الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٧٢-٢٧٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةالله صلّى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَا بَالُ القَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟
قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ» «١» .
انتهى من «التذكرة» .
وقرأ ابن كثير وغيره: «ونُكَفِّرُ» بالنون، ورفع الراء، وقرأ ابن عامر: «وَيُكَفِّرُ» ، بالياء، ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره: «وَنُكَفِّرْ» ، بالنون، والجزمِ، فأما رفْع الراء، فهو على وجهين:
أحدهما: أن يكون الفعْلُ خبر ابتداءٍ، تقديره: ونحن نكفِّر، أو: واللَّه يكفر.
والثَّاني: القطع، والاستِئْناف، والواو لعطْفِ جملةٍ على جملةٍ، والجزمُ في الراءِ أفصحُ هذه القراءات لأنها تؤذن بدُخُول التكفير في الجزاء، وكونه مشروطاً إِن وقع الإِخفاء، وأمَّا رفع الراءِ، فليس فيه هذا المعنى، و «مِنْ» في قوله: مِنْ سَيِّئاتِكُمْ للتبعيضِ المحْضِ، لا أنها زائدةٌ كما زعم قومٌ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: وعدٌ ووعيد.
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)
وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ...
الآية: وَرَدَتْ آثار أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مَنَعَ فُقَرَاء أهْلِ الذمَّة من الصَّدَقَة، فنزلَتِ الآية مبيحةً لهم، وذكر الطبريُّ «٢» أن مَقْصِدَ النبيّ صلّى الله عليه وسلم بمنع
الصدَقة، إِنَّما كان ليُسْلِمُوا، ولِيَدْخُلُوا في الدِّين، فقال اللَّه سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، قال ع «١» : وهذه الصدقةُ التي أبيحَتْ لهم حسبَمَا تضمَّنته هذه الآثار، إِنما هي صدقة التطوُّع، وأما المفروضة، فلا يجزىء دفعها لكَافِرٍ، قال ابن المُنْذِرِ «٢» : إِجماعاً فيما عَلِمْتُ، وقول المَهْدَوِيِّ: إباحتها هذه الآية مردودٌ، قال ابن العَرَبِيِّ «٣» ، وإِذا كان المُسْلِمُ يترك أركان الإِسْلاَم من الصَّلاة، والصيام، فلا تُصْرَفُ إِلَيْه الصدقة حتى يتُوبَ، وسائرُ المعاصِي تُصْرَف الصدَقَةُ إلى مرتكبيها لدخولِهِمْ في اسم المسلمين.
انتهى من «الإِحكام» ، ويعني بالصدقةِ المفروضةَ، والهدى الَّذي ليس على نبيّنا صلّى الله عليه وسلم هو خَلْق الإِيمان في قلوبهم، وأما الهُدَى الذي هو الدعاء فهو عليه صلّى الله عليه وسلم، وليس بمراد في هذه الآية.
ثم أخبرَ سُبْحَانه أنه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وفي الآية ردٌّ على القدريَّة وطوائفِ المعتزلةِ، ثم بيَّن تعالى أنَّ النفقة المقبولَةَ ما كان ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ.
وفي الآية تأويلٌ آخرُ، وهو أنها شهادة مِنَ اللَّهِ تعالى للصحابةِ أنهم إِنما ينفقون ابتغاءَ وَجُه اللَّه سبحانه، فهو خَبَر منه لهم فيه تفضيلٌ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، أي: في الآخرة، وهذا هو بيانُ قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، والخير هنا:
المالُ/ بقرينة الإِنفاق، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنَّه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى ٧١ أالمال، وهذا الذي قلْناه تحرُّزاً من قول عِكْرِمَةَ: كُلَّ خَيْرٍ في كتابِ اللَّهِ، فهو المالُ «٤» .
وقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآية: التقديرُ: الإِنفاق أو الصدقةُ للفقراءِ، قال مجاهد وغيره: المرادُ بهؤلاءِ الفقراءِ فقراءُ المهاجرين من قريش وغيرهم «٥» .
ع «١» : ثم تتناول الآيةُ كلَّ مَنْ دخل تحْتَ صفة الفَقْر غابِرَ الدَّهْر، ثم بيَّن اللَّه سبحانه من أحْوَالِ أولئك الفقراءِ المهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والمعنى: حُبِسُوا، ومُنِعُوا، وتأوَّل الطبريّ «٢» في هذه الآية أنهم هم حاسبوا أَنُفُسِهِمْ بِرِبْقَة الدِّيْن، وقصد الجهاد، وخَوْفِ العَدُوِّ، إِذ أحاط بهم الكُفْر، فصار خوف العدو عذْراً أحْصِروا به.
ع «٣» : كأنَّ هذه الأعذار أحصرتْهم، فالعدُوُّ وكلُّ محيطٍ يحصر، وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ يحتملُ الجهادَ، ويحتمل الدخولَ في الإِسلام، والضَّرْبُ في الأرض: هو التصرُّف في التجارة، وكانُوا لا يستطيعونَ ضَرْباً في الأرض لكون البلادِ كلِّها كفْراً مطبقاً، وهذا في صدْر الهجْرة، وكانوا- رضي اللَّه عنهم- من الانقباض، وترْكِ المسألةِ، والتوكُّلِ على اللَّه تعالى بحيث يحسبهم الجاهلُ بباطنِ أحوالهم أغنياءَ.
ت: واعلم أنَّ المواساة واجبةٌ، وقد خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: «بينما نحن في سفر، مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بصره يمينا وشمالا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ» ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حقّ لأحد منّا في فضل «٤» انتهى.
والتَّعَفُّفِ: تفعُّلٌ، وهو بناءُ مبالغةٍ من: عَفَّ عن الشيْءِ، إِذا أمْسَك عنْه، وتنزَّه عن طَلَبه، وبهذا المعنى فسره قتادةُ وغيره.
ت: مَدَح اللَّه سبحانه هؤُلاءِ السَّادَةَ على ما أعطاهم من غنى النفْسِ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «لَيْسَ الغنى عَنْ كَثْرَةِ المَالِ، وَإِنَّمَا الغنى غِنَى النّفس» «٥» وقد صحّ
عنه صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ، اجعل قُوتَ آلُ مُحَمَّدٍ كَفَافاً» أخرجه مسلم، وغيره «١» ، وعنْدِي أن المراد بالآل هنا متّبعوه صلّى الله عليه وسلم.
وفي سنن ابْن مَاجَة، عن أنسٍ، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ غَنِيٍّ، وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتاً» «٢» ، وروى مسلم والترمذيُّ عن أبي أُمَامة، قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلم: «يا ابن آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسك شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ على كَفَافٍ، وابدأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ من اليد السّفلى» «٣» ، قال أبو عيسى،
واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
انتهى.
وقوله سبحانه: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ: السِّيَما مقصورة: العلامةُ، واختلف المفسِّرون في تعيينها، فقال مجاهد: هي التخشُّع والتواضُع «١» ، وقال الربيعُ، والسُّدِّيُّ:
هي جهد الحاجة، وقَضَفُ الفقر في وجوههم، وقلَّة النعمة «٢» ، وقال ابن زَيْد: هي رِثَّة الثياب «٣» ، وقال قوم، وحكاه مكِّيٌّ: هي أثر السجود «٤» ، قال ع «٥» : وهذا حسنٌ، وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوكِّلين، لا شُغْل لهم في الأغلب إِلاَّ الصَّلاة، فكان أثَرُ السُّجود علَيْهم أبداً، والإِلحافُ، والإلحاح بمعنى، قال ع «٦» : والآية تحتمل ٧٢ أمعنيين/.
أحدهما: نفْي السؤال جملة، وهذا هو الذي عليه الجمهورُ أنهم لا يسألون البَتَّة.
والثاني: نَفْي الإِلحاف فقَطْ، أي: لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل وبإِجمال.
ت: وهذا الثاني بعيدٌ من ألفاظ الآية، فتأمَّله.
ت: وينبغى للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة: وقد قال أهْلُ التوفيق: مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسير، فهو أسير.
انتهى، وذكر