«يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٩٢٥

الحديث رقم ٩٢٥ من كتاب «كتاب الحج» في موطأ مالك، تحت باب: باب مواقيت الإهلال ".

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل…

«يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ»، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»

سند حديث: ٢٢ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ عَنْ…

٢٢ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[بَاب مَوَاقِيتِ الْإِهْلَالِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»

ــ

٨ - بَابُ مَوَاقِيتِ الْإِهْلَالِ

جَمْعُ مِيقَاتٍ كَمَوَاعِيدٍ وَمِيعَادٍ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَكَانِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: التَّوْقِيتُ وَالتَّأْقِيتُ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ بَيَانُ مِقْدَارِ الْمُدَّةِ، يُقَالُ: وَقَّتَ الشَّيْءَ بِالتَّشْدِيدِ يُوَقِّتُهُ، وَوَقَتَ بِالتَّخْفِيفِ يَقِتُهُ إِذَا بَيَّنَ مُدَّتَهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَقِيلَ لِلْمَوْضِعِ مِيقَاتٌ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قِيلَ: التَّوْقِيتُ لُغَةً التَّحْدِيدُ وَالتَّعْيِينُ، فَعَلَى هَذَا فَالتَّحْدِيدُ مِنْ لَوَازِمِ الْوَقْتِ، وَأَصْلُ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ اتِّسَاعًا أَيْضًا.

٧٣٢ - ٧٢٦ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟» قَالَ: (يُهِلُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يُحْرِمُ (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) بِصِيغَةِ الْخَبَرِ مُرَادًا بِهِ الْأَمْرُ أَيْ مَدِينَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مُصَغَّرُ حَلْفَةٍ نَبَاتٌ مَعْرُوفٌ، وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مِائَتَا مِيلٍ قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَيْنَهُمَا عَشْرُ مَرَاحِلَ أَوْ تِسْعٌ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ مِيلٌ وَاحِدٌ وَهْمٌ يَرُدُّهُ الْحِسُّ، وَبِهَا مَسْجِدٌ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الشَّجَرَةِ خَرَابٌ، وَبِهَا بِئْرٌ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ عَلِيٍّ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ، فَقِيلَ: حِكْمَةُ ذَلِكَ أَنْ يُعَظِّمَ أُجُورَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: رِفْقًا بِأَهْلِ الْآفَاقِ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ أَقْرَبُ الْآفَاقِ إِلَى مَكَّةَ أَيْ مَنْ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ.

(وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَمِصْرَ. وَزَادَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْمَغْرِبَ (مِنَ الْجُحْفَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسُ مَرَاحِلَ أَوْ سِتٌّ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: ثَلَاثُ مَرَاحِلَ فِيهِ نَظَرٌ، وَهِيَ مَهْيَعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بِوَزْنِ عَلْقَمَةَ، وَقِيلَ: بِوَزْنِ لَطِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَسُمِّيَتِ الْجُحْفَةَ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَ بِهَا، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ الْعَمَالِيقُ يَسْكُنُونَ يَثْرِبَ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي عَبِيلٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسَرَ الْمُوَحَّدَةِ وَهُمْ إِخْوَةُ عَادٍ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ يَثْرِبَ فَنَزَلُوا مَهْيَعَةَ فَجَاءَ سَيْلٌ فَأَجْحَفَهُمْ أَيِ اسْتَأْصَلَهُمْ فَسُمِّيَتِ الْجُحْفَةَ، وَالْمِصْرِيُّونَ الْآنَ يُحْرِمُونَ مِنْ رَابِغٍ بَرَاءٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ قُرْبَ الْجُحْفَةِ لِكَثْرَةِ حُمَّاهَا فَلَا يَنْزِلُهَا أَحَدٌ إِلَّا حُمَّ.

(وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ) كُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ وَهُوَ اسْمٌ لِعَشَرَةِ مَوَاضِعَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الَّتِي أَعْلَى تِهَامَةِ وَالْيَمَنِ

وَأَسْفَلُهَا الشَّامُ وَالْعِرَاقُ (مِنْ قَرْنٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَنُونٌ بِلَا إِضَافَةٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَرْنُ الْمَنَازِلِ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمَنْزِلِ، وَالْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ هُوَ اسْمُ الْمَكَانِ، وَضَبَطَ الْجَوْهَرِيُّ " قَرْنَ " بِفَتْحِ الرَّاءِ وَغَلَّطُوهُ، وَبَالَغَ النَّوَوِيُّ فَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى تَخْطِئَتِهِ فِي ذَلِكَ وَفِي نِسْبَةِ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي قَرْنٍ، بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ، لَكِنْ حَكَى عِيَاضٌ عَنِ الْقَابِسِيِّ أَنَّ مَنْ سَكَّنَ الرَّاءَ أَرَادَ الْجَبَلَ، وَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ الطَّرِيقَ، وَالْجَبَلُ الْمَذْكُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ مُرْحَلَتَانِ، وَفِي أَخْبَارِ مَكَّةَ لِلْفَاكِهِيِّ أَنَّ قَرْنَ الثَّعَالِبِ جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى أَسْفَلِ مِنًى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ سُمِّيَ قَرْنُ الثَّعَالِبِ لِكَثْرَةِ مَا كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ مِنَ الثَّعَالِبِ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ.

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ رَاوِي الْحَدِيثِ: ( «وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ، مَكَانٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثُونَ مِيلًا، وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ بِالْهَمْزَةِ، وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْيَاءُ تَسْهِيلٌ لَهَا، وَحَكَى ابْنُ السَّيِّدِ فِيهِ يَرَمْرَمَ بِرَاءَيْنِ بَدَلَ اللَّامَيْنِ.

وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: وَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ، وَهُوَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي بَلَّغَ ابْنَ عُمَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَجَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَحْسَبُهُ رَفَعَهُ، وَعَائِشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّاحِبِ صَحِيحٌ حُجَّةٌ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[بَاب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»

ــ

٢٨ - بَابُ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ

جَمْعُ دَابَّةٍ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوَانٍ، لِأَنَّهُ يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، ثُمَّ نَقَلَهُ الْعُرْفُ الْعَامُّ إِلَى ذَاتِ الْقَوَائِمِ الْأَرْبَعِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَيُسَمَّى هَذَا مَنْقُولًا عُرْفِيًّا، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْحَيَوَانِ لَشَمِلَ الْغُرَابَ، وَالْحِدَأَةَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ نَظَرَ إِلَى جَانِبِ الْأَكْثَرِ، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.

٧٩٨ - ٧٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: خَمْسٌ) ، مُبْتَدَأٌ نَكِرَةٌ لِتَخْصِيصِهِ بِقَوْلِهِ: (مِنَ الدَّوَابِّ) ، وَخَبَرُهُ: (لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ) بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، أَوْ فِي الْحَرَمِ (فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ) ، أَيْ إِثْمٌ أَوْ حَرَجٌ - بِالرَّفْعِ - اسْمُ لَيْسَ مُؤَخَّرًا، (الْغُرَابُ) وَهُوَ يَخْتَلِسُ وَيَنْقُرُ ظَهْرَ الْبَعِيرِ، وَيَنْزَعُ عَيْنَيْهِ، زَادَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: الْأَبْقَعُ، وَهُوَ الَّذِي فِي ظَهْرِهِ، أَوْ بَطْنِهِ بَيَاضٌ، وَأَخَذَ بِهَذَا الْقَيْدِ قَوْمٌ، وَرَجَّحَ الْأَكْثَرُ الْإِطْلَاقَ، لِأَنَّ رِوَايَاتِهِ أَصَحُّ، (وَالْحِدَأَةُ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَهْمُوزَةٌ - وَجَمْعُهَا حِدَا - بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالْقَصْرِ، وَالْهَمْزَةِ، كَعِنَبٍ، وَعِنَبَةٍ - وَهِيَ أَخَسُّ الطَّيْرِ يَخْطِفُ أَطْعِمَةَ النَّاسِ.

وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَالْحُدَيَّا - بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ، وَشَدِّ الْيَاءِ، مَقْصُورٌ - تَصْغِيرُ الْحِدَأَةِ.

(وَالْعَقْرَبُ) وَاحِدَةُ الْعَقَارِبِ مُؤَنَّثَةٌ، وَالْأُنْثَى عَقْرَبَةٌ، وَعَقْرَبَاءٌ بِالْمَدِّ بِلَا صَرْفٍ، وَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَرْجُلٍ، وَعَيْنَاهَا فِي ظَهْرِهَا تَلْدَغُ، وَتُؤْلِمُ إِيلَامًا شَدِيدًا، وَرُبَّمَا مَاتَتْ بِلَسْعَتِهَا الْأَفْعَى، وَتَقْتُلُ الْفِيلَ وَالْبَعِيرَ بِلَسْعَتِهَا، وَلَا تَضْرِبُ الْمَيِّتَ، وَلَا النَّائِمَ حَتَّى يَتَحَرَّكَ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ، فَتَضْرِبَهُ، وَتَأْوِي إِلَى الْخَنَافِسِ، وَتُسَالِمُهَا.

وَفِي ابْنِ مَاجَهْ: عَنْ عَائِشَةَ: «لَدَغَتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقْرَبٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ مُصَلِّيًا، وَلَا غَيْرَهُ اقْتُلُوهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرِمِ» ، (وَالْفَأْرَةُ) - بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَتُسَهَّلُ - وَهِيَ الْفُوَيْسِقَةُ، رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ: " «أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لِمَ سُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ الْفُوَيْسِقَةُ؟ قَالَ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ

لَيْلَةٍ، وَقَدْ أَخَذَتْ فَأْرَةٌ فَتِيلَةً لِتَحْرِقَ عَلَيْهِ الْبَيْتَ، فَقَامَ إِلَيْهَا وَقَتَلَهَا، وَأَحَلَّ قَتْلَهَا لِلْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ» ".

وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَاحْتَرَقَ مِنْهَا مَوْضِعُ دِرْهَمٍ " زَادَ الْحَاكِمُ: " «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتُحْرِقَكُمْ» " قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ أَفْسَدُ مِنَ الْفَأْرِ، لِأَنَّهُ لَا يُبْقِي عَلَى حَقِيرٍ وَلَا جَلِيلٍ إِلَّا أَهْلَكَهُ وَأَتْلَفَهُ.

(وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) بِمَعْنَى عَاقِرٍ، أَيْ جَارِحٌ، وَهُوَ كُلُّ سَبُعٍ وَجَارِحٍ يَعْقِرُ، وَيَفْتَرِسُ، كَمَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ بَعْدُ، وَفِيهِ جَوَازُ قَتْلِ الْمَذْكُورَاتِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَحُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الْفَأْرَةِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ خَارِجٌ عَنْ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ.

وَعَنْ عَلِيٍّ، وَمُجَاهِدٍ: " «لَا يَقْتُلُ الْغُرَابَ، وَلَكِنْ يَرْمِيهِ» "، قَالَ عِيَاضٌ: لَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لَكِنْ يُوَافِقُهُ مَا لِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ.

وَقَالَ حَسَنٌ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، مَرْفُوعًا: " «وَيَرْمِي الْغُرَابَ، وَلَا يَقْتُلُهُ» " قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغُرَابُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مَالِكٌ مِنْ جُمْلَةِ الْغِرْبَانِ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيهِ الْفِدْيَةُ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاللَّيْثُ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَأَيُّوبُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ كُلُّ هَؤُلَاءِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا ابْنُ جُرَيْجٍ وَحْدَهُ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.

[بَاب الْحِلَاقِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ»

ــ

٦٠ - بَابُ الْحِلَاقِ

٩٠١ - ٨٨٧ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْإِمَامِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحَجِّ، وَبِهِ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " «حَلَقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ» "، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ عَلَى الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ (وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ قُلْ وَارْحَمِ الْمُقَصِّرِينَ (قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا) : قُلْ (وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) فَالْعَطْفُ عَلَى مَحْذُوفٍ وَهُوَ يُسَمَّى الْعَطْفُ التَّلْقِينِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: ١٢٤] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٢٤) (قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ) قَالَ الْحَافِظُ: فِيهِ إِعْطَاءُ الْمَعْطُوفِ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا السُّكُوتُ بِلَا عُذْرٍ، ثُمَّ هُوَ هَكَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ الدُّعَاءُ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ، وَعَطَفَ الْمُقَصِّرِينَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَانْفَرَدَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ دُونَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِإِعَادَةِ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّقَصِّي، وَأَغْفَلَهُ فِي التَّمْهِيدِ، بَلْ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَاجَعْتُ أَصْلَ

سَمَاعِي مِنْ مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، فَوَجَدْتُهُ كَمَا قَالَ فِي التَّقَصِّي، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ: " ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ "، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ اللَّيْثِ، وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمْ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ وَلِمُسْلِمٍ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ مَالِكٍ سَوَاءٌ، وَبَيَانُ كَوْنِهَا فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالْمُقَصِّرِينَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ وَارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ دُعَائِهِ لَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي الرَّابِعَةِ.

وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: قَالَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالْمُقَصِّرِينَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِأَنَّ مَنْ قَالَ الرَّابِعَةَ فَعَلَى مَا شَرَحْنَاهُ، وَمَنْ قَالَ الثَّالِثَةَ أَرَادَ أَنَّ الْمُقَصِّرِينَ عَطْفٌ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ أَرَادَ بِالثَّالِثَةِ مَسْأَلَةَ السَّائِلِينَ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَلَوْ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ ثَالِثَ مَسْأَلَةٍ مَا سَأَلُوهُ.

وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ» "، وَرِوَايَةُ مَنْ جَزَمَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ شَكَّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ تَقْصِيرُ حَذْفٍ، وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَحَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً» " وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «حَلَّقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» " الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، بَلْ قَالَ وَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَتَجَوَّزَ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ وَقَعَ لَقَطَعْنَا بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُ شَهِدَهَا، وَلَمْ يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ، وَلَمْ يَسُقِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُ، بَلْ صَرَّحَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِأَنَّهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَإِلَيْهِ يُومِي صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ وَمَالِكٍ.

وَأَمَّا حَدِيثُ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَكَانَ.

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ حَبَشِيٍّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا.

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمْ فَقَدْ وَرَدَ تَعْيِينُ الْحُدَيْبِيَةِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَكَذَا جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَوَرَدَ تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرْيَمَ السَّلُولِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي

شَيْبَةَ وَأُمِّ الْحُصَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَارَبَ الثَّقَفِيُّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأُمُّ عُمَارَةَ عِنْدَ الْحَارِثِ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَصَحُّ إِسْنَادًا، وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّهُ الْأَقْرَبُ، قُلْتُ: بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِتَظَافُرِ الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِلَّا أَنَّ السَّبَبَ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ، فَالَّذِي فِي الْحُدَيْبِيَةِ سَبَبُهُ تَوَقُّفُ مَنْ تَوَقَّفَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِحْلَالِ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُزْنِ، لِكَوْنِهِمْ مُنِعُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ مَعَ اقْتِدَارِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَخَالَفَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْلَالِ تَوَقَّفُوا، فَأَشَارَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ يَحِلَّ هُوَ، فَفَعَلَ، فَحَلَقَ بَعْضٌ، وَقَصَّرَ بَعْضٌ، فَكَانَ مَنْ بَادَرَ إِلَى الْحَلْقِ أَسْرَعَ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ مِمَّنْ قَصَّرَ، وَصَرَّحَ بِهَذَا السَّبَبِ فِي حَدِيثٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا» .

وَأَمَّا سَبَبُ تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ أَكْثَرُ مَنْ حَجَّ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَتَحَلَّلُوا مِنْهَا، وَيَحْلِقُوا رُءُوسَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنَ الطَّاعَةِ كَانَ التَّقْصِيرُ فِي أَنْفُسِهِمْ أَخَفَّ مِنَ الْحَلْقِ، فَفَعَلَهُ أَكْثَرُهُمْ، فَرَجَّحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلَ مَنْ حَلَقَ، لِأَنَّهُ أَبْيَنُ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ تَبِعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْعُمْرَةِ، وَيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ إِذَا قَرُبَ مَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ هُنَا، وَالْأَوْلَى قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ: إِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ حُبُّ تَوْفِيرِ الشُّعُورِ وَالتَّزَيُّنِ بِهَا، وَالْحَلْقُ فِيهِمْ قَلِيلٌ، وَرُبَّمَا رَأَوْهُ مِنَ الشُّهْرَةِ وَمِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ لِذَا كَرِهُوا الْحَلْقَ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى التَّقْصِيرِ.

وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِي عَنِ الْحَلْقِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلَّا رِوَايَةً عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ تَعَيَّنَ الْحَلْقُ أَوَّلَ حَجَّةٍ، وَثَبَتَ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَبْيَنُ لِلْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ، وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ، وَالْمُقَصِّرُ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَتَزَيَّنُ بِهِ بِخِلَافِ الْحَالِقِ، فَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلَّهِ وَإِشَارَةً إِلَى التَّجَرُّدِ، وَلِذَا اسْتَحَبَّ الصُّلَحَاءُ إِلْقَاءَ الشُّعُورِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، وَتَعْلِيلُ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُقَصِّرَ مُبْقٍ عَلَى نَفْسِهِ الشَّعْرَ الَّذِي هُوَ زِينَةٌ، وَالْحَاجُّ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهَا، بَلْ هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْحَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِ الْأَمْرِ بِالتَّقَشُّفِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: (الْمُحَلِّقِينَ) ، وَقَالَ بِوُجُوبِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَاسْتَحَبَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ، وَيُجْزِي الْبَعْضُ عِنْدَهُمْ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبُعُ إِلَّا أَبَا يُوسُفَ، فَقَالَ: النِّصْفُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّ مَا يَجِبُ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَالتَّقْصِيرُ كَالْحَلْقِ يَأْخُذُ الرَّجُلَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ اسْتِحْبَابًا، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ لَمْ

يَزِدْ عَلَى قَدْرِ مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ، وَهُوَ قَدْرُ أُنْمُلَةٍ، وَالْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ بِإِجْمَاعٍ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَرْفُوعًا: " «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» "، وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ: " «نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» " وَفِيهِ أَيْضًا الدُّعَاءُ لِمَنْ فَعَلَ مَا شُرِعَ لَهُ، وَتَكْرَارُهُ لِمَنْ فَعَلَ، الرَّاجِحُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرُ فِيهِمَا، وَالتَّنْبِيهُ بِالتَّكْرَارِ عَلَى الرُّجْحَانِ، وَطَلَبُ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ الْجَائِزَ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَلَهُ مُتَابَعَاتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[بَاب مَوَاقِيتِ الْإِهْلَالِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»

ــ

٨ - بَابُ مَوَاقِيتِ الْإِهْلَالِ

جَمْعُ مِيقَاتٍ كَمَوَاعِيدٍ وَمِيعَادٍ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَكَانِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: التَّوْقِيتُ وَالتَّأْقِيتُ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ بَيَانُ مِقْدَارِ الْمُدَّةِ، يُقَالُ: وَقَّتَ الشَّيْءَ بِالتَّشْدِيدِ يُوَقِّتُهُ، وَوَقَتَ بِالتَّخْفِيفِ يَقِتُهُ إِذَا بَيَّنَ مُدَّتَهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَقِيلَ لِلْمَوْضِعِ مِيقَاتٌ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قِيلَ: التَّوْقِيتُ لُغَةً التَّحْدِيدُ وَالتَّعْيِينُ، فَعَلَى هَذَا فَالتَّحْدِيدُ مِنْ لَوَازِمِ الْوَقْتِ، وَأَصْلُ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ اتِّسَاعًا أَيْضًا.

٧٣٢ - ٧٢٦ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟» قَالَ: (يُهِلُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يُحْرِمُ (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) بِصِيغَةِ الْخَبَرِ مُرَادًا بِهِ الْأَمْرُ أَيْ مَدِينَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مُصَغَّرُ حَلْفَةٍ نَبَاتٌ مَعْرُوفٌ، وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مِائَتَا مِيلٍ قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَيْنَهُمَا عَشْرُ مَرَاحِلَ أَوْ تِسْعٌ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ مِيلٌ وَاحِدٌ وَهْمٌ يَرُدُّهُ الْحِسُّ، وَبِهَا مَسْجِدٌ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الشَّجَرَةِ خَرَابٌ، وَبِهَا بِئْرٌ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ عَلِيٍّ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ، فَقِيلَ: حِكْمَةُ ذَلِكَ أَنْ يُعَظِّمَ أُجُورَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: رِفْقًا بِأَهْلِ الْآفَاقِ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ أَقْرَبُ الْآفَاقِ إِلَى مَكَّةَ أَيْ مَنْ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ.

(وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَمِصْرَ. وَزَادَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْمَغْرِبَ (مِنَ الْجُحْفَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسُ مَرَاحِلَ أَوْ سِتٌّ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: ثَلَاثُ مَرَاحِلَ فِيهِ نَظَرٌ، وَهِيَ مَهْيَعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بِوَزْنِ عَلْقَمَةَ، وَقِيلَ: بِوَزْنِ لَطِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَسُمِّيَتِ الْجُحْفَةَ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَ بِهَا، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ الْعَمَالِيقُ يَسْكُنُونَ يَثْرِبَ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي عَبِيلٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسَرَ الْمُوَحَّدَةِ وَهُمْ إِخْوَةُ عَادٍ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ يَثْرِبَ فَنَزَلُوا مَهْيَعَةَ فَجَاءَ سَيْلٌ فَأَجْحَفَهُمْ أَيِ اسْتَأْصَلَهُمْ فَسُمِّيَتِ الْجُحْفَةَ، وَالْمِصْرِيُّونَ الْآنَ يُحْرِمُونَ مِنْ رَابِغٍ بَرَاءٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ قُرْبَ الْجُحْفَةِ لِكَثْرَةِ حُمَّاهَا فَلَا يَنْزِلُهَا أَحَدٌ إِلَّا حُمَّ.

(وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ) كُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ وَهُوَ اسْمٌ لِعَشَرَةِ مَوَاضِعَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الَّتِي أَعْلَى تِهَامَةِ وَالْيَمَنِ

وَأَسْفَلُهَا الشَّامُ وَالْعِرَاقُ (مِنْ قَرْنٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَنُونٌ بِلَا إِضَافَةٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَرْنُ الْمَنَازِلِ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمَنْزِلِ، وَالْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ هُوَ اسْمُ الْمَكَانِ، وَضَبَطَ الْجَوْهَرِيُّ " قَرْنَ " بِفَتْحِ الرَّاءِ وَغَلَّطُوهُ، وَبَالَغَ النَّوَوِيُّ فَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى تَخْطِئَتِهِ فِي ذَلِكَ وَفِي نِسْبَةِ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي قَرْنٍ، بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ، لَكِنْ حَكَى عِيَاضٌ عَنِ الْقَابِسِيِّ أَنَّ مَنْ سَكَّنَ الرَّاءَ أَرَادَ الْجَبَلَ، وَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ الطَّرِيقَ، وَالْجَبَلُ الْمَذْكُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ مُرْحَلَتَانِ، وَفِي أَخْبَارِ مَكَّةَ لِلْفَاكِهِيِّ أَنَّ قَرْنَ الثَّعَالِبِ جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى أَسْفَلِ مِنًى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ سُمِّيَ قَرْنُ الثَّعَالِبِ لِكَثْرَةِ مَا كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ مِنَ الثَّعَالِبِ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ.

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ رَاوِي الْحَدِيثِ: ( «وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ، مَكَانٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثُونَ مِيلًا، وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ بِالْهَمْزَةِ، وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْيَاءُ تَسْهِيلٌ لَهَا، وَحَكَى ابْنُ السَّيِّدِ فِيهِ يَرَمْرَمَ بِرَاءَيْنِ بَدَلَ اللَّامَيْنِ.

وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: وَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ، وَهُوَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي بَلَّغَ ابْنَ عُمَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَجَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَحْسَبُهُ رَفَعَهُ، وَعَائِشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّاحِبِ صَحِيحٌ حُجَّةٌ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[بَاب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»

ــ

٢٨ - بَابُ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ

جَمْعُ دَابَّةٍ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوَانٍ، لِأَنَّهُ يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، ثُمَّ نَقَلَهُ الْعُرْفُ الْعَامُّ إِلَى ذَاتِ الْقَوَائِمِ الْأَرْبَعِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَيُسَمَّى هَذَا مَنْقُولًا عُرْفِيًّا، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْحَيَوَانِ لَشَمِلَ الْغُرَابَ، وَالْحِدَأَةَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ نَظَرَ إِلَى جَانِبِ الْأَكْثَرِ، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.

٧٩٨ - ٧٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: خَمْسٌ) ، مُبْتَدَأٌ نَكِرَةٌ لِتَخْصِيصِهِ بِقَوْلِهِ: (مِنَ الدَّوَابِّ) ، وَخَبَرُهُ: (لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ) بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، أَوْ فِي الْحَرَمِ (فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ) ، أَيْ إِثْمٌ أَوْ حَرَجٌ - بِالرَّفْعِ - اسْمُ لَيْسَ مُؤَخَّرًا، (الْغُرَابُ) وَهُوَ يَخْتَلِسُ وَيَنْقُرُ ظَهْرَ الْبَعِيرِ، وَيَنْزَعُ عَيْنَيْهِ، زَادَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: الْأَبْقَعُ، وَهُوَ الَّذِي فِي ظَهْرِهِ، أَوْ بَطْنِهِ بَيَاضٌ، وَأَخَذَ بِهَذَا الْقَيْدِ قَوْمٌ، وَرَجَّحَ الْأَكْثَرُ الْإِطْلَاقَ، لِأَنَّ رِوَايَاتِهِ أَصَحُّ، (وَالْحِدَأَةُ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَهْمُوزَةٌ - وَجَمْعُهَا حِدَا - بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالْقَصْرِ، وَالْهَمْزَةِ، كَعِنَبٍ، وَعِنَبَةٍ - وَهِيَ أَخَسُّ الطَّيْرِ يَخْطِفُ أَطْعِمَةَ النَّاسِ.

وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَالْحُدَيَّا - بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ، وَشَدِّ الْيَاءِ، مَقْصُورٌ - تَصْغِيرُ الْحِدَأَةِ.

(وَالْعَقْرَبُ) وَاحِدَةُ الْعَقَارِبِ مُؤَنَّثَةٌ، وَالْأُنْثَى عَقْرَبَةٌ، وَعَقْرَبَاءٌ بِالْمَدِّ بِلَا صَرْفٍ، وَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَرْجُلٍ، وَعَيْنَاهَا فِي ظَهْرِهَا تَلْدَغُ، وَتُؤْلِمُ إِيلَامًا شَدِيدًا، وَرُبَّمَا مَاتَتْ بِلَسْعَتِهَا الْأَفْعَى، وَتَقْتُلُ الْفِيلَ وَالْبَعِيرَ بِلَسْعَتِهَا، وَلَا تَضْرِبُ الْمَيِّتَ، وَلَا النَّائِمَ حَتَّى يَتَحَرَّكَ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ، فَتَضْرِبَهُ، وَتَأْوِي إِلَى الْخَنَافِسِ، وَتُسَالِمُهَا.

وَفِي ابْنِ مَاجَهْ: عَنْ عَائِشَةَ: «لَدَغَتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقْرَبٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ مُصَلِّيًا، وَلَا غَيْرَهُ اقْتُلُوهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرِمِ» ، (وَالْفَأْرَةُ) - بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَتُسَهَّلُ - وَهِيَ الْفُوَيْسِقَةُ، رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ: " «أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لِمَ سُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ الْفُوَيْسِقَةُ؟ قَالَ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ

لَيْلَةٍ، وَقَدْ أَخَذَتْ فَأْرَةٌ فَتِيلَةً لِتَحْرِقَ عَلَيْهِ الْبَيْتَ، فَقَامَ إِلَيْهَا وَقَتَلَهَا، وَأَحَلَّ قَتْلَهَا لِلْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ» ".

وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَاحْتَرَقَ مِنْهَا مَوْضِعُ دِرْهَمٍ " زَادَ الْحَاكِمُ: " «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتُحْرِقَكُمْ» " قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ أَفْسَدُ مِنَ الْفَأْرِ، لِأَنَّهُ لَا يُبْقِي عَلَى حَقِيرٍ وَلَا جَلِيلٍ إِلَّا أَهْلَكَهُ وَأَتْلَفَهُ.

(وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) بِمَعْنَى عَاقِرٍ، أَيْ جَارِحٌ، وَهُوَ كُلُّ سَبُعٍ وَجَارِحٍ يَعْقِرُ، وَيَفْتَرِسُ، كَمَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ بَعْدُ، وَفِيهِ جَوَازُ قَتْلِ الْمَذْكُورَاتِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَحُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الْفَأْرَةِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ خَارِجٌ عَنْ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ.

وَعَنْ عَلِيٍّ، وَمُجَاهِدٍ: " «لَا يَقْتُلُ الْغُرَابَ، وَلَكِنْ يَرْمِيهِ» "، قَالَ عِيَاضٌ: لَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لَكِنْ يُوَافِقُهُ مَا لِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ.

وَقَالَ حَسَنٌ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، مَرْفُوعًا: " «وَيَرْمِي الْغُرَابَ، وَلَا يَقْتُلُهُ» " قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغُرَابُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مَالِكٌ مِنْ جُمْلَةِ الْغِرْبَانِ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيهِ الْفِدْيَةُ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاللَّيْثُ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَأَيُّوبُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ كُلُّ هَؤُلَاءِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا ابْنُ جُرَيْجٍ وَحْدَهُ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.

[بَاب الْحِلَاقِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ»

ــ

٦٠ - بَابُ الْحِلَاقِ

٩٠١ - ٨٨٧ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْإِمَامِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحَجِّ، وَبِهِ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " «حَلَقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ» "، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ عَلَى الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ (وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ قُلْ وَارْحَمِ الْمُقَصِّرِينَ (قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا) : قُلْ (وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) فَالْعَطْفُ عَلَى مَحْذُوفٍ وَهُوَ يُسَمَّى الْعَطْفُ التَّلْقِينِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: ١٢٤] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٢٤) (قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ) قَالَ الْحَافِظُ: فِيهِ إِعْطَاءُ الْمَعْطُوفِ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا السُّكُوتُ بِلَا عُذْرٍ، ثُمَّ هُوَ هَكَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ الدُّعَاءُ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ، وَعَطَفَ الْمُقَصِّرِينَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَانْفَرَدَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ دُونَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِإِعَادَةِ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّقَصِّي، وَأَغْفَلَهُ فِي التَّمْهِيدِ، بَلْ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَاجَعْتُ أَصْلَ

سَمَاعِي مِنْ مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، فَوَجَدْتُهُ كَمَا قَالَ فِي التَّقَصِّي، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ: " ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ "، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ اللَّيْثِ، وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمْ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ وَلِمُسْلِمٍ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ مَالِكٍ سَوَاءٌ، وَبَيَانُ كَوْنِهَا فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالْمُقَصِّرِينَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ وَارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ دُعَائِهِ لَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي الرَّابِعَةِ.

وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: قَالَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالْمُقَصِّرِينَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِأَنَّ مَنْ قَالَ الرَّابِعَةَ فَعَلَى مَا شَرَحْنَاهُ، وَمَنْ قَالَ الثَّالِثَةَ أَرَادَ أَنَّ الْمُقَصِّرِينَ عَطْفٌ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ أَرَادَ بِالثَّالِثَةِ مَسْأَلَةَ السَّائِلِينَ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَلَوْ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ ثَالِثَ مَسْأَلَةٍ مَا سَأَلُوهُ.

وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ» "، وَرِوَايَةُ مَنْ جَزَمَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ شَكَّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ تَقْصِيرُ حَذْفٍ، وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَحَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً» " وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «حَلَّقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» " الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، بَلْ قَالَ وَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَتَجَوَّزَ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ وَقَعَ لَقَطَعْنَا بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُ شَهِدَهَا، وَلَمْ يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ، وَلَمْ يَسُقِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُ، بَلْ صَرَّحَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِأَنَّهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَإِلَيْهِ يُومِي صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ وَمَالِكٍ.

وَأَمَّا حَدِيثُ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَكَانَ.

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ حَبَشِيٍّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا.

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمْ فَقَدْ وَرَدَ تَعْيِينُ الْحُدَيْبِيَةِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَكَذَا جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَوَرَدَ تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرْيَمَ السَّلُولِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي

شَيْبَةَ وَأُمِّ الْحُصَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَارَبَ الثَّقَفِيُّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأُمُّ عُمَارَةَ عِنْدَ الْحَارِثِ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَصَحُّ إِسْنَادًا، وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّهُ الْأَقْرَبُ، قُلْتُ: بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِتَظَافُرِ الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِلَّا أَنَّ السَّبَبَ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ، فَالَّذِي فِي الْحُدَيْبِيَةِ سَبَبُهُ تَوَقُّفُ مَنْ تَوَقَّفَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِحْلَالِ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُزْنِ، لِكَوْنِهِمْ مُنِعُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ مَعَ اقْتِدَارِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَخَالَفَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْلَالِ تَوَقَّفُوا، فَأَشَارَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ يَحِلَّ هُوَ، فَفَعَلَ، فَحَلَقَ بَعْضٌ، وَقَصَّرَ بَعْضٌ، فَكَانَ مَنْ بَادَرَ إِلَى الْحَلْقِ أَسْرَعَ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ مِمَّنْ قَصَّرَ، وَصَرَّحَ بِهَذَا السَّبَبِ فِي حَدِيثٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا» .

وَأَمَّا سَبَبُ تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ أَكْثَرُ مَنْ حَجَّ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَتَحَلَّلُوا مِنْهَا، وَيَحْلِقُوا رُءُوسَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنَ الطَّاعَةِ كَانَ التَّقْصِيرُ فِي أَنْفُسِهِمْ أَخَفَّ مِنَ الْحَلْقِ، فَفَعَلَهُ أَكْثَرُهُمْ، فَرَجَّحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلَ مَنْ حَلَقَ، لِأَنَّهُ أَبْيَنُ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ تَبِعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْعُمْرَةِ، وَيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ إِذَا قَرُبَ مَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ هُنَا، وَالْأَوْلَى قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ: إِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ حُبُّ تَوْفِيرِ الشُّعُورِ وَالتَّزَيُّنِ بِهَا، وَالْحَلْقُ فِيهِمْ قَلِيلٌ، وَرُبَّمَا رَأَوْهُ مِنَ الشُّهْرَةِ وَمِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ لِذَا كَرِهُوا الْحَلْقَ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى التَّقْصِيرِ.

وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِي عَنِ الْحَلْقِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلَّا رِوَايَةً عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ تَعَيَّنَ الْحَلْقُ أَوَّلَ حَجَّةٍ، وَثَبَتَ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَبْيَنُ لِلْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ، وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ، وَالْمُقَصِّرُ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَتَزَيَّنُ بِهِ بِخِلَافِ الْحَالِقِ، فَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلَّهِ وَإِشَارَةً إِلَى التَّجَرُّدِ، وَلِذَا اسْتَحَبَّ الصُّلَحَاءُ إِلْقَاءَ الشُّعُورِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، وَتَعْلِيلُ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُقَصِّرَ مُبْقٍ عَلَى نَفْسِهِ الشَّعْرَ الَّذِي هُوَ زِينَةٌ، وَالْحَاجُّ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهَا، بَلْ هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْحَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِ الْأَمْرِ بِالتَّقَشُّفِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: (الْمُحَلِّقِينَ) ، وَقَالَ بِوُجُوبِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَاسْتَحَبَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ، وَيُجْزِي الْبَعْضُ عِنْدَهُمْ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبُعُ إِلَّا أَبَا يُوسُفَ، فَقَالَ: النِّصْفُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّ مَا يَجِبُ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَالتَّقْصِيرُ كَالْحَلْقِ يَأْخُذُ الرَّجُلَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ اسْتِحْبَابًا، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ لَمْ

يَزِدْ عَلَى قَدْرِ مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ، وَهُوَ قَدْرُ أُنْمُلَةٍ، وَالْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ بِإِجْمَاعٍ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَرْفُوعًا: " «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» "، وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ: " «نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» " وَفِيهِ أَيْضًا الدُّعَاءُ لِمَنْ فَعَلَ مَا شُرِعَ لَهُ، وَتَكْرَارُهُ لِمَنْ فَعَلَ، الرَّاجِحُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرُ فِيهِمَا، وَالتَّنْبِيهُ بِالتَّكْرَارِ عَلَى الرُّجْحَانِ، وَطَلَبُ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ الْجَائِزَ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَلَهُ مُتَابَعَاتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.5 / 29.5
الإضاءة 96%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
اللهم صل على محمد