تفسير سورة النساء الآية ١٥ عند الوسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 4 النساء > الآية ١٥

وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا ١٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

وبعد أن أمر - سبحانه - بالإحسان إلى النساء .

وبمعاشرتهن معاشرة كريمة ، وبين حقوقهن فى الميراث ، أتبع ذلك ببيان حكمه - سبحانه - فى الرجال والنساء إذا ما ارتكبوا فاحشة الزنا فقال - تعالى - : ( واللاتي يَأْتِينَ .

.

.

.

.

تَوَّاباً رَّحِيماً ) .وقوله : ( واللاتي ) جمع التى .

وهى تستعمل فى جمع من يعقل .

أما إذا أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث فإنه يقال : التى تقول : أكرمت النسوة اللاتى حضرن .

وتقول : نزعت الأثواب التى كنت ألبسها .

وهذا هو الرأى المختار .وبعضهم يسوى بينهم فيقول فى الجمع المؤنث لغير العاقل : اللاتى .وقوله ( يَأْتِينَ ) من الإِتيان ويطلق فى الأصل على المجئ إلى شئ .

والمراد به هنا الفعل .

أى واللاتى يفعلن ( الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ) .والفاحشة : هي الفعلة القبيحة .

وهى مصدر كالعافية .

يقال فحش الرجل يفحش فحشا .وأفحش : إذا جاء بالقبح من القول أو الفعل .والمراد بها هنا : الزنا .وقوله : ( مِن نِّسَآئِكُمْ ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ( يَأْتِينَ ) أى : يأتين الفاحشة حال كونهن من نسائكم .والمراد بالنساء فى قوله ( مِن نِّسَآئِكُمْ ) : النساء اللاتى قد أحصن بالزواج سواء أكن مازلن فى عصمة أزواجهن أم لا .

وهذا رأى جمهور الفقهاء .

وبعضهم يرى أن المراد بالنساء هنا مطلق النساء سواء أكن متزوجات أم أبكاراً .والمعنى : أن الله - تعالى - يبين لعباده بعض الأحكام المتعلقة بالنساء فيقول :أخبركم - أيها المؤمنون - بأن اللاتى يأتين فاحشة الزنا من نسائكم ، بأن فعلن هذه الفاحشة المنكرة وهن متزوجات أو سبق لهن الزواج .( فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ) أى : فاطلبوا أن يشهد عليهن بأنهن أتين هذه الفاحشة المنكرة أربعة منكم أى من الرجال المسلمين الأحرار .وقوله : ( فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ) أى فإن شهد هؤلاء الأربعة بأن هؤلاء النسوة قد أتين هذه الفاحشة ، فعليكم فى هذه الحالة أن تحبسوا هؤلاء النسوة فى البيوت ولا تمكنوهن من الخروج عقوبة لهن ، وصيانة لهن عن تكرار الوقوع فى هذه الفاحشة المنكرة ، وليستمر الأمر على ذلك ( حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ) أى حتى يقبض أرواحهن الموت .

أو حتى يتوفاهن ملك الموت .وقوله : ( أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ) أى : أو يجعل الله لهن مخرجا من هذا الإِمساك فى البيوت ، بأن يشرع لهن حكما آخر .وقوله : ( واللاتي ) فى محل رفع مبتدأ .

وجملة ( فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ) خبره .وجاز دخول الفاء الزائدة فى الخبر .

لأن المبتدأ أشبه الشرط فى كونه موصولا عاما صلته فعل مستقبل .وعبر - سبحانه - عن ارتكاب فاحشة الزنا بقوله : ( يَأْتِينَ ) لمزيد التقبيح والتشنيع على فاعلها : لأن مرتكبها كأنه ذهب إليها عن قصد حتى وصل إليها وباشرها .واشترط - سبحانه - شهادة أربعة من الرجال المسلمين الأحرار؛ لأن الرمى بالزنا من أفحش ما ترمى به المرأة والرجل ، فكان من رحمة الله وعدله أن شدد فى إثبات هذه الفاحشة أبلغ ما يكون التشديد ، فقرر عدم ثبوت هذه الجريمة إلا بشهادة أربعة من الرجال بحيث لا تقبل فى ذلك شهادة النساء .قال الزهرى : مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء فى الحدود .وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لا بالسماع ، ولذا قال ( فَإِن شَهِدُواْ ) أى إن ذكروا أنهم عاينوا ارتكاب هذه الجريمة من مرتكبيها .

وشهدوا على ما عاينوه وأبصروه ( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ) .وحتى فى قوله .

( حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ) بمعنى إلى .

والفعل بعدها منصوب بإضمار أن وهى متعلقة بقوله ( فَأَمْسِكُوهُنَّ ) غاية له .والمراد بالتوفى أصل معناه أى الاستيفاء وهو القبض تقول : توفيت مالى الذى على فلان واستوفيته إذا قبضته .

وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك .

والكلام على حذف مضاف أى : حتى يقبض أرواحهن الموت .

أو حتى يتوفاهن ملائكة الموت .و " أو " فى قوله ( أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ) ، للعطف ، فقد عطفت قوله ( يَجْعَلَ ) على قوله : ( يَتَوَفَّاهُنَّ ) فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا .فيكون المعنى .

أمسكوهن فى البيوت إلى أن يتوفاهن الموت ، أو إلى أن يجعل الله لهن سبيلا أى مخرجا من هذه العقوبة .وقد جعل الله - تعالى - هذا المخرج بما شرعه بعد ذلك من حدود بأن جعل عقوبة الزانى البكر : الجلد .

وجعل عقوبة الزانى الثيب : الرجم وقد رجم النبى - صلى الله عليه وسلم - ماعز بن مالك الأسلمى ، ورجم الغامدية ، وكانا محصنين .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : كان الحكم فى ابتداء الإِسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست فى بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ، ولهذا قال - تعالى - : ( واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ) الآية .

فالسبيل الذى جعله الله هو الناسخ لذلك - أى لإمساكهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت - .قال ابن عباس : كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سروة النور فنسخه بالجلد أو الرجم .وكذلك روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة .

وهو أمر متفق عليه .روى الإِمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال : خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا ، الثيب بالثيب .

والبكر بالبكر .

الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة .

والبكر جلد مائة ونفى سنة " .وقد رواه مسلم وأصحاب السننن من طرق عبادة بن الصامت .هذا وما ذكره ابن كثير من أن هذا الحكم كان فى ابتداء الإِسلام ، ثم نسخ بما جاء فى سورة النور وبما جاء فى حديث عبادة بن الصامت ، هو مذهب جمهور العلماء .وقال صاحب الكشاف : ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة ، ويوصى بإمساكهن فى البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال .( أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ) هو النكاح الذى يستغنين به عن السفاح وقيل السبيل : الحد ، لأنه لم يكن مشروعا فى ذلك الوقت .وقال أبو سليمان الخطابى : هذه الآية ليست منسوخة ، لأن قوله ( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ) ألخ ، يدل على أن إمساكهن فى البيوت ممتد إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا ، وذلك السبيل كان مجملا ، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا عنى .

ألخ ، صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها .

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل