رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢٤٣٠

الحديث رقم ٢٤٣٠ من كتاب «كتاب الكلام» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما يكره من الكلام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقل…

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ "

سند حديث: بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ ٣…

بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ

٣ - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ

رواة الحديث

شرح حديث: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقل…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ»

ــ

١٨٤٦ - ١٧٩٩ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَقُلْ) بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَقُولَنَّ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، (أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ) ، بِمُعْجَمَةٍ، وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَهِيَ الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ.

( «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ) ، أَيِ: الْمُدَبِّرُ لِلْأُمُورِ الْفَاعِلُ مَا تَنْسُبُونَهُ إِلَى الدَّهْرِ مِنْ جَلْبِ الْحَوَادِثِ وَدَفْعِهَا، كَانَ شَأْنُ الْجَاهِلِيَّةِ ذَمَّ الدَّهْرِ عِنْدَ الْحَوَادِثِ، أَوْ عَدَمِ حُصُولِ الْمَطْلُوبِ، فَقَالَ ذَلِكَ رَدًّا لِاعْتِقَادِهِمْ.

وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ، أَيْ: فَإِنَّ جَالِبَ الْحَوَادِثِ وَمُتَوَلِّيهَا هُوَ اللَّهُ لَا غَيْرُهُ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: صَاحِبُ الدَّهْرِ، أَيِ الْخَالِقُ لَهُ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ مَقَلِّبُ الدَّهْرِ، وَلِذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ: بِيَدَيِ اللَّهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلْمَكْرُوهِ فَسَبَّهُ أَخْطَأَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ، فَإِذَا سَبَّهُ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ.

كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ» "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَاهُ يُخَاطِبُنِي مِنَ الْقَوْلِ

بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ مَنْ يَجُوزُ فِي حَقِّهِ التَّأَذِّي، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْأَذَى، وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَرَّضَ لِسُخْطِ اللَّهِ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ الدَّهْرَ مُدَّةُ زَمَانِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ أَمَدُ مَفْعُولَاتٍ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ فِعْلُهُ لِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ، قَالَ: وَقَدْ تَمَسَّكَ الْجَهَلَةُ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، وَالْمُعَطِّلَةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الدَّهْرَ عِنْدَهُمْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ، وَأَمَدُ الْعَالَمِ، وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ، وَلَا صَانِعَ سِوَاهُ، وَكَفَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَكَيْفَ يُقَلِّبُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ؛ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.

قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى الدَّهْرِ حَقِيقَةً كَفَرَ، وَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مُعْتَقَدٍ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِتَشَبُّهِهِ بِأَهْلِ الْكُفْرِ فِي الْإِطْلَاقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّنْعَةَ فَقَدْ سَبَّ صَانِعَهَا، فَمَنْ سَبَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ بِغَيْرِ مَعْنًى، وَمَنْ سَبَّ مَا يَجْرِي فِيهَا مِنَ الْحَوَادِثِ، وَذَلِكَ هُوَ أَغْلَبُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ، حَيْثُ نَفَى عَنْهُمَا التَّأْثِيرَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا ذَنْبَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ.

وَأَمَّا الْحَوَادِثُ فَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِوَاسِطَةِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ، فَهَذَا يُضَافُ شَرْعًا وَلُغَةً إِلَى الَّذِي أُجْرِيَ عَلَى يَدَيْهِ، وَيُضَافُ إِلَى اللَّهِ لِكَوْنِهِ بِتَقْدِيرِهِ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنَ اكْتِسَابِهِمْ، وَلِذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، وَهِيَ فِي الِابْتِدَاءِ خَلْقُ اللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِلَا وَاسِطَةٍ، فَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قُدْرَةِ الْقَادِرِ، وَلَيْسَ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِعْلٌ وَلَا تَأْثِيرٌ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَلَا عَقْلًا، وَهُوَ الْمَعْنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ مَا يَجْرِي مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْعَاقِلِ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ تَنْبِيهٌ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، فَلَا يَسُبُّ شَيْئًا مُطْلَقًا إِلَّا مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَيْضًا مَنْعُ الْحِيلَةِ فِي الْبَيْعِ مِثْلَ الْعِينَةِ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ لِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَجَعَلَهُ سَبًّا لِخَالِقِهِ، انْتَهَى.

وَتَابَعَ مَالِكًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ»

ــ

١٨٦٤ - ١٨١٧ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مِنْ شَرِّ النَّاسِ) ، كُلِّهِمْ، وَحَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ خَاصَّةً، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: مِنْ شَرِّ خَلْقِ اللَّهِ.

وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -.

(ذُو الْوَجْهَيْنِ) مَجَازٌ عَنِ الْجِهَتَيْنِ، مِثْلُ الْمِدْحَةِ وَالْمَذَمَّةِ لَا حَقِيقَةٌ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ) الْقَوْمَ، (بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ) الْقَوْمَ، (بِوَجْهٍ) فَيُظْهِرُ عِنْدَ كُلٍّ أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَمُخَالِفٌ لِلْآخَرِ مُبْغِضٌ لَهُمْ.

وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ

بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا كَانَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ; لِأَنَّ حَالَهُ - حَالُ الْمُنَافِقِينَ، إِذْ هُوَ يَتَمَلَّقُ بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ - مَدْخَلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لِأَنَّهُ يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا، فَيُظْهِرُ لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا، وَمُخَالِفٌ لِضِدِّهَا، وَصَنِيعُهُ نِفَاقٌ مَحْضٌ، وَكَذِبٌ وَخِدَاعٌ، وَتَحَيُّلٌ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: فَأَمَّا مَنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِصْلَاحَ الْمُرَغَّبَ فِيهِ، فَيَأْتِي لِكُلٍّ بِكَلَامِ فِيهِ صَلَاحٌ وَاعْتِذَارٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَنِ الْآخَرِ، وَيَنْقُلُ لَهُ الْجَمِيلَ، فَمَحْمُودٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذُو الْوَجْهَيْنِ فِي الْإِصْلَاحِ مَحْمُودٌ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ؛ يَقُولُ خَيْرًا، وَيَنْمِي خَيْرًا» "، وَبَيَّنَ تَعْبِيرَهُ بِـ " مِنْ " أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ» "، مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةِ " مِنْ "، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَمُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي زُرْعَةَ، الثَّلَاثَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دَنَانِيرَ مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ»

ــ

١٨٧١ - ١٨٢٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَقْسِمُ» ) بِفَوْقِيَّةٍ أَوَّلَهُ، وَتَحْتِيَّةٍ رِوَايَتَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِتَاءٍ بَعْدَ الْقَافِ، وَأُخْرَى بِحَذْفِهَا، (وَرَثَتِي) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى الْخَبَرِ - يَعْنِي الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ - فَفِي فَتْحِ الْبَارِي بِإِسْكَانِ الْمِيمِ عَلَى النَّهْيِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِضَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْرُكْ مَا لَا يُورَثُ عَنْهُ، وَتَوْجِيهُ رِوَايَةِ النَّهْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَةِ مَا يُخَلِّفُ إِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ خَلَّفَ، وَسَمَّاهُمْ وَرَثَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ، لَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» "، انْتَهَى، يَعْنِي لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يُورَثُ، زَادَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ: أَوِ الْمُرَادُ لَا يُقْسَمُ مَالٌ تَرَكْتُهُ لِجِهَةِ الْإِرْثِ، فَأَتَى بِلَفْظِ: وَرَثَتِي لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِمَا بِهِ الِاشْتِقَاقُ، وَهُوَ الْإِرْثُ، فَالْمَنْفِيُّ قَسْمُهُمْ بِالْإِرْثِ عَنْهُ (دَنَانِيرَ) ، كَذَا لِيَحْيَى بِالْجَمْعِ، وَلِسَائِرِ الرُّوَاةِ دِينَارًا بِالْإِفْرَادِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى.

قِيلَ: وَهُوَ تَنْبِيهٌ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: وَلَا دِرْهَمًا، وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ، تَابَعَهُ عَلَيْهَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، فَيَتَّحِدُ مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَةِ الرَّفْعِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِقَسْمِهِ

كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنَّ الَّذِي يُخَلِّفُهُ مِنْ غَيْرِهِمَا لَا يُقْسَمُ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، بَلْ يُقْسَمُ مَنَافِعُهُ لِمَنْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ، ( «مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي» ) وَيَدْخُلُ فِيهِ كِسَوْتُهُنَّ، وَسَائِرُ اللَّوَازِمِ كَالْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَنِ الزَّوَاجِ بِسَبَبِهِ، أَوْ لِعِظَمِ حُقُوقِهِنَّ لِفَضْلِهِنَّ، وَقِدَمِ هِجْرَتِهِنَّ وَكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِأَنَّهُنَّ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ: لِأَنَّهُنَّ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَبَدًا، فَجَرَتْ لَهُنَّ النَّفَقَةُ، وَتُرِكَتْ حُجَرُهُنَّ لَهُنَّ يَسْكُنَّهَا.

(وَمُؤْنَةِ عَامِلِي) ، قِيلَ: هُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْمُوَافِقُ لِمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الْعَامِلُ عَلَى النَّخْلِ، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ، وَأَبْعَدُ مَنْ قَالَ هُوَ حَافِرُ قَبْرِهِ، وَقِيلَ: خَادِمُهُ وَقِيلَ: عَامَلُ الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهَا كَالْأَجِيرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُجْرَةِ الْقَاسِمِ، قَالَهُ الْحَافِظُ.

وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمُرَادُ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلِيفَةٍ، أَوْ غَيْرِهِ، قَامَ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِشَرِيعَتِهِ فَهُوَ عَامِلٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا بُدَّ أَنْ يُكْفَى مُؤْنَتَهُ، وَإِلَّا ضَاعَ.

(فَهُوَ) ، أَيِ الْمَتْرُوكُ بَعْدَمَا ذُكِرَ (صَدَقَةٌ) ، مَعْنَى لِأَنِّي لَا أُورَثُ، أَوْ لَا أُخَلِّفُ مَالًا، فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ تَخْصِيصِ النِّسَاءِ بِالنَّفَقَةِ، وَالْمُؤْنَةِ لِلْعَامِلِ، وَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؟ أَجَابَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ، كَمَا فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي اللُّغَةِ: الْقِيَامُ بِالْكِفَايَةِ، وَالْإِنْفَاقُ بَدَلَ الْقُوتِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَقَةَ دُونَ الْمُؤْنَةِ، وَالسِّرُّ فِي التَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، كَانَ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنَ الْقُوتِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ الْأَجِيرِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يَكْفِيهِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُرْوَةَ: فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ مَنَعَهَا عَلِيٌّ عَبَّاسًا، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا، أَيْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَتَحْصِيلِ غَلَّاتِهَا لَا بِتَخْصِيصِ الْحَاصِلِ لِنَفْسِهِ، قَالَ: ثُمَّ بِيَدِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنٍ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ كِلَاهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلَانِهَا، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقًّا.

زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، حَتَّى وَلَّى هَؤُلَاءِ ; يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاسِ، فَقَبَضُوهَا.

وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: أَنَّ إِعْرَاضَ الْعَبَّاسِ عَنْهَا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْمَدَنِيَّ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ مَكَثَتْ فِي عَهْدِهِ يُوَلِّي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَقْبِضُهَا، وَيُفَرِّقُهَا فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْحَافِظُ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الْأُمُورُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا، وَالْخَمْسُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْفَرَائِضِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْخَرَاجِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ»

ــ

١٨٤٦ - ١٧٩٩ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَقُلْ) بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَقُولَنَّ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، (أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ) ، بِمُعْجَمَةٍ، وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَهِيَ الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ.

( «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ) ، أَيِ: الْمُدَبِّرُ لِلْأُمُورِ الْفَاعِلُ مَا تَنْسُبُونَهُ إِلَى الدَّهْرِ مِنْ جَلْبِ الْحَوَادِثِ وَدَفْعِهَا، كَانَ شَأْنُ الْجَاهِلِيَّةِ ذَمَّ الدَّهْرِ عِنْدَ الْحَوَادِثِ، أَوْ عَدَمِ حُصُولِ الْمَطْلُوبِ، فَقَالَ ذَلِكَ رَدًّا لِاعْتِقَادِهِمْ.

وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ، أَيْ: فَإِنَّ جَالِبَ الْحَوَادِثِ وَمُتَوَلِّيهَا هُوَ اللَّهُ لَا غَيْرُهُ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: صَاحِبُ الدَّهْرِ، أَيِ الْخَالِقُ لَهُ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ مَقَلِّبُ الدَّهْرِ، وَلِذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ: بِيَدَيِ اللَّهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلْمَكْرُوهِ فَسَبَّهُ أَخْطَأَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ، فَإِذَا سَبَّهُ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ.

كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ» "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَاهُ يُخَاطِبُنِي مِنَ الْقَوْلِ

بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ مَنْ يَجُوزُ فِي حَقِّهِ التَّأَذِّي، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْأَذَى، وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَرَّضَ لِسُخْطِ اللَّهِ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ الدَّهْرَ مُدَّةُ زَمَانِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ أَمَدُ مَفْعُولَاتٍ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ فِعْلُهُ لِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ، قَالَ: وَقَدْ تَمَسَّكَ الْجَهَلَةُ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، وَالْمُعَطِّلَةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الدَّهْرَ عِنْدَهُمْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ، وَأَمَدُ الْعَالَمِ، وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ، وَلَا صَانِعَ سِوَاهُ، وَكَفَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَكَيْفَ يُقَلِّبُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ؛ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.

قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى الدَّهْرِ حَقِيقَةً كَفَرَ، وَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مُعْتَقَدٍ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِتَشَبُّهِهِ بِأَهْلِ الْكُفْرِ فِي الْإِطْلَاقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّنْعَةَ فَقَدْ سَبَّ صَانِعَهَا، فَمَنْ سَبَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ بِغَيْرِ مَعْنًى، وَمَنْ سَبَّ مَا يَجْرِي فِيهَا مِنَ الْحَوَادِثِ، وَذَلِكَ هُوَ أَغْلَبُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ، حَيْثُ نَفَى عَنْهُمَا التَّأْثِيرَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا ذَنْبَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ.

وَأَمَّا الْحَوَادِثُ فَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِوَاسِطَةِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ، فَهَذَا يُضَافُ شَرْعًا وَلُغَةً إِلَى الَّذِي أُجْرِيَ عَلَى يَدَيْهِ، وَيُضَافُ إِلَى اللَّهِ لِكَوْنِهِ بِتَقْدِيرِهِ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنَ اكْتِسَابِهِمْ، وَلِذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، وَهِيَ فِي الِابْتِدَاءِ خَلْقُ اللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِلَا وَاسِطَةٍ، فَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قُدْرَةِ الْقَادِرِ، وَلَيْسَ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِعْلٌ وَلَا تَأْثِيرٌ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَلَا عَقْلًا، وَهُوَ الْمَعْنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ مَا يَجْرِي مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْعَاقِلِ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ تَنْبِيهٌ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، فَلَا يَسُبُّ شَيْئًا مُطْلَقًا إِلَّا مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَيْضًا مَنْعُ الْحِيلَةِ فِي الْبَيْعِ مِثْلَ الْعِينَةِ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ لِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَجَعَلَهُ سَبًّا لِخَالِقِهِ، انْتَهَى.

وَتَابَعَ مَالِكًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ»

ــ

١٨٦٤ - ١٨١٧ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مِنْ شَرِّ النَّاسِ) ، كُلِّهِمْ، وَحَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ خَاصَّةً، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: مِنْ شَرِّ خَلْقِ اللَّهِ.

وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -.

(ذُو الْوَجْهَيْنِ) مَجَازٌ عَنِ الْجِهَتَيْنِ، مِثْلُ الْمِدْحَةِ وَالْمَذَمَّةِ لَا حَقِيقَةٌ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ) الْقَوْمَ، (بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ) الْقَوْمَ، (بِوَجْهٍ) فَيُظْهِرُ عِنْدَ كُلٍّ أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَمُخَالِفٌ لِلْآخَرِ مُبْغِضٌ لَهُمْ.

وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ

بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا كَانَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ; لِأَنَّ حَالَهُ - حَالُ الْمُنَافِقِينَ، إِذْ هُوَ يَتَمَلَّقُ بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ - مَدْخَلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لِأَنَّهُ يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا، فَيُظْهِرُ لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا، وَمُخَالِفٌ لِضِدِّهَا، وَصَنِيعُهُ نِفَاقٌ مَحْضٌ، وَكَذِبٌ وَخِدَاعٌ، وَتَحَيُّلٌ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: فَأَمَّا مَنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِصْلَاحَ الْمُرَغَّبَ فِيهِ، فَيَأْتِي لِكُلٍّ بِكَلَامِ فِيهِ صَلَاحٌ وَاعْتِذَارٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَنِ الْآخَرِ، وَيَنْقُلُ لَهُ الْجَمِيلَ، فَمَحْمُودٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذُو الْوَجْهَيْنِ فِي الْإِصْلَاحِ مَحْمُودٌ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ؛ يَقُولُ خَيْرًا، وَيَنْمِي خَيْرًا» "، وَبَيَّنَ تَعْبِيرَهُ بِـ " مِنْ " أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ» "، مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةِ " مِنْ "، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَمُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي زُرْعَةَ، الثَّلَاثَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دَنَانِيرَ مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ»

ــ

١٨٧١ - ١٨٢٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَقْسِمُ» ) بِفَوْقِيَّةٍ أَوَّلَهُ، وَتَحْتِيَّةٍ رِوَايَتَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِتَاءٍ بَعْدَ الْقَافِ، وَأُخْرَى بِحَذْفِهَا، (وَرَثَتِي) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى الْخَبَرِ - يَعْنِي الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ - فَفِي فَتْحِ الْبَارِي بِإِسْكَانِ الْمِيمِ عَلَى النَّهْيِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِضَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْرُكْ مَا لَا يُورَثُ عَنْهُ، وَتَوْجِيهُ رِوَايَةِ النَّهْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَةِ مَا يُخَلِّفُ إِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ خَلَّفَ، وَسَمَّاهُمْ وَرَثَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ، لَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» "، انْتَهَى، يَعْنِي لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يُورَثُ، زَادَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ: أَوِ الْمُرَادُ لَا يُقْسَمُ مَالٌ تَرَكْتُهُ لِجِهَةِ الْإِرْثِ، فَأَتَى بِلَفْظِ: وَرَثَتِي لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِمَا بِهِ الِاشْتِقَاقُ، وَهُوَ الْإِرْثُ، فَالْمَنْفِيُّ قَسْمُهُمْ بِالْإِرْثِ عَنْهُ (دَنَانِيرَ) ، كَذَا لِيَحْيَى بِالْجَمْعِ، وَلِسَائِرِ الرُّوَاةِ دِينَارًا بِالْإِفْرَادِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى.

قِيلَ: وَهُوَ تَنْبِيهٌ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: وَلَا دِرْهَمًا، وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ، تَابَعَهُ عَلَيْهَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، فَيَتَّحِدُ مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَةِ الرَّفْعِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِقَسْمِهِ

كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنَّ الَّذِي يُخَلِّفُهُ مِنْ غَيْرِهِمَا لَا يُقْسَمُ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، بَلْ يُقْسَمُ مَنَافِعُهُ لِمَنْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ، ( «مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي» ) وَيَدْخُلُ فِيهِ كِسَوْتُهُنَّ، وَسَائِرُ اللَّوَازِمِ كَالْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَنِ الزَّوَاجِ بِسَبَبِهِ، أَوْ لِعِظَمِ حُقُوقِهِنَّ لِفَضْلِهِنَّ، وَقِدَمِ هِجْرَتِهِنَّ وَكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِأَنَّهُنَّ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ: لِأَنَّهُنَّ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَبَدًا، فَجَرَتْ لَهُنَّ النَّفَقَةُ، وَتُرِكَتْ حُجَرُهُنَّ لَهُنَّ يَسْكُنَّهَا.

(وَمُؤْنَةِ عَامِلِي) ، قِيلَ: هُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْمُوَافِقُ لِمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الْعَامِلُ عَلَى النَّخْلِ، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ، وَأَبْعَدُ مَنْ قَالَ هُوَ حَافِرُ قَبْرِهِ، وَقِيلَ: خَادِمُهُ وَقِيلَ: عَامَلُ الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهَا كَالْأَجِيرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُجْرَةِ الْقَاسِمِ، قَالَهُ الْحَافِظُ.

وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمُرَادُ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلِيفَةٍ، أَوْ غَيْرِهِ، قَامَ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِشَرِيعَتِهِ فَهُوَ عَامِلٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا بُدَّ أَنْ يُكْفَى مُؤْنَتَهُ، وَإِلَّا ضَاعَ.

(فَهُوَ) ، أَيِ الْمَتْرُوكُ بَعْدَمَا ذُكِرَ (صَدَقَةٌ) ، مَعْنَى لِأَنِّي لَا أُورَثُ، أَوْ لَا أُخَلِّفُ مَالًا، فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ تَخْصِيصِ النِّسَاءِ بِالنَّفَقَةِ، وَالْمُؤْنَةِ لِلْعَامِلِ، وَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؟ أَجَابَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ، كَمَا فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي اللُّغَةِ: الْقِيَامُ بِالْكِفَايَةِ، وَالْإِنْفَاقُ بَدَلَ الْقُوتِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَقَةَ دُونَ الْمُؤْنَةِ، وَالسِّرُّ فِي التَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، كَانَ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنَ الْقُوتِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ الْأَجِيرِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يَكْفِيهِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُرْوَةَ: فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ مَنَعَهَا عَلِيٌّ عَبَّاسًا، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا، أَيْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَتَحْصِيلِ غَلَّاتِهَا لَا بِتَخْصِيصِ الْحَاصِلِ لِنَفْسِهِ، قَالَ: ثُمَّ بِيَدِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنٍ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ كِلَاهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلَانِهَا، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقًّا.

زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، حَتَّى وَلَّى هَؤُلَاءِ ; يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاسِ، فَقَبَضُوهَا.

وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: أَنَّ إِعْرَاضَ الْعَبَّاسِ عَنْهَا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْمَدَنِيَّ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ مَكَثَتْ فِي عَهْدِهِ يُوَلِّي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَقْبِضُهَا، وَيُفَرِّقُهَا فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْحَافِظُ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الْأُمُورُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا، وَالْخَمْسُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْفَرَائِضِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْخَرَاجِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.8 / 29.5
الإضاءة 90%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
الحمد لله