَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَشَبَّهَهُ الشَّافِعِيُّ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، والتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَالْجِهَادِ، وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَمَعْنَى إِجْزَائِهِ فِي الِابْتِدَاءِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ لِلْإِجْمَاعِ، عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهِ سُنَّةٌ، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَا فَهِمَهُ الطَّحَاوِيُّ، لَكِنْ

يُحْمَلُ قَوْلُهُ: أَجْزَأَ، أَيْ فِي السُّنَّةِ، كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ أَبُو عُمَرَ آخِرًا، وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ أَنَّ الرَّدَّ فَرْضُ عَيْنٍ.

وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.1 / 29.5
الإضاءة 88%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله