الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 68 القلم > الآيات ١٧-٣٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءة﴿ إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ بَلَوْناهم أهْلُ مَكَّةَ بَلَوْناهم بِالجُوعِ كَرَّتَيْنِ، كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ حَتّى عادَتْ رَمادًا.
الثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ بِبَدْرٍ.
حَكى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ خُذُوهم أخْذًا وارْبُطُوهم في الحِبالِ، ولا تَقْتُلُوا مِنهم أحَدًا، فَضَرَبَ اللَّهُ بِهِمْ عِنْدَ العَدْوِ مَثَلًا بِأصْحابِ الجَنَّةِ.
﴿ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ حَدِيقَةٌ كانَتْ بِاليَمَنِ بِقَرْيَةٍ يُقالُ لَها ضَرَوانَ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ اليَمَنِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ لِقَوْمٍ مِنَ الحَبَشَةِ.
الثّانِي: قالَهُ قَتادَةُ أنَّها كانَتْ لِشَيْخٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ بَنُونَ، فَكانَ يُمْسِكُ مِنها قَدْرَ كِفايَتِهِ وكِفايَةِ أهْلِهِ، ويَتَصَدَّقُ بِالباقِي، فَجَعَلَ بَنُوهُ يَلُومُونَهُ ويَقُولُونَ: لَئِنْ وُلِّينا لَنَفْعَلَنَّ، وهو لا يُطِيعُهم حَتّى ماتَ فَوَرِثُوها، فَقالُوا: نَحْنُ أحْوَجُ بِكَثْرَةِ عِيالِنا مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ ( فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ) أيْ حَلَفُوا أنْ يَقْطَعُوا ثَمَرَها حِينَ يُصْبِحُونَ.
﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ المَساكِينِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: اسْتِثْناؤُهم قَوْلُ سُبْحانَ رَبِّنا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: قَوْلُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْرٌ مِن رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عَذابٌ مِن رَبِّكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عُنُقٌ مِنَ النّارِ خَرَجَ مِن وادِي جَنَّتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ وَهم نائِمُونَ ﴾ أيْ لَيْلًا وقْتَ النَّوْمِ، قالَ الفَرّاءُ: الطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا لَيْلًا.
﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ الشّاعِرُ تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجُونُ البَهِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ، صَرِيمُ.
الثّالِثُ: كالمَصْرُومِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ فِيهِ ثَمَرٌ.
رَوى أسْباطٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (إيّاكم والمَعاصِيَ، إنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ فَيُحْرَمُ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ﴾ الآيَتَيْنِ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ)» .
﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ دَعا بُعْضُهم بَعْضًا عِنْدَ الصُّبْحِ.
﴿ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الحَرْثُ عِنَبًا.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ أيْ عازِمِينَ عَلى صَرْمِ حَرْثِكم في هَذا اليَوْمِ.
﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَكَلَّمُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يُخْفُونَ كَلامَهم ويُسِرُّونَهُ لِئَلّا يَعْلَمَ بِهِمْ أحَدٌ، قالَهُ عَطاءٌ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم.
الرّابِعُ: لا يَتَشاوَرُونَ بَيْنَهم.
﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
﴿ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى غَيْظٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: عَلى جِدٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: عَلى مَنعٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الرّابِعُ: عَلى قَصْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ ايْ يَقْصِدُ قَصْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ.
الخامِسُ: عَلى فَقْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
السّادِسُ: عَلى حِرْصٍ، قالَهُ سُفْيانُ.
السّابِعُ: عَلى قُدْرَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّامِنُ: عَلى غَضَبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
التّاسِعُ: أنَّ القَرْيَةَ تُسَمّى حَرْدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفي قَوْلِهِ: (قادِرِينَ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مُوافاتَهم إلى جَنَّتِهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرُوهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ القادِرَ المُطاعُ بِالمالِ والأعْوانِ، فَإذا ذَهَبَ مالُهُ تَفَرَّقَ أعْوانُهُ فَعُصِيَ وعَجَزَ.
﴿ فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ أيْ أنَّهم لَمّا رَأوْا أرْضَ الجَنَّةِ لا ثَمَرَةَ فِيها ولا شَجَرَ قالُوا إنّا ضالُّونَ الطَّرِيقَ وأخْطَأنا مَكانَ جَنَّتِنا، ثُمَّ اسْتَرْجَعُوا فَقالُوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أيْ حُرِمْنا خَيْرَ جَنَّتِنا، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ جُوزِينا فَحُرِمْنا.
﴿ قالَ أوْسَطُهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أعْدَلَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: خَيْرُهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أعْقَلُهم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَوْلا تَسْتَثْنُونَ عِنْدَ قَوْلِهِمْ ( ﴿ لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ )، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ التَّسْبِيحَ هو الِاسْتِثْناءُ، لِأنَّ المُرادَ بِالِاسْتِثْناءِ ذِكْرُ اللَّهِ، وهو مَوْجُودٌ مِنَ التَّسْبِيحِ.
الثّالِثُ: أنْ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم فَتُؤَدُّوا حَقَّهُ مِن أمْوالِكم.
<div class="verse-tafsir"