تفسير سورة الفتح الآيات ٤-١٠ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 48 الفتح > الآيات ٤-١٠

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِيمَـٰنًۭا مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ٤ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًۭا ٥ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًۭا ٦ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ٨ لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا ٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.

﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.

﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  : هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ.

.

.

﴾ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا.

والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ  بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ.

والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ.

واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ.

وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ.

وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ.

والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ.

والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن نَكَثَ ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿ وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو الجَنَّةُ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله