الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٦٢٣
الحديث رقم ٦٢٣ من كتاب «كتاب القرآن» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في الدعاء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣١ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، يَقُولُ:
روى علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا الدعاء في آخر وتره، إما في السجود أو قبل التسليم، وهو: اللهم إني أستعيذ بك من عذابك، وأتحصن متوسلًا برضاك من فعلٍ يوجب سخطك، وأعتصم بمغفرتك فضلًا منك ومنة من تعذيبك إياي بسبب ذنوبي وتفريطي، وأعتصم بك مما يؤدي إلى عذابك من المخالفات، لا أستطيع ولا أطيق حصر ثنائك، وهذا بيان لكمال عجز البشر عن أداء حق الرب سبحانه وتعالى، أنت أعلم بنفسك وما تستحقه من الثناء، فأنت كما عظمتَ نفسك.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَقَدْتُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»
ــ
٤٩٧ - ٥٠٠ - (مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ) تَيْمِ قُرَيْشٍ (أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ، وَهُوَ مُسْنَدٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
وَطَرِيقُ الْأَعْرَجِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ( «قَالَتْ: كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَقَدْتُهُ» ) بِفَتْحِ الْقَافِ، وَفِي رِوَايَةٍ افْتَقَدْتُهُ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى لَمْ أَجِدْهُ (مِنَ اللَّيْلِ) وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ: وَكَانَ مَعِيَ عَلَى فِرَاشِي (فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي) وَفِي رِوَايَةٍ: فَالْتَمَسْتُهُ فِي الْبَيْتِ، وَجَعَلْتُ أَطْلُبُهُ بِيَدِي (فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَهُمَا مُنْتَصِبَتَانِ (وَهُوَ سَاجِدٌ) وَفِيهِ أَنَّ اللَّمْسَ بِلَا لَذَّةٍ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَاحْتِمَالُ أَنَّهُ كَانَ فَوْقَ حَائِلٍ خِلَافَ الْأَصْلِ فَسَمِعْتُهُ (يَقُولُ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي ( «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ» ) أَيْ بِمَا يُرْضِيكَ مِمَّا يُسْخِطُكَ، فَخَرَجَ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ بِإِقَامَةِ حُرْمَةِ مَحْبُوبِهِ، فَهَذَا لِلَّهِ، ثُمَّ الَّذِي لِنَفْسِهِ قَوْلُهُ: ( «وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» ) وَفِي إِضَافَتِهَا كَالسَّخَطِ إِلَيْهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى جَوَازِ إِضَافَةِ الشَّرِّ إِلَيْهِ تَعَالَى كَالْخَيْرِ، وَاسْتَعَاذَ بِهَا بَعْدَ اسْتِعَاذَتِهِ بِرِضَاهُ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْضَى مِنْ جِهَةِ حُقُوقِهِ، وَيُعَاقِبَ عَلَى حُقُوقِ غَيْرِهِ (وَبِكَ مِنْكَ) قَالَ عِيَاضٌ: تَرَقٍّ مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى مُنْشِئِ الْأَفْعَالِ مُشَاهَدَةً لِلْحَقِّ وَغَيْبَةً عَنِ الْخَلْقِ الَّذِي هُوَ مَحْضُ الْمَعْرِفَةِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ قَوْلٌ وَلَا يَضْبُطُهُ وَصْفٌ، فَهُوَ مَحْضُ التَّوْحِيدِ، وَقَطْعُ
الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِهِ وَإِفْرَادُهُ بِالِاسْتِعَانَةِ وَغَيْرِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَالرِّضَا وَالسَّخَطُ ضِدَّانِ كَالْمُعَافَاةِ وَالْعُقُوبَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ مَا لَا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْرَ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَارُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي بُلُوغِ الْوَاجِبِ مِنْ عِبَادَتِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ: ( «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَيْ لَا أَبْلُغُ الْوَاجِبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَيْ لَا أُحَصِّلُ ثَنَاءً لِعَجْزِي عَنْهُ إِذْ هُوَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا، وَهَكَذَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا أَعُدُّ كَمَا فِي الصِّحَاحِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَاءِ الْعَدُّ بِالْحَصَى كَمَا قَالَ:
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ... وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ
وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْإِحْصَاءِ الْمُفَسَّرِ بِالْعَدِّ وَإِرَادَةِ نَفْيِ اللَّازِمِ، وَهُوَ اسْتِيعَابُ الْمَعْدُودِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لَا أَسْتَوْعِبُ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ الْقُدْرَةِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الثَّنَاءَاتِ، أَوْ فَرْدٌ مِنْهَا يَفِي بِنِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ لَا عَدِّهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ عَدُّ أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الثَّنَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَإِنِ اجْتَهَدْتُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ فَلَنْ أُحْصِيَ نِعَمَكَ وَمِنَنَكَ وَإِحْسَانَكَ.
(أَنْتَ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (كَمَا أَثْنَيْتَ) أَيِ الثَّنَاءُ عَلَيْكَ هُوَ الْمُمَاثِلُ لِثَنَائِكَ (عَلَى نَفْسِكَ) وَلَا قُدْرَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَنْتَ تَأْكِيدٌ لِلْكَافِ مِنْ عَلَيْكَ بِاسْتِعَارَةِ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ لِلْمُتَّصِلِ، وَالثَّنَاءُ بِتَقْدِيمِ الْمُثَلَّثَةِ، وَالْمَدُّ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ عَلَى الْمَشْهُورِ لُغَةً، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الشَّرِّ مَجَازٌ. وَقَالَ الْمَجْدُ: وَصْفٌ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ خَاصٌّ بِالْمَدْحِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ وَصْفَهُ وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ حَقِيقَتِهِ، وَرَدُّ الثَّنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ، فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِصِفَاتِهِ لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الثَّنَاءَ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ فَكُلُّ شَيْءٍ أَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ وَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ وَبُولِغَ فِيهِ، فَقَدْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ، وَسُلْطَانُهُ أَعَزُّ، وَصِفَاتُهُ أَكْثَرُ وَأَكْبَرُ، وَفَضْلُهُ أَوْسَعُ وَأَسْبَغُ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَقَدْتُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»
ــ
٤٩٧ - ٥٠٠ - (مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ) تَيْمِ قُرَيْشٍ (أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ، وَهُوَ مُسْنَدٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
وَطَرِيقُ الْأَعْرَجِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ( «قَالَتْ: كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَقَدْتُهُ» ) بِفَتْحِ الْقَافِ، وَفِي رِوَايَةٍ افْتَقَدْتُهُ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى لَمْ أَجِدْهُ (مِنَ اللَّيْلِ) وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ: وَكَانَ مَعِيَ عَلَى فِرَاشِي (فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي) وَفِي رِوَايَةٍ: فَالْتَمَسْتُهُ فِي الْبَيْتِ، وَجَعَلْتُ أَطْلُبُهُ بِيَدِي (فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَهُمَا مُنْتَصِبَتَانِ (وَهُوَ سَاجِدٌ) وَفِيهِ أَنَّ اللَّمْسَ بِلَا لَذَّةٍ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَاحْتِمَالُ أَنَّهُ كَانَ فَوْقَ حَائِلٍ خِلَافَ الْأَصْلِ فَسَمِعْتُهُ (يَقُولُ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي ( «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ» ) أَيْ بِمَا يُرْضِيكَ مِمَّا يُسْخِطُكَ، فَخَرَجَ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ بِإِقَامَةِ حُرْمَةِ مَحْبُوبِهِ، فَهَذَا لِلَّهِ، ثُمَّ الَّذِي لِنَفْسِهِ قَوْلُهُ: ( «وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» ) وَفِي إِضَافَتِهَا كَالسَّخَطِ إِلَيْهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى جَوَازِ إِضَافَةِ الشَّرِّ إِلَيْهِ تَعَالَى كَالْخَيْرِ، وَاسْتَعَاذَ بِهَا بَعْدَ اسْتِعَاذَتِهِ بِرِضَاهُ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْضَى مِنْ جِهَةِ حُقُوقِهِ، وَيُعَاقِبَ عَلَى حُقُوقِ غَيْرِهِ (وَبِكَ مِنْكَ) قَالَ عِيَاضٌ: تَرَقٍّ مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى مُنْشِئِ الْأَفْعَالِ مُشَاهَدَةً لِلْحَقِّ وَغَيْبَةً عَنِ الْخَلْقِ الَّذِي هُوَ مَحْضُ الْمَعْرِفَةِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ قَوْلٌ وَلَا يَضْبُطُهُ وَصْفٌ، فَهُوَ مَحْضُ التَّوْحِيدِ، وَقَطْعُ
الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِهِ وَإِفْرَادُهُ بِالِاسْتِعَانَةِ وَغَيْرِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَالرِّضَا وَالسَّخَطُ ضِدَّانِ كَالْمُعَافَاةِ وَالْعُقُوبَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ مَا لَا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْرَ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَارُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي بُلُوغِ الْوَاجِبِ مِنْ عِبَادَتِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ: ( «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَيْ لَا أَبْلُغُ الْوَاجِبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَيْ لَا أُحَصِّلُ ثَنَاءً لِعَجْزِي عَنْهُ إِذْ هُوَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا، وَهَكَذَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا أَعُدُّ كَمَا فِي الصِّحَاحِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَاءِ الْعَدُّ بِالْحَصَى كَمَا قَالَ:
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ... وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ
وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْإِحْصَاءِ الْمُفَسَّرِ بِالْعَدِّ وَإِرَادَةِ نَفْيِ اللَّازِمِ، وَهُوَ اسْتِيعَابُ الْمَعْدُودِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لَا أَسْتَوْعِبُ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ الْقُدْرَةِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الثَّنَاءَاتِ، أَوْ فَرْدٌ مِنْهَا يَفِي بِنِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ لَا عَدِّهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ عَدُّ أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الثَّنَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَإِنِ اجْتَهَدْتُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ فَلَنْ أُحْصِيَ نِعَمَكَ وَمِنَنَكَ وَإِحْسَانَكَ.
(أَنْتَ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (كَمَا أَثْنَيْتَ) أَيِ الثَّنَاءُ عَلَيْكَ هُوَ الْمُمَاثِلُ لِثَنَائِكَ (عَلَى نَفْسِكَ) وَلَا قُدْرَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَنْتَ تَأْكِيدٌ لِلْكَافِ مِنْ عَلَيْكَ بِاسْتِعَارَةِ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ لِلْمُتَّصِلِ، وَالثَّنَاءُ بِتَقْدِيمِ الْمُثَلَّثَةِ، وَالْمَدُّ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ عَلَى الْمَشْهُورِ لُغَةً، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الشَّرِّ مَجَازٌ. وَقَالَ الْمَجْدُ: وَصْفٌ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ خَاصٌّ بِالْمَدْحِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ وَصْفَهُ وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ حَقِيقَتِهِ، وَرَدُّ الثَّنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ، فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِصِفَاتِهِ لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الثَّنَاءَ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ فَكُلُّ شَيْءٍ أَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ وَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ وَبُولِغَ فِيهِ، فَقَدْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ، وَسُلْطَانُهُ أَعَزُّ، وَصِفَاتُهُ أَكْثَرُ وَأَكْبَرُ، وَفَضْلُهُ أَوْسَعُ وَأَسْبَغُ.