التفسير البسيط سورة التحريم

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > تفسير سورة التحريم

تفسيرُ سورةِ التحريم كاملةً من التفسير البسيط (الواحدي) (أبو الحسن الواحدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 45 دقيقة قراءة

تفسير سورة التحريم كاملةً (أبو الحسن الواحدي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ اختلفوا في الذي حرمه النبي -  - على (١)  - إذا صلى الصبح دخل على أزواجه امرأة امرأة يسلم عليهن، وكانت حفصة قد أهدي لها عسل، وكان النبي -  - إذا دخل عليها تحبسه عندها وتسقيه منه، فيجلس النبي -  - عندها، وفطنت عائشة بذلك فجمعت أزواج النبي -  -وقالت لكل واحدة منهن، إذا دخل عليك (٢)  - فقولي (٣) (٤) (٥)  - على امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له ذلك أيضًا.

فلما كان من الغد دخل على حفصة فسقته فأبى أن يشربه وحرمه على نفسه، وكان يكره أن يوجد منه ريح منتنة، لأنه يأتيه الملك، فأنزل الله هذه الآية (٦) وهذا قول ابن أبي مليكة، وعبد الله بن عتبة.

وروى عبيد بن عمير عن عائشة أن النبي -  - كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلًا ثم ذكر القصة (٧) (٨) (٩) وقال المقاتلان: ...

رسول الله -  - في بيت حفصة، فزارت أباها فلما رجعت أبصرت مارية ...

النبي -  - فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت وقالت: إني رأيت مارية معك في البيت، وكان ذلك في يوم عائشة، فلما رأى النبي -  - في وجه ...

والكآبة قال لها: لا تخبري ولك عليّ أن لا أقربها أبدًا.

فأخبرت حفصة عائشة -وكانتا مصافيتين- فغضبت عائشة ولم تزل بالنبي -  - حتى حلف أن لا يصيبها (١٠) (١١) وروى عطاء عن ابن عباس أن هذه القصة وقعت في بيت (١٢) (١٣)  - بأن حلف لها أن لا يصيبها (١٤) (١٥) قال مسروق: حرم رسول الله -  - أم ولده وحلف أن لا يقربها فأنزل الله هذه الآية.

فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين التي حلفت عليها فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (١٦) وقال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام وأمر أن يكفر اليمين، فذلك قوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (١٧) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ استفهام فيه إنكار، والإنكار من الله عز وجل نهي، وتحريم الحلال (١٨) (١٩) قال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: جعلت امرأتي عليّ حرام قال: كذبت، ليس عليك حرام، ثم تلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ الآية، عليك أغلظ الكفارات رقبة (٢٠) ﴿ تَبْتَغِي ﴾ حال خرجت مخرج المضارع.

والمعنى: لم تحرم ما أحل الله لك مبتغيًا مرضاة أزواجك (٢١) (١) في (ك)، (س): (عن).

(٢) في (ك): (عليك) زيادة.

(٣) في (ك): (عليك فتقول).

(٤) المغافير: صمغ يسيل من شجر العرفط حلو غير أن رائحته ليست بطيبة.

"اللسان" 2/ 749 (عرفط).

(٥) جرست النحلة أي أكل ورعت، وهو لحسها إياه ثم تعسله، ولا يقال جرس بمعنى رعى إلا للنحل.

والعرفط (بضم العين والفاء وتسكين الراء): شجر خبيث الريح، وهو من أخبث == المراعي، وقيل: هو شجر الطلح، وله صمغ كريه الرائحة، فهذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه وهو المغافير.

"اللسان" 1/ 440 (جرس) 2/ 749 (عرفط).

(٦) حديث متفق عليه، وهو هنا بألفاظ قريبة مما في الصحيح.

وانظر: "صحيح البخاري"، كتاب: الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك 7/ 560 ومسلم، كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1101، "سنن أبي داود" كتاب: الأشربة، باب: في شراب العسل 2/ 708، و"سنن النسائي"، كتاب: الطلاق، باب: تأويل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾ 2/ 721، و"جامع البيان" 28/ 102.

(٧) متفق عليه.

رواه البخاري، في التفسير، سورة التحريم 6/ 194.

ومسلم كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1100.

(٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 191.

(٩) أخرجه ابن سعد، عن عبد الله بن رافع.

"الدر" 6/ 239.

(١٠) في (س): (والكلبي) زيادة.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 19 ب، و"تنوير المقباس" 6/ 96، و"الكشف والبيان" 12/ 147 أ.

(١٢) (بيت) ساقطة من (ك).

(١٣) انظر: "جامع البيان" 28/ 101، و"الدر" 6/ 239.

(١٤) في (س): (والشعبي) زيادة.

(١٥) أخرجه الحاكم 2/ 493 وصححه.

قال ابن حجر: وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس ...

وهذا أصح طريق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال ...

وذكره بأطول مما هنا.

"فتح الباري" 9/ 376، وفي "تفسير ابن كثير" 4/ 386 قال: وقال الهيثم بن كليب في "مسنده": ..

وذكر ما يدل على تعلق القصة بمارية.

ثم قال: وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج.

ورجح النووي، وابن كثير نزول الآية في قصة العسل، وهو قول القاضي عياض.

انظر: "شرح النووي على مسلم" 10/ 77، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 386.

ورجح الجصاص، وابن حجر، وغيرهما نزولها في شأن مارية القبطية.

انظر: "أحكام القرآن" 3/ 464، و"فتح الباري" 9/ 290، و"فتح القدير" 5/ 252.

وقال ابن حجر أيضًا: فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا.

"الفتح" 8/ 657.== وقال: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف العمل على التعدد، فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد.

"فتح الباري" 9/ 376.

وعموم الآية للسببين وغيرهما هو اختيار ابن جرير وغيره.

انظر: "جامع البيان" 28/ 102، و"روح المعاني" 28/ 151.

(١٦) أخرجه ابن جرير وابن سعد.

انظر: "جامع البيان" 28/ 100، و"الدر" 6/ 240.

وقال ابن حجر: ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال: ...

وذكر نحوه.

"فتح الباري" 8/ 657.

(١٧) انظر: "جامع البيان" 28/ 100.

وقال ابن حجر: قال البيهقي: (..

أخرجه الترمذي، وابن ماجه بسند رجاله ثقات من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق.) "فتح الباري" 9/ 373.

(١٨) في (ك): (الحرام).

(١٩) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 42.

(٢٠) أخرجه النسائي، والحاكم في "المستدرك" 2/ 493 ولم يذكر قوله: عليك أغلظ == وقال ابن حجر: وكأنه أشار عليه بالرقبة لأنه عرف أنه موسر، فأراد أن يكفر بالأغلظ من كفارة اليمين لا أنه تعين عليه عتق رقبة.

"فتح الباري" 9/ 376.

(٢١) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 42.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ ۚ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٢

قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قال مقاتل: يعني قد بين الله، كما قال: ﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا  ﴾ (١) (٢) وذكر صاحب النظم القولين، وقال: إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ  ﴾ ، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين، فإن حمل على الإيجاب كان اللام بمعنى على كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ وقوله: ﴿ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ أي تحليلها بالكفارة.

و ﴿ تَحِلَّةَ ﴾ على وزن تفعلة، وأصله تحللة فأدغمت (٣) أحدهما: تحليله بالكفارة كالذي في هذه الآية.

والآخر: يستعمل بمعنى الشيء القليل.

وهذا هو الأكثر في الاستعمال (٤) (٥) (٦) أرى إبلي عاقت جدود فلم تذق ...

بها قطرةً إلا تحلَّة مقسم وذكرنا عن جماعة من المفسرين أن النبي -  - حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله تعالى له ما أوجب من كفارة اليمين.

قال مقاتل: قد بين الله كفارة أيمانكم في المائدة [: 89].

والذين رووا من المفسرين أنه حلف قالوا: تلزم الكفارة في تحريمه الجارية على نفسه، كما تلزم في اليمين (٧) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الحرام يمين (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال المقاتلان: أمر الله نبيه -  - أن يكفر يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة (١٣) قال أبو إسحاق: وعلى التفسيرين ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، ولم يجعل الله لنبيه أن يحرم إلا ما حرم الله (١٤) قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾ ، أي: وليكم وناصركم، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بخلقه، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ فيما فرض من حكمه.

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 159 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 43.

(٢) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 472.

(٣) "سر صناعة الإعراب" 2/ 762: حيث أدغمت اللام في اللام.

(٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 43.

(٥) متفق عليه، و"صحح البخاري"، كتاب: الأيمان، باب قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ 8/ 167، و"صحيح مسلم"، كتاب: الأدب، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه 4/ 2028، ولفظه: "يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم".

(٦) ورد البيت في "اللسان" 1/ 705 (حلل) ولم ينسبه.

(٧) وهو قول قتادة، ومسروق، والشعبي، وزيد بن أسلم، والضحاك، وغيرهم.

انظر: "جامع البيان" 28/ 100، و"زاد المسير" 8/ 307، و"الدر" 6/ 240.

(٨) أخرجه البخاري في مواضع، ولفظه: (إذا حرم امرأته ليس بشيء).

وقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ كتاب الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك 7/ 56، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ ، ولفظه: (في الحرام يكفر) 6/ 194.

== قال ابن حجر في "الفتح" 9/ 376، وأخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المبارك الصوري عن معاوية بن سلام بإسناد حديث الباب بلفظ: (إذا حرم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها)، فعرف أن المراد بقوله: (ليس بشيء)، أي: ليس بطلاق.

وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1100.

(٩) وبه قال عامة أهل العلم.

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 465، و"المغني" 10/ 61، و"فتح الباري" 9/ 371.

(١٠) قال النووي: فيه قولان للشافعي أصحهما يلزمه كفارة يمين.

"شرح النووي على مسلم" 10/ 73، وقال ابن قدامة في "المغني" 10/ 396: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام وأطلق فهو ظهار.

وقال الشافعي: لا شيء عليه.

وله قول آخر عليه كفارة يمين، وليس بيمين.

(١١) وهو مذهب الشافعي، ومالك، والجمهور، وفي المسألة أربعة عشر مذهبًا كما حكاه القاضي عياض، وبلغت عند القرطبي ثمانية عشر، وزاد غيره عليها.

انظر: "شرح النووي على مسلم" 10/ 74، و"فتح الباري" 9/ 372.

وقال الألوسي: وهي في هذه المسألة كثيرة جدًّا، وفي نقل الأقوال عن أصحابها اختلاف كثير أيضًا.

"روح المعاني" 28/ 149.

(١٢) ورد في رواية البخاري في بلفظ: (وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا).

قال ابن== حجر: واستدل القرطبي وغيره بقوله: (حلفت) على أن الكفارة التي أشير إليها في قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: (حلفت)، فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم.

وهو استدلال قوي لمن يقول إن التحريم لغو لا كفارة فيه بمجرده.

"فتح الباري" 9/ 378.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، وهو قول زيد بن أسلم وغيره.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 185.

(١٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 192.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًۭا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ ٣

قوله: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (إذ) نصب كأنه قال: واذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا (١) (٢)  - لما رأى المغيرة والكراهية في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين.

تحريم الأمة على نفسه، وبشرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر.

وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير (٣) (٤) قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ قال ابن عباس: أخبرت به عائشة (٥) ﴿ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ أطلع الله نبيه على قول حفصة لعائشة، فأخبر (٦)  - حفصة عند ذلك ببعض (٧) ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ قال ابن عباس: عرف حفصة بعض ما أخبرت به عائشة: ﴿ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ ، فلم يعرفه إياها على وجه التكريم والإغضاء (٨) وقال مقاتل: ﴿ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ لم يخبرها أنك أخبرت عائشة أن أبا بكر وعمر يملكان (٩) (١٠) وروى أبو بكر ابن عيالش الكلبي (١١) ﴿ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ وهو تحريم الجارية؛ لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك.

يعني أنه -  - أنكر عليها إفشاء الخلافة وأعرض عن إفشاء التحريم لقلة مبالاته بذلك (١٢) وقرئ (عرَفَ) مخففًا (١٣)  - إذا أظهره الله على ما كانت أفشته علم جميع ذلك، ولم يجز أن يعلم من ذلك مع إظهار الله إياه بعضه، ولكن يعلم جميعه، فإذا لم يجز حمله على هذا الوجه علمت أنه بمعنى المجازاة، وهذا كما تقول لمن يسيء أو يحسن: أنا أعرف لأهل الإحسان وأعرف لأهل الإساءة، أي: لا يخفى عليّ ذلك وأغضي عن بعض، وهذا كقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ  ﴾ وقوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ ، أي: يجازيهم، وهو أعلم (١٤) ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ ، أي: يرى جزاءه، وليس المعنى يرى ما عمل.

وكان مما جازى حفصة تطليقه إياها؛ هذا كلام أبي علي (١٥) (١٦) ﴿ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ يعني لم يعرفها إياه، ولو كان عرف مخففًا لكان ضده وأنكر بعضًا (١٧) (١) (حديثًا) ساقطة من (س).

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 191.

(٣) في (س): (والكلبي وسعيد بن جبير) زيادة.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 147 ب، وفي "مجمع الزوائد" 7/ 126، ذكر الخبر عن أبي هريرة ثم قال: رواه الطبراني في "الأوسط"، من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمه.

قال الذهبي: مجهول وخبره ساقط.

وذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 390 تخريج الطبراني لذكر الخلافة عن ابن عباس.

ثم قال: إسناده فيه نظر.

واعتمد ما ورد في الصحيح.

وانظر: "تخريجات الكشاف" ص 176.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 96.

(٦) في (ك): (فأخبر الله) والصواب ما أثبته.

(٧) (ما) ساقطة من (س).

(٨) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 43.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 364.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 192، والذي فيه أنه عرف حفصة بعض ما أفضت به من الخبر دون التصريح بما عرفها به.

(١١) كذا في في (ك): وصوابها (عن الكلبي) ولم أجد هذه الرواية.

(١٢) انظر: "زاد المسير" 8/ 309، و"الكشاف" 4/ 115، من طريق أبي صالح عن ابن عباس.

والقولان في "تفسير ابن عباس" 6/ 97.

قال ابن حجر: قوله: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً لقوله: بل شربت عسلًا) هذا القدر بقية الحديث ..

وكأن المعنى: وأما المراد بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ﴾ فهو لأجل قوله: (بل شربت عسلًا)، والنكتة فيه أن هذه الآية داخلة في الآيات الماضية، لأنها قبل قوله: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ﴾ .

قلت: وما ذكر من أمر الخلافة لا وجه له إذ يستبعد جمع أمر خاص به -  - مع خلافة المسلمين العامة، ثم ما الذي منع عائشة وحفصة -  ما- من ذكر هذا الأمر بعد موته -  - وما حصل أو كاد أن يحصل بين المهاجرين والأنصار، وهل كان الصديق أو الفاروق يحرص على تولي أمر المسلمين، وهل كانت عائشة أو حفصة كذلك، وعائشة هي التي كانت تشير عليه -  - بأمر عمر بالصلاة دون أبيها، لو كانت علمت ذلك من قبل هل كانت ستشير بهذا؟

(١٣) قرأ الكسائي ﴿ عَرَّفَ ﴾ بتخفيف الراء، وقرأ الباقون بتشديدها.

انظر: "حجة القراءات" ص 713، و"النشر" 2/ 388، و"الإتحاف" ص 419.

(١٤) في (س): (يعلم).

(١٥) من قوله: (جازى عليه ...) إلى هنا كلامه، وفيه تصرف من الواحدي.

وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 301 - 302.

(١٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 166، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 192، و"زاد المسير" 8/ 308.

قلت: تطليق حفصة  ا يرده ما في الصحيح، وفيه عن عمر قال: فقلت: أطلقت يا رسول الله -  - نساءك؟

فرفع رأسه إليّ وقال: لا.

فقلت: الله أكبر.

وفي رواية (أطلقتهن؟

فقال: لا.

فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه) وفرحه -  - لما علم بأنه لم يطلق حفصة، ولو كانت طلقت لحزن؛ إذ في إمساكها دليل على فضل آل الخطاب وخيريتهم، وفي "تفسير مقاتل" 160 أأنه لم يطلقها وأنها من نسائه في الجنة.

وانظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير المرأة لا يكون طلاقًا إلا بالنية 2/ 1103، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 389.

(١٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 462، ومما قال: وقراءة الكسائي: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ وردها أبو عبيد ردًّا شنيعًا ..

قال أبو جعفر: وهذا الرد لا يلزم، والقراءة معروفة عن جماعة منهم أبو عبد الرحمن السلمي.

<div class="verse-tafsir"

إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤

ثم خاطب عائشة وحفصة فقال قوله: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ﴾ أي من التعاون على النبي -  - بالإيذاء: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ قال المفسرون: عدلت ومالت (١)  - من اجتناب جاريته فلذلك صغو قلبيهما (٢) (٣) والمراد بالجمع في قوله: ﴿ قُلُوبُكُمَا ﴾ التثنية.

قال الفراء: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الإنسان، كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى الاثنين مذهب الاثنين (٤) ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا  ﴾ ، وتفسير الصغو قد تقدم أيضًا عند قوله: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ ﴾ (٥) قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ ، أي: يتظاهرا ويتعاونا على النبي -  - بالمعصية (٦) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ ﴾ ، أي: لم يضره ذلك التظاهر منكما فإن الله هو مولاه.

قال ابن عباس: موال له على من عاداه، وناصر له (٧) (٨) ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ وليه، ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أبا بكر وعمر مواليين (٩)  - على من عاداه، وناصرين له.

وهو قول المقاتلين وعكرمة (١٠) وروى ذلك عن عبد الله مرفوعًا أن النبي -  - قال: "إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر" (١١) وقال المسيب بن شريك (١٢) (١٣) وقال سعيد بن جبير: هو عمر (١٤) وقال الضحاك: يعني به خيار المؤمنين (١٥) (١٦) قال الفراء: وصالح المؤمنين مثل أبي بكر وعمر، الذين ليس فيهم نفاق، وهو موحد في مذهب جمع كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا سيسة للحرب فقد أمر بالمجيء واحداً كان أو أكثر (١٧) وقال الزجاج: وصالح المؤمنين هاهنا ينوب عن الجميع كما تقول: يفعل هذا الخيرُ من الناس؛ تريد كل خيّر (١٨) ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يجوز أن يراد به الواحد والجماعة، ثم الكلام في التعيين والتفصيل يكون إلى المفسرين على ما حكينا عنهم.

وقال قتادة وسفيان: صالح المؤمنين هم الأنبياء (١٩) وأظهر هذه الأقوال قول من قال: إن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر؛ لأن الخطاب في هذه الآية لابنتيهما عائشة وحفصة، وكأنه قيل لهمما: إن تعاونتما على إيذاء النبي -  - فإن أبويكما لا يوافقانكما ولا يتظاهران معكما، فإنهما وليا رسول الله (٢٠) قوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ قال مقاتل: بعد الله وجبريل وصالح المؤمنين: ﴿ ظَهِيرٌ ﴾ قال يعني: أعوان النبي -  - (٢١) قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج: وظهير في معنى ظهراء، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع (٢٢) ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ﴾ ، وقد ذكرنا هذا في مواضع.

قال الفراء: والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير (٢٣) ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ  ﴾ ، فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة (٢٤) (١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 302، و"مجاز القرآن" 2/ 261، و"جامع البيان" 28/ 104.

(٢) في (س): (قلبهما) وهو قول ابن زيد.

انظر: "جامع البيان" 28/ 104، و"الكشف والبيان" 12/ 148 ب.

قال الألوسي: وإنما لم يفسروا: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ بمالت إلى الواجب، أو الحق، أو الخير، حتى يصح جعله جوابًا من غير احتياج إلى نحو ما تقدم؛ لأن صيغة الماضي، وقد، وقراءة ابن مسعود: (فقد زاغت قلوبكما) وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف.

انظر: "روح المعاني" 28/ 152.

(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 189.

(٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 44.

(٥) والصغا: ميل في الحنك أو إحدى الشفتين، وأصغيت الإناء إذا أملته.

انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 159، و"اللسان" 2/ 445 (صغا).

(٦) في (ك): (والمعصية).

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 98، و"معالم التنزيل" 4/ 366، و"زاد المسير" 8/ 310.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ.

(٩) في (ك): (والنبيين).

(١٠) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 44، و"البحر المحيط" 8/ 291.

(١١) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 127: رواه الطبراني وفيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك.

(١٢) مسيب بن شريك.

أبو سعيد التميمي.

سكتوا عنه، مات سنة 186 هـ انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 408.

(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"زاد المسير" 8/ 310، عن مكحول عن أبي أمامة.

(١٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"الدر" 6/ 244، ونسب إخراجه لسعيد ابن منصور وابن سعد وابن المنذر.

(١٥) انظر: "جامع البيان" 28/ 105، و"التفسير الكبير" 30/ 44.

(١٦) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 151 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 366.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" 3/ 167.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 193.

(١٩) انظر:"تفسير عبد الرزاق" 2/ 302، و"جامع البيان" 28/ 105.

قلت: وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الآية، وأي فائدة في موالاة الأنبياء عليهم السلام لنبينا -  - في هذه القصة، والله أعلم.

(٢٠) قال الآلوسي: (...

وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة مع أن بيان مظاهرتهما له  أشد تأثيرًا في قلوب بنتيهما وتوهينًا لأمرهما).

انظر: "روح المعاني" 287/ 154.

قلت: وممن قال بعموم اللفظ ابن جرير والنحاس وغيرهما.

انظر: "جامع البيان" 28/ 108، و"روح المعاني" 28/ 154.

وقال النحاس: فمن أصح ما قيل فيه أنه لكل صالح من المؤمنين، ولا يخص به واحد إلا بتوقيف.

"إعراب القرآن" 3/ 462، وفي "تنوير المقباس" 6/ 98 قال: (جملة المؤمنين المخلصين أعوان له عليكما مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -  م- ومن دونهم ...).

وعلى هذا فحمل الآية على عمومها أولى وآكد والصديق والفاروق أولى الناس بنصرة النبي وموالاته، ولو فرض -وهو محال- أنهما نصرا ابنتيهما فبقية المؤمنين في نصرة النبي ومؤازرته -  -.

وهذا أبلغ في حق عائشة وحفصة -  ما-.

(٢١) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 366.

(٢٢) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 261، و"معاني القرآن" 3/ 167، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 193.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" 3/ 167.

(٢٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 45، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 192.

<div class="verse-tafsir"

عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًۭا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍۢ مُّؤْمِنَـٰتٍۢ قَـٰنِتَـٰتٍۢ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍۢ سَـٰٓئِحَـٰتٍۢ ثَيِّبَـٰتٍۢ وَأَبْكَارًۭا ٥

ثم خوف نساءه بقوله: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الآية.

قال الضحاك: كل عسى في القرآن فهو واجب.

والمفسرون يقولون: عسى من الله واجب (١) ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ  ﴾ ، والأكثر في قوله: ﴿ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الإظهار، وروي عن أبي عمرو الإدغام (٢) ولإدغام القاف في الكاف حسن ، لأنهما من حروف الفم، وأصل الإدغام أن يكون فيما دون حرف الطرفين الحلق والشفة، فإن ترك الإدغام فيهما حسن ، لأنهما من أول مخارج الحرف فأشبها حرف الحلق لقربهما منها كما أن الخاء والغين لما كانتا من أول مخارج الحلق وأقربهما إلى الفم أجريا مجرى حروف الفم في أن لم تبين النون معهما في بعض اللغات.

وهو رواية أبي نشيط (٣) (٤) ثم نعت تلك الأزواج التي كان يبدله لو طلق نساءه، فقال: ﴿ مُسْلِمَاتٍ ﴾ أي: خاضعات لله بالطاعة، ﴿ مُؤْمِنَاتٍ ﴾ مصدقات بتوحيد الله، ﴿ قَانِتَاتٍ ﴾ طائعات، ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ قال المفسرون: صائمات.

وذكرنا تفسير الكلام فيه عند قوله: ﴿ السَّائِحُونَ ﴾ (٥) ﴿ ثَيِّبَاتٍ ﴾ جمع ثيب.

قال الليث: وهي المرأة التي قد تزوجت فبانت بأي وجه (٦) (٧) (٨) قال الأزهري: كأنه قيل لها ثيب؛ لأنها عادت إلى حالتها الأولى قبل أن تزوج، وكل شيء عاد بعد ذهابه فقد ثاب يثوب ثؤوبًا، ويقال: تثيب المرأة تثيبًا إذا صارت ثيبًا (٩) قوله تعالى: ﴿ وَأَبْكَارًا ﴾ يريد عذارى.

(١) انظر: "جامع البيان" 5/ 117، و"المحرر الوجيز" 2/ 159، و"تهذيب اللغة" 3/ 85، و"اللسان" 2/ 781 (عسى).

(٢) انظر: "النشر" 1/ 286، و"الإتحاف" 22 - 23.

(٣) هو محمد بن هارون، مقرئ جليل ضابط مشهور.

قال ابن أبي حاتم: صدوق، سمعت مه مع أبي ببغداد، قلت: وسمع منه أبوه -وأثنى عليه- ومحمد بن مؤمل الناقد وجماعة.

وكان ثقةً.

توفي سنة 258 هـ ووهم من قال غير ذلك.

انظر: "غاية النهاية" 2/ 272، و"سير النبلاء" 12/ 324، و"تاريخ بغداد" 3/ 352، و"تهذيب التهذيب" 9/ 493.

(٤) من قوله (وإدغام القاف في الكاف حسن) إلى هنا، من كلام أبي علي الفارسي وفيه تصرف.

انظر: "الحجة" 6/ 303.

(٥) وممن فسرها بالصائمات ابن عباس، والحسن، وابن جبير، وقتادة.

انظر: "جامع البيان" 28/ 106، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 193.

ونسبه الزجاج لأهل التفسير وأهل اللغة.

"معاني القرآن" 5/ 194، و"اللسان" 3/ 323 (سيح).

وقال الفراء: ونرى أن الصائم إنما سمي سائحًا أن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد، فكأنه أخذ من ذلك.

"معاني القرآن" 3/ 167.

(٦) في (ك): (بوجه ما) بدلاً من (بأي وجه)، والصواب ما أثبته.

(٧) في (س): (قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك) زيادة وبعدها عبارة مطموسة.

(٨) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عن مسروق عن أبي بن كعب (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان)، وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن مسروق: (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يرجمان ولا يجلدان، والشيخان يجلدان ثم يرجمان) ورجاله رجال الصحيح.

"فتح الباري" 12/ 157.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 152 (ثاب)، و"اللسان" 1/ 388 (ثيب).

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًۭا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌۭ شِدَادٌۭ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ٦

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (١) (٢) ﴿ وَأَهْلِيكُمْ ﴾ قال عمر: يا رسول الله: هذا نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟

قال: "تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمركم الله به" (٣) قال مقاتل بن حيان: يعني أن يؤدب الرجل المسلم نفسه وأهله فيعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، فذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه وأهله وعبيده وإمائه في تأديبهم وتعليمهم (٤) وقال علي -  - (٥) (٦) وقال الحسن: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصيته (٧) (٨) قال ابن عمر لرجل: أدب ابنك فإنك مسؤول عن ولدك (٩) (١١) وقال أبو ذر: أوصاني رسول الله -  - فقال: "أخف أهلك ولا ترفع عنهم عطاءك" (¬5).

وقال أبو إسحاق: المعنى: خذوا أنفسكم وأهليكم بما يقرب من الله، وجنبوا أنفسكم وأهليكم المعاصي (١٢) وقال مقاتل: قوا أنفسكم وأهليكم المعاصي بالأدب الصالح النار في الآخرة (١٣) ﴿ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ ، وقد سبق تفسيره في سورة البقرة (¬8).

قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد خزنة النار تسعة عشر ملكًا (١٤) ﴿ غِلَاظٌ ﴾ أي على أهل النار كقوله: ﴿ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، ويجوز أن يكون معنى الغلظ هاهنا ضخامة أجسامهم.

قال (١٥) (١٦) وقوله: ﴿ شِدَادٌ ﴾ أي أقوياء.

قالا: وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"زاد المسير" 8/ 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 196.]].

(١) في (ك): (أنفسكم وأهليكم).

(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 367، وأخرج ابن جرير وغيره عنه قال: (اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر، ينجيكم الله من النار).

انظر: "جامع البيان" 28/ 107، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 391، و"الدر" 6/ 244.

(٣) ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 292، بدون سند.

ونحوه روى ابن مردويه عن زيد بن أسلم قال: تلا رسول الله -  - هذه الآية ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ فقالوا: يا رسول الله: كيف نقي أهلنا نارًا.

قال: (تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله) "الدر" 6/ 244.

(٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 46، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 391.

(٥) في (ك): (رحمه الله).

(٦) أخرجه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم، وصححه ولفظه (علموا أهليكم خيرًا).

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 107، و"المستدرك" == 2/ 494، و"فتح الباري" 8/ 659 وقال: وروى الحاكم ....

ورواته ثقات، و"الاستذكار" 5/ 216 وقال: قال أهل العلم بتأويل القرآن ومعانيه: أدبوهم وعلموهم.

(٧) أخرج سعيد بن منصور نحوه عن الحسين.

انظر: "فتح الباري" 8/ 259.

(٨) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 107، و"الدر" 6/ 244.

(٩) في (ك): (كيف).

(١٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ.

(١٢) عند تفسيره الآية (¬24) من سورة البقرة قال: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ ، أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد وصدق محمد ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ ﴾ قال ابن السكيت: الوُقود بالضم المصدر.

يقال: وقدت النار تقد وقودًا.

ويقال: ما أجود هذا الوقود للحطب.

﴿ وَالْحِجَارَةُ ﴾ جمع == حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجمالة، وذكر وذكارة، وجاء في التفسير أن الحجارة هاهنا حجارة الكبريت.

وقوله: ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ ﴾ لا يدل على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم يدخلوها بعد لأنها متقدة بغير الناس فإذا دخلها الناس صاروا وقودها.

(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 151 ب، و"البحر المحيط" 8/ 292، و"روح المعاني" 28/ 157، ولم ينسب لقائل.

(١٤) في (ك): (فقال) زيادة.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الدر" 6/ 244، وذكر تخريج ابن جريج له عن كعب بلفظ: (ما بين منكب الخازن من خزنتها مسيرة سنة ...)، وهذا مما نقل عن أهل الكتاب، والله أعلم.

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"زاد المسير" 8/ 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 196.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٧

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةًۭ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٨

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ قال أبو إسحاق: معناه توبة بالغة في (١) (٢) وقال الفراء: ﴿ نَصُوحًا ﴾ من صفة التوبة، ومعناه يحدث نفسه إذا تاب من ذلك الذنب ألا يعود إليه أبدًا.

هذا كلامه (٣) (٤) (٥) وروي عن عاصم (نصوحًا) بضم النون (٦) (٧) (٨) أحدهما: أنه أراد توبة ناصحة، يسمى الفاعل باسم المصدر.

ويجوز أن يريد به توبة ذات نصوح.

وقال أبو زيد نصحته: صدقته، وتوبة نصوح: صادقة (٩) قال عمر بن الخطاب -  -: التوبة النصوح أن يجتنب الرجل عمل السوء ثم لا يعود إليه أبدًا (١٠) وقال مقاتل بن حيان (١١) (١٢) (١٣) ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ : لا يعذبهم الله بدخول النار، قاله مقاتل (١٤) ﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ (١٥) وقوله: ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ مفسر في سورة الحديد.

قوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله أن يتم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة.

وهذا معنى قول ابن عباس: لا تطفئه كما أطفأت نور المنافقين (١٦) قوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قال: يريد: من إطفاء نور المنافقين وإثبات نور المؤمنين.

(١) في (ك): (من).

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.

(٣) انظر: "معاني القرآن" 3/ 168.

(٤) في (س): (هذا قالا).

(٥) انظر: "جامع البيان" 28/ 108، و"الكشف والبيان" 12/ 151 أ، و"الدر" 6/ 245.

(٦) قرأ عاصم ﴿ نُصُوحًا ﴾ بضم النون، وقرأ الباقون ﴿ نَّصُوحًا ﴾ بفتحها.

انظر: "حجة القراءات" ص 714، و"النشر" 2/ 388، و"الاتحاف" ص 419.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 168، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 303، و"الكشف والبيان" 12/ 151 أ.

(٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 250، و"اللسان" 3/ 646 (نصح).

(١٠) أخرجه ابن جرير 28/ 108، وابن أبي حاتم، والحاكم 2/ 495، وصححه، وعبد الرزاق.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"الدر" 6/ 245.

(١١) في (س): (بن حيان) زيادة.

(١٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 367، عن عمر، وأبي، ومعاذ.

وهو المعنى الذي ذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 160/ ب، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن مجاهد 13/ 568.

(١٣) (الجنة) ساقطة من (س).

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب.

(١٥) قال: الإخزاء يرد على معان يقرب بعضها من بعض.

قال الزجاج: أخزى الله العدو أي أبعده.

وقال غيره: الخزي: الهوان، وأخزاه الله، أي: أهانه.

وقال شمر: أخزيته: فضحته، وفي القرآن: ﴿ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ .

وقال ابن الأنباري: معنى الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة، أو بوقوع في بلاء.

وانظر: "تهذيب اللغة" 7/ 490، و"اللسان" 1/ 829، و"المفردات" (147) (خزي).

(١٦) وهو قول مجاهد، والضحاك، والحسن.

انظر: "تنوير المقباس" 6/ 100، و"تفسير مجاهد" 2/ 684، و"جامع البيان" 28/ 108، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 392، و"المستدرك" 2/ 496.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٩

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ مفسر في سورة براءة (١) (١) عند تفسيره الآية (73) من سورة التوبة قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾ قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: أمره الله بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان.

وزاد عطاء عنه بيانًا فقال: يريد جاهد الكفار بالسيوف والرماح والنبل، والمنافقين باللسان وشدة الانتهار وترك الرفق.

﴿ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ يقال: غلظ الشيء يغلط غلظًا في الخلقة، ثم يقال: رجل غليظ إذا كان فظًّا، وغلظ له القول وأغلظ إذا لم يرفق به ..

والغلظة قوة في القلب على إحلال الألم بصاحبه، كما أن الرفق ضعف القلب عن ذلك.

قال ابن عباس: يريد شدة الانتهار والنظر بالبغضة والمقت.

وقال ابن مسعود: هو أن يكفهر في وجوههم.

<div class="verse-tafsir"

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍۢ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍۢ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠

قوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ﴾ قال صاحب النظم: نظمه: ضرب الله امرأة نوحٍ وامرأة لوط للذين كفروا مثلًا.

ثم بين حالهما فقال: ﴿ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ ﴾ يعني نوحًا ولوطًا.

وقوله: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط إذا نزل به الضيف بالليل أوقدت النار حتى يعلم قومه أنه قد نزل به ضيف، وإذا نزل به بالنهار (١) (٢) وروى الضحاك عنه قال: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين (٣) (٤) وروى أن ابن عباس سئل عن قوله ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ قال: ليس بالزنا، ولكن كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف (٥) وقال مقاتل: كانتا مخالفتين لدينهما (٦) وقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان (٧) هذا ما ذكره المفسرون في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط، وقد حصل من هذا أن خيانتهما لم تكن في بغاء، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يبتليهم الله في نسائهم بفساد، وإنما كانت في الدين (٨) قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أي: لم يدفعا عنهما عذاب الله مع كفرهما.

وقال مقاتل والكلبي (٩) (١٠) وقال صاحب النظم: أي أن من كان كافرًا وكان زوجه ووليه مؤمنًا لم ينفع الكافر إيمان وليه ولا (١١) (١٢) قال أبو إسحاق: أعلم الله أن الأنبياء لا يغنون عمن عمل بالمعاصي شيئًا (١٣) (١٤) (١) في (ك): (النهار) والصواب ما أثبته.

(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 368، و"زاد المسير" 8/ 315، وأخرجه الحاكم وصححه، وابن جرير، وعبد الرزاق نحوه.

انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"المستدرك" 2/ 496، و"الدر" 6/ 245.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 101، و"جامع البيان" 28/ 109، و"الكشف والبيان" 12/ 152 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 393.

(٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 393.

(٥) أخرجه ابن جرير، وذكره الثعلبي بألفاظ مقاربة لما هنا.

انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"الكشف والبيان" 12/ 152 ب.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 101، و"معالم التنزيل" 4/ 386، و"زاد المسير" 8/ 315.

(٨) قال القرطبي: وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكره القشيري.

انظر: "الجامع" 18/ 202، و"أضواء البيان" 8/ 381.

(٩) في (س): (وقوله وقال الكلبي ومقاتل).

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 467، و"الكشف والبيان" 12/ 152 ب.

(١١) (ولا) ساقطة من (س).

(١٢) انظر: " التفسير الكبير" 30/ 51، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 393، و"البحر المحيط" 8/ 294.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 195.

(١٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 169، و"معالم التنزيل" 4/ 368.

<div class="verse-tafsir"

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًۭا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١١

ثم أخبر أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعًا (١) ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ﴾ ، وهي آسية بنت مزاحم، كانت قد آمنت بموسى، وسألت الله بيتًا في الجنة.

فقالت: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ﴾ ومعنى عندك أي لا يتصرف فيه إلا بإذنك، وهو الجنة (٢) (٣) قوله: ﴿ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ﴾ قال مقاتل: وعمله الشرك (٤) (٥) ﴿ وَعَمَلِهِ ﴾ قال: جماعه (٦) ﴿ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ قال الكلبي ومقاتل: المشركين أهل مصر (٧) قال صاحب النظم: وتأويل الآية أن من كان مؤمنًا وعمل صالحًا لم يضره كفر حميمه ووليه وفساده (٨) قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض على الله وأبعدهم من الله.

فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا، أن الله حكم عدل لا يؤاخذ عبدًا إلا بذنبه (٩) وقال مقاتل: يقول لعائشة وحفصة: لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية.

وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم (١٠) (١) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 153/ أ.

(٢) قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار.

انظر: "البحر المحيط" 8/ 194، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394.

قلت: لعل مراد المؤلف -رحمه الله- قرب المنزل من الله تعالى، وأنها أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة، فتكون في الجنان القريبة من العرش، أما إذا كان مراده تأويل معنى ﴿ عِنْدَكَ ﴾ بنفي العلو عن الله تعالى، فهو قول ترده آيات كتاب الله وسنة رسوله -  -، وهو مخالف لما عليه سلف الأمة.

والله أعلم.

(٣) انظر: "جامع البيان" 28/ 110، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394، وأخرج أبو يعلى، والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة نحوه، و"الدر" 6/ 245.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 368.

(٥) في (س): (أبو صالح) زيادة.

(٦) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 153 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.

(٨) لم أجده، وهو ما ذكره غيره من المفسرين.

انظر: "جامع البيان" 28/ 110.

(٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"الدر" 6/ 245، ونسب إخراجه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 202، عن يحيي ابن سلام.

<div class="verse-tafsir"

وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ ١٢

قوله تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ وقد تقدم تفسيره في سورة الأنبياء (١) قال مقاتل: أحصنت فرجها عن الفواحش، وإنما ذكرت بذلك لأنها قذفت بالزنا (٢) (٣) قال الزجاج: والعرب تقول للعفيف: هو نقي الثوب وهو طيب الحُجْزة.

تريد أنه عفيف، وأنشد للنابغة (٤) رقاق النعال طيب حجزاتهم ...

يحيون بالريحان يوم السباسب ونحو هذا قال الفراء، وهو مستقصى فيما تقدم (٥) ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ﴾ أي في فرج ثوبها (٦) قال مقاتل: يعني في الجيب، وذلك أن جبريل مد حبيب درعها بإصبعه ثم نفخ في جيبها، فحملت (٧) (٨) (٩) قوله تعالى: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ﴾ قال مقاتل: يعني بعيسى أنه نبي الله (١٠) (١١) (١٢) وقال أبو علي الفارسي: الكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول، لأن ذلك قد استغرقه.

قوله تعالى: ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ وكأن المعنى: صدقت بالشرائع التي ابتلي بها إبراهيم فأخذت بها وصدقت الكتاب فلم تكذب بها، وإنما سميت الشرائع كلمات كما سميت الشرائع (١٣) ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ وقد مر.

وهذا الذي ذكرناه قول أبي علي (١٤) ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ قال: التي أنزل على إبراهيم وموسى وداود وعيسى (١٥) وقرئ، (وكتابِهِ) على الواحد (١٦) والمراد به الكثرة (١٧) ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا  ﴾ ، فكما أن المراد بنعمة الله الكثرة، كذلك في قوله: (وكتابه) (١٨) قوله تعالى: ﴿ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ قال ابن عباس: من الطائعين لله عز وجل (١٩) قال مقاتل: من المطيعين لربها (٢٠) (٢١) قيل: كانت تصلي بين المغرب والعشاء.

وقال قتادة: كانت من القوم المطيعين (٢٢) ﴿ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ دون القانتات: لأنه أراد القوم، وهو عام، كقوله: ﴿ وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ  ﴾ ، ومعنى من القوم القانتين أي من الذين (٢٣) (٢٤) (١) عند تفسيره الآية (91) من سورة الأنبياء.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 50.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 103، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 169، ونسبه للمفسرين.

(٤) "ديوان النابغة الذبياني" ص 49، و"تهذيب اللغة" 4/ 124، و"اللسان" 1/ 574 (حجز)، و"الخزانة" 4/ 393.

والسباسب والبسابس: القفار، واحدها: سبسب وبسبس، ومنه قيل للأباطيل: الترهات البسابس.

"تهذيب اللغة" 12/ 315 (سب).

(٥) في (س): (ونحو هذا قال الفراء وهو مستقصي فيما تقدم) زيادة، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 169.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 196.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ.

(٨) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 110، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394.

(٩) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 55.

(١١) قرأ بها الحسن، وأبو العالية، وأبو مجلز، وعاصم الجحدري، وغيرهم.

انظر: "زاد المسير" 8/ 316، و"البحر المحيط" 8/ 295.

(١٢) وردت بهذا المعنى في الآيتين (39، 45) من سورة آل عمران، (171) من سورة النساء.

(١٣) (س): (كلمات كما سميت الشرائع) زيادة.

(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 50.

(١٥) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 103، و"الوسيط" 4/ 324.

(١٦) قرأ أبوعمرو وحفص ويعقوب ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ بالجمع، وقرأ الباقون (وكتابه) بالانفراد.

انظر: "حجة القراءات" ص 715، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" ص 419.

(١٧) في (ك): (الكثير).

(١٨) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 304.

(١٩) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 104، و"التفسير الكبير" 30/ 50.

(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 368.

(٢١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 368، و"التفسير الكبير" 30/ 55.

(٢٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، "جامع البيان" 28/ 110.

(٢٣) (س): (أي من الذين) زيادة.

(٢٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 368.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله