«إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢٣٥

الحديث رقم ٢٣٥ من كتاب «كتاب الصلاة» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء بالتأمين خلف الإمام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه…

«إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «آمِينَ»

٤٥ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا قَالَ الْإِمَامُ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "

سند حديث: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مالِكٍ، عَنْ ابْنِ…

حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

رواة الحديث

📖 هذا الحديث في تفسير سورة الفاتحة - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.

شرح مبسّط لحديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه…

أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نؤمن إذا أمن الإمام، لأن ذلك هو وقت تأمين الملائكة، ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية التأمين للإمام والمأموم والمنفرد.
  • أن الملائكة تؤمن على دعاء المصلين، والأظهر أن المراد منهم الذين يشهدون تلك الصلاة من الملائكة في الأرض والسماء، واستدل لذلك بما أخرجه البخاري من أنه صلى الله عليه وسلم قال:" إذا قال أحدكم آمين، قالت الملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدهما الآخر، غفر الله له ما تقدم من ذنبه ".
  • فضيلة التأمين، وأنه سبب في غفران الذنوب، لكن عند محققي العلماء أن التكفير في هذا الحديث وأمثاله، خاصُّ بصغائر الذنوب، أما الكبائر فلا بد لها من التوبة.
  • أنه ينبغي للداعي والمؤمّن على الدعاء أن يكون حاضر القلب.
  • استدل البخاري بهذا الحديث على مشروعية جهر الإمام بالتأمين،لأنه علق تأمين المؤتمين بتأمينه ولا يعلمونه إلا بسماعه، وهذا قول الجمهور.
  • من الأفضل للداعي أن يشابه الملائكة في كل الصفات التي تكون سبباً في الإجابة، كالتضرع والخشوع والطهارة وحضور القلب، والإقبال على الله في كل حال.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ آمِينَ»

ــ

١٩٥ - ١٩٣ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ عَوْفٍ التَّابِعِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ وَكَذَا سَعِيدٌ (أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُغَايَرَةٌ قَلِيلَةٌ لِلَفْظِ الزُّهْرِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ، وَتُعُقِّبَ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِإِذَا يُشْعِرُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ: لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَعَنْهُ لَا يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ، وَهِيَ عِلَّةٌ لَا تَقْدَحُ، فَابْنُ شِهَابٍ إِمَامُ التَّفَرُّدِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ أَيْضًا، وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَوَنَ الْإِمَامِ لَا يُؤَمِّنُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، بِأَنَّهُ دَاعٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَهَا فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: كَمَا اشْتَرَكَا فِي الْقِرَاءَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي التَّأْمِينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ إِذَا أَمَّنَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ دَعَا، وَتَسْمِيَةُ الدَّاعِي مُؤَمِّنًا سَائِغَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: ٨٩] (سُورَةُ يُونُسَ: الْآيَةُ ٨٩) وَكَانَ مُوسَى دَاعِيًا وَهَارُونُ مُؤَمِّنًا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَرَدَّ بِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُؤَمِّنِ دَاعِيًا عَكْسُهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ وَلَوْ صَحَّ فَكَوْنُ هَارُونَ دَاعِيًا تَغْلِيبٌ، وَقِيلَ مَعْنَى أَمَّنَ بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ بَلَغَ نَجْدًا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا بَعِيدٌ لُغَةً وَشَرْعًا، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا مَجَازٌ فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عُمِلَ بِهِ اهـ.

وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ التَّالِي: " «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا

الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ» " فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي حَمْلَ أَمَّنَ عَلَى الْمَجَازِ (فَأَمِّنُوا) أَيْ قُولُوا آمِينَ (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ) وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَيُونُسَ فِي مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ ( «تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ» ) فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُورَةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ كَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: يُرِيدُ مُوَافَقَةَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ بِغَيْرِ إِعْجَابٍ، وَكَذَا جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ: وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ، أَوْ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَوْ فِي الدُّعَاءِ بِالطَّاعَةِ خَاصَّةً، أَوِ الْمُرَادُ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْحِكْمَةُ فِي إِيثَارِ الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَمِّنُ عَلَى يَقَظَةٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَظِيفَةِ فِي مَحَلِّهَا، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا غَفْلَةَ عِنْدِهِمْ فَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ جَمِيعُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ وَقِيلَ الْحَفَظَةُ مِنْهُمْ، وَقِيلَ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ مِنْهُمْ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ لِلْحَدِيثِ الْآتِي، وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ، فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ.

(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ، قَالَ: وَوَقَعَ فِي أَمَالِي الْجُرْجَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ، عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ وَمَا تَأَخَّرَ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقى عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ بِدُونِهَا، وَكَذَا مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ وَيُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِدُونِهَا، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِهَا، وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَوَاهُ فِي مَسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ بِدُونِهَا، وَكَذَا حُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِمَا اهـ.

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ آمِينَ» ) هَذَا مُرْسَلٌ، وَصَلَهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْعِلَلِ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُتَابَعْ حَفْصٌ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: " «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ جَهَرَ بِآمِينَ» " أَخْرَجَهُ ابْنُ السَّرَّاجِ.

وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: " «فَإِذَا فَرَغَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ» " وَلِلْحَمِيدِيِّ مِنْ طَرِيقِ

سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ بِلَفْظِ: " «إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ» "، فَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْمُرْسَلُ بِالْمُسْنَدِ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَأَوْمَأَ إِلَى نَسْخِهِ، وَرَدَّ بِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ وَابْنَ حِبَّانَ رَوَيَا عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: " «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَهَرَ بِآمِينَ» " وَوَائِلٌ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ جَهَرَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»

ــ

١٩٦ - ١٩٤ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا» ) أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (آمِينَ) فِيهِ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ، وَهُوَ الْحَامِلُ عَلَى صَرْفِ قَوْلِهِ: إِذَا أَمَّنَ عَنْ ظَاهِرِهِ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وُجُوبَهُ عَلَى الْأَمْرِ قَالَ: وَأَوْجَبَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ، وَرَدَّ بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ حَيْثُ اقْتَصَرَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْفَرَائِضِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ التَّأْمِينَ وَلَا غَيْرَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ أَيْ لِاخْتِصَاصِ التَّأْمِينِ بِهَا، وَمُقْتَضَى السِّيَاقِ أَنَّ قِرَاءَتَهَا كَانَتْ أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، وَعَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ إِمَامُهُ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا حَالَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ إِذَا جَهَرَ لَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِمْ لَأَمَرَهَمْ إِذَا فَرَغُوا مِنَ الْفَاتِحَةِ أَنْ يُؤَمِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَأْمُومِينَ إِذَا اشْتَغَلُوا بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ لَمْ يَسْمَعُوا فَرَاغَهُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالتَّأْمِينِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ، وَيُؤْمَرُونَ بِالِاشْتِغَالِ عَنْ سَمَاعِ ذَلِكَ؟ هَذَا لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ إِذَا فَرَغَ إِمَامُهُمْ مِنْهَا أَنْ يُؤَمِّنُوا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِ الِاسْتِمَاعِ اهـ.

( «فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ عَلَى ظَاهِرِهِ،

لَكِنْ ثَبَتَ أَنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ، فَإِذَا كَانَتِ الْفَرَائِضُ لَا تُكَفِّرُهَا فَأَوْلَى التَّأْمِينُ الْمُسْتَحَبُّ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُكَفِّرَ لَيْسَ التَّأْمِينَ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُؤَمِّنِ، بَلْ وِفَاقُ الْمَلَائِكَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَى صُنْعِهِ بَلْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَعَلَامَةٌ عَلَى سَعَادَةِ الْمُوَافِقِ، قَالَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَيَّنَ مَحَلَّ إِيقَاعِ التَّأْمِينِ فَيَكُونُ فَائِدَتُهُ الْمُوَافَقَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ مُوَافِقُ الْمَلَائِكَةِ بَلْ أَمَرَ بِهِ فَإِنْ وَافَقَ غُفِرَ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ عَامٌّ خَصَّ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ النَّاسِ، فَلَا يُغْفَرُ بِالتَّأْمِينِ لِلْأَدِلَّةِ فِيهِ، لَكِنَّهُ شَامِلٌ لِلْكَبَائِرِ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ خُرُوجَهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّأْمِينِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَأَيُّ فَضْلٍ أَعْظَمُ مِنْ كَوْنِهِ قَوْلًا يَسِيرًا لَا كُلْفَةَ فِيهِ، ثُمَّ قَدْ رُكِّبَتْ عَلَيْهِ الْمَغْفِرَةُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِيهِ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ تُغْفَرُ بِهَا الذُّنُوبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: ١١٤] (سُورَةُ هُودٍ: الْآيَةُ ١١٤) وَقَالَ الْبَاجِيُّ: تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ يَخْرُجُ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَنَّ مَشْيَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتَهُ نَافِلَةٌ، فَمَا الَّذِي يُغْفَرُ بِقَوْلِ آمِينَ؟ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هَذَا الْحَدِيثَ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي مَمْشَاهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ فَهِيَ مُتَابَعَةٌ لِمَالِكٍ فِي شَيْخِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»

ــ

١٩٨ - ١٩٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ) بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ التَّرْغِيبُ فِي التَّحْمِيدِ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سَمِعَ اللَّهُ دُعَاءَكَ أَيْ أَجَابَهُ وَتَقَبَّلَهُ، (فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا) أَيْ يَا اللَّهُ يَا رَبَّنَا فَفِيهِ تَكْرَارُ النِّدَاءِ (لَكَ الْحَمْدُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَكَ بِالْوَاوِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ أَيْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا فَاسْتَجِبْ دُعَاءَنَا وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى هِدَايَتِنَا، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ الْقَيِّمِ حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّهُمَّ وَالْوَاوِ فِي وَلَكَ الْحَمْدُ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَأَنَّ إِثْبَاتَ الْوَاوِ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ مَثَلًا: رَبَّنَا اسْتَجِبْ وَلَكَ الْحَمْدُ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ وَمَعْنَى الْخَيْرِ، وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ الْأَثِيرِ قَالَ إِنَّهَا وَاوُ الْحَالِ وَضَعَّفَ مَا عَدَاهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْوَاوِ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ إِسْقَاطَ الْوَاوِ وَاخْتَارَ كُلٌّ رِوَايَتَهُ.

قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يُثْبِتُ الْوَاوَ وَيَقُولُ: ثَبَتَتْ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ لَا

يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَالْمَأْمُومُ لَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّسْمِيعَ الَّذِي هُوَ طَلَبُ التَّحْمِيدِ لِلْإِمَامِ، وَالتَّحْمِيدَ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْإِجَابَةِ لِلْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِحَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَهَذِهِ قِسْمَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلشَّرِكَةِ كَخَبَرِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: " «وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ» " وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ جَمْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي نَافِلَةٍ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا لِأَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ.

( «فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ» ) أَيْ حَمْدُهُ حَمْدَهُمْ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ مَا يَقُولُ الْمَأْمُومُونَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْوَجْهُ عِنْدِي فِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ تَعْظِيمُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَأَنَّهُ يَحُطُّ الْأَوْزَارَ وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ مِثْلُ هَذَا بِإِخْلَاصٍ وَاجْتِهَادٍ وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَتَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُشْكِلَةِ الْمَعَانِي، الْبَعِيدَةِ التَّأْوِيلِ عَنْ مَخَارِجِ لَفْظِهَا، وَاجِبٌ رَدُّهَا إِلَى الْأُصُولِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَ سُمَيًّا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ أَبِي صَالِحٍ عِنْدِ مُسْلِمٍ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ آمِينَ»

ــ

١٩٥ - ١٩٣ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ عَوْفٍ التَّابِعِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ وَكَذَا سَعِيدٌ (أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُغَايَرَةٌ قَلِيلَةٌ لِلَفْظِ الزُّهْرِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ، وَتُعُقِّبَ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِإِذَا يُشْعِرُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ: لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَعَنْهُ لَا يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ، وَهِيَ عِلَّةٌ لَا تَقْدَحُ، فَابْنُ شِهَابٍ إِمَامُ التَّفَرُّدِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ أَيْضًا، وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَوَنَ الْإِمَامِ لَا يُؤَمِّنُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، بِأَنَّهُ دَاعٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَهَا فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: كَمَا اشْتَرَكَا فِي الْقِرَاءَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي التَّأْمِينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ إِذَا أَمَّنَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ دَعَا، وَتَسْمِيَةُ الدَّاعِي مُؤَمِّنًا سَائِغَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: ٨٩] (سُورَةُ يُونُسَ: الْآيَةُ ٨٩) وَكَانَ مُوسَى دَاعِيًا وَهَارُونُ مُؤَمِّنًا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَرَدَّ بِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُؤَمِّنِ دَاعِيًا عَكْسُهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ وَلَوْ صَحَّ فَكَوْنُ هَارُونَ دَاعِيًا تَغْلِيبٌ، وَقِيلَ مَعْنَى أَمَّنَ بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ بَلَغَ نَجْدًا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا بَعِيدٌ لُغَةً وَشَرْعًا، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا مَجَازٌ فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عُمِلَ بِهِ اهـ.

وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ التَّالِي: " «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا

الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ» " فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي حَمْلَ أَمَّنَ عَلَى الْمَجَازِ (فَأَمِّنُوا) أَيْ قُولُوا آمِينَ (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ) وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَيُونُسَ فِي مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ ( «تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ» ) فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُورَةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ كَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: يُرِيدُ مُوَافَقَةَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ بِغَيْرِ إِعْجَابٍ، وَكَذَا جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ: وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ، أَوْ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَوْ فِي الدُّعَاءِ بِالطَّاعَةِ خَاصَّةً، أَوِ الْمُرَادُ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْحِكْمَةُ فِي إِيثَارِ الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَمِّنُ عَلَى يَقَظَةٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَظِيفَةِ فِي مَحَلِّهَا، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا غَفْلَةَ عِنْدِهِمْ فَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ جَمِيعُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ وَقِيلَ الْحَفَظَةُ مِنْهُمْ، وَقِيلَ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ مِنْهُمْ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ لِلْحَدِيثِ الْآتِي، وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ، فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ.

(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ، قَالَ: وَوَقَعَ فِي أَمَالِي الْجُرْجَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ، عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ وَمَا تَأَخَّرَ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقى عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ بِدُونِهَا، وَكَذَا مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ وَيُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِدُونِهَا، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِهَا، وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَوَاهُ فِي مَسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ بِدُونِهَا، وَكَذَا حُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِمَا اهـ.

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ آمِينَ» ) هَذَا مُرْسَلٌ، وَصَلَهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْعِلَلِ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُتَابَعْ حَفْصٌ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: " «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ جَهَرَ بِآمِينَ» " أَخْرَجَهُ ابْنُ السَّرَّاجِ.

وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: " «فَإِذَا فَرَغَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ» " وَلِلْحَمِيدِيِّ مِنْ طَرِيقِ

سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ بِلَفْظِ: " «إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ» "، فَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْمُرْسَلُ بِالْمُسْنَدِ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَأَوْمَأَ إِلَى نَسْخِهِ، وَرَدَّ بِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ وَابْنَ حِبَّانَ رَوَيَا عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: " «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَهَرَ بِآمِينَ» " وَوَائِلٌ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ جَهَرَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»

ــ

١٩٦ - ١٩٤ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا» ) أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (آمِينَ) فِيهِ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ، وَهُوَ الْحَامِلُ عَلَى صَرْفِ قَوْلِهِ: إِذَا أَمَّنَ عَنْ ظَاهِرِهِ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وُجُوبَهُ عَلَى الْأَمْرِ قَالَ: وَأَوْجَبَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ، وَرَدَّ بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ حَيْثُ اقْتَصَرَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْفَرَائِضِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ التَّأْمِينَ وَلَا غَيْرَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ أَيْ لِاخْتِصَاصِ التَّأْمِينِ بِهَا، وَمُقْتَضَى السِّيَاقِ أَنَّ قِرَاءَتَهَا كَانَتْ أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، وَعَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ إِمَامُهُ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا حَالَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ إِذَا جَهَرَ لَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِمْ لَأَمَرَهَمْ إِذَا فَرَغُوا مِنَ الْفَاتِحَةِ أَنْ يُؤَمِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَأْمُومِينَ إِذَا اشْتَغَلُوا بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ لَمْ يَسْمَعُوا فَرَاغَهُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالتَّأْمِينِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ، وَيُؤْمَرُونَ بِالِاشْتِغَالِ عَنْ سَمَاعِ ذَلِكَ؟ هَذَا لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ إِذَا فَرَغَ إِمَامُهُمْ مِنْهَا أَنْ يُؤَمِّنُوا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِ الِاسْتِمَاعِ اهـ.

( «فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ عَلَى ظَاهِرِهِ،

لَكِنْ ثَبَتَ أَنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ، فَإِذَا كَانَتِ الْفَرَائِضُ لَا تُكَفِّرُهَا فَأَوْلَى التَّأْمِينُ الْمُسْتَحَبُّ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُكَفِّرَ لَيْسَ التَّأْمِينَ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُؤَمِّنِ، بَلْ وِفَاقُ الْمَلَائِكَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَى صُنْعِهِ بَلْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَعَلَامَةٌ عَلَى سَعَادَةِ الْمُوَافِقِ، قَالَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَيَّنَ مَحَلَّ إِيقَاعِ التَّأْمِينِ فَيَكُونُ فَائِدَتُهُ الْمُوَافَقَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ مُوَافِقُ الْمَلَائِكَةِ بَلْ أَمَرَ بِهِ فَإِنْ وَافَقَ غُفِرَ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ عَامٌّ خَصَّ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ النَّاسِ، فَلَا يُغْفَرُ بِالتَّأْمِينِ لِلْأَدِلَّةِ فِيهِ، لَكِنَّهُ شَامِلٌ لِلْكَبَائِرِ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ خُرُوجَهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّأْمِينِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَأَيُّ فَضْلٍ أَعْظَمُ مِنْ كَوْنِهِ قَوْلًا يَسِيرًا لَا كُلْفَةَ فِيهِ، ثُمَّ قَدْ رُكِّبَتْ عَلَيْهِ الْمَغْفِرَةُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِيهِ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ تُغْفَرُ بِهَا الذُّنُوبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: ١١٤] (سُورَةُ هُودٍ: الْآيَةُ ١١٤) وَقَالَ الْبَاجِيُّ: تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ يَخْرُجُ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَنَّ مَشْيَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتَهُ نَافِلَةٌ، فَمَا الَّذِي يُغْفَرُ بِقَوْلِ آمِينَ؟ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هَذَا الْحَدِيثَ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي مَمْشَاهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ فَهِيَ مُتَابَعَةٌ لِمَالِكٍ فِي شَيْخِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»

ــ

١٩٨ - ١٩٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ) بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ التَّرْغِيبُ فِي التَّحْمِيدِ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سَمِعَ اللَّهُ دُعَاءَكَ أَيْ أَجَابَهُ وَتَقَبَّلَهُ، (فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا) أَيْ يَا اللَّهُ يَا رَبَّنَا فَفِيهِ تَكْرَارُ النِّدَاءِ (لَكَ الْحَمْدُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَكَ بِالْوَاوِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ أَيْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا فَاسْتَجِبْ دُعَاءَنَا وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى هِدَايَتِنَا، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ الْقَيِّمِ حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّهُمَّ وَالْوَاوِ فِي وَلَكَ الْحَمْدُ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَأَنَّ إِثْبَاتَ الْوَاوِ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ مَثَلًا: رَبَّنَا اسْتَجِبْ وَلَكَ الْحَمْدُ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ وَمَعْنَى الْخَيْرِ، وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ الْأَثِيرِ قَالَ إِنَّهَا وَاوُ الْحَالِ وَضَعَّفَ مَا عَدَاهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْوَاوِ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ إِسْقَاطَ الْوَاوِ وَاخْتَارَ كُلٌّ رِوَايَتَهُ.

قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يُثْبِتُ الْوَاوَ وَيَقُولُ: ثَبَتَتْ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ لَا

يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَالْمَأْمُومُ لَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّسْمِيعَ الَّذِي هُوَ طَلَبُ التَّحْمِيدِ لِلْإِمَامِ، وَالتَّحْمِيدَ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْإِجَابَةِ لِلْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِحَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَهَذِهِ قِسْمَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلشَّرِكَةِ كَخَبَرِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: " «وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ» " وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ جَمْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي نَافِلَةٍ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا لِأَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ.

( «فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ» ) أَيْ حَمْدُهُ حَمْدَهُمْ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ مَا يَقُولُ الْمَأْمُومُونَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْوَجْهُ عِنْدِي فِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ تَعْظِيمُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَأَنَّهُ يَحُطُّ الْأَوْزَارَ وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ مِثْلُ هَذَا بِإِخْلَاصٍ وَاجْتِهَادٍ وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَتَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُشْكِلَةِ الْمَعَانِي، الْبَعِيدَةِ التَّأْوِيلِ عَنْ مَخَارِجِ لَفْظِهَا، وَاجِبٌ رَدُّهَا إِلَى الْأُصُولِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَ سُمَيًّا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ أَبِي صَالِحٍ عِنْدِ مُسْلِمٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.9 / 29.5
الإضاءة 89%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله