تفسير سورة الحجرات الآيات ١-٣ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 49 الحجرات > الآيات ١-٣

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

سُورَةُ الحُجُراتِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ رَوى ثَوْبانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي مَكانَ الزَّبُورِ المَثانِيَ، وفَضَّلَنِي رَبِّي بِالمُفَصَّلِ.» أمّا السَّبْعُ الطُّوَلُ فَقَدْ ذَكَرْناها ["عِنْدَ قَوْلِهِ"]: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي  ﴾ .

وأمّا المُئُونَ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي ما ولِيَ الطُّوَلَ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِالمِئِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ سُورَةٍ تَزِيدُ عَلى مِائَةِ آيَةٍ أوْ تُقارِبُها، والمَثانِي: ما ولِيَ المِئِينَ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي دُونَ المِائَةِ، كَأنَّ المِئِينَ مَبادٍ، وهَذِهِ مَثانٍ، وأمّا المُفَصَّلُ: فَهو ما يَلِي المَثانِيَ مِن قِصارِ السُّوَرِ، وإنَّما سَمِّيَتْ مُفَصَّلًا لِقِصَرِها وكَثْرَةِ الفُصُولِ فِيها بِسَطْرِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في أوَّلِ تَفْسِيرِهِ في المُفَصَّلِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مِن أوَّلِ سُورَةٍ " مُحَمَّد " إلى آخِرِ القُرْآنِ.

قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: مِن سُورَةِ [قافْ] إلى آخِرِهِ، حَكاهُ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ.

والثّالِثُ: مِنَ [الضُّحى] إلى آخِرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنْ رَكْبًا مِن بَنِي تَمِيمٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبِدٍ، وقالَ عُمَرُ: أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، وقالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ، فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا ﴾ ، فَما كانَ عُمَرُ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ  [بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ] حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ،» رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.

والثّانِي: «أنَّ قَوْمًا ذَبَحُوا قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمَ النَّحْرِ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ في كَذا وكَذا!

فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وقَدَّمَ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: [أنَّها] نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضُّمْرِيِّ، وكانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سَلِيمٍ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ  ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

ورَوى العَوْفِيُّ عَنْهُ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ.

ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآيَةِ قالَتْ: لا تَصُومُوا قَبْلَ أنْ يَصُومَ نَبِيُّكم.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.

لا تَعْجَلُوا بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ قَبْلَ أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ  أوْ يَفْعَلَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ فُلانٌ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبَيْنَ يَدَيْ أبِيهِ، أيْ: يَعْجَلُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ.

فَأمّا "تُقَدِّمُوا" فَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو رَزِينٍ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ.

وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ.

قالَ الفَرّاءُ: كِلاهُما صَوابٌ، يُقالُ: قَدَّمْتُ، وتَقَدَّمْتُ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: كِلاهُما واحِدٌ؛ فَأمّا "بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ" فَهو عِبارَةٌ عَنِ الأمامِ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ أمامَهُ؛ فالمَعْنى: لا تَقَدَّمُوا قُدّامَ الأمِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَفَعا أصْواتَهُما فِيما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ.

والثّانِي: [أنَّها] نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، فَرُبَّما كانَ إذا تَكَلَّمَ تَأذّى رَسُولُ اللَّهِ  بِصَوْتِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ في المُخاطَبَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: لا تَدْعُوهُ بِاسْمِهِ: يا مُحَمَّدُ، كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا، ولَكِنْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ويا نَبِيَّ اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَحْبَطَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِئَلّا تَحْبَطَ.

وقالَ الأخْفَشُ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وقَدْ قِيلَ مَعْنى الإحْباطِ هاهُنا: نَقْصُ المَنزِلَةِ، لا إسْقاطُ العَمَلِ مَن أصْلِهِ كَما يَسْقُطُ بِالكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ ﴾ تَأْلّى أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ  إلّا كَأخِي السِّرارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي بَكْرٍ: "إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ"، والغَضُّ: النَّقْصُ كَما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا  ﴾ .

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْلَصَها ﴿ لِلتَّقْوى ﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اخْتَبَرَ قُلُوبَهم فَوَجَدَهم مُخْلِصِينَ، كَما تَقُولُ: قَدِ امْتَحَنْتُ هَذا الذَّهَبَ والفِضَّةَ، أيِ: اخْتَبَرَتَهُما بِأنْ أذَبْتَهُما حَتّى خَلَصا، فَعَلِمْتَ حَقِيقَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَبَرَها بِامْتِحانِهِ إيّاها، فاصْطَفاها وأخْلَصَها لِلتَّقْوى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد