تفسير سورة آل عمران الآية ١٤٣ عند الوسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤٣

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ١٤٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة فى سبيله فقال { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } .قال ابن جرير ما ملخصه : كان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهدوا بدراً ، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر ، فيعطون الله من أنفسهم خيرا ، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر ، فلما كان يوم أحد ، فر بعضهم وصبر بعضهم ، حتى أوفى بما كان عاهد الله عليه قبل ذلك ، فعاتب الله من فر منهم بقوله : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } .

.

.

الآية .والخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة فى غزوة أحد ، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام .والمراد بالموت هنا الشهادة فى سبيل الله ، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان إلى الموت .والمعنى : ولقد كنتم - يا معشر المؤمنين - { تَمَنَّوْنَ الموت } ، أى الحرب أو الشهادة فى سبيل الله { مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } أى تشاهدوه وتعرفوا أهواله { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } أى فقد رأيتم ما تتمنونه من الموت بمشاهدة أسبابه وهى الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } أى رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا .{ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } متعلق بقوله { تَمَنَّوْنَ } مبين لسبب إقدامهم على التمنى .

أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه .ففى الجملة الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم ، ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته .والفاء فى قوله { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } للإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام .

والتقدير : إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه رأى العين ، فأين بلاؤكم وصبركم وثباتكم؟

.وقوله { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } جملة حالية من ضمير المخاطبين مؤكدة لمعنى رأيتموه .

أى رأيتموه معاينين له ، وهذا على حد قولك : رأيته وليس فى عينى علة ، أى رأيته رؤية حقيقة لا خفاء ولا التباس .والتعبير بالمضارع { تَنظُرُونَ } يفيد التصوير .

وإحضار الصورة الواقعة فى الماضي كأنها واقعة فى الحاضر ، فيستحضرها العقل كما وقعت ، وكما ظهرت فى الوجود .والنظر الذى قرره الله - تعالى - بقوله { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } يتضمن النظر إلى الموقعة كلها ، وكيف كان النصر فى أول الأمر للمسلمين ، ثم كيف كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنيا .

ثم كيف تفرقت صفوفهم بعد اجتماعها وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها وقوتها .ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت فى معركة ، وليس فى ذلك من بأس ، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق ، لأن المؤمن الصادق هو الذى يتمنى الشهادة فى سبيل الله ومن أجل نصرة دينه ، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لوددت أنى اقتل فى سبيل الله ، ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم أحيا ثم أقتل " .وقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - " اللهم إنى أسألك شهادة فى سبيلك " .

ولكن الذى يكرهه الإسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا يفى بما تمناه ، بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل ما من شأنه أن يتنافى مع الجهاد الحق فى سبيل الله .ولذا قال الآلوسى : " والمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة ، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا ، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم " .فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى يفكروا فى عواقبه ، ويعدوا أنفسهم له ، ويلتزموا الوفاء بما تمنوه عند تحققه ، ولقد رسم النبى صلى الله عليه وسلم الطريق القويم الذى يجب أن يسلكه المسلم في حياته فقال فى حديثه الصحيح :" أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية .

فإذا لقيتموهم فاصبروا .

واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا بأحوال من سبقهم ، وأن يتجنبوا ما كان عليه المكذبون من ضلال وعصيان وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل المصائب والآلام فإن العاقبة لهم ، وأن يعملوا أن الحياة لا تخلو من نصر وهزيمة ، وسراء وضراء حتى يتميز الخبيث من الطيب ، وأن يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق ، وصبر طويل ، وجهاد شديد ، واستجابة كاملة لتعاليم الإسلام وآدابه .

ثم تمضى السورة الكريمة فى حديثها عن غزوة أحد ، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عندما اشيع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ، وترشدهم إلى أن الآجال بيد الله ، وأن المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم فى سبيل إعلاء كلمة الله بدون ضعف أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم فى ذلك ، وأن الله - تعالى - قد تكفل بان يمنح المؤمنين الصادقين المجاهدين فى سبيله أجرهم الجزيل فى الدنيا والآخرة .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله