تفسير السمرقندي سورة التحريم

الإسلام > القرآن > تفسير > السمرقندي > تفسير سورة التحريم

تفسيرُ سورةِ التحريم كاملةً من تفسير السمرقندي (بحر العلوم) (أبو الليث السمرقندي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 17 دقيقة قراءة

تفسير سورة التحريم كاملةً (أبو الليث السمرقندي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ ۚ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٢

وهي اثنتا عشرة آية مدنية قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، وذلك أن النبيّ  خلا في يوم لعائشة-  ا- مع جاريته مارية القبطية، فوقعت حفصة على ذلك، فقال لها رسول الله  : «لا تُعْلِمِي عَائِشَةَ» وحرم مارية على نفسه، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فطلق النبيّ  حفصة، فأمر الله تعالى رسوله بكفارة اليمين، لتحريم جاريته على نفسه، وأمره بأن يراجع حفصة، فقال له جبريل: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، ونزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ يعني: مارية تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ يعني: تطلب رضا زوجتك عائشة.

وَاللَّهُ غَفُورٌ فيما حرم على نفسه.

ويقال: غفور لذنب حفصة.

رَحِيمٌ حيث لم يعاقبها.

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ يعني: بيَّن الله لكم كفارة أيمانكم.

ويقال: أوجب الله عليكم كفارة أيمانكم.

وفي الآية وجه آخر روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة-  ا- وعن أبيها قالت: كان رسول الله  يحب الحلو والعسل، وكان إذا صلى العصر، دار على نسائه، فيدنو منهن فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عائشة عن ذلك، فقيل لها: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت لرسول الله  منه.

فقالت: أما والله لنحتالن.

فذكرت ذلك لسودة، وقالت: إذا دخل فإنه سيدنو منك، فقولي له: أكلت المغافير؟

فإنه سيقول لك: لا.

فقولي له: ما هذه الريح؟

وكان رسول الله  يشتد عليه إذا وجد منه الريح، فإنه سيقول لك: حفصة سقتني شربة عسل.

فقولي له: جرست نحلة العُرْفُط يعني: أن تلك النحلة أكلت العرفط، وهو نبات به رائحة منكرة.

وسأقول له ذلك، وقولي له أنت يا صفية.

فلما دخل رسول الله  على سودة، قالت سودة: لقد كدت أن أناديه وإنه لعلى الباب فرقاً منك، فلما دنا مني، قلت: أكلت المغافير؟

قال: لا، قالت: فما هذه الريح؟

قال: سقتني حفصة شربة عسل.

قلت: جرست نحلة العرفط.

فلما دخل على صفية، قالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة، قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟

قال: لا حاجة لي به.

وروى ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس قال: كان رسول الله  شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة، فقالت له: إني أجد منك ريحاً.

ثم دخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحاً.

قال: أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ.

ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ يعني: أوجب عليكم كفارة أيمانكم.

وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ يعني: ناصركم وحافظكم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما قالت حفصة لعائشة في أمر مارية.

الْحَكِيمُ حكم بكفارة اليمين.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًۭا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ ٣ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤

ثم قال عز وجل: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ يعني: أخفى النبي إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً يعني: كلاماً.

فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ يعني: أخبرت بذلك الخبر حفصة عائشة، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني: أظهر الله قولها لرسوله  ، فدعا رسول الله  حفصة، فأخبرها ببعض ما أخبرت عائشة، ولم يخبرها عن الجميع، فذلك قوله: عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ يعني: سكت عن بعض.

ومن هذا قيل: إن الكريم لا يبالغ في العتاب.

قرأ الكسائي: عَرَّفَ بالتخفيف يعني: جازاها ببعضه، والباقون عَرَّفَ بالتشديد يعني: عرف حفصة.

فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ يعني: لما أخبر النبيّ  بذلك الخبر حفصة، قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا يعني: من أخبرك بهذا.

قالَ نَبَّأَنِيَ يعني: أخبرني الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.

قوله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ يعني: عائشة وحفصة، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما يعني: مالت قلوبكما عن الحق.

وذكر عن الفراء أنه قال: معناه إن لا تتوبا إلى الله، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما عن الحق، ويقال: فيه مضمر، ومعناه: إن تتوبا إلى الله يقبل الله توبتكما، ويقال معناه إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما يعني: مالت إلى الحق.

وروى الزهري، عن عبد الله بن عباس قال: كنت مع عمر-  - حين حج، فلما كنا في بعض الطريق، نزل في موضع، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان قال الله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ؟

فقال عمر-  - وا عجبا لك يا ابن عباس.

قال الزهري: كأنه كره ما سأله عنه، ولم يكتمه.

قال: هي حفصة وعائشة-  ما- ثم قال: كنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفقن نساؤنا يتعلمن من نسائهم.

فغضبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني.

فأنكرت أن تراجعني، فقالت ما تنكر أن أراجعك، فو الله إن أزواج النبيّ  لتراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فدخل على حفصة، فذكرت لها، فقالت: نعم.

فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟

لا تراجعي رسول الله  ، ولا تسأليه شيئاً، واسأليني ما بدا لك.

قال: كان لي جار من الأنصار يأتيني بخبر الوحي، وأتاه بمثل ذلك.

قال: فأتاني يوماً فناداني، فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم.

فقلت: ماذا؟

قال: طلق النبيّ  نساءه، فقلت: خابت حفصة وخسرت.

فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله  ؟

قالت: لا أدري، هو ذا معتزلاً في هذه المشربة.

فأتيته، فدخلت فسلمت عليه، فإذا هو متكئ على رمل حصير.

قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت نساءك يا رسول الله؟

قال: لا.

فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن.

فتبسم رسول الله  ، وكان أقسم أن لا يدخل شهراً عليهن، حتى نزل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إلى قوله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما.

ثم قال: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ يعني: تعاونا على أذاه ومعصيته، فيكون مثلكما كمثل امرأة نوح وامرأة لوط، تعملان عملاً تؤذيان بذلك رسول الله  .

قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي تظاهر بالتخفيف، وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد، وكذلك ابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين، لأن أصله تتظاهر.

فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ يعني: وليه وناصره.

وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحابه-  م- قال: حدثنا الفقيه ابن جعفر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن حمدان قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا سعيد بن هشام قال: حدثنا هشام بن عبد الملك، عن محمد بن أبان، عن عبد الله بن عثمان، عن عكرمة في قوله: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ قال أبو بكر، وعمر-  ما- قال عبد الله: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، قال: صدق عكرمة.

ويقال: صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: خيار أصحابه.

ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ يعني: الملائكة أيضاً أنصار النبي  بعد ذلك يعني: مع ذلك أعوان النبيّ  .

<div class="verse-tafsir"

عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًۭا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍۢ مُّؤْمِنَـٰتٍۢ قَـٰنِتَـٰتٍۢ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍۢ سَـٰٓئِحَـٰتٍۢ ثَيِّبَـٰتٍۢ وَأَبْكَارًۭا ٥ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًۭا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌۭ شِدَادٌۭ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ٦ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٧ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةًۭ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٨

ثم قال: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ، فخوفهن الله تعالى بفراق النبيّ  إياهن، وعسى من الله واجب إِنْ طَلَّقَكُنَّ عسى ربه أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً.

قرأ نافع، وأبو عمرو يُبْدِلَهُ بتشديد الدال، والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد.

يقال: بدَّل وأبدل.

خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ يعني: مستسلمات لأمر النبيّ  .

ويقال: يعني: معينات.

ثم قال: مُؤْمِناتٍ يعني: مصدقات في إيمانهن، قانِتاتٍ يعني: مطيعات لله تعالى ولرسوله  ، تائِباتٍ يعني: راجعات عن الذنوب، عابِداتٍ يعني: موحدات مطيعات، سائِحاتٍ يعني: صائمات.

وقال أهل اللغة: إنما سمي الصائم سائحاً، لأن الذي يسيح للعبادة لا زاد معه، يمضي نهاره لا يطعم شيئاً ولذلك سمي الصائم سائحاً، ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً.

الثيبات: جمع الثيب والأبكار: جمع البكر.

وهن العذارى.

ويقال: هذا وعد من الله تعالى للنبي  بأن يزوجه في الجنة، والثيب: هي آسية امرأة فرعون، والبكر: هي مريم أم عيسى-  - وهي ابنة عمران تكون وليته في الجنة، ويجتمع عليها أهل الجنة فيزوج الله تعالى هاتين المرأتين محمدا  .

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: بعدوا أنفسكم عن النار بطاعة الله وطاعة رسوله  .

وَأَهْلِيكُمْ يعني: أهليكم نَارًا بتعليمهم ما ينجيهم منها.

وقال قتادة: مروهم بطاعة الله تعالى، وانهوهم عن معصية الله.

وقال مجاهد: يعني: أوصوا أهليكم بتقوى الله ويقال: أدبوهم وعلموهم خيراً، تقوهم بذلك ناراً وَقُودُهَا يعني: حطبها.

والوقود: ما توقد به النار يعني: حطبها النَّاسُ إذا صاروا إليها وحطبها، وَالْحِجارَةُ قبل أن يصير الناس إليها، وهي حجارة الكبريت.

ثم قال: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ يعني: على النار ملائكة موكلين غلاظ يعني: أقوياء يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ يعني: ليسوا كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة، ولكن يفعلون مَا يُؤْمَرُونَ يعني: لا يفعلون غير ما أمرهم الله تعالى.

ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني: يقول لهم الملائكة يوم القيامة حين يعتذرون: لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني: لا يقبل منكم العذر.

إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: تعاقبون بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي.

ثم أمر المؤمنين بالتوبة عن الذنوب.

فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً يعني: صادقاً في توبته، ويقال: تنصحون لله فيها من غير مداهنة.

وروى سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير قال: سئل عمر بن الخطاب-  - عن التوبة النصوح، فقال: هو الرجل يتوب من عمل السوء، ثم لا يعود إليه أبداً.

وروي، عن ابن عباس أنه قال: توبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإضمار أن لا يعود إليها.

قرأ نافع، وعاصم في إحدى الروايتين تَوْبَةً نَصُوحاً بضم النون، والباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب، فهو صفة التوبة يعني: توبة بالغة في النصح، كما يقال: رجل صبور وشكور.

ومن قرأ بالضم، يعني: ينصحوا بها نصوحاً، كما يقال: نصحت له نصحاً ونصوحاً.

ثم قَالَ: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني: يغفر لكم ما مضى من ذنوبكم إن تبتم.

وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ صار اليوم نصاً لنزع الخافض يعني.

يكفر عنكم في يوم لا يخزي الله النبي.

قال الكلبي: يعني: لا يعذب الله النبي، ويقال: يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة.

وغيره، وتم الكلام.

ثم قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: على الصراط.

وروى الحسن، عن النبي  أنه قال: «مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ نُورُهُ أَبْعَدُ ما بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدنِ أبْيَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُوُرُه لَا يُجَاوِزُ قَدَمَيْهِ» ، فقال: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: يضيء بين أيديهم.

وَبِأَيْمانِهِمْ يعني: عن أيمانهم وعن شمائلهم على وجه الإضمار.

يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا، ذلك حين طفئت أنوار المنافقين، أشفق المؤمنون على نورهم، ويتفكرون فيما مضى منهم من العذاب، فيقولون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا يعني: احفظ علينا نورنا، وَاغْفِرْ لَنا ما مضى من ذنوبنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من إتمام النور والمغفرة.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٩ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍۢ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍۢ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًۭا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١١ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ ١٢

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ يعني: جاهد الكفار بالسيف، وجاهد المنافقين بالقول والتهديد.

وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ يعني: اشدد عليهم، يعني: على كلا الفريقين، يعني: على الكفار بالسيف، وعلى المنافقين باللسان.

وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني: إن لم يرجعوا ولم يتوبوا، فمرجعهم إلى جهنم، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس القرار وبئس المرجع.

قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا يعني: وصف الله شبهاً لكفار مكة، وذلك أنهم استهزءوا وقالوا: إن محمدا  يشفع لنا.

فبيّن الله تعالى أن شفاعته-  - لا تنفع لكفار مكة، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته.

وشفاعة لوط لامرأته.

وذلك قوله: لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ واسمها واعلة، وَامْرَأَتَ لُوطٍ واسمها داهلة.

ويقال: فيه تخويف لأزواج النبيّ  ، ليثبتن على دينه وطاعته.

ثم قال: كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ يعني: نوحاً ولوطاً- عليهما السلام- فَخانَتاهُما يعني: خالفتاهما في الدين.

وروي عن ابن عباس أنه قال: ما زنت امرأة نبي قط، وما كانت خيانتهما إلا في الدين.

فأما امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون، وأما امرأة لوط كانت تدل على الأضياف.

وقال عكرمة: الخيانة في كل شيء ليس في الزنى.

فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: لم يمنعهما صلاح زوجيهما مع كفرهما مّنَ الله شيئا، يعني: من عذاب الله شيئاً.

وَقِيلَ لهما في الآخرة: ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ، فكذلك كفار مكة، وإن كانوا أقرباء النبيّ  ، لا ينفعهم صلاح النبي  .

وكذلك أزواجه، إذا خالفنه.

ثم ضرب الله مثلاً للمؤمنين، فقال عز وجل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: بيَّن الله شبهاً وصفة للمؤمنين الذين آمنوا.

امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ، فإنها كانت صالحة، لم يضرها كفر فرعون، فكذلك من كان مطيعاً لله لا يضره شر غيره ويقال: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، يعني: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون، صبرت على إيذاء فرعون.

إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وذلك أن فرعون لما علم بإيمانها، فطلب منها أن ترجع، فأبت ولم ترجع عن إيمانها، فوتدها بأربعة أوتاد في يديها ورجليها، وربطها وجعل على صدرها حجر الرحى، وجعلها في الشمس.

فأراها الله تعالى بيتها في الجنة، ونسيت ما هي فيه من العذاب، وضحكت، فقالوا عند ذلك: هي مجنونة تضحك، وهي في العذاب.

وروى أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا ذرت، أي: طلعت الشمس وارتفعت، أظلتها الملائكة بأجنحتها، وأريت مقعدها من الجنة.

وروى قتادة، عن أنس، عن النبيّ  أنه قال: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ  وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» .

ثُمّ قال الله عزّ وجلّ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ يعني: ارزقني في الجنة.

وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ يعني: من عذاب فرعون وظلمه.

وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، يعني: من تعييرهم وشماتتهم.

ثم قال عز وجل: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ يعني: واذكر مريم، ويقال: معناه: وضرب الله مثلاً مريم ابنة عمران وصبرها على إيذاء اليهود، الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها يعني: عفت نفسها عن الفواحش.

فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا يعني: أرسلنا جبريل-  - فنفخ في جيب درعها، وذلك قوله: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي: في جيبها، أي روحاً من أرواحنا، وهي روح عيسى-  - وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها أي: صدقت بعيسى-  - ويقال: صدقت بالبشارات التي بشرها بها جبريل.

وَكُتُبِهِ يعني: آمنت بكتاب الله تعالى وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وَكُتُبِهِ يعني: الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والباقون بكتابه يعني: الإنجيل.

وقرأ بعضهم وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها يعني: صار عيسى مخلوقاً بكلمة الله، فصدقت بذلك.

وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ يعني: المطيعين لله.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد