الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٧٧٠
الحديث رقم ٧٧٠ من كتاب «كتاب الزكاة» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما لا زكاة فيه من الفواكه والقضب والبقول قال مالك: " السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمان، والفرسك والتين، وما أشبه ذلك وما لم يشبهه. إذا كان من الفواكه. -[٢٧٧]- قال: ولا في القضب ولا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَالْقَضْبِ وَالْبُقُولِ
قَالَ مَالِكٌ: " السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ: الرُّمَّانِ، وَالْفِرْسِكِ وَالتِّينِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ. إِذَا كَانَ مِنَ الْفَوَاكِهِ. ⦗٢٧٧⦘ قَالَ: وَلَا فِي الْقَضْبِ وَلَا فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ. وَلَا فِي أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا، وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا وَهُوَ نِصَابٌ "
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الزَّيْتُونِ فَقَالَ فِيهِ الْعُشْرُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَمَا لَمْ يَبْلُغْ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يَدَّخِرُهَا النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا سَقَتْهُ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا سَقَتْهُ الْعُيُونُ وَمَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْجُلَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبًّا قَالَ وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا دَفَعُوا وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا فَقَالَ لَا يُنْظَرُ إِلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ وَقَدْ صَلَحَ وَيَبِسَ فِي أَكْمَامِهِ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ زَكَاةٌ وَلَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: ١٤١] أَنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ أَوْ أَرْضَهُ وَفِي ذَلِكَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ
ــ
٢٠ - بَابُ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ
٦١٠ - ٦٠٩ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الزَّيْتُونِ، فَقَالَ: فِيهِ الْعُشْرُ) لِأَنَّهُ يُوسَقُ، فَدَخَلَ فِي الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالثَّانِي كَابْنِ وَهْبٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: لَا زَكَاةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ إِدَامٌ لَا قُوتٌ (قَالَهُ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) فَيُؤْخَذُ عُشْرُ أَوْ نِصْفُ عُشْرِ زَيْتِهِ وَلَوْ قَلَّ كَرِطْلٍ (فَمَا لَمْ يَبْلُغْ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) عَمَلًا بِالْحَدِيثِ، فَإِنْ بَلَغَهَا وَكَانَ لَا زَيْتَ فِيهِ أُخِذَ مِنْ ثَمَنِهِ لَا مِنْ حَبِّهِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا. (وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ) الْمَطَرُ (وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ) الرَّشِّ وَالصَّبِّ بِمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ بِآلَةٍ (فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ) وَهَذَا بَيَانُ مَا أَجْمَلَهُ ابْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ فِيهِ الْعُشْرُ. (وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنَ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ التَّخْرِيصُ إِلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ (وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يَدَّخِرُهَا النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا سَقَتْهُ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا سَقَتْهُ الْعُيُونُ، وَمَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ) الْآلَةِ (نِصْفُ الْعُشْرِ) وَشَرْطُ ذَلِكَ فِيهِمَا (إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) وَذَلِكَ سِتُّونَ صَاعًا (بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ، صَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ ذَلِكَ) وَلَوْ قَلَّ فَلَا وَقَصَ فِي الْحُبُوبِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ) الْقَمْحُ (وَالشَّعِيرُ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ، (وَالسُّلْتُ) ضَرْبٌ مِنَ الشَّعِيرِ لَا قِشْرَ لَهُ يَكُونُ فِي الْغَوْرِ وَالْحِجَازِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: ضَرْبٌ مِنْهُ رَقِيقُ الْقِشْرِ، صَغِيرُ الْحَبِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: حَبٌّ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَلَا قِشْرَ لَهُ، كَقِشْرِ الشَّعِيرِ فَهُوَ كَالْحِنْطَةِ فِي مَلَاسَتِهِ، وَكَالشَّعِيرِ فِي طَبْعِهِ وَبُرُودَتِهِ. (وَالذُّرَةُ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ حَبٌّ مَعْرُوفٌ.
(وَالدُّخْنُ) بِمُهْمَلَةٍ فَمُعْجَمَةٍ حَبٌّ مَعْرُوفٌ وَاحِدَتُهُ دُخْنَةٌ.
(وَالْأُرْزُ) بِزِنَةِ قُفْلٍ، وَهُوَ لُغَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ لِلْإِتِبَاعِ، وَأُخْرَى بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَشَدِّ الزَّايِ، وَالرَّابِعَةُ فَتْحُ الْهَمْزَةِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وَالْخَامِسَةُ رُزٌّ بِلَا هَمْزَةٍ وِزَانُ قُفْلٍ.
(وَالْعَدَسُ) بِفَتْحَتَيْنِ، (وَالْجُلْبَانُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا مُشَدَّدَةً، حَبٌّ مِنَ الْقَطَانِيِّ، (وَاللُّوبِيَا) نَبَاتٌ مَعْرُوفٌ مُذَكَّرٌ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، (وَالْجُلْجُلَانُ) بِجِيمَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ، بَعْدَ كُلِّ جِيمٍ لَامٌ، السِّمْسِمُ فِي قِشْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْصَدَ، قَالَ الْبَاجِيُّ: فَذَكَرَ عَشَرَةً، وَزَادَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ التُّرْمُسَ وَالْفُولَ وَالْحِمَّصَ وَالْبَسِيلَةَ، وَزَادَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْعَلَسَ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا) فَلَا زَكَاةَ فِي الْكِرْسِنَّةِ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهَا عَلَفٌ لَا طَعَامٌ، خِلَافًا لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيهَا الزَّكَاةُ وَأَنَّهَا قُطْنِيَّةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: صِنْفٌ عَلَى حِدَةٍ (فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبًّا، قَالَ: وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ) مُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ فِي مَبْلَغِ كَيْلِهِ وَفِيمَا خَرَجَ مِنْ زَيْتِهِ، (وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا دَفَعُوا) بِالدَّالِ، أَيِ: الَّذِي دَفَعُوهُ.
(وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ) أَوْ نِصْفُهُ (أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا؟ فَقَالَ: لَا يُنْظَرُ إِلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ) كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ (عَنِ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا) أَيْ: فِيهِ (فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ) أَوْ نِصْفُهُ (بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ، وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ) لِنَقْصِ
النِّصَابِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ وَقَدْ صَلَحَ وَيَبِسَ فِي أَكْمَامِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ زَكَاةٌ) لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِطِيبِ الثَّمَرَةِ، فَإِذَا بَاعَهَا وَقَدْ وَجَبَتْ زَكَاتُهَا فَقَدْ بَاعَ حِصَّتَهُ وَحِصَّةَ الْمَسَاكِينِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ضَمِنَ ذَلِكَ لَهُمْ (وَلَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ) جَمْعُ كِمٍّ - بِكَسْرِ الْكَافِ - وِعَاءُ الطَّلْعِ وَغِطَاءُ النَّوْرِ، (وَيَسْتَغْنِيَ عَنِ الْمَاءِ) حَتَّى لَوْ سُقِيَ لَمْ يَنْفَعْهُ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ فِي سُنْبُلِهِ قَائِمًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِحَدِيثِ: " «نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» "، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُدْرَسَ وَيُصَفَّى؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: ١٤١] بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ (أَنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ) مِنَ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ، (قَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ) وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَطَائِفَةٌ: هُوَ مَا يُعْطَى لِلْمَسَاكِينِ عِنْدَ الْحَصَادِ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ) بُسْتَانِهِ، (أَوْ أَرْضِهِ وَفِي ذَلِكَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ) الْمُشْتَرِي، (وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ) الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ يَحْيَى فِيمَنْ أَهْلَكَ وَخَلَّفَ زَرْعًا فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ: إِنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدْ يَبِسَ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ يَوْمَ مَاتَ أَخْضَرَ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ فِي حِصَّةِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
[بَاب مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ]
قَالَ مَالِكٌ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَجُدُّ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ وَمَا يَقْطُفُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الزَّبِيبِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْحِنْطَةِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْقِطْنِيَّةِ إِنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ وَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةٌ حَتَّى يَكُونَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ فِي الزَّبِيبِ أَوْ فِي الْحِنْطَةِ أَوْ فِي الْقِطْنِيَّةِ مَا يَبْلُغُ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَجُذَّ الرَّجُلُ مِنْ التَّمْرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ وَأَلْوَانُهُ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ كُلُّهَا السَّمْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ كُلُّ ذَلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ جُمِعَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ كُلُّهُ أَسْوَدُهُ وَأَحْمَرُهُ فَإِذَا قَطَفَ الرَّجُلُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْقِطْنِيَّةُ هِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا وَأَلْوَانُهَا وَالْقِطْنِيَّةُ الْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْبَانُ وَكُلُّ مَا ثَبَتَ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ قُطْنِيَّةٌ فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ الْقِطْنِيَّةِ كُلِّهَا لَيْسَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْقِطْنِيَّةِ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ ذَلِكَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ فَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْقِطْنِيَّةِ وَالْحِنْطَةِ فِيمَا أُخِذَ مِنْ النَّبَطِ وَرَأَى أَنَّ الْقِطْنِيَّةَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فَأَخَذَ مِنْهَا الْعُشْرَ وَأَخَذَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ يُجْمَعُ الْقِطْنِيَّةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ حَتَّى تَكُونَ صَدَقَتُهَا وَاحِدَةً وَالرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهَا اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ قِيلَ لَهُ فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يُجْمَعَانِ فِي الصَّدَقَةِ وَقَدْ يُؤْخَذُ بِالدِّينَارِ أَضْعَافُهُ فِي الْعَدَدِ مِنْ الْوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ قَالَ مَالِكٌ فِي النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَجُذَّانِ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ إِنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمَا فِيهَا وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا مِنْهَا مَا يَجُذُّ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلِلْآخَرِ مَا يَجُذُّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي جَذَّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا صَدَقَةٌ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ فِي كُلِّ زَرْعٍ مِنْ الْحُبُوبِ كُلِّهَا يُحْصَدُ أَوْ النَّخْلُ يُجَدُّ أَوْ الْكَرْمُ يُقْطَفُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَجُدُّ مِنْ التَّمْرِ أَوْ يَقْطِفُ مِنْ الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ يَحْصُدُ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَ جُدَادُهُ أَوْ قِطَافُهُ أَوْ حَصَادُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحُبُوبِ كُلِّهَا ثُمَّ أَمْسَكَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَدَّى صَدَقَتَهُ سِنِينَ ثُمَّ بَاعَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهُ إِذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ يُفِيدُهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يُمْسِكُهَا سِنِينَ ثُمَّ يَبِيعُهَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهَا فَإِنْ كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَى صَاحِبِهَا فِيهَا الزَّكَاةُ حِينَ يَبِيعُهَا إِذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا سَنَةً مِنْ يَوْمَ زَكَّى الْمَالَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ
ــ
٢١ - بَابُ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الثِّمَارِ
(قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَجُدُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَدَالٍّ مُهْمَلَةٍ وَمُعْجَمَةٍ يَصْرِمُ وَيَقْطَعُ،
(مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: الْجَذُّ الْإِسْرَاعُ، وَالْقَطْعُ الْمُسْتَأْصَلُ. وَقَالَ فِي الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَعَانٍ، وَالْقِطَعُ وَصِرَامُ النَّخْلِ كَالْجِدَادِ، انْتَهَى.
وَالصِّرَامُ قَطْعُ الثَّمَرَةِ، قَالَ تَعَالَى: {لَيَصْرِمُنَّهَا} [القلم: ١٧] (سُورَةُ الْقَلَمِ: الْآيَةُ ١٧) أَيْ:: يَقْطَعُونَ ثَمَرَهَا (وَمَا يَقْطُفُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا؛ يَقْطَعُ (مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنَ الزَّبِيبِ، وَمَا يَحْصُدُ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا (مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنَ الْحِنْطَةِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنَ الْقِطْنِيَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا لُغَةً، (أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ) لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، (وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةٌ حَتَّى تَكُونَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ التَّمْرِ) بِفَوْقِيَّةٍ، (أَوْ فِي الزَّبِيبِ أَوْ فِي الْحِنْطَةِ أَوْ فِي الْقِطْنِيَّةِ مَا يَبْلُغُ النِّصْفُ الْوَاحِدُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) سِتِّينَ صَاعًا (بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَنَّهَا أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَنَافِعِ، مُتَبَايِنَةُ الْأَغْرَاضِ، فَلَا يُضَافُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ لِيَكْمُلَ النِّصَابُ (كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» ) وَمَنْ عِنْدَهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ لَيْسَ عِنْدَهُ خَمْسَةٌ مِنْ تَمْرٍ (وَإِنْ كَانَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا (مَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَجُذَّ) يَقْطَعَ (الرَّجُلُ مِنَ التَّمْرِ) لِلنَّخْلِ (خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ) كَبَرْنِيٍّ وَصَيْحَانِيٍّ، (وَأَلْوَانُهُ) أَجْنَاسُهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ النَّخْلَ كُلَّهُ الْأَلْوَانَ مَا خَلَا الْبَرْنِيَّ وَالْعَجْوَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْأَلْوَانُ الدَّقَلُ (فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أَيْ: خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهَا (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِنَقْصِ النِّصَابِ.
(وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ كُلُّهَا السَّمْرَاءُ) تَأْنِيثُ أَسْمَرَ سُمِّيَتْ بِهِ لِسُمْرَتِهَا، (وَالْبَيْضَاءُ) تَأْنِيثُ الْأَبْيَضِ لِبَيَاضِهَا.
(وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ
كُلُّ ذَلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ) لِتَقَارُبِ مَنَافِعِهَا. (فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ جُمِعَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا تُضَمُّ كُلُّ حَبَّةٍ - عُرِفَتْ بَاسِمٍ مُنْفَرِدٍ دُونَ صَاحِبَتِهَا وَهِيَ خِلَافُهَا فِي الْخِلْقَةِ وَالطَّعْمِ - إِلَى غَيْرِهَا.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلَا يَتَّجِهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ اخْتِلَافٌ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعِي النِّصَابَ فِي الْحُبُوبِ فَهُوَ يُزَكِّي الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْهَا، قَالَ: وَرَأَى مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَنَافِعِ؛ مِثْلَ الذَّهَبِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْبُخْتِ وَالْعِرَابِ، فَمَنَافِعُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فِي الْمَنْبَتِ وَالْمَحْصَدِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِتَشَابُهِ الْحِنْطَةِ وَالسُّلْتِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَهُمَا أَقْرَبُ تَشَابُهًا مِنَ الْحِنْطَةِ وَالْعَلَسِ، وَقَدْ سَلَّمَ لَنَا الْمُخَالِفُ الْعَلَسَ فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ السُّلْتِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الشَّعِيرُ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الثَّلَاثَةُ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَوْ أَصْنَافٌ، فَمَنْ قَالَ: السُّلْتُ وَالْحِنْطَةُ صِنْفٌ وَالشَّعِيرُ صِنْفٌ ثَانٍ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالزَّكَاةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، فَإِذَا قَصُرَ صِنْفٌ عَنِ احْتِمَالِهَا، وَعِنْدَهُ صِنْفُ مَنْفَعَتِهِ مَعَ الْمُقَصِّرِ وَاحِدَةٌ وَمَقْصُودُهُمَا سَوَاءٌ، وَبَلَغَا جَمِيعًا قَدْرًا يَحْمِلُ الْمُوَاسَاةَ - وَهُوَ النِّصَابُ - جَمْعًا، وَاحْتَمَلَا الْمُوَاسَاةَ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى اخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَنَافِعِ.
(وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ كُلُّهُ وَأَسْوَدُهُ وَأَحْمَرُهُ، فَإِذَا قَطَفَ الرَّجُلُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِنَقْصِهِ عَنِ النِّصَابِ (وَكَذَلِكَ الْقِطْنِيَّةُ هِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ) كُلُّهَا فِي الزَّكَاةِ يُجْمَعُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ (مِثْلُ الْحِنْطَةِ) كُلِّهَا صِنْفٌ (وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِنْفٌ (وَإِنِ اخْتَلَفَ أَسْمَاؤُهَا وَأَلْوَانُهَا) أَجْنَاسُهَا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ تَمْرًا إِلَى زَبِيبٍ فَصَارَ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
(وَالْقِطْنِيَّةُ الْحِمَّصُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ الْمِيمِ مَكْسُورَةً عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، مَفْتُوحَةً عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.
(وَالْعَدَسُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْبَانُ) وَتُرْمُسٌ وَبِسِيلَةٌ وَالْفُولُ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا ثَبَتَ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ قُطْنِيَّةٌ) لِإِقَامَتِهِ وَهُوَ الْفُولُ وَالْبَسِيلَةُ وَالتُّرْمُسُ وَلَيْسَ مِنْهَا الْكِرْسِنَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا مَرَّ.
(فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ
مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ - صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ) الْمَحْصُودُ (مِنْ أَصْنَافِ الْقِطْنِيَّةِ) السَّبْعَةِ (كُلِّهَا لَيْسَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْقِطْنِيَّةِ فَإِنَّهُ، يُجْمَعُ ذَلِكَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ) بَدَلٌ مِنْ ذَلِكَ (وَعَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ) لِتَقَارُبِ الْمَنَافِعِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ فَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْقِطْنِيَّةِ وَالْحِنْطَةِ فِيمَا أُخِذَ مِنَ النَّبَطِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ؛ النَّصَارَى التُّجَّارِ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ بِالتِّجَارَةِ، (وَرَأَى أَنَّ الْقِطْنِيَّةَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فَأَخَذَ مِنْهَا الْعُشْرَ، وَأَخَذَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ) يُرِيدُ أَنْ يَكْثُرَ الْحَمْلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا يَأْتِي فِي عُشُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
(قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُجْمَعُ الْقِطْنِيَّةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ حَتَّى تَكُونَ صَدَقَتُهَا وَاحِدَةً وَالرَّجُلُ يَأْخُذُ) أَيْ: يَشْتَرِي (مِنْهَا) مِنَ الْقَطَانِيِّ (اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ) كَأَرْدَبَّيْنِ لُوبِيَا بِأَرْدَبِّ عَدَسٍ (يَدًا بِيَدٍ) أَيْ: مُنَاجَزَةً، (وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ؟ قِيلَ لَهُ) فِي الْجَوَابِ: لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ (فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرَقَ يُجْمَعَانِ فِي الصَّدَقَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ بِالدِّينَارِ أَضْعَافُهُ فِي الْعَدَدِ مِنَ الْوَرَقِ يَدًا بِيَدٍ) فَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهَا حَتَّى يَأْتِيَ سُؤَالُكَ، فَقَدْ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي أَشْيَاءَ وَلَيْسَتْ بِجِنْسٍ وَاحِدٍ فِي الزَّكَاةِ، وَقَدْ يُبَاحُ وَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَالزَّكَاةُ لَا تُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُجَانَسَةُ الْعَيْنِيَّةُ؛ بَلْ تَقَارُبُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعَيْنُ رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ وَهُمَا جِنْسَانِ فِي الْبَيْعِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ - إِلَى أَنْ قَالَ: - فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا
بِيَدٍ» ".
(قَالَ مَالِكٌ فِي النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَجُذَّانِ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ أَنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمَا فِيهَا) لَنَقْصِ كُلٍّ عَنِ النِّصَابِ (وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا مِنْهَا مَا يَجُذُّ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلِلْآخَرِ مَا يَجُذُّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ) أَوْ أَزْيَدَ وَلَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةً (فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ) لِبُلُوغِ النِّصَابِ (وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي جَذَّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا صَدَقَةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا.
(وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ فِي كُلِّ زَرْعٍ مِنَ الْحُبُوبِ كُلِّهَا) الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ (يُحْصَدُ أَوِ النَّخْلُ يُجَذُّ أَوِ الْكَرْمُ يُقْطَفُ) زَبِيبُهُ (فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَجُذُّ مِنَ التَّمْرِ أَوْ يَقْطِفُ مِنَ الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ يَحْصُدُ مِنَ الْحِنْطَةِ) وَمَا ضَاهَاهَا فِي أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ (خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَ جُذَاذُهُ أَوْ قِطَافُهُ أَوْ حَصَادُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) فَالْمُعْتَبَرُ مِلْكُ كُلِّ رَجُلٍ خَاصَّةً، وَبِهَذَا قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثَ: " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرَقِ صَدَقَةٌ» " وَهُوَ أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الشُّرَكَاءُ فِي الزَّرْعِ وَالذَّهَبِ وَالْوَرَقِ وَالْمَاشِيَةِ يُزَكُّونَ زَكَاةَ الْوَاحِدِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ مِنَ الْحَوَائِطِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى جَمَاعَةٍ، وَلَيْسَ فِي حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالشُّرَكَاءُ أَوْلَى بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ خُلَطَاءِ الْمَاشِيَةِ.
وَأَجَابَ ابْنُ زرقُونٍ: بِأَنَّ زَكَاةَ الْحَائِطِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَهُوَ وَاحِدٌ وَلَا كَذَلِكَ الشُّرَكَاءُ، انْتَهَى.
وَأَمَّا الْخُلَطَاءُ فَقَدِ اشْتَرَطْنَا أَيْضًا أَنْ يَمْلُكَ كُلٌّ نِصَابًا، وَإِنَّمَا زَكُّوا كَالْوَاحِدِ تَنْزِيلًا لَهُمْ لِنَزْلَتِهِ لِنَصٍّ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ، وَظَهَرَتْ حِكْمَةُ ذَلِكَ بِالِارْتِقَاءِ فِي الرَّاعِي وَنَحْوِهِ.
(قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحُبُوبِ كُلِّهَا ثُمَّ أَمْسَكَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَدَّى صَدَقَتَهُ) يَوْمَ حَصَادِهِ (سِنِينَ) ظَرْفٌ لِـ " أَمْسَكَهُ " (ثُمَّ بَاعَهُ؛ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهُ إِذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) يَعْنِي لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ أَصْلِهَا فَائِدَةً أَوْ غَيْرَهَا فِي أَنَّهُ يُسْتَقْبَلُ بِثَمَنِهَا (وَ) الْحَالُ (أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ يُفِيدُهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يُمْسِكُهَا سِنِينَ ثُمَّ يَبِيعُهَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرَقٍ فَلَا تَكُونُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهَا) وَهَذَا إِذَا كَانَ لِلْقِنْيَةِ كَمَا قَالَ وَلَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، وَذَكَرَ مَفْهُومَهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَى صَاحِبِهَا فِيهَا الزَّكَاةُ حِينَ يَبِيعُهَا إِذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا سَنَةً مِنْ يَوْمَ زَكَّى الْمَالَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ) إِنْ كَانَ مُحْتَكِرًا، فَإِنْ كَانَ مُدِيرًا قَوَّمَهُ بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ يَوْمَ زَكَّاهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[بَاب مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْقَضْبِ وَالْبُقُولِ]
قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ الرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ وَالتِّينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ إِذَا كَانَ مِنْ الْفَوَاكِهِ قَالَ وَلَا فِي الْقَضْبِ وَلَا فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ وَلَا فِي أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا وَهُوَ نِصَابٌ
ــ
٢٢ - بَابُ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَالْقَضْبِ - بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ - وَالْبُقُولِ
جَمْعُ فَاكِهَةٍ، وَهِيَ مَا يُتَفَكَّهُ؛ أَيْ: يُتَنَعَّمُ بِأَكْلِهِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا كَالتِّينِ وَالْبِطِّيخِ وَالزَّبِيبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: ٦٨] (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: الْآيَةُ ٦٨) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: إِنَّمَا خَصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْأَشْيَاءَ مُجْمَلَةً ثُمَّ تَخُصُّ مِنْهَا شَيْئًا بِالتَّسْمِيَةِ تَنْبِيهًا عَلَى فَضْلٍ فِيهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: ٧] (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٧) ، وَكَذَلِكَ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: ٩٨] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٩٨) فَكَمَا أَنَّ إِخْرَاجَ مُحَمَّدٍ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ
النَّبِيِّينَ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُمْتَنَعٌ، كَذَلِكَ إِخْرَاجُ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ مِنَ الْفَاكِهَةِ مُمْتَنَعٌ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ قَالَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ لَيْسَا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَلِجَهْلِهِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَبِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَكَمَا يَجُوزُ ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلتَّفْضِيلِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلتَّفْضِيلِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: ٨٧] (سُورَةُ الْحِجْرِ: الْآيَةُ ٨٧)
(قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا) سِوَى التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ (صَدَقَةٌ الرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ كَافٌ، الْخَوْخُ أَوْ ضَرْبٌ مِنْهُ، أَحْمَرُ أَجْوَدُ أَوْ مَا يَنْفَلِقُ عَنْ نَوَاةٍ (وَالتِّينِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: عَدَّهُ مِنَ الْفَوَاكِهِ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا شُرِعَتْ فِيمَا يُقْتَاتُ، وَلَمْ يَكُنِ التِّينُ يُقْتَاتُ بِالْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ تَفَكُّهًا وَإِنْ كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ قُوتًا، وَيُحْتَمَلُ أَصْلُهُ تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالتِّينِ قِيَاسًا عَلَى الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ وَيُقْتَاتُ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَالْأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ لَا زَكَاةَ فِي التِّينِ إِلَّا ابْنَ حَبِيبٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ إِسْمَاعِيلُ وَالْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ، وَكَانُوا يُفْتُونَ بِهِ وَيَرَوْنَهُ مَذْهَبَ مَالِكٍ عَلَى أُصُولِهِ وَهُوَ مَكِيلٌ يُرَاعَى فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَمَا كَانَ مِثْلُهَا وَزْنًا كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ إِذَا كَانَ مِنَ الْفَوَاكِهِ) كَإِجَّاصٍ وَكُمَّثْرَى وَقِثَّاءٍ وَبِطِّيخٍ وَشَبَهِهَا مِمَّا لَا يَيْبَسُ، وَجَوْزٌ وَلَوْزٌ وَبُنْدُقٌ وَشِبْهُ ذَلِكَ وَإِنِ ادَّخَرَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا زَكَاةَ بِاتِّفَاقِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، ابْنُ زرقُونٍ أَظُنُّهُ لَمْ يَرَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ فِي إِيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، انْتَهَى.
أَوْ أَرَادَ بِأَصْحَابِهِ خُصُوصَ مَنْ لَقِيَهُ لَا أَهْلَ مَذْهَبِهِ، وَهَذَا أَمْثَلُ بِمَزِيدِ حِفْظِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَوُسْعِ اطِّلَاعِهِ، (قَالَ: وَلَا فِي الْقَضْبِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ؛ الْفِصْفِصَةُ: نَبَاتٌ يُشْبِهُ الْبِرْسِيمَ يُعْلَفُ لِلدَّوَابِّ، وَلَيْسَ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ؛ لِأَنَّ قَصَبَ السُّكَّرِ دَاخِلٌ فِي الْفَوَاكِهِ (وَلَا فِي الْبُقُولِ) جَمْعُ بَقْلٍ، وَهُوَ كُلُّ نَبَاتٍ اخْضَرَّتْ بِهِ الْأَرْضُ؛ قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ (كُلِّهَا صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا، وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا وَهُوَ نِصَابٌ)
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الزَّيْتُونِ فَقَالَ فِيهِ الْعُشْرُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَمَا لَمْ يَبْلُغْ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يَدَّخِرُهَا النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا سَقَتْهُ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا سَقَتْهُ الْعُيُونُ وَمَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْجُلَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبًّا قَالَ وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا دَفَعُوا وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا فَقَالَ لَا يُنْظَرُ إِلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ وَقَدْ صَلَحَ وَيَبِسَ فِي أَكْمَامِهِ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ زَكَاةٌ وَلَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: ١٤١] أَنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ أَوْ أَرْضَهُ وَفِي ذَلِكَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ
ــ
٢٠ - بَابُ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ
٦١٠ - ٦٠٩ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الزَّيْتُونِ، فَقَالَ: فِيهِ الْعُشْرُ) لِأَنَّهُ يُوسَقُ، فَدَخَلَ فِي الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالثَّانِي كَابْنِ وَهْبٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: لَا زَكَاةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ إِدَامٌ لَا قُوتٌ (قَالَهُ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) فَيُؤْخَذُ عُشْرُ أَوْ نِصْفُ عُشْرِ زَيْتِهِ وَلَوْ قَلَّ كَرِطْلٍ (فَمَا لَمْ يَبْلُغْ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) عَمَلًا بِالْحَدِيثِ، فَإِنْ بَلَغَهَا وَكَانَ لَا زَيْتَ فِيهِ أُخِذَ مِنْ ثَمَنِهِ لَا مِنْ حَبِّهِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا. (وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ) الْمَطَرُ (وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ) الرَّشِّ وَالصَّبِّ بِمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ بِآلَةٍ (فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ) وَهَذَا بَيَانُ مَا أَجْمَلَهُ ابْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ فِيهِ الْعُشْرُ. (وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنَ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ التَّخْرِيصُ إِلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ (وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يَدَّخِرُهَا النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا سَقَتْهُ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا سَقَتْهُ الْعُيُونُ، وَمَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ) الْآلَةِ (نِصْفُ الْعُشْرِ) وَشَرْطُ ذَلِكَ فِيهِمَا (إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) وَذَلِكَ سِتُّونَ صَاعًا (بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ، صَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ ذَلِكَ) وَلَوْ قَلَّ فَلَا وَقَصَ فِي الْحُبُوبِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ) الْقَمْحُ (وَالشَّعِيرُ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ، (وَالسُّلْتُ) ضَرْبٌ مِنَ الشَّعِيرِ لَا قِشْرَ لَهُ يَكُونُ فِي الْغَوْرِ وَالْحِجَازِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: ضَرْبٌ مِنْهُ رَقِيقُ الْقِشْرِ، صَغِيرُ الْحَبِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: حَبٌّ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَلَا قِشْرَ لَهُ، كَقِشْرِ الشَّعِيرِ فَهُوَ كَالْحِنْطَةِ فِي مَلَاسَتِهِ، وَكَالشَّعِيرِ فِي طَبْعِهِ وَبُرُودَتِهِ. (وَالذُّرَةُ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ حَبٌّ مَعْرُوفٌ.
(وَالدُّخْنُ) بِمُهْمَلَةٍ فَمُعْجَمَةٍ حَبٌّ مَعْرُوفٌ وَاحِدَتُهُ دُخْنَةٌ.
(وَالْأُرْزُ) بِزِنَةِ قُفْلٍ، وَهُوَ لُغَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ لِلْإِتِبَاعِ، وَأُخْرَى بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَشَدِّ الزَّايِ، وَالرَّابِعَةُ فَتْحُ الْهَمْزَةِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وَالْخَامِسَةُ رُزٌّ بِلَا هَمْزَةٍ وِزَانُ قُفْلٍ.
(وَالْعَدَسُ) بِفَتْحَتَيْنِ، (وَالْجُلْبَانُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا مُشَدَّدَةً، حَبٌّ مِنَ الْقَطَانِيِّ، (وَاللُّوبِيَا) نَبَاتٌ مَعْرُوفٌ مُذَكَّرٌ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، (وَالْجُلْجُلَانُ) بِجِيمَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ، بَعْدَ كُلِّ جِيمٍ لَامٌ، السِّمْسِمُ فِي قِشْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْصَدَ، قَالَ الْبَاجِيُّ: فَذَكَرَ عَشَرَةً، وَزَادَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ التُّرْمُسَ وَالْفُولَ وَالْحِمَّصَ وَالْبَسِيلَةَ، وَزَادَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْعَلَسَ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا) فَلَا زَكَاةَ فِي الْكِرْسِنَّةِ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهَا عَلَفٌ لَا طَعَامٌ، خِلَافًا لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيهَا الزَّكَاةُ وَأَنَّهَا قُطْنِيَّةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: صِنْفٌ عَلَى حِدَةٍ (فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبًّا، قَالَ: وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ) مُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ فِي مَبْلَغِ كَيْلِهِ وَفِيمَا خَرَجَ مِنْ زَيْتِهِ، (وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا دَفَعُوا) بِالدَّالِ، أَيِ: الَّذِي دَفَعُوهُ.
(وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ) أَوْ نِصْفُهُ (أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا؟ فَقَالَ: لَا يُنْظَرُ إِلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ) كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ (عَنِ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا) أَيْ: فِيهِ (فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ) أَوْ نِصْفُهُ (بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ، وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ) لِنَقْصِ
النِّصَابِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ وَقَدْ صَلَحَ وَيَبِسَ فِي أَكْمَامِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ زَكَاةٌ) لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِطِيبِ الثَّمَرَةِ، فَإِذَا بَاعَهَا وَقَدْ وَجَبَتْ زَكَاتُهَا فَقَدْ بَاعَ حِصَّتَهُ وَحِصَّةَ الْمَسَاكِينِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ضَمِنَ ذَلِكَ لَهُمْ (وَلَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ) جَمْعُ كِمٍّ - بِكَسْرِ الْكَافِ - وِعَاءُ الطَّلْعِ وَغِطَاءُ النَّوْرِ، (وَيَسْتَغْنِيَ عَنِ الْمَاءِ) حَتَّى لَوْ سُقِيَ لَمْ يَنْفَعْهُ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ فِي سُنْبُلِهِ قَائِمًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِحَدِيثِ: " «نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» "، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُدْرَسَ وَيُصَفَّى؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: ١٤١] بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ (أَنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ) مِنَ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ، (قَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ) وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَطَائِفَةٌ: هُوَ مَا يُعْطَى لِلْمَسَاكِينِ عِنْدَ الْحَصَادِ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ) بُسْتَانِهِ، (أَوْ أَرْضِهِ وَفِي ذَلِكَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ) الْمُشْتَرِي، (وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ) الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ يَحْيَى فِيمَنْ أَهْلَكَ وَخَلَّفَ زَرْعًا فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ: إِنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدْ يَبِسَ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ يَوْمَ مَاتَ أَخْضَرَ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ فِي حِصَّةِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
[بَاب مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ]
قَالَ مَالِكٌ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَجُدُّ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ وَمَا يَقْطُفُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الزَّبِيبِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْحِنْطَةِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْقِطْنِيَّةِ إِنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ وَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةٌ حَتَّى يَكُونَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ فِي الزَّبِيبِ أَوْ فِي الْحِنْطَةِ أَوْ فِي الْقِطْنِيَّةِ مَا يَبْلُغُ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَجُذَّ الرَّجُلُ مِنْ التَّمْرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ وَأَلْوَانُهُ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ كُلُّهَا السَّمْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ كُلُّ ذَلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ جُمِعَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ كُلُّهُ أَسْوَدُهُ وَأَحْمَرُهُ فَإِذَا قَطَفَ الرَّجُلُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْقِطْنِيَّةُ هِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا وَأَلْوَانُهَا وَالْقِطْنِيَّةُ الْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْبَانُ وَكُلُّ مَا ثَبَتَ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ قُطْنِيَّةٌ فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ الْقِطْنِيَّةِ كُلِّهَا لَيْسَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْقِطْنِيَّةِ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ ذَلِكَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ فَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْقِطْنِيَّةِ وَالْحِنْطَةِ فِيمَا أُخِذَ مِنْ النَّبَطِ وَرَأَى أَنَّ الْقِطْنِيَّةَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فَأَخَذَ مِنْهَا الْعُشْرَ وَأَخَذَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ يُجْمَعُ الْقِطْنِيَّةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ حَتَّى تَكُونَ صَدَقَتُهَا وَاحِدَةً وَالرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهَا اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ قِيلَ لَهُ فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يُجْمَعَانِ فِي الصَّدَقَةِ وَقَدْ يُؤْخَذُ بِالدِّينَارِ أَضْعَافُهُ فِي الْعَدَدِ مِنْ الْوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ قَالَ مَالِكٌ فِي النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَجُذَّانِ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ إِنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمَا فِيهَا وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا مِنْهَا مَا يَجُذُّ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلِلْآخَرِ مَا يَجُذُّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي جَذَّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا صَدَقَةٌ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ فِي كُلِّ زَرْعٍ مِنْ الْحُبُوبِ كُلِّهَا يُحْصَدُ أَوْ النَّخْلُ يُجَدُّ أَوْ الْكَرْمُ يُقْطَفُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَجُدُّ مِنْ التَّمْرِ أَوْ يَقْطِفُ مِنْ الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ يَحْصُدُ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَ جُدَادُهُ أَوْ قِطَافُهُ أَوْ حَصَادُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحُبُوبِ كُلِّهَا ثُمَّ أَمْسَكَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَدَّى صَدَقَتَهُ سِنِينَ ثُمَّ بَاعَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهُ إِذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ يُفِيدُهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يُمْسِكُهَا سِنِينَ ثُمَّ يَبِيعُهَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهَا فَإِنْ كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَى صَاحِبِهَا فِيهَا الزَّكَاةُ حِينَ يَبِيعُهَا إِذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا سَنَةً مِنْ يَوْمَ زَكَّى الْمَالَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ
ــ
٢١ - بَابُ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الثِّمَارِ
(قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَجُدُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَدَالٍّ مُهْمَلَةٍ وَمُعْجَمَةٍ يَصْرِمُ وَيَقْطَعُ،
(مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: الْجَذُّ الْإِسْرَاعُ، وَالْقَطْعُ الْمُسْتَأْصَلُ. وَقَالَ فِي الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَعَانٍ، وَالْقِطَعُ وَصِرَامُ النَّخْلِ كَالْجِدَادِ، انْتَهَى.
وَالصِّرَامُ قَطْعُ الثَّمَرَةِ، قَالَ تَعَالَى: {لَيَصْرِمُنَّهَا} [القلم: ١٧] (سُورَةُ الْقَلَمِ: الْآيَةُ ١٧) أَيْ:: يَقْطَعُونَ ثَمَرَهَا (وَمَا يَقْطُفُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا؛ يَقْطَعُ (مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنَ الزَّبِيبِ، وَمَا يَحْصُدُ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا (مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنَ الْحِنْطَةِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنَ الْقِطْنِيَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا لُغَةً، (أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ) لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، (وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةٌ حَتَّى تَكُونَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ التَّمْرِ) بِفَوْقِيَّةٍ، (أَوْ فِي الزَّبِيبِ أَوْ فِي الْحِنْطَةِ أَوْ فِي الْقِطْنِيَّةِ مَا يَبْلُغُ النِّصْفُ الْوَاحِدُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) سِتِّينَ صَاعًا (بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَنَّهَا أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَنَافِعِ، مُتَبَايِنَةُ الْأَغْرَاضِ، فَلَا يُضَافُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ لِيَكْمُلَ النِّصَابُ (كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» ) وَمَنْ عِنْدَهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ لَيْسَ عِنْدَهُ خَمْسَةٌ مِنْ تَمْرٍ (وَإِنْ كَانَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا (مَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَجُذَّ) يَقْطَعَ (الرَّجُلُ مِنَ التَّمْرِ) لِلنَّخْلِ (خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ) كَبَرْنِيٍّ وَصَيْحَانِيٍّ، (وَأَلْوَانُهُ) أَجْنَاسُهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ النَّخْلَ كُلَّهُ الْأَلْوَانَ مَا خَلَا الْبَرْنِيَّ وَالْعَجْوَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْأَلْوَانُ الدَّقَلُ (فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أَيْ: خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهَا (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِنَقْصِ النِّصَابِ.
(وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ كُلُّهَا السَّمْرَاءُ) تَأْنِيثُ أَسْمَرَ سُمِّيَتْ بِهِ لِسُمْرَتِهَا، (وَالْبَيْضَاءُ) تَأْنِيثُ الْأَبْيَضِ لِبَيَاضِهَا.
(وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ
كُلُّ ذَلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ) لِتَقَارُبِ مَنَافِعِهَا. (فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ جُمِعَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا تُضَمُّ كُلُّ حَبَّةٍ - عُرِفَتْ بَاسِمٍ مُنْفَرِدٍ دُونَ صَاحِبَتِهَا وَهِيَ خِلَافُهَا فِي الْخِلْقَةِ وَالطَّعْمِ - إِلَى غَيْرِهَا.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلَا يَتَّجِهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ اخْتِلَافٌ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعِي النِّصَابَ فِي الْحُبُوبِ فَهُوَ يُزَكِّي الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْهَا، قَالَ: وَرَأَى مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَنَافِعِ؛ مِثْلَ الذَّهَبِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْبُخْتِ وَالْعِرَابِ، فَمَنَافِعُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فِي الْمَنْبَتِ وَالْمَحْصَدِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِتَشَابُهِ الْحِنْطَةِ وَالسُّلْتِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَهُمَا أَقْرَبُ تَشَابُهًا مِنَ الْحِنْطَةِ وَالْعَلَسِ، وَقَدْ سَلَّمَ لَنَا الْمُخَالِفُ الْعَلَسَ فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ السُّلْتِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الشَّعِيرُ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الثَّلَاثَةُ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَوْ أَصْنَافٌ، فَمَنْ قَالَ: السُّلْتُ وَالْحِنْطَةُ صِنْفٌ وَالشَّعِيرُ صِنْفٌ ثَانٍ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالزَّكَاةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، فَإِذَا قَصُرَ صِنْفٌ عَنِ احْتِمَالِهَا، وَعِنْدَهُ صِنْفُ مَنْفَعَتِهِ مَعَ الْمُقَصِّرِ وَاحِدَةٌ وَمَقْصُودُهُمَا سَوَاءٌ، وَبَلَغَا جَمِيعًا قَدْرًا يَحْمِلُ الْمُوَاسَاةَ - وَهُوَ النِّصَابُ - جَمْعًا، وَاحْتَمَلَا الْمُوَاسَاةَ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى اخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَنَافِعِ.
(وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ كُلُّهُ وَأَسْوَدُهُ وَأَحْمَرُهُ، فَإِذَا قَطَفَ الرَّجُلُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِنَقْصِهِ عَنِ النِّصَابِ (وَكَذَلِكَ الْقِطْنِيَّةُ هِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ) كُلُّهَا فِي الزَّكَاةِ يُجْمَعُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ (مِثْلُ الْحِنْطَةِ) كُلِّهَا صِنْفٌ (وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِنْفٌ (وَإِنِ اخْتَلَفَ أَسْمَاؤُهَا وَأَلْوَانُهَا) أَجْنَاسُهَا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ تَمْرًا إِلَى زَبِيبٍ فَصَارَ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
(وَالْقِطْنِيَّةُ الْحِمَّصُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ الْمِيمِ مَكْسُورَةً عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، مَفْتُوحَةً عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.
(وَالْعَدَسُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْبَانُ) وَتُرْمُسٌ وَبِسِيلَةٌ وَالْفُولُ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا ثَبَتَ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ قُطْنِيَّةٌ) لِإِقَامَتِهِ وَهُوَ الْفُولُ وَالْبَسِيلَةُ وَالتُّرْمُسُ وَلَيْسَ مِنْهَا الْكِرْسِنَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا مَرَّ.
(فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ
مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ - صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ) الْمَحْصُودُ (مِنْ أَصْنَافِ الْقِطْنِيَّةِ) السَّبْعَةِ (كُلِّهَا لَيْسَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْقِطْنِيَّةِ فَإِنَّهُ، يُجْمَعُ ذَلِكَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ) بَدَلٌ مِنْ ذَلِكَ (وَعَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ) لِتَقَارُبِ الْمَنَافِعِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ فَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْقِطْنِيَّةِ وَالْحِنْطَةِ فِيمَا أُخِذَ مِنَ النَّبَطِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ؛ النَّصَارَى التُّجَّارِ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ بِالتِّجَارَةِ، (وَرَأَى أَنَّ الْقِطْنِيَّةَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فَأَخَذَ مِنْهَا الْعُشْرَ، وَأَخَذَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ) يُرِيدُ أَنْ يَكْثُرَ الْحَمْلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا يَأْتِي فِي عُشُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
(قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُجْمَعُ الْقِطْنِيَّةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ حَتَّى تَكُونَ صَدَقَتُهَا وَاحِدَةً وَالرَّجُلُ يَأْخُذُ) أَيْ: يَشْتَرِي (مِنْهَا) مِنَ الْقَطَانِيِّ (اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ) كَأَرْدَبَّيْنِ لُوبِيَا بِأَرْدَبِّ عَدَسٍ (يَدًا بِيَدٍ) أَيْ: مُنَاجَزَةً، (وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ؟ قِيلَ لَهُ) فِي الْجَوَابِ: لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ (فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرَقَ يُجْمَعَانِ فِي الصَّدَقَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ بِالدِّينَارِ أَضْعَافُهُ فِي الْعَدَدِ مِنَ الْوَرَقِ يَدًا بِيَدٍ) فَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهَا حَتَّى يَأْتِيَ سُؤَالُكَ، فَقَدْ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي أَشْيَاءَ وَلَيْسَتْ بِجِنْسٍ وَاحِدٍ فِي الزَّكَاةِ، وَقَدْ يُبَاحُ وَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَالزَّكَاةُ لَا تُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُجَانَسَةُ الْعَيْنِيَّةُ؛ بَلْ تَقَارُبُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعَيْنُ رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ وَهُمَا جِنْسَانِ فِي الْبَيْعِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ - إِلَى أَنْ قَالَ: - فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا
بِيَدٍ» ".
(قَالَ مَالِكٌ فِي النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَجُذَّانِ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ أَنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمَا فِيهَا) لَنَقْصِ كُلٍّ عَنِ النِّصَابِ (وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا مِنْهَا مَا يَجُذُّ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلِلْآخَرِ مَا يَجُذُّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ) أَوْ أَزْيَدَ وَلَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةً (فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ) لِبُلُوغِ النِّصَابِ (وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي جَذَّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا صَدَقَةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا.
(وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ فِي كُلِّ زَرْعٍ مِنَ الْحُبُوبِ كُلِّهَا) الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ (يُحْصَدُ أَوِ النَّخْلُ يُجَذُّ أَوِ الْكَرْمُ يُقْطَفُ) زَبِيبُهُ (فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَجُذُّ مِنَ التَّمْرِ أَوْ يَقْطِفُ مِنَ الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ يَحْصُدُ مِنَ الْحِنْطَةِ) وَمَا ضَاهَاهَا فِي أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ (خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَ جُذَاذُهُ أَوْ قِطَافُهُ أَوْ حَصَادُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) فَالْمُعْتَبَرُ مِلْكُ كُلِّ رَجُلٍ خَاصَّةً، وَبِهَذَا قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثَ: " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرَقِ صَدَقَةٌ» " وَهُوَ أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الشُّرَكَاءُ فِي الزَّرْعِ وَالذَّهَبِ وَالْوَرَقِ وَالْمَاشِيَةِ يُزَكُّونَ زَكَاةَ الْوَاحِدِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ مِنَ الْحَوَائِطِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى جَمَاعَةٍ، وَلَيْسَ فِي حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالشُّرَكَاءُ أَوْلَى بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ خُلَطَاءِ الْمَاشِيَةِ.
وَأَجَابَ ابْنُ زرقُونٍ: بِأَنَّ زَكَاةَ الْحَائِطِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَهُوَ وَاحِدٌ وَلَا كَذَلِكَ الشُّرَكَاءُ، انْتَهَى.
وَأَمَّا الْخُلَطَاءُ فَقَدِ اشْتَرَطْنَا أَيْضًا أَنْ يَمْلُكَ كُلٌّ نِصَابًا، وَإِنَّمَا زَكُّوا كَالْوَاحِدِ تَنْزِيلًا لَهُمْ لِنَزْلَتِهِ لِنَصٍّ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ، وَظَهَرَتْ حِكْمَةُ ذَلِكَ بِالِارْتِقَاءِ فِي الرَّاعِي وَنَحْوِهِ.
(قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحُبُوبِ كُلِّهَا ثُمَّ أَمْسَكَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَدَّى صَدَقَتَهُ) يَوْمَ حَصَادِهِ (سِنِينَ) ظَرْفٌ لِـ " أَمْسَكَهُ " (ثُمَّ بَاعَهُ؛ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهُ إِذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) يَعْنِي لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ أَصْلِهَا فَائِدَةً أَوْ غَيْرَهَا فِي أَنَّهُ يُسْتَقْبَلُ بِثَمَنِهَا (وَ) الْحَالُ (أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ يُفِيدُهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يُمْسِكُهَا سِنِينَ ثُمَّ يَبِيعُهَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرَقٍ فَلَا تَكُونُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهَا) وَهَذَا إِذَا كَانَ لِلْقِنْيَةِ كَمَا قَالَ وَلَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، وَذَكَرَ مَفْهُومَهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَى صَاحِبِهَا فِيهَا الزَّكَاةُ حِينَ يَبِيعُهَا إِذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا سَنَةً مِنْ يَوْمَ زَكَّى الْمَالَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ) إِنْ كَانَ مُحْتَكِرًا، فَإِنْ كَانَ مُدِيرًا قَوَّمَهُ بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ يَوْمَ زَكَّاهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[بَاب مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْقَضْبِ وَالْبُقُولِ]
قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ الرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ وَالتِّينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ إِذَا كَانَ مِنْ الْفَوَاكِهِ قَالَ وَلَا فِي الْقَضْبِ وَلَا فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ وَلَا فِي أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا وَهُوَ نِصَابٌ
ــ
٢٢ - بَابُ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَالْقَضْبِ - بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ - وَالْبُقُولِ
جَمْعُ فَاكِهَةٍ، وَهِيَ مَا يُتَفَكَّهُ؛ أَيْ: يُتَنَعَّمُ بِأَكْلِهِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا كَالتِّينِ وَالْبِطِّيخِ وَالزَّبِيبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: ٦٨] (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: الْآيَةُ ٦٨) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: إِنَّمَا خَصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْأَشْيَاءَ مُجْمَلَةً ثُمَّ تَخُصُّ مِنْهَا شَيْئًا بِالتَّسْمِيَةِ تَنْبِيهًا عَلَى فَضْلٍ فِيهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: ٧] (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٧) ، وَكَذَلِكَ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: ٩٨] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٩٨) فَكَمَا أَنَّ إِخْرَاجَ مُحَمَّدٍ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ
النَّبِيِّينَ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُمْتَنَعٌ، كَذَلِكَ إِخْرَاجُ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ مِنَ الْفَاكِهَةِ مُمْتَنَعٌ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ قَالَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ لَيْسَا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَلِجَهْلِهِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَبِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَكَمَا يَجُوزُ ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلتَّفْضِيلِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلتَّفْضِيلِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: ٨٧] (سُورَةُ الْحِجْرِ: الْآيَةُ ٨٧)
(قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا) سِوَى التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ (صَدَقَةٌ الرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ كَافٌ، الْخَوْخُ أَوْ ضَرْبٌ مِنْهُ، أَحْمَرُ أَجْوَدُ أَوْ مَا يَنْفَلِقُ عَنْ نَوَاةٍ (وَالتِّينِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: عَدَّهُ مِنَ الْفَوَاكِهِ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا شُرِعَتْ فِيمَا يُقْتَاتُ، وَلَمْ يَكُنِ التِّينُ يُقْتَاتُ بِالْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ تَفَكُّهًا وَإِنْ كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ قُوتًا، وَيُحْتَمَلُ أَصْلُهُ تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالتِّينِ قِيَاسًا عَلَى الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ وَيُقْتَاتُ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَالْأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ لَا زَكَاةَ فِي التِّينِ إِلَّا ابْنَ حَبِيبٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ إِسْمَاعِيلُ وَالْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ، وَكَانُوا يُفْتُونَ بِهِ وَيَرَوْنَهُ مَذْهَبَ مَالِكٍ عَلَى أُصُولِهِ وَهُوَ مَكِيلٌ يُرَاعَى فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَمَا كَانَ مِثْلُهَا وَزْنًا كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ إِذَا كَانَ مِنَ الْفَوَاكِهِ) كَإِجَّاصٍ وَكُمَّثْرَى وَقِثَّاءٍ وَبِطِّيخٍ وَشَبَهِهَا مِمَّا لَا يَيْبَسُ، وَجَوْزٌ وَلَوْزٌ وَبُنْدُقٌ وَشِبْهُ ذَلِكَ وَإِنِ ادَّخَرَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا زَكَاةَ بِاتِّفَاقِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، ابْنُ زرقُونٍ أَظُنُّهُ لَمْ يَرَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ فِي إِيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، انْتَهَى.
أَوْ أَرَادَ بِأَصْحَابِهِ خُصُوصَ مَنْ لَقِيَهُ لَا أَهْلَ مَذْهَبِهِ، وَهَذَا أَمْثَلُ بِمَزِيدِ حِفْظِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَوُسْعِ اطِّلَاعِهِ، (قَالَ: وَلَا فِي الْقَضْبِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ؛ الْفِصْفِصَةُ: نَبَاتٌ يُشْبِهُ الْبِرْسِيمَ يُعْلَفُ لِلدَّوَابِّ، وَلَيْسَ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ؛ لِأَنَّ قَصَبَ السُّكَّرِ دَاخِلٌ فِي الْفَوَاكِهِ (وَلَا فِي الْبُقُولِ) جَمْعُ بَقْلٍ، وَهُوَ كُلُّ نَبَاتٍ اخْضَرَّتْ بِهِ الْأَرْضُ؛ قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ (كُلِّهَا صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا، وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا وَهُوَ نِصَابٌ)