رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٦٢٢

الحديث رقم ٦٢٢ من كتاب «كتاب القرآن» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في الدعاء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل…

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ "

سند حديث: ٣٠ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ، عَنْ ابْنِ…

٣٠ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل…

بيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ تَبارَك وتعالَى يَنزِلُ كلَّ لَيلةٍ إلى السماء الدنيا حِينَ يَبْقى الثُّلثُ الأخيرُ مِن اللَّيل، ويُرَغِّبُ عبادَه أن يَدْعُوْهُ، فهو يَستجيب لمَن دَعاه، ويَحُثُّهم أن يَسألوه ما يُريدون، فهو يُعطي مَن سأله، ويَنْدُبُهم أنْ يَستغفروه مِن ذنوبِهم فهو يَغفِرُ لعبادِه المؤمنين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل الثلث الأخير من الليل والصلاة والدعاء والاستغفار فيه.
  • ينبغي للإنسان عند سماع هذا الحديث أن يكون شديد الحرص على اغتنام أوقات الإجابة للدعاء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»

ــ

٤٩٦ - ٤٩٩ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) سَلْمَانَ بِسُكُونِ اللَّامِ (الْأَغَرِّ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ، الْجُهَنِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، وَأَصْلُهُ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا) اخْتُلِفَ فِيهِ فَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مُنَزِّهِينَ لِلَّهِ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ.

وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْحَمَّادَيْنِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ أَسْلَمُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ الْمُعَيَّنَ لَا يَجِبُ فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيضُ أَسْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: النُّزُولُ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ، بَلْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مَلَكِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَالنُّزُولُ حِسِّيٌّ صِفَةُ الْمَلَكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ، أَوْ مَعْنَوِيٌّ بِمَعْنَى لَمْ يَفْعَلُ ثُمَّ فَعَلَ فَسُمِّيَ ذَلِكَ نُزُولًا عَنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِلُ أَمْرُهُ أَوْ الْمَلَكُ، وَإِمَّا أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى التَّلَطُّفِ وَالْإِجَابَةِ لَهُمْ وَنَحْوِهِ.

وَكَذَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلَهُ بِنُزُولِ رَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ، كَمَا يُقَالُ فَعَلَ الْمَلِكُ كَذَا أَيْ أَتْبَاعُهُ بِأَمْرِهِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ

عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ قَوْمٌ يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ أَمْرَهُ بِمَا يَشَاءُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ يَنْزِلُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِلَا تَوْقِيتِ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَغْلَبَ فِي الِاسْتِجَابَةِ ذَلِكَ الْوَقْتُ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ إِجَابَةِ الدَّاعِي وَغُفْرَانِهِ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ وَتَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِ الْوَقْتِ كَحَدِيثِ: " إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا. الْحَدِيثَ، لَمْ يُرِدْ قُرْبَ الْمَسَافَةِ لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَمَلَ مِنَ الْعَبْدِ وَمِنْهُ تَعَالَى الْإِجَابَةُ.

وَحَكَى ابْنُ فُورَكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُنْزَلُ مَلِكًا، قَالَ الْحَافِظُ: وَيُقَوِّيِهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ: «أَنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ؟» " الْحَدِيثَ.

وَحَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عِنْدَ أَحْمَدَ: " «يُنَادِي مُنَادٍ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟» الْحَدِيثَ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَلَا يَعْكِرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: " «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي» " ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِنْزَالِهِ الْمَلَكَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ صُنْعِ الْعِبَادِ، بَلْ يَجُوزُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمُنَادَاةِ، وَلَا يَسْأَلُ الْبَتَّةَ عَمَّا بَعْدَهَا، فَهُوَ أَعْلَمُ سُبْحَانَهُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، انْتَهَى.

وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الْإِشْكَالُ مَدْفُوعٌ حَتَّى عَلَى أَنَّهُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ الَّذِي هُوَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ. وَكُلٌّ مِنْ حَدِيثَيِ النَّسَائِيِّ وَأَحْمَدَ يُقَوِّي تَأْوِيلَهُ بِأَنَّهُ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ أَوْ الِاسْتِعَارَةِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَمَّا ثَبَتَ بِالْقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُولُ عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفَضَ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ دُنُوُّ رَحْمَتِهِ أَيْ يَنْتَقِلُ مِنْ مُقْتَضَى صِفَةِ الْجَلَالِ الَّتِي تَقْتَضِي الْغَضَبَ وَالِانْتِقَامَ إِلَى مُقْتَضَى صِفَةِ الْإِكْرَامِ الَّتِي تَقْتَضِي الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ.

(تَبَارَكَ وَتَعَالَى) جُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَظَرْفِهِ وَهُوَ (كُلَّ لَيْلَةٍ) لَمَّا أُسْنِدَ النُّزُولُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ إِسْنَادُهُ حَقِيقَةً إِلَيْهِ اعْتُرِضَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّنْزِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: ٥٧] (سُورَةُ النَّحْلِ: الْآيَةُ ٥٧) (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) بِرَفْعِهِ صِفَةُ (ثُلُثُ) ، وَتَخْصِيصُهُ بِاللَّيْلِ وَثُلُثُهُ الْآخِرُ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّهَجُّدِ وَغَفْلَةِ النَّاسِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ النِّيَّةُ خَالِصَةً وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ وَافِرَةً وَذَلِكَ مَظِنَّةُ الْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ.

وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ، وَيُقَوِّيِهِ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةَ لَهُ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى رَاوِيهَا وَانْحَصَرَتْ فِي سِتَّةٍ هَذِهِ ثَانِيهَا: إِذَا مَضَى الثُّلُثُ الْأَوَّلُ. ثَالِثُهَا: الثُّلُثُ الْأَوَّلُ أَوِ النِّصْفُ. رَابِعُهَا: النِّصْفُ. خَامِسُهَا: الثُّلُثُ الْأَخِيرُ أَوِ النِّصْفُ. سَادِسُهَا: الْإِطْلَاقُ فَجَمَعَ بَيْنَهَا بِحْمِلِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ. وَأَمَّا الَّتِي بِأَوْ فَإِنْ كَانَتْ لِلشَّكِّ فَالْجَزْمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الشَّكِّ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ فَيُجْمَعُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِحَسَبِ

اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّ أَوْقَاتَ اللَّيْلِ تَخْتَلِفُ فِي الزِّيَادَةِ، وَفِي الْأَوْقَاتِ بِاخْتِلَافِ تَقَدُّمِ اللَّيْلِ عِنْدَ قَوْمٍ وَتَأَخُّرِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، أَوِ النُّزُولُ يَقَعُ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ، وَالْقَوْلُ يَقَعُ فِي النِّصْفِ، وَفِي الثُّلُثِ الثَّانِي، أَوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُعْلِمَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ فِي وَقْتٍ، فَأَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَأَخْبَرَ بِهِ، فَنَقَلَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عَنْهُ.

(فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ) أَيْ أُجِيبَ (لَهُ) دُعَاءَهُ، فَلَيْسَتِ السِّينُ لِلطَّلَبِ (مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ) مَسْئُولَهُ (مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ذُنُوبَهُ، بِنَصْبِ الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَبِهِمَا قُرِئَ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة: ٢٤٥] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٤٥) وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِمَّا رَفْعُ الْمَضَارِّ أَوْ جَلْبُ الْمَسَارِّ، وَذَلِكَ إِمَّا دُنْيَوِيٌّ أَوْ دِينِيٌّ، فَفِي الِاسْتِغْفَارِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ، وَالدُّعَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى الثَّانِي، وَالسُّؤَالُ إِشَارَةٌ إِلَى الثَّالِثِ.

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الدُّعَاءَ مَا لَا طَلَبَ فِيهِ، وَالسُّؤَالُ الطَّلَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، انْتَهَى.

وَزَادَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «هَلْ تَائِبٌ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟» " وَزَادَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْهُ: " «مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَ عَنْهُ؟» " وَزَادَ عَطَاءٌ مَوْلَى أُمِّ صُبَيَّةَ، بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَةٍ، عَنْهُ: " أَلَا سَقِيمٌ يَسْتَشْفِي فَيُشْفَى؟ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَمَعَانِيهَا دَاخِلَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَزَادُ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ عَنْهُ: " مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى عَمَلِ الطَّاعَةِ وَإِشَارَةٌ إِلَى جَزِيلِ ثَوَابِهَا.

وَزَادَ حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ: " حَتَّى الْفَجْرِ ".

وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: " حَتَّى الْفَجْرِ ". وَعَلَيْهِ اتَّفَقَ مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ. وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " حَتَّى تَحُلَّ الشَّمْسُ "، وَهِيَ شَاذَّةٌ.

وَفِي الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَأَنَّهُ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: ١٧] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ١٧) وَأَنَّ الدُّعَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتَ مُجَابٌ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ بَعْضِ الدَّاعِينَ ; لِأَنَّ سَبَبَهُ وُقُوعُ الْخَلَلِ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الدُّعَاءِ كَالِاحْتِرَازِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ، أَوِ اسْتِعْجَالِ الدَّاعِي، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، أَوْ تَحْصُلُ الْإِجَابَةُ وَيَتَأَخَّرُ وُجُودُ الْمَطْلُوبِ لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ، أَوْ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى، هَذَا وَقَدْ حَمَلَ الْمُشَبِّهَةُ الْحَدِيثَ، وَأَحَادِيثَ التَّشْبِيهِ كُلَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ - وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ فَأَنْكَرُوا صِحَّتَهَا جُمْلَةً وَهُوَ مُكَابَرَةٌ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرُوا الْأَحَادِيثَ جَهْلًا أَوْ عِنَادًا، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ الْمُسْتَعْمَلِ لُغَةً، وَبَيْنَ الْبَعِيدِ الْمَهْجُورِ، فَأَوَّلَ فِي بَعْضٍ وَفَوَّضَ فِي بَعْضٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: مَنَعَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ

التَّحْدِيثَ بِحَدِيثِ: " «اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» "، وَحَدِيثِ: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» "، وَحَدِيثِ: " السَّاقِ " وَقَالَ: مَا يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ وَهُوَ يَرَى مَا فِيهِ مِنَ التَّغْرِيرِ، وَلَمْ يَرَ مِثْلَهُ حَدِيثَ: " إِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ "، وَحَدِيثَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا "، فَأَجَازَ التَّحْدِيثَ بِهِمَا.

قَالَ: فَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ حَدِيثَ التَّنَزُّلِ وَالضَّحِكِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، لَمْ يُطْعَنْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَحَدِيثُ الْعَرْشِ وَالصُّورَةِ وَالسَّاقِ لَا تَبْلُغُ أَحَادِيثُهَا فِي الصِّحَّةِ دَرَجَةَ التَّنَزُّلِ وَالضَّحِكِ، وَبِأَنَّ التَّأْوِيلَ فِي حَدِيثِ التَّنَزُّلِ أَقْرَبُ وَأَبْيَنُ، وَالْعُذْرَ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ فِيهَا أَبْعَدُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيِّ، وَفِي التَّوْحِيدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ. وَمُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»

ــ

٤٩٦ - ٤٩٩ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) سَلْمَانَ بِسُكُونِ اللَّامِ (الْأَغَرِّ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ، الْجُهَنِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، وَأَصْلُهُ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا) اخْتُلِفَ فِيهِ فَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مُنَزِّهِينَ لِلَّهِ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ.

وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْحَمَّادَيْنِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ أَسْلَمُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ الْمُعَيَّنَ لَا يَجِبُ فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيضُ أَسْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: النُّزُولُ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ، بَلْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مَلَكِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَالنُّزُولُ حِسِّيٌّ صِفَةُ الْمَلَكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ، أَوْ مَعْنَوِيٌّ بِمَعْنَى لَمْ يَفْعَلُ ثُمَّ فَعَلَ فَسُمِّيَ ذَلِكَ نُزُولًا عَنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِلُ أَمْرُهُ أَوْ الْمَلَكُ، وَإِمَّا أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى التَّلَطُّفِ وَالْإِجَابَةِ لَهُمْ وَنَحْوِهِ.

وَكَذَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلَهُ بِنُزُولِ رَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ، كَمَا يُقَالُ فَعَلَ الْمَلِكُ كَذَا أَيْ أَتْبَاعُهُ بِأَمْرِهِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ

عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ قَوْمٌ يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ أَمْرَهُ بِمَا يَشَاءُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ يَنْزِلُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِلَا تَوْقِيتِ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَغْلَبَ فِي الِاسْتِجَابَةِ ذَلِكَ الْوَقْتُ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ إِجَابَةِ الدَّاعِي وَغُفْرَانِهِ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ وَتَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِ الْوَقْتِ كَحَدِيثِ: " إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا. الْحَدِيثَ، لَمْ يُرِدْ قُرْبَ الْمَسَافَةِ لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَمَلَ مِنَ الْعَبْدِ وَمِنْهُ تَعَالَى الْإِجَابَةُ.

وَحَكَى ابْنُ فُورَكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُنْزَلُ مَلِكًا، قَالَ الْحَافِظُ: وَيُقَوِّيِهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ: «أَنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ؟» " الْحَدِيثَ.

وَحَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عِنْدَ أَحْمَدَ: " «يُنَادِي مُنَادٍ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟» الْحَدِيثَ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَلَا يَعْكِرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: " «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي» " ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِنْزَالِهِ الْمَلَكَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ صُنْعِ الْعِبَادِ، بَلْ يَجُوزُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمُنَادَاةِ، وَلَا يَسْأَلُ الْبَتَّةَ عَمَّا بَعْدَهَا، فَهُوَ أَعْلَمُ سُبْحَانَهُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، انْتَهَى.

وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الْإِشْكَالُ مَدْفُوعٌ حَتَّى عَلَى أَنَّهُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ الَّذِي هُوَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ. وَكُلٌّ مِنْ حَدِيثَيِ النَّسَائِيِّ وَأَحْمَدَ يُقَوِّي تَأْوِيلَهُ بِأَنَّهُ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ أَوْ الِاسْتِعَارَةِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَمَّا ثَبَتَ بِالْقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُولُ عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفَضَ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ دُنُوُّ رَحْمَتِهِ أَيْ يَنْتَقِلُ مِنْ مُقْتَضَى صِفَةِ الْجَلَالِ الَّتِي تَقْتَضِي الْغَضَبَ وَالِانْتِقَامَ إِلَى مُقْتَضَى صِفَةِ الْإِكْرَامِ الَّتِي تَقْتَضِي الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ.

(تَبَارَكَ وَتَعَالَى) جُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَظَرْفِهِ وَهُوَ (كُلَّ لَيْلَةٍ) لَمَّا أُسْنِدَ النُّزُولُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ إِسْنَادُهُ حَقِيقَةً إِلَيْهِ اعْتُرِضَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّنْزِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: ٥٧] (سُورَةُ النَّحْلِ: الْآيَةُ ٥٧) (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) بِرَفْعِهِ صِفَةُ (ثُلُثُ) ، وَتَخْصِيصُهُ بِاللَّيْلِ وَثُلُثُهُ الْآخِرُ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّهَجُّدِ وَغَفْلَةِ النَّاسِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ النِّيَّةُ خَالِصَةً وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ وَافِرَةً وَذَلِكَ مَظِنَّةُ الْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ.

وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ، وَيُقَوِّيِهِ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةَ لَهُ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى رَاوِيهَا وَانْحَصَرَتْ فِي سِتَّةٍ هَذِهِ ثَانِيهَا: إِذَا مَضَى الثُّلُثُ الْأَوَّلُ. ثَالِثُهَا: الثُّلُثُ الْأَوَّلُ أَوِ النِّصْفُ. رَابِعُهَا: النِّصْفُ. خَامِسُهَا: الثُّلُثُ الْأَخِيرُ أَوِ النِّصْفُ. سَادِسُهَا: الْإِطْلَاقُ فَجَمَعَ بَيْنَهَا بِحْمِلِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ. وَأَمَّا الَّتِي بِأَوْ فَإِنْ كَانَتْ لِلشَّكِّ فَالْجَزْمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الشَّكِّ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ فَيُجْمَعُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِحَسَبِ

اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّ أَوْقَاتَ اللَّيْلِ تَخْتَلِفُ فِي الزِّيَادَةِ، وَفِي الْأَوْقَاتِ بِاخْتِلَافِ تَقَدُّمِ اللَّيْلِ عِنْدَ قَوْمٍ وَتَأَخُّرِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، أَوِ النُّزُولُ يَقَعُ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ، وَالْقَوْلُ يَقَعُ فِي النِّصْفِ، وَفِي الثُّلُثِ الثَّانِي، أَوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُعْلِمَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ فِي وَقْتٍ، فَأَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَأَخْبَرَ بِهِ، فَنَقَلَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عَنْهُ.

(فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ) أَيْ أُجِيبَ (لَهُ) دُعَاءَهُ، فَلَيْسَتِ السِّينُ لِلطَّلَبِ (مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ) مَسْئُولَهُ (مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ذُنُوبَهُ، بِنَصْبِ الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَبِهِمَا قُرِئَ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة: ٢٤٥] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٤٥) وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِمَّا رَفْعُ الْمَضَارِّ أَوْ جَلْبُ الْمَسَارِّ، وَذَلِكَ إِمَّا دُنْيَوِيٌّ أَوْ دِينِيٌّ، فَفِي الِاسْتِغْفَارِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ، وَالدُّعَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى الثَّانِي، وَالسُّؤَالُ إِشَارَةٌ إِلَى الثَّالِثِ.

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الدُّعَاءَ مَا لَا طَلَبَ فِيهِ، وَالسُّؤَالُ الطَّلَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، انْتَهَى.

وَزَادَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «هَلْ تَائِبٌ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟» " وَزَادَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْهُ: " «مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَ عَنْهُ؟» " وَزَادَ عَطَاءٌ مَوْلَى أُمِّ صُبَيَّةَ، بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَةٍ، عَنْهُ: " أَلَا سَقِيمٌ يَسْتَشْفِي فَيُشْفَى؟ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَمَعَانِيهَا دَاخِلَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَزَادُ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ عَنْهُ: " مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى عَمَلِ الطَّاعَةِ وَإِشَارَةٌ إِلَى جَزِيلِ ثَوَابِهَا.

وَزَادَ حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ: " حَتَّى الْفَجْرِ ".

وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: " حَتَّى الْفَجْرِ ". وَعَلَيْهِ اتَّفَقَ مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ. وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " حَتَّى تَحُلَّ الشَّمْسُ "، وَهِيَ شَاذَّةٌ.

وَفِي الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَأَنَّهُ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: ١٧] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ١٧) وَأَنَّ الدُّعَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتَ مُجَابٌ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ بَعْضِ الدَّاعِينَ ; لِأَنَّ سَبَبَهُ وُقُوعُ الْخَلَلِ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الدُّعَاءِ كَالِاحْتِرَازِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ، أَوِ اسْتِعْجَالِ الدَّاعِي، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، أَوْ تَحْصُلُ الْإِجَابَةُ وَيَتَأَخَّرُ وُجُودُ الْمَطْلُوبِ لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ، أَوْ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى، هَذَا وَقَدْ حَمَلَ الْمُشَبِّهَةُ الْحَدِيثَ، وَأَحَادِيثَ التَّشْبِيهِ كُلَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ - وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ فَأَنْكَرُوا صِحَّتَهَا جُمْلَةً وَهُوَ مُكَابَرَةٌ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرُوا الْأَحَادِيثَ جَهْلًا أَوْ عِنَادًا، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ الْمُسْتَعْمَلِ لُغَةً، وَبَيْنَ الْبَعِيدِ الْمَهْجُورِ، فَأَوَّلَ فِي بَعْضٍ وَفَوَّضَ فِي بَعْضٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: مَنَعَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ

التَّحْدِيثَ بِحَدِيثِ: " «اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» "، وَحَدِيثِ: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» "، وَحَدِيثِ: " السَّاقِ " وَقَالَ: مَا يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ وَهُوَ يَرَى مَا فِيهِ مِنَ التَّغْرِيرِ، وَلَمْ يَرَ مِثْلَهُ حَدِيثَ: " إِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ "، وَحَدِيثَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا "، فَأَجَازَ التَّحْدِيثَ بِهِمَا.

قَالَ: فَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ حَدِيثَ التَّنَزُّلِ وَالضَّحِكِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، لَمْ يُطْعَنْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَحَدِيثُ الْعَرْشِ وَالصُّورَةِ وَالسَّاقِ لَا تَبْلُغُ أَحَادِيثُهَا فِي الصِّحَّةِ دَرَجَةَ التَّنَزُّلِ وَالضَّحِكِ، وَبِأَنَّ التَّأْوِيلَ فِي حَدِيثِ التَّنَزُّلِ أَقْرَبُ وَأَبْيَنُ، وَالْعُذْرَ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ فِيهَا أَبْعَدُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيِّ، وَفِي التَّوْحِيدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ. وَمُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.9 / 29.5
الإضاءة 89%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
سبحان الله