الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢٤٤٨
الحديث رقم ٢٤٤٨ من كتاب «كتاب الكلام» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في الصدق والكذب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٥ - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكْذِبُ امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ]
حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْذِبُ امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ»
ــ
٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
١٨٥٩ - ١٨١١ - (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) - بِضَمِّ السِّينِ - الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ عَابِدٌ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، فَهُوَ مُرْسَلٌ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا أَحْفَظُهُ مُسْنَدًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا، (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَكْذِبُ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ اسْتِغْنَاءً بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ، (امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ) ، بَلْ هُوَ شَرٌّ كُلُّهُ، (فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا) ، بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، (وَأَقُولُ لَهَا) أَفْعَلُ لَكِ كَذَا وَكَذَا، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا جُنَاحَ) : لَا حَرَجَ (عَلَيْكَ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالْوَعْدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ، وَهَذَا مُسْتَقْبَلٌ قَدْ يُمْكِنُهُ تَصْدِيقُ خَبَرِهِ فِيهِ.
وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ وَكَذَبَ وَفَجَرَ
ــ
١٨٥٩ - ١٨١٢ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ) ، وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ) ، أَيِ الْزَمُوهُ، وَدَاوِمُوا عَلَيْهِ، أَيِ الْقَوْلِ الْحَقِّ، وَهُوَ ضِدُّ الْكَذِبِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ نَحْوُ صَدَقَ فُلَانٌ فِي الْقِتَالِ، إِذَا أَوْفَاهُ حَقَّهُ، (فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي) - بِفَتْحَ أَوَّلِهِ - أَيْ يُوَصِّلُ صَاحِبَهُ (إِلَى الْبَرِّ) ، أَيْ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْخَالِصِ، وَالْبِرُّ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَقِيلَ اكْتِسَابُ الْحَسَنَاتِ.
(وَالْبِرَّ يَهْدِي) - بِفَتْحَ أَوَّلِهِ - يُوَصِّلُ صَاحِبَهُ (إِلَى الْجَنَّةِ) ، يَعْنِي أَنَّ الصِّدْقَ الَّذِي هُوَ بِرٌّ يَدْعُو إِلَى مَا يَكُونُ بِرًّا مِثْلَهُ، وَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَهُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِهَا، وَمِصْدَاقُهُ: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: ١٣] (سورة الِانْفِطَارِ: الْآيَةُ ١٣) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ كُلِّهِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَحَرَّاهُ لَمْ يَعْصِ أَبَدًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْرِقَ، أَوْ يَزْنِيَ، أَوْ يُؤْذِيَ أَحَدًا خَافَ أَنْ يُقَالَ لَهُ زَنَيْتَ أَوْ سَرَقْتَ، فَإِنْ سَكَتَ جَرَّ الرِّيبَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا، كَذَبَ، وَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَسَقَ، وَسَقَطَتْ مَنْزِلَتُهُ، وَذَهَبَتْ حُرْمَتُهُ.
زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: «وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَادِقًا» .
( «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ» ) ، أَيِ احْذَرُوا الْإِخْبَارَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ، ( «فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ» ) ، أَيْ يُوَصِّلُ إِلَى الْمَيْلِ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ وَالِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ شَرٍّ.
(وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ) ، أَيْ يُوَصِّلُ إِلَى مَا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِهَا، وَذَلِكَ دَاعٍ لِدُخُولِهَا، زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: " «وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» "، (أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ وَكَذَبَ وَفَجَرَ) اسْتِظْهَارٌ ; لِأَنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَالْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا فِي الْمَرْفُوعِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ نَفْعًا، وَلِذَا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عَلَى رُتْبَةِ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّهُ إِيمَانٌ وَزِيَادَةٌ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: ١١٩] (سورة التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ١١٩) ، وَفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ ضَرَرًا، فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَعُرِفَ بِهِ، فَلَا يُعْتَمَدُ نُطْقُهُ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَيَنْسَلِخُ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ لِخُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ بِالنُّطْقِ إِلَى الْبَهِيمِيَّةِ، فَيَصِيرُ هُوَ وَالْبَهِيمَةُ سَوَاءٌ، بَلْ هُوَ شَرٌّ مِنْهَا، لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ نُطْقُهَا، لَا يَضُرُّ، وَالْكَاذِبُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى يُرِيدُونَ الْفَضْلَ فَقَالَ لُقْمَانُ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي
ــ
١٨٥٩ - ١٨١٣ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ) ، قِيلَ: إِنَّهُ حَبَشِيٌّ، وَقِيلَ: نُوبِيٌّ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ كَانَ صَالِحًا أُوتِيَ الْحِكْمَةَ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.
وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ: إِنْ لُقْمَانَ خُيِّرَ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ عَنْ حَمْلِ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَاسْمُ وَالِدِهِ عَنْقَاءُ بْنُ شَرْوَانَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ لُقْمَانُ بْنُ بَاعُورَا بْنِ نَاصِرِ بْنِ آزَرَ، فَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ.
وَذَكَرَ وَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّهُ ابْنُ أُخْتِ أَيُّوبَ، وَقِيلَ: ابْنُ خَالَتِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ فِي عَصْرِ دَاوُدَ، وَقِيلَ: كَانَ يُفْتِي قَبْلَ بَعْثِهِ، وَقِيلَ: عَاصَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَالْمُصْطَفَى، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ الْتَبَسَ عَلَيْهِ بِلُقْمَانَ بْنِ عَادٍ.
(مَا بَلَغَ بِكَ مَا تَرَى) ، يُرِيدُونَ الْفَضْلَ الَّذِي يُشَاهِدُونَهُ مِنْهُ، (فَقَالَ لُقْمَانُ: صِدْقُ الْحَدِيثِ) ، إِذْ هُوَ أَصْلُ الْمَحْمُودَاتِ، وَرُكْنُ النُّبُوَّاتِ، وَنَتِيجَةُ التَّقْوَى، وَلَوْلَاهُ لَبَطَلَتْ أَحْكَامُ الشَّرَائِعِ، (وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ) إِلَى أَهْلِهَا، (وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ.
وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْكَاذِبِينَ
ــ
١٨٥٩ - ١٨١٤ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ) مَوْقُوفًا، وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلرَّأْيِ، (لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ) ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَوْ تَحْتِيَّةٍ ضُبِطَ بِهِمَا (فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ) ، أَيْ أَثَرٌ صَغِيرٌ، (سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ) ، لِتَعَدُّدِ النُّكْتَةِ بِتَعَدُّدِ الْكَذِبِ، (فَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ، أَيْ يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ، وَيَسْتَحِقُّ الْوَصْفَ بِهِ، وَالْعِقَابَ عَلَيْهِ، فَالْمُرَادُ إِظْهَارُهُ لِخَلْقِهِ بِالْكِتَابَةِ، لِيَشْتَهِرَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَيُلْقَى فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَيُوضَعَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، كَمَا يُوضَعُ الْقَبُولُ وَالْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أَفَادَهُ الْحَافِظُ، وَغَيْرُهُ، وَكَفَاهُ ذَلِكَ إِهَانَةً.
وَقَدْ رَوَى الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا يَكْذِبُ الْكَاذِبُ إِلَّا مِنْ مَهَانَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ» ".
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ]
حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْذِبُ امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ»
ــ
٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
١٨٥٩ - ١٨١١ - (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) - بِضَمِّ السِّينِ - الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ عَابِدٌ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، فَهُوَ مُرْسَلٌ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا أَحْفَظُهُ مُسْنَدًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا، (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَكْذِبُ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ اسْتِغْنَاءً بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ، (امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ) ، بَلْ هُوَ شَرٌّ كُلُّهُ، (فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا) ، بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، (وَأَقُولُ لَهَا) أَفْعَلُ لَكِ كَذَا وَكَذَا، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا جُنَاحَ) : لَا حَرَجَ (عَلَيْكَ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالْوَعْدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ، وَهَذَا مُسْتَقْبَلٌ قَدْ يُمْكِنُهُ تَصْدِيقُ خَبَرِهِ فِيهِ.
وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ وَكَذَبَ وَفَجَرَ
ــ
١٨٥٩ - ١٨١٢ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ) ، وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ) ، أَيِ الْزَمُوهُ، وَدَاوِمُوا عَلَيْهِ، أَيِ الْقَوْلِ الْحَقِّ، وَهُوَ ضِدُّ الْكَذِبِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ نَحْوُ صَدَقَ فُلَانٌ فِي الْقِتَالِ، إِذَا أَوْفَاهُ حَقَّهُ، (فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي) - بِفَتْحَ أَوَّلِهِ - أَيْ يُوَصِّلُ صَاحِبَهُ (إِلَى الْبَرِّ) ، أَيْ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْخَالِصِ، وَالْبِرُّ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَقِيلَ اكْتِسَابُ الْحَسَنَاتِ.
(وَالْبِرَّ يَهْدِي) - بِفَتْحَ أَوَّلِهِ - يُوَصِّلُ صَاحِبَهُ (إِلَى الْجَنَّةِ) ، يَعْنِي أَنَّ الصِّدْقَ الَّذِي هُوَ بِرٌّ يَدْعُو إِلَى مَا يَكُونُ بِرًّا مِثْلَهُ، وَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَهُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِهَا، وَمِصْدَاقُهُ: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: ١٣] (سورة الِانْفِطَارِ: الْآيَةُ ١٣) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ كُلِّهِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَحَرَّاهُ لَمْ يَعْصِ أَبَدًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْرِقَ، أَوْ يَزْنِيَ، أَوْ يُؤْذِيَ أَحَدًا خَافَ أَنْ يُقَالَ لَهُ زَنَيْتَ أَوْ سَرَقْتَ، فَإِنْ سَكَتَ جَرَّ الرِّيبَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا، كَذَبَ، وَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَسَقَ، وَسَقَطَتْ مَنْزِلَتُهُ، وَذَهَبَتْ حُرْمَتُهُ.
زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: «وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَادِقًا» .
( «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ» ) ، أَيِ احْذَرُوا الْإِخْبَارَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ، ( «فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ» ) ، أَيْ يُوَصِّلُ إِلَى الْمَيْلِ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ وَالِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ شَرٍّ.
(وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ) ، أَيْ يُوَصِّلُ إِلَى مَا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِهَا، وَذَلِكَ دَاعٍ لِدُخُولِهَا، زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: " «وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» "، (أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ وَكَذَبَ وَفَجَرَ) اسْتِظْهَارٌ ; لِأَنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَالْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا فِي الْمَرْفُوعِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ نَفْعًا، وَلِذَا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عَلَى رُتْبَةِ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّهُ إِيمَانٌ وَزِيَادَةٌ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: ١١٩] (سورة التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ١١٩) ، وَفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ ضَرَرًا، فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَعُرِفَ بِهِ، فَلَا يُعْتَمَدُ نُطْقُهُ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَيَنْسَلِخُ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ لِخُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ بِالنُّطْقِ إِلَى الْبَهِيمِيَّةِ، فَيَصِيرُ هُوَ وَالْبَهِيمَةُ سَوَاءٌ، بَلْ هُوَ شَرٌّ مِنْهَا، لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ نُطْقُهَا، لَا يَضُرُّ، وَالْكَاذِبُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى يُرِيدُونَ الْفَضْلَ فَقَالَ لُقْمَانُ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي
ــ
١٨٥٩ - ١٨١٣ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ) ، قِيلَ: إِنَّهُ حَبَشِيٌّ، وَقِيلَ: نُوبِيٌّ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ كَانَ صَالِحًا أُوتِيَ الْحِكْمَةَ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.
وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ: إِنْ لُقْمَانَ خُيِّرَ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ عَنْ حَمْلِ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَاسْمُ وَالِدِهِ عَنْقَاءُ بْنُ شَرْوَانَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ لُقْمَانُ بْنُ بَاعُورَا بْنِ نَاصِرِ بْنِ آزَرَ، فَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ.
وَذَكَرَ وَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّهُ ابْنُ أُخْتِ أَيُّوبَ، وَقِيلَ: ابْنُ خَالَتِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ فِي عَصْرِ دَاوُدَ، وَقِيلَ: كَانَ يُفْتِي قَبْلَ بَعْثِهِ، وَقِيلَ: عَاصَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَالْمُصْطَفَى، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ الْتَبَسَ عَلَيْهِ بِلُقْمَانَ بْنِ عَادٍ.
(مَا بَلَغَ بِكَ مَا تَرَى) ، يُرِيدُونَ الْفَضْلَ الَّذِي يُشَاهِدُونَهُ مِنْهُ، (فَقَالَ لُقْمَانُ: صِدْقُ الْحَدِيثِ) ، إِذْ هُوَ أَصْلُ الْمَحْمُودَاتِ، وَرُكْنُ النُّبُوَّاتِ، وَنَتِيجَةُ التَّقْوَى، وَلَوْلَاهُ لَبَطَلَتْ أَحْكَامُ الشَّرَائِعِ، (وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ) إِلَى أَهْلِهَا، (وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ.
وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْكَاذِبِينَ
ــ
١٨٥٩ - ١٨١٤ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ) مَوْقُوفًا، وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلرَّأْيِ، (لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ) ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَوْ تَحْتِيَّةٍ ضُبِطَ بِهِمَا (فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ) ، أَيْ أَثَرٌ صَغِيرٌ، (سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ) ، لِتَعَدُّدِ النُّكْتَةِ بِتَعَدُّدِ الْكَذِبِ، (فَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ، أَيْ يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ، وَيَسْتَحِقُّ الْوَصْفَ بِهِ، وَالْعِقَابَ عَلَيْهِ، فَالْمُرَادُ إِظْهَارُهُ لِخَلْقِهِ بِالْكِتَابَةِ، لِيَشْتَهِرَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَيُلْقَى فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَيُوضَعَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، كَمَا يُوضَعُ الْقَبُولُ وَالْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أَفَادَهُ الْحَافِظُ، وَغَيْرُهُ، وَكَفَاهُ ذَلِكَ إِهَانَةً.
وَقَدْ رَوَى الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا يَكْذِبُ الْكَاذِبُ إِلَّا مِنْ مَهَانَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ» ".