«أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٩٢٦

الحديث رقم ٩٢٦ من كتاب «كتاب الحج» في موطأ مالك، تحت باب: باب مواقيت الإهلال ".

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل…

«أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ»،

سند حديث: ٢٣ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ…

٢٣ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»

ــ

٧٣٤ - ٧٢٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» ) فَفِي هَذَا أَنَّ الْخَبَرَ فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرُ، وَلِذَا أَتَى بِهِ الْإِمَامُ تِلْوَهُ فَهُوَ مِنْ حُسْنِ التَّأْلِيفِ، (وَأَهْلَ الشَّامِ) وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ (مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ

نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ) أَيْ قَرْنِ الْمَنَازِلِ لَا قَرْنِ الثَّعَالِبِ، (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ) وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ.

وَحَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُّ سَنَةٍ وَقَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمَوَاقِيتَ؟ فَقَالَ: عَامَ حَجَّ.

وَفِي الْحَدِيثَيْنِ حُرْمَةُ مُجَاوَزَةِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ لِمُرِيدِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ بِلَا إِحْرَامٍ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْجُمْهُورُ، وَقَالُوا عَلَيْهِ الدَّمُ لَكِنْ بِدَلِيلٍ آخَرَ.

وَذَهَبَ عَطَاءٌ وَالنَّخْعِيُّ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَصِحُّ حَجُّهُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلْمِيقَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ حَتَّى تَمَّ حَجُّهُ رَجَعَ لِلْمِيقَاتِ وَأَهَلَّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ، فَلَوْ رَجَعَ لِلْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ مَالِكٌ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يُبْعِدَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَعُودَ مُلَبِّيًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَسْقُطُ، وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِيقَاتُهُ.

فَأَمَّا كَمِصْرِيٍّ وَشَامِيٍّ أَرَادَ النُّسُكَ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ فَمِيقَاتُهُ ذُو الْحُلَيْفَةِ لِاجْتِيَازِهِ عَلَيْهَا، وَلَا يُؤَخِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُحْفَةَ الَّتِي هِيَ مِيقَاتُهُ الْأَصْلِيُّ، فَإِنْ أَخَّرَ أَسَاءَ وَلَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: بِلَا خِلَافٍ.

قَالَ الْأَبِيُّ وَالْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ وَالْحَافِظُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَّا فَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الشَّامِيَّ مَثَلًا إِذَا جَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ بِلَا إِحْرَامٍ إِلَى مِيقَاتِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الْجُحْفَةُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافُهُ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَا قَالُوا، وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِذَارُ مَعَ وُجُودِ قَوْلِ هَذَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ رِفْقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ فِي تَوْقِيتِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ لِأَهْلِ الْآفَاقِ بِالْقُرْبِ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَبْعَدَ الْمَوَاقِيتِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْآفَاقِ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي الْمَوَاقِيتِ حُجَّةٌ لَنَا أَنَّ أَقَلَّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ سَفَرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِأَنَّهُ أَقَلَّ مَقَادِيرَ الْمَوَاقِيتِ لِأَهْلِ الْآفَاقِ وَالْمُسَافِرِينَ حَتَّى يَمُرَّ بِهِمْ سَفَرٌ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْنَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ تَوْقِيتُ الْجُحْفَةِ لِأَهْلِ الشَّامِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى فَتْحِهَا، وَأَنَّهَا تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ تَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا، وَلَمْ تَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ فُتِحَتْ وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ تَابَعَ فِيهِ مَالِكًا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الِاعْتِصَامِ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ دِينَارٍ بِهِ وَزَادَ فَذَكَرَ: الْعِرَاقَ، فَقَالَ - أَيِ: ابْنُ عُمَرَ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ صَدُقَةَ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الْعِرَاقُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عِرَاقٌ.

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ الْمَشْرِقِ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، فَمِيقَاتُ ذَاتِ عِرْقٍ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أُجْمِعَ

عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَتَوْا عُمَرَ فَوَقَّتَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ.

وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: «وَمَهِلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ» إِلَّا أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي رَفْعِهِ لِأَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: سَمِعْتُ أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: قَوْلُهُ أَحْسَبُهُ أَيْ أَظُنُّهُ، وَالظَّنُّ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ فَلَيْسَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي رَفْعِهِ، وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِرَفْعِهِ لَا يَقِينًا وَلَا ظَنًّا فَهُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ تَوْقِيفًا مِنَ الشَّارِعِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ضَمَّهُ جَابِرٌ إِلَى الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَلَمْ يَشُكَّا فِي رَفْعِهِ.

وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ قَالَا: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» "، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا، فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ لَمْ يَبْلُغْهُ، أَوْ رَأَى ضَعْفَ الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ مِنْهَا لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: رُوِيَ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ نَجِدْ فِيهَا حَدِيثًا ثَابِتًا لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ يَقْوَى كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا مَنْ أَعَلَّهُ بِأَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هِيَ غَفْلَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ النَّوَاحِي قَبْلَ الْفُتُوحِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ.

وَبِهَذَا أَجَابَ الْمَاوَرْدَيُّ وَآخَرُونَ، لَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ، أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ نَاسٌ مُسْلِمُونَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: " «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَأَجَابَهُ: وَكُلُّ جِهَةٍ عَيَّنَهَا كَانَ مِنْ قِبَلِهَا نَاسٌ مُسْلِمُونَ بِخِلَافِ الْمَشْرِقِ» "، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» "، فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتُ الْوُجُوبِ، وَالْعَقِيقُ مِيقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَبِأَنَّ الْعَقِيقَ مِيقَاتُ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمُدَايِنِ، وَالْعَقِيقُ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَبِأَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْعَقِيقِ الْآنَ ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقَرُبَتْ إِلَى مَكَّةَ، فَعَلَى هَذَا فَذَاتُ عِرْقٍ وَالْعَقِيقُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا يُسْتَحَبُّ احْتِيَاطًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِالْحَرَمِ، فَذُو الْحُلَيْفَةِ شَامِيَّةٌ، وَيَلَمْلَمُ يَمَانِيَّةٌ، فَهِيَ تُقَابِلُهُ وَإِنْ

كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَقْرَبُ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْأُخْرَى، وَقَرْنٌ شَرْقِيَّةٌ وَالْجُحْفَةُ غَرْبِيَّةٌ فَهِيَ تُقَابِلُهَا وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ، وَذَاتُ عِرْقٍ تُحَاذِي قَرْنًا، فَعَلَى هَذَا لَا تَخْلُو بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ تُحَاذِيَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ الْمُحَاذَاةُ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ لَيْسَ مِيقَاتُهُ أَمَامَهُ كَالْمِصْرِيِّ يَمُرُّ بِبَدْرٍ وَهِيَ تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهَا بَلْ يُؤَخِّرُ إِلَى الْجُحْفَةِ، وَالْعَقِيقُ الْمَذْكُورُ هُنَا وَادٍ يَتَدَفَّقُ مَاؤُهُ فِي غَوْرِ تِهَامَةَ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَقِيقِ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ: " «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ» " يَعْنِي الْعَقِيقَ، وَهُوَ بِقُرْبِ الْبَقِيعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»

ــ

٧٣٤ - ٧٢٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» ) فَفِي هَذَا أَنَّ الْخَبَرَ فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرُ، وَلِذَا أَتَى بِهِ الْإِمَامُ تِلْوَهُ فَهُوَ مِنْ حُسْنِ التَّأْلِيفِ، (وَأَهْلَ الشَّامِ) وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ (مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ

نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ) أَيْ قَرْنِ الْمَنَازِلِ لَا قَرْنِ الثَّعَالِبِ، (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ) وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ.

وَحَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُّ سَنَةٍ وَقَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمَوَاقِيتَ؟ فَقَالَ: عَامَ حَجَّ.

وَفِي الْحَدِيثَيْنِ حُرْمَةُ مُجَاوَزَةِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ لِمُرِيدِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ بِلَا إِحْرَامٍ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْجُمْهُورُ، وَقَالُوا عَلَيْهِ الدَّمُ لَكِنْ بِدَلِيلٍ آخَرَ.

وَذَهَبَ عَطَاءٌ وَالنَّخْعِيُّ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَصِحُّ حَجُّهُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلْمِيقَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ حَتَّى تَمَّ حَجُّهُ رَجَعَ لِلْمِيقَاتِ وَأَهَلَّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ، فَلَوْ رَجَعَ لِلْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ مَالِكٌ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يُبْعِدَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَعُودَ مُلَبِّيًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَسْقُطُ، وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِيقَاتُهُ.

فَأَمَّا كَمِصْرِيٍّ وَشَامِيٍّ أَرَادَ النُّسُكَ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ فَمِيقَاتُهُ ذُو الْحُلَيْفَةِ لِاجْتِيَازِهِ عَلَيْهَا، وَلَا يُؤَخِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُحْفَةَ الَّتِي هِيَ مِيقَاتُهُ الْأَصْلِيُّ، فَإِنْ أَخَّرَ أَسَاءَ وَلَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: بِلَا خِلَافٍ.

قَالَ الْأَبِيُّ وَالْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ وَالْحَافِظُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَّا فَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الشَّامِيَّ مَثَلًا إِذَا جَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ بِلَا إِحْرَامٍ إِلَى مِيقَاتِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الْجُحْفَةُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافُهُ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَا قَالُوا، وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِذَارُ مَعَ وُجُودِ قَوْلِ هَذَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ رِفْقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ فِي تَوْقِيتِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ لِأَهْلِ الْآفَاقِ بِالْقُرْبِ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَبْعَدَ الْمَوَاقِيتِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْآفَاقِ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي الْمَوَاقِيتِ حُجَّةٌ لَنَا أَنَّ أَقَلَّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ سَفَرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِأَنَّهُ أَقَلَّ مَقَادِيرَ الْمَوَاقِيتِ لِأَهْلِ الْآفَاقِ وَالْمُسَافِرِينَ حَتَّى يَمُرَّ بِهِمْ سَفَرٌ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْنَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ تَوْقِيتُ الْجُحْفَةِ لِأَهْلِ الشَّامِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى فَتْحِهَا، وَأَنَّهَا تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ تَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا، وَلَمْ تَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ فُتِحَتْ وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ تَابَعَ فِيهِ مَالِكًا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الِاعْتِصَامِ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ دِينَارٍ بِهِ وَزَادَ فَذَكَرَ: الْعِرَاقَ، فَقَالَ - أَيِ: ابْنُ عُمَرَ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ صَدُقَةَ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الْعِرَاقُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عِرَاقٌ.

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ الْمَشْرِقِ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، فَمِيقَاتُ ذَاتِ عِرْقٍ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أُجْمِعَ

عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَتَوْا عُمَرَ فَوَقَّتَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ.

وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: «وَمَهِلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ» إِلَّا أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي رَفْعِهِ لِأَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: سَمِعْتُ أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: قَوْلُهُ أَحْسَبُهُ أَيْ أَظُنُّهُ، وَالظَّنُّ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ فَلَيْسَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي رَفْعِهِ، وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِرَفْعِهِ لَا يَقِينًا وَلَا ظَنًّا فَهُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ تَوْقِيفًا مِنَ الشَّارِعِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ضَمَّهُ جَابِرٌ إِلَى الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَلَمْ يَشُكَّا فِي رَفْعِهِ.

وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ قَالَا: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» "، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا، فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ لَمْ يَبْلُغْهُ، أَوْ رَأَى ضَعْفَ الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ مِنْهَا لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: رُوِيَ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ نَجِدْ فِيهَا حَدِيثًا ثَابِتًا لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ يَقْوَى كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا مَنْ أَعَلَّهُ بِأَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هِيَ غَفْلَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ النَّوَاحِي قَبْلَ الْفُتُوحِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ.

وَبِهَذَا أَجَابَ الْمَاوَرْدَيُّ وَآخَرُونَ، لَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ، أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ نَاسٌ مُسْلِمُونَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: " «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَأَجَابَهُ: وَكُلُّ جِهَةٍ عَيَّنَهَا كَانَ مِنْ قِبَلِهَا نَاسٌ مُسْلِمُونَ بِخِلَافِ الْمَشْرِقِ» "، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» "، فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتُ الْوُجُوبِ، وَالْعَقِيقُ مِيقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَبِأَنَّ الْعَقِيقَ مِيقَاتُ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمُدَايِنِ، وَالْعَقِيقُ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَبِأَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْعَقِيقِ الْآنَ ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقَرُبَتْ إِلَى مَكَّةَ، فَعَلَى هَذَا فَذَاتُ عِرْقٍ وَالْعَقِيقُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا يُسْتَحَبُّ احْتِيَاطًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِالْحَرَمِ، فَذُو الْحُلَيْفَةِ شَامِيَّةٌ، وَيَلَمْلَمُ يَمَانِيَّةٌ، فَهِيَ تُقَابِلُهُ وَإِنْ

كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَقْرَبُ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْأُخْرَى، وَقَرْنٌ شَرْقِيَّةٌ وَالْجُحْفَةُ غَرْبِيَّةٌ فَهِيَ تُقَابِلُهَا وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ، وَذَاتُ عِرْقٍ تُحَاذِي قَرْنًا، فَعَلَى هَذَا لَا تَخْلُو بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ تُحَاذِيَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ الْمُحَاذَاةُ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ لَيْسَ مِيقَاتُهُ أَمَامَهُ كَالْمِصْرِيِّ يَمُرُّ بِبَدْرٍ وَهِيَ تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهَا بَلْ يُؤَخِّرُ إِلَى الْجُحْفَةِ، وَالْعَقِيقُ الْمَذْكُورُ هُنَا وَادٍ يَتَدَفَّقُ مَاؤُهُ فِي غَوْرِ تِهَامَةَ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَقِيقِ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ: " «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ» " يَعْنِي الْعَقِيقَ، وَهُوَ بِقُرْبِ الْبَقِيعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.5 / 29.5
الإضاءة 96%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
الله أكبر